تشهد الساحة اللبنانية في المرحلة الراهنة تحوّلات عميقة في تنظيم قطاع الاتصالات، في ظل قرارات وإجراءات متسارعة تمسّ البنية القانونية والمؤسساتية لهذا القطاع الحيوي، وتطرح تساؤلات جوهرية تتعلّق بالسيادة الرقمية، وحماية المال العام، وضمان الحقوق الأساسية للمستخدمين. وفي هذا السياق، أصدرت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب رأياً قانونياً موسّعاً تناول ثلاث محطات أساسية، هي: توسيع ترخيص خدمات الإنترنت الفضائي “ستارلينك”، وآليات إزالة الشبكات غير المرخّصة ونقل المشتركين، ومسار إنشاء شركة “ليبان تلكوم” تطبيقاً لقانون الاتصالات رقم 431/2002.
بحسب الرأي القانوني فإنّ هذه القرارات، وإن بدت في ظاهرها تقنية أو تنظيمية، تؤسّس لتحوّل بنيوي في إدارة قطاع الاتصالات، قد يؤدي إلى إعادة توزيع القيمة الاقتصادية والرقمية خارج الأطر السيادية والمؤسساتية، بما ينعكس مباشرة على حقوق الأفراد، ولا سيّما الحق في الخصوصية، والحق في الوصول العادل إلى الإنترنت، ومبدأ المساواة وعدم التمييز، فضلاً عن تأثيرها على مستقبل الدور التنظيمي للدولة اللبنانية في هذا القطاع الاستراتيجي.
رأي قانوني حول تحوّلات تنظيم قطاع الاتصالات في لبنان وأثرها على السيادة الرقمية والحقوق الأساسية
انطلاقاً من أحكام القانون رقم 62/2016، ولا سيّما المادة 15 منه، تتمتّع الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان بصلاحية أصيلة في إبداء الرأي، سواء بناءً على استشارة من المراجع المختصة أو بمبادرة منها، في جميع التشريعات والمراسيم والقرارات ومشاريعها كلّما اتصلت باحترام معايير حقوق الإنسان. ولا يقتصر هذا الدور على إبداء الملاحظات الشكلية أو التقنية، بل يمتد ليشمل تقييم الأثر القانوني والحقوقي للتشريعات والسياسات العامة، وقياس مدى توافقها مع الدستور اللبناني والالتزامات الدولية التي تعهّد بها لبنان، بما في ذلك العهود والاتفاقيات ذات الصلة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والحق في الوصول إلى المعلومات.
وانطلاقاً من هذه الولاية، يأتي هذا الرأي القانوني لمعالجة ثلاثة مسارات تنظيمية أساسية يشهدها قطاع الاتصالات في لبنان، وهي:
- توسيع ترخيص خدمات الإنترنت الفضائي “ستارلينك” تحت ذريعة الظروف الاستثنائية،
- القرار رقم 4/2026 الصادر عن الهيئة المنظمة للاتصالات بشأن إزالة الشبكات غير المرخصة ونقل المشتركين،
- المسار المتعلق بتطبيق المرسوم رقم 13944/2005 وإنشاء شركة “ليبان تلكوم”.
تكمن أهمية هذه المعالجة في أن هذه القرارات لا تمثّل إجراءات تقنية منفصلة، بل تشكّل تحوّلاً بنيوياً في تنظيم القطاع، يمسّ عناصر أساسية من النظام القانوني والاقتصادي، وفي مقدمتها السيادة الرقمية، وإدارة المال العام، ودور الدولة كمرفق عام ضامن، إضافة إلى منظومة الحقوق الأساسية، ولا سيّما الحق في الخصوصية، والحق في الوصول إلى الإنترنت، ومبدأ المساواة وعدم التمييز.
