دعت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب مجلس النواب اللبناني إلى إدراج اقتراح قانون إلغاء عقوبة الإعدام على جدول أعمال أول جلسة تشريعية مقبلة، والعمل على إقراره، بما يشكّل خطوة تشريعية مفصلية لتعزيز حماية الحق في الحياة وترسيخ التزام لبنان بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
ويأتي هذا النداء في ضوء التقدّم الذي أحرزه اقتراح القانون الرامي إلى إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان، بعد أن ناقشته لجنة حقوق الإنسان النيابية وأقرّته مع بعض التعديلات، تمهيدًا لإحالته إلى الهيئة العامة للمجلس النيابي للتصويت عليه. وناقش مجلس الوزراء اقتراح القانون في جلسته المنعقدة في 20 تشرين الثاني 2025، وأصدر رأيًا خطيًا مفصّلًا من أربع صفحات تضمّن تأييدًا كاملًا للاقتراح، مرفقًا بمطالعتين صادرتين عن وزارة العدل ووزارة الشؤون الاجتماعية. وهي المرّة الأولى التي يُطرح فيها مشروع لإلغاء عقوبة الإعدام بهذا الوضوح على طاولة مجلس الوزراء ويحظى بتأييد رسمي معلَن.
وتشير الهيئة إلى أن لبنان لم ينفّذ أي حكم بالإعدام منذ 17 كانون الثاني 2004، ما يعني أن البلاد تعيش فعليًا منذ أكثر من اثنين وعشرين عامًا في ظل وقف فعلي لتنفيذ هذه العقوبة. كما تظهر المعطيات الدولية الحديثة أنه لم تُسجَّل أي عملية إعدام في لبنان خلال عام 2025، في حين صدرت حالتان على الأقل من أحكام الإعدام الجديدة عام 2024، ليبلغ عدد الأشخاص المعروف أنهم محكومون بالإعدام في لبنان بحلول نهاية عام 2024 نحو 78 شخصًا.
وترى الهيئة أن الإبقاء على عقوبة الإعدام في النصوص القانونية رغم عدم تنفيذها يخلق تناقضًا بين التشريع والممارسة، ويُبقي عشرات الأشخاص تحت وطأة عقوبة نهائية لا رجعة فيها، ما يستدعي معالجة تشريعية واضحة من خلال إلغائها واستبدالها بالعقوبات التي تليها. ولا يتماشى استخدام عقوبة الإعدام مع الحق في الحياة والحق في العيش في مأمن من التعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. يبرز إجماع متزايد على الإلغاء العالمي لعقوبة الإعدام. وقد ألغت حوالى 170 دولة عقوبة الإعدام أو أوقفت العمل بها سواء في القانون أو في الممارسة. ولكن، على الرغم من هذا الاتجاه الذي يدعو إلى إلغاء عقوبة الإعدام، لا تزال تُستخدم في عدد محدود من البلدان، ويعود سبب ذلك إلى حد كبير إلى الأسطورة القائلة بأنها تردع الجريمة. ولا يزال عدد قليل من الدول يسمح أيضًا باستخدام عقوبة الإعدام في جرائم أخرى غير الجرائم بالغة الخطورة، التي تنطوي على القتل عمدًا، بما في ذلك الجرائم المتعلقة بالمخدرات أو تهم الإرهاب.
نص اقتراح القانون
يتضمن اقتراح القانون الرامي إلى إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان المواد التالية:
المادة الأولى:
تُلغى عقوبة الإعدام أينما وردت، لا سيما في قانون العقوبات، وتُستبدل بالعقوبة القصوى التي تليها.
المادة الثانية:
يستفيد المحكومون بعقوبة الإعدام قبل صدور هذا القانون من مفاعيل هذا القانون، مع إمكانية الاستفادة من قانون تنفيذ العقوبات رقم 463/2002 وتعديلاته بالقانون رقم 183/2011.
المادة الثالثة:
يُعمل بهذا القانون فور نشره في الجريدة الرسمية.
التعديل الذي أقرّته لجنة حقوق الإنسان النيابية
أقرت لجنة حقوق الإنسان النيابية إضافة تعديل إجرائي يتعلّق بالمحكومين بالإعدام قبل صدور القانون، وينص على ما يلي:
“إذا تقدّم المحكوم بالإعدام بطلب تخفيض عقوبته، وعارض أهل الضحية ذلك، تؤجّل لجنة تخفيض العقوبات البتّ بالطلب لمدة سنتين، لمرة واحدة فقط، حتى لو كان المحكوم قد سدد ما عليه من تعويضات لأهل الضحية.”