وتُظهر القراءة المتكاملة لهذه المسارات أنها تتقاطع في إعادة توزيع القيمة داخل القطاع، سواء عبر إدخال مزوّدين خارجيين خارج الإطار السيادي، أو نقل قاعدة المشتركين إلى السوق دون استعادتها للدولة، أو الدفع نحو إنشاء كيان مؤسسي دون استكمال شروطه البنيوية. وهو ما يستدعي تقييماً شاملاً لا يقتصر على قانونية كل قرار على حدة، بل يمتد إلى أثرها التراكمي على النظام العام والحقوق الأساسية.
يتبيّن أن هذه القرارات تتقاطع في إشكالية بنيوية واحدة تتمثل في الانتقال من منطق التنظيم العام القائم على حماية المصلحة العامة إلى منطق إعادة توزيع القيمة خارج الأطر المؤسساتية، وهو ما ينعكس مباشرة على السيادة الرقمية من خلال تفكيك السيطرة على البيانات، وعلى الحق في الخصوصية نتيجة غياب الضمانات الرقابية، وعلى الحق في الوصول إلى الإنترنت عبر تعميق الفجوة الرقمية، وعلى مبدأ المساواة بسبب اختلال تكافؤ الفرص، فضلاً عن المساس بحماية المال العام من خلال نقل القيمة الاقتصادية دون مقابل عادل، وتقويض مبدأ المشروعية عبر تحويل الاستثناء إلى قاعدة. وبناءً عليه، توصي الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان بإخضاع جميع القرارات للمسار القانوني السليم وتعزيز الرقابة المؤسسية، واستعادة الأصول الاستراتيجية ولا سيّما قاعدة المشتركين ضمن الشبكة الوطنية، واعتماد إطار تشريعي واضح لتنظيم خدمات الإنترنت الفضائي بما يحفظ السيادة الرقمية، وضمان حماية البيانات والخصوصية وفق المعايير الدولية، وتعزيز الحوكمة والفصل بين التنظيم والتشغيل، وضمان الشفافية في إدارة الأصول العامة وتقييمها، وحماية حقوق العاملين ضمن إطار قانوني واضح، واعتماد خطة وطنية متكاملة تضمن وصولاً عادلاً وآمناً ومستداماً إلى خدمات الاتصالات لجميع الأفراد دون تمييز.
توسيع ترخيص خدمات “ستارلينك” في لبنان
يشكّل القرار الصادر عن الحكومة اللبنانية[1] بتاريخ 5 آذار/مارس 2026، والقاضي بتوسيع نطاق الترخيص الممنوح لخدمات الإنترنت الفضائي “ستارلينك”، نموذجاً واضحاً لاستخدام مفهوم “الظروف الاستثنائية” لتبرير إجراءات تمسّ جوهر النظام القانوني والحقوقي في الدولة.
إذ لم يقتصر هذا القرار على تعديل تقني أو إداري محدود، بل أرسى واقعاً تنظيمياً جديداً في قطاع الاتصالات، من خلال توسيع دائرة المستفيدين ومنح صلاحيات واسعة لوزير الاتصالات، متجاوزاً الأطر القانونية والمؤسساتية الناظمة لهذا القطاع الحيوي. وعليه، فإن تقييمه يستوجب مقاربة شاملة تربط بين قواعد المشروعية الإدارية، ومبدأ سيادة الدولة على مواردها، والالتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان.
أول ما يلفت في القرار هو توسيع نطاق المستفيدين ليشمل جهات حكومية وسفارات ومنظمات غير حكومية، من دون تحديد دقيق لهذه الفئات أو تعريف واضح لماهية “الأغراض الإنسانية” التي تبرر الاستفادة من الخدمة. ولا يمكن اعتبار هذا الغموض مجرد نقص تقني في الصياغة، بل يشكّل إخلالاً بمبدأ اليقين القانوني، الذي يفرض وضوح القواعد القانونية وقابليتها للتطبيق دون لبس. فترك هذه المفاهيم مفتوحة يمنح الإدارة سلطة تقديرية واسعة قد تؤدي إلى تطبيق انتقائي أو تمييزي، بما يقوّض مبدأ المساواة أمام القانون ويهدد الحقوق الأساسية.
ويزداد هذا الخلل مع منح وزير الاتصالات صلاحيات واسعة تشمل تحديد الجهات المستفيدة وعدد الأجهزة والحصول على الموافقات الأمنية. فهذا التفويض يتجاوز الصلاحيات التنفيذية العادية، إذ يجمع بين وظائف تنظيمية وأمنية في يد سلطة واحدة، ما يشكّل خروجاً عن مبدأ فصل السلطات ويضعف آليات الرقابة المؤسسية. وكان الأجدر إخضاع هذه القرارات لهيئات مستقلة أو لآليات رقابية جماعية ضمن إطار قانوني واضح.
كما يتعدّى القرار حدود التفويض إلى تجاوز المسار القانوني الواجب اتباعه، إذ أُجيز تنفيذه فوراً رغم عدم استكمال شروطه القانونية، ولا سيّما استشارة مجلس شورى الدولة أو المرور عبر الهيئة الناظمة للاتصالات، بذريعة الظروف الاستثنائية، علما أن القرار طلب من الهيئة المنظمة للاتصالات، العمل وفق الأصول القانونية على تعديل قرارها رقم 2 تاريخ 2026/1/22 (الشروط الفنية والتشغيلية والاستثمارية الخاصة بالترخيص لشركة ستارلينك لبنان ش.م.ل)[2] لجهة إضافة بند على المادة الأولى منه المتعلقة بنطاق عمل الترخيص، بحيث يسمح للشركة المرخص لها ببيع وتسويق وبرمجة وصيانة خدمات الإنترنت عالية السرعة للجهات الحكومية (وزارات ومؤسسات عامة) والسفارات والمنظمات غير الحكومية لأغراضها الرسمية والإنسانية.
غير أن هذا التبرير لا يصمد أمام المبادئ المستقرة في القانون الإداري، إذ لا يجوز إنشاء أثر قانوني قبل استيفاء شروطه الشكلية والموضوعية، ما يجعل القرار مشوباً بعيب جوهري في الشكل والإجراءات، وقابلاً للطعن أمام القضاء الإداري.
يتضمن القرار السماح باستخدام خدمات “ستارلينك” دون إنشاء مركز تحكم أمني في قطر بحلول شهر ايار/مايو المقبل، كان يُفترض أن يشكّل ضمانة أساسية لحماية البيانات ومراقبة الاستخدام. ولا يمكن اعتبار هذا الإجراء مجرد تسهيل مؤقت، بل هو تفريغ لضمانة قانونية وأمنية جوهرية، إذ إن أي تدخل في الاتصالات يجب أن يستوفي شروط الشرعية والضرورة والتناسب وفق القانون الدولي لحقوق الإنسان، وهي شروط لا يمكن تحققها في غياب إطار رقابي فعلي. وعليه، فإن هذا التدبير قد يشكّل انتهاكاً مباشراً للحق في الخصوصية، ويعرّض بيانات المستخدمين لمخاطر غير محددة.
ويرتبط ذلك مباشرة بمسألة السيادة الرقمية، إذ إن خدمات الإنترنت الفضائي تنقل البيانات مباشرة إلى خوادم خارجية دون المرور بالبنية التحتية الوطنية، ما يؤدي عملياً إلى خروجها من نطاق الولاية القضائية اللبنانية. ويُعدّ ذلك مساساً بأحد أبرز أبعاد السيادة الحديثة، التي لم تعد تقتصر على الأرض، بل تمتد إلى الفضاء الرقمي والبيانات، ويطرح إشكاليات جدية حول قدرة الدولة على حماية أمنها المعلوماتي وضمان حقوق مواطنيها.