خلفية
اقترح “الهيئة اللبنانية للحقوق المدنية ” قانون جديد لإلغاء عقوبة الإعدام، قدّمته إلى المجلس النيابي بتاريخ 7 تشرين الأول 2025، وسُجّل تحت الرقم 160/2025، موقّعًا من سبعة نواب ينتمون إلى كتل نيابية متنوّعة (الياس حنكش،اسامة سعد المصري، بوليت يعقوبيان، جورج عقيص، فيصل الصايغ، حليمة القعقور، ميشال الدويهي) وكانت الهيئة أطلقت على الاقتراح اسم “قانون وليد صلَيبي”، تكريمًا لذكرى المفكّر اللاعنفي الراحل وليد صلَيبي، رائد الحملة الوطنية لإلغاء عقوبة الإعدام في لبنان منذ عام 1997، بالشراكة مع الدكتورة أوغاريت يونان.
وقد استندت الأسباب الموجبة للاقتراح إلى عدد من الاعتبارات، منها وجوب “أنسنة العقوبات” انطلاقا من مسؤولية حضاريّة لتقدّم الأُمم. وبالتفاصيل، ركزت الأسباب الموجبة على المعطيات الآتية:
- انضمام لبنان أمميًّا إلى الدول المناهضة للإعدام، بعد توقيعه في الأمم المتحدة على القرار رقم 194/62 الصادر عام 2007 حول “وقف تنفيذ أحكام الإعدام”، وتصويته ثلاث مرّات متتالية لصالح هذا القرار في العام 2020 والعام 2022 والعام 2024، ما يعكس إرادة واضحة باتجاه رفض حكم الإعدام.
- مرور 21 سنة من دون تنفيذ أيّ إعدام (2025-2004)، ما يعكس أنّ لبنان الرسمي وعلى مرّ عهود مختلفة، ورغم الظروف العامّة القاهرة، أظهر التزامًا متواصلاً بعدم اللجوء إلى تنفيذ أحكام إعدام. وهذا ما يجعل لبنان من البلدان اللاغية لحكم الإعدام في الواقع وفق المعايير الدوليّة، كونه لم ينفذ أي إعدام منذ أكثر من عشر سنوات متواصلة.
- إلغاء القانون 94/302 المعروف بقانون “القاتل” في العام 2001، وقد تحقّق ذلك بتصويت لافت في المجلس النيابي (94%)، ما شكّل بداية المسار القانوني لمناهضة عقوبة الإعدام، تلتها منذ العام 2004 إرادة مستمرة بعدم تنفيذ أحكام الإعدام لغاية تاريخه. بالتالي، بات التوجّه في لبنان يعكس موقفًا مستدامًا لإعادة النظر في هذه العقوبة.
فضلا عن ذلك، نصّت الأسباب الموجبة على موجبات أخرى، منها أنّ لبنان عضو مؤسِس في منظومة حقوق الإنسان وعدد من الصكوك والاتفاقيّات العالميّة والإقليميّة التي تساند الحقّ في الحياة كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي بات جزءًا لا يتجزأ من مقدّمة الدستور اللبناني الجديد، وبالتالي مُلزم للبنان. إضافة إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيّة والسياسيّة، وبالأخصّ البروتوكول الاختياري الثاني الملحق به حول إلغاء عقوبة الإعدام (وتجدر الإشارة إلى أنّ لبنان لم يبرم هذا البروتوكول حتى الآن)، واتفاقيّة حقوق الطفل والميثاق العربي لحقوق الإنسان وسواها.
ويضاف إلى كلّ ما تقدم ضرورة معالجة أسباب الجريمة أوّلاً عبر تطوير سياسة الوقاية المسبقة للحدّ من الجرائم، بعد أن تبيّن أنّ لا علاقة بين تطبيق الإعدام وردع الجريمة. وهذا ما اختبره لبنان فعليًّا حسبما جاء في ألأسباب الموجبة، حين جرى إعدام 14 شخصًا خلال 4 سنوات (1998-1994) بحجّة التشدّد بعد الحرب، والنتيجة كانت أنّ الجرائم استمرّت وعقوبة الإعدام لم تكن لا الرادع ولا الحلّ.
هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية)