ولا يمكن فصل هذه الإشكاليات عن تأثير القرار على الحق في الوصول إلى الإنترنت، بوصفه حقاً أساسياً من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. فارتفاع كلفة خدمات “ستارلينك” يحصرها بفئات محدودة، ما يعمّق الفجوة الرقمية، في حين أن إضعاف الشبكة الوطنية لصالح خدمات خارجية قد يؤدي إلى تراجع الاستثمار في البنية التحتية المحلية، ويهدد استدامة الخدمة وتكافؤ فرص الوصول إليها. كما أن ربط الخدمة باعتبارات خارجية يعرّض استمرارية الاتصال لمخاطر لا تملك الدولة السيطرة عليها.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن إدخال هذه الخدمات بصورة غير منظّمة يهدد قطاع الاتصالات الوطني، الذي يشكّل أحد مصادر الإيرادات الأساسية للدولة. إذ إن فتح السوق أمام منافس خارجي دون إطار تنظيمي واضح أو شروط تكفل المنافسة العادلة قد يؤدي إلى تراجع الإيرادات وإضعاف القدرة الاستثمارية للقطاع، مع تجاهل بدائل تقنية محلية يمكن أن تحقق الغاية دون المساس بالسيادة أو الحقوق.
وفي مواجهة هذه الإشكاليات، تستند الحكومة إلى مفهوم “الظروف الاستثنائية”، إلا أن هذا المفهوم يبقى خاضعاً لشروط صارمة، أبرزها الضرورة والتناسب والمؤقتية وعدم المساس بجوهر الحقوق. غير أن القرار لا يبدو مستوفياً لهذه الشروط، إذ لم يثبت أنه الخيار الوحيد المتاح أو الأقل مساساً بالحقوق، كما أنه يتجاوز الطابع المؤقت ليؤسس لواقع دائم.
بناءً على ما تقدّم، يتبيّن أن قرار توسيع ترخيص خدمات “ستارلينك” يعاني من اختلالات قانونية جوهرية تمسّ بمبدأ المشروعية، وتؤدي إلى انتهاكات محتملة للحقوق الأساسية، ولا سيّما الحق في الخصوصية، والحق في الوصول العادل إلى الإنترنت، ومبدأ السيادة الرقمية. كما أنه يهدد التوازن المؤسسي في إدارة قطاع الاتصالات ويضعف الثقة في الإطار التنظيمي للدولة.
وعليه، فإن إعادة النظر في هذا القرار، وإخضاعه للمسار القانوني السليم، ووضع إطار تشريعي واضح ينظّم استخدام الإنترنت الفضائي، تمثّل ضرورة ملحّة لضمان حماية الحقوق والمصالح الوطنية في آن واحد.
إزالة الشبكات الانترنت غير المرخصة
إن القرار رقم 4/2026 الصادر عن الهيئة المنظمة للاتصالات[3]، والقاضي بإزالة الشبكات غير المرخصة ونقل المشتركين إلى شبكات “قانونية”، يطرح إشكالية جوهرية تتعلق بطبيعة المعالجة المعتمدة. فبدلاً من أن يشكّل أداة لاستعادة الأصول الاستراتيجية للدولة، يؤدي عملياً إلى إعادة توزيع هذه الأصول داخل السوق. إذ إن قاعدة المشتركين، التي تمثّل اليوم جوهر القيمة الاقتصادية في قطاع الاتصالات، لا يُعاد دمجها ضمن الشبكة الوطنية، بل تُترك لتنتقل إلى مشغّلين مرخّصين، ما يكرّس واقعاً نشأ خارج القانون ويثبّته.
ولا يتوافق هذا المسار مع الغاية الأصلية لقانون الاتصالات رقم 431/2002، الذي هدف إلى تجميع عناصر القطاع ضمن كيان وطني موحّد هو “ليبان تلكوم”، بل يشكّل انحرافاً عن هذه الغاية، ويؤدي إلى تفريغ المشروع من مضمونه الاقتصادي.
وتُظهر قراءة متأنية للإطار القانوني، ولا سيّما قانون الاتصالات، أن المشرّع لم يكتفِ بوضع قواعد تنظيمية عامة، بل رسم مساراً انتقالياً واضحاً يهدف إلى نقل إدارة القطاع من نموذج الاحتكار الإداري إلى نموذج مؤسسي حديث، قوامه إنشاء شركة وطنية مملوكة للدولة تتجمّع فيها الأصول الأساسية، بما فيها البنية التحتية وقاعدة المشتركين، تمهيداً لتعظيم قيمتها الاقتصادية وإدخال شريك استراتيجي ضمن شروط تضمن مصلحة الدولة.
غير أن التأخر المزمن في تنفيذ هذا القانون، بالتوازي مع نمو الشبكات غير المرخصة وتراكم واقع موازٍ خارج الإطار التنظيمي، أدى إلى تحوّل بنيوي في طبيعة القيمة داخل القطاع، بحيث انتقلت من البنية التحتية إلى البيانات وقاعدة المشتركين والوصول المباشر إليهم. وفي هذا السياق، فإن أي قرار تنظيمي لا يأخذ بعين الاعتبار هذا التحول يصبح عرضة لأن يكرّس نتائج هذا الانحراف بدل تصحيحه.
ومن هذا المنطلق، ينطوي القرار رقم 4/2026 على انحراف عن الغاية التشريعية، إذ يعالج ظاهرة الشبكات غير المرخصة من زاوية إجرائية ضيقة تقتصر على نقل المشتركين إلى شبكات “قانونية”، من دون وضع آلية واضحة لإعادة إدماجهم ضمن الشبكة الوطنية أو استعادة هذه القاعدة لصالح الدولة. وبدلاً من تفكيك البنية الموازية وإعادة تجميع عناصر القيمة ضمن كيان عام، يتيح القرار انتقال المشتركين إلى مزوّدين مرخّصين، غالباً من القطاع الخاص، ما يؤدي إلى تقنين غير مباشر لوضع غير مشروع.
ويشكّل هذا التوجه تعارضاً مع المبادئ العامة للقانون الإداري، التي تفرض أن تهدف القرارات التنظيمية إلى إزالة المخالفة وآثارها، لا إلى إعادة إنتاجها ضمن إطار قانوني شكلي.
ويرتبط ذلك ارتباطاً وثيقاً بمبدأ حماية المال العام، الذي لم يعد يقتصر على الأصول المادية، بل يشمل أيضاً الأصول غير الملموسة، وفي مقدمتها قاعدة المشتركين وحق الوصول إليهم. فهذه القاعدة تمثّل جوهر القيمة الاقتصادية في قطاع الاتصالات، ولا سيّما في ظل اقتصاد البيانات. وعليه، فإن نقل هذه القيمة من الدولة إلى جهات خاصة دون مقابل عادل أو إطار قانوني شفاف قد يشكّل تفريطاً بأحد أهم الموارد العامة.
ويُخشى أن يؤدي القرار، من خلال تمكين المشغلين المخالفين من الاحتفاظ بزبائنهم ضمن إطار قانوني جديد، إلى تكريس ما يشبه “حقوقاً مكتسبة” نشأت أصلاً في سياق غير مشروع، وهو ما يتعارض مع مبدأ عدم جواز الاستفادة من المخالفة، ويطرح إشكاليات جدية في ضوء قواعد العدالة والإنصاف[4].
كما يثير القرار إشكالية إضافية تتعلق بتجاهل الإطار التنفيذي القائم، ولا سيّما المرسوم رقم 9458/2022، الذي وضع آليات أكثر صرامة لمعالجة الشبكات غير المرخصة، بما في ذلك المصادرة أو إعادة الدمج ضمن الشبكة الوطنية. واعتماد مقاربة قائمة على الإنذار والنقل الطوعي، دون تفعيل هذه الأدوات، قد يشكّل إخلالاً بمبدأ تسلسل القواعد القانونية، ويضعف القدرة الردعية للإدارة، ويشجّع استمرار المخالفات مستقبلاً.
ومن زاوية المساواة، يثير القرار تساؤلات جدية حول تكافؤ الفرص بين الفاعلين الاقتصاديين، إذ يبدو أنه يمنح أفضلية غير مباشرة للمشغلين الذين عملوا خارج الإطار القانوني، من خلال تمكينهم من نقل قاعدة زبائنهم دون خسارة فعلية، في حين تحمّل المشغلون الملتزمون كلفة الامتثال منذ البداية. وهذا التفاوت قد يؤدي إلى تشويه المنافسة والإضرار بالمستهلك وجودة الخدمة.
ولا تقل أهمية الإشكاليات التقنية والتشغيلية التي يثيرها القرار، إذ يفرض نقل عدد كبير من المشتركين خلال مهلة زمنية قصيرة نسبياً، من دون نشر دراسات واضحة حول قدرة الشبكات المرخّصة على الاستيعاب أو جاهزية البنية التحتية في مختلف المناطق. كما يغيب عن القرار توفير ضمانات كافية لعدم انقطاع الخدمة أو تدهور جودتها خلال مرحلة الانتقال، ما قد يمسّ بمبدأ استمرارية المرفق العام.
وفي ضوء ما تقدّم، يتضح أن الخطر الأبرز الذي ينطوي عليه القرار لا يقتصر على نتائجه الآنية، بل يمتد إلى تأثيره البنيوي على مستقبل قطاع الاتصالات في لبنان، ولا سيّما على مشروع “ليبان تلكوم”. فإذا ما تم تنفيذ القرار من دون استعادة قاعدة المشتركين إلى الشبكة الوطنية، فإن أي شركة عامة يتم إنشاؤها لاحقاً قد تجد نفسها تمتلك البنية التحتية الأساسية من دون القدرة على الوصول المباشر إلى المشتركين، ما يفقدها عنصر القيمة الأساسي ويجعلها غير قابلة للاستدامة الاقتصادية منذ انطلاقها.
وفي هذا المعنى، قد يتحول القرار عملياً إلى خطوة إضافية في مسار تآكل دور الدولة في القطاع، بما يشبه “المسمار الأخير في نعش ليبان تلكوم”، ليس بفعل نص صريح، بل نتيجة تراكم خيارات تنظيمية غير متكاملة.
وانطلاقاً من ولاية الهيئة في حماية حقوق الإنسان، فإن تنظيم قطاع الاتصالات لا يمكن فصله عن ضمان حقوق الأفراد، ولا سيّما الحق في الوصول إلى خدمات أساسية بشكل عادل وميسور، والحق في بيئة تنافسية سليمة تضمن جودة الخدمة وعدم الاحتكار.
كما أن الحفاظ على دور الدولة في هذا القطاع لا يُعدّ مجرد خيار اقتصادي، بل يرتبط بضمان المساواة وعدم التمييز في الوصول إلى الخدمات، ولا سيّما في المناطق الأقل ربحية التي قد لا تشكّل أولوية للقطاع الخاص.
وعليه، فإن أي مقاربة تنظيمية يجب أن توازن بين مقتضيات ضبط المخالفات وحماية حقوق الدولة من جهة، وضمان حقوق المستهلكين واستمرارية الخدمة من جهة أخرى، ضمن إطار شفاف وخاضع للمساءلة.
التوصيات
بناءً على ما تقدّم، ترى الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان أن القرار رقم 4/2026 بصيغته الحالية يحتاج إلى مراجعة جدية تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد القانونية والاقتصادية والحقوقية المتداخلة، وذلك من خلال:
- تفعيل الآليات القانونية القائمة، ولا سيّما المرسوم 9458/2022،
- اعتماد خطة وطنية متكاملة لاستعادة الأصول الاستراتيجية، وفي مقدمتها قاعدة المشتركين،
- ضمان انتقال القيمة إلى الدولة لا إلى السوق الخاص،
- نشر الدراسات التقنية ذات الصلة وتعزيز الشفافية،
تطبيق المرسوم رقم 13944/2005 وإنشاء شركة “ليبان تلكوم”
في ضوء الإطار القانوني الناظم لإنشاء شركة “ليبان تلكوم”[5]، كما ورد في المرسوم رقم 13944/2005 الصادر تطبيقاً لقانون الاتصالات رقم 431/2002، يتبيّن بوضوح أن المشرّع اللبناني لم يتعامل مع هذه الشركة ككيان إداري عادي، بل كركيزة أساسية لإعادة هيكلة قطاع الاتصالات وتجميع عناصره الاقتصادية ضمن كيان وطني موحّد يمتلك القدرة على إدارة الشبكات والبنى التحتية واستثمارها بصورة شاملة.
فقد نصّ النظام التأسيسي للشركة على أن نطاق عملها لا يقتصر على تقديم خدمات الاتصال، بل يشمل إنشاء وتشغيل وصيانة جميع شبكات الاتصالات وتقنيات المعلومات، بما فيها الشبكات السلكية واللاسلكية، والألياف الضوئية، والكابلات البحرية، فضلاً عن إدارة الأنظمة المرتبطة بنقل البيانات والصوت والصورة بكافة أشكالها. ويؤكد ذلك أن الشركة صُمّمت لتكون الفاعل المركزي الذي يسيطر على سلسلة القيمة الكاملة في القطاع، من البنية التحتية إلى الخدمة النهائية.
غير أن هذا التصوّر التشريعي لا يمكن فصله عن الواقع العملي الذي نشأ نتيجة تعطيل تنفيذ القانون لأكثر من عقدين، حيث بقيت عناصره الجوهرية، ولا سيّما إنشاء الشركة، دون تطبيق فعلي. وقد أدى ذلك إلى نشوء نظام مزدوج يجمع بين إدارة رسمية مركزية وواقع موازٍ غير منظّم، ساهم في نقل تدريجي للقيمة الاقتصادية من الدولة إلى جهات خاصة، في ظل غياب الحوكمة الفعالة وتداخل الأدوار بين الجهة المنظمة والجهة المشغّلة.
وقد أفضى هذا الواقع إلى ترسيخ اختلالات بنيوية عميقة، لم تعد القيمة فيها مرتبطة فقط بالبنية التحتية أو الرخصة، بل أصبحت تتمحور حول البيانات وقاعدة المشتركين والوصول المباشر إليهم. وهو تحوّل جوهري يفرض مقاربة مختلفة عند التفكير في إعادة إطلاق المشروع.
وتزداد خطورة هذا التحليل في ضوء التطورات الراهنة المرتبطة بمحاولات إعادة إحياء “ليبان تلكوم”، والتي تثير مخاوف جدية من إنشاء الشركة بصورة شكلية أو متسرعة، من دون استكمال المتطلبات القانونية والتنظيمية الأساسية، ولا سيّما تلك المتعلقة بنقل الأصول، وتحديد الملكية، وضمان الشفافية.
وتشير بعض المقاربات المطروحة إلى احتمال استبدال شكلي لهيئة “أوجيرو” بشركة جديدة تحمل اسم “ليبان تلكوم”، من دون أن يرافق ذلك نقل فعلي ومنظّم للأصول والحقوق والالتزامات، الأمر الذي قد يؤدي إلى إنشاء كيان قانوني فارغ من مضمونه الاقتصادي، بالتوازي مع تفكيك الكيان القائم وتجريده من عناصر قوته.
وتتفاقم هذه المخاطر في حال اقترن هذا المسار بإدخال شريك استراتيجي إلى رأسمال الشركة، في ظل غياب تقييم شفاف ودقيق للقيمة الفعلية للأصول، ولا سيّما الأصول غير الملموسة مثل قاعدة المشتركين والبنية التحتية للشبكة. إذ إن أي خصخصة جزئية في هذا السياق قد تعادل، من الناحية الاقتصادية والقانونية، بيع أصول الدولة الاستراتيجية بأسعار متدنية لا تعكس قيمتها الحقيقية، بما يفتح المجال لتحقيق مكاسب غير متكافئة على حساب المال العام.
كما يثير هذا المسار إشكاليات جدية تتعلق بمبدأ الشفافية وبواجب الإدارة في حماية الموارد العامة ومنع التفريط بها، ولا سيّما في قطاع يُعدّ من آخر القطاعات الإنتاجية في الدولة اللبنانية.
ولا تقل أهمية الإشكاليات المرتبطة بحقوق العاملين، إذ إن أي إعادة هيكلة لا تستند إلى إطار قانوني واضح يضمن حقوق الموظفين المكتسبة، بما في ذلك الاستقرار الوظيفي والضمانات الاجتماعية وسلالم الرواتب، من شأنها أن تخلق حالة من عدم اليقين القانوني، وتفتح الباب أمام نزاعات إدارية وقضائية، وتؤثر سلباً على استمرارية المرفق العام. وهو ما يستوجب تثبيت هذه الحقوق ضمن نصوص قانونية واضحة، لا تركها لترتيبات مؤقتة.
ومن الناحية الاقتصادية والتنظيمية، يتبيّن أن الانتقال إلى “ليبان تلكوم” لا يمكن أن يكون خطوة فورية أو معزولة، بل يفترض مساراً انتقالياً مدروساً يستند إلى استعادة القيمة الفعلية للقطاع، ولا سيّما من خلال معالجة ملف الشبكات غير الشرعية التي تضم مئات آلاف المشتركين. إذ إن وجود ما يقارب 900 ألف اشتراك خارج الإطار القانوني يشكّل خللاً بنيوياً يحول دون قيام أي شركة وطنية بدورها الكامل، ما لم تتم إعادة دمج هذه القاعدة ضمن الشبكة الوطنية وفق آليات واضحة وملزمة وعلى مدى زمني كافٍ.
وعليه، فإن أي مقاربة تتجاهل هذه المتطلبات، أو تسعى إلى تسريع إنشاء الشركة وإدخال شركاء فيها قبل استكمال عملية استعادة القيمة، تؤدي عملياً إلى تقويض المشروع من أساسه، وتحويله إلى أداة لنقل الأصول بدل تجميعها.
التوصيات
بناءً على ما تقدّم، توصي الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان باعتماد مقاربة متكاملة لإنشاء شركة “ليبان تلكوم”، ترتكز على ما يلي:
- استكمال الإصلاح التشريعي والتنظيمي لقطاع الاتصالات، بما يضمن تطبيق قانون الاتصالات رقم 431/2002 بصورة كاملة وتحديث الأطر القانونية بما يتلاءم مع التحولات في اقتصاد البيانات.
- استعادة الأصول الاستراتيجية للقطاع، ولا سيّما قاعدة المشتركين، وإعادة دمجها ضمن الشبكة الوطنية، بما يضمن تجميع عناصر القيمة داخل كيان عام.
- تعزيز الحوكمة الرشيدة من خلال الفصل الواضح بين مهام التنظيم والتشغيل، وتفعيل دور الهيئة الناظمة بما يضمن استقلاليتها وفعاليتها.
- ضمان الشفافية في إدارة الأصول العامة، ولا سيّما في ما يتعلق بتقييم الأصول المادية وغير المادية، ووضع معايير واضحة وعادلة لأي شراكة أو إدخال مستثمرين.
- حماية حقوق العاملين في القطاع، عبر تثبيت حقوقهم المكتسبة ضمن إطار قانوني وتنظيمي واضح يضمن الاستقرار الوظيفي والضمانات الاجتماعية.
وتؤكد الهيئة أن أي انحراف عن هذه التوصيات، أو اعتماد مقاربات متسرعة أو غير متكاملة، من شأنه أن يؤدي إلى تكريس الاختلالات القائمة وتعميقها، بما يهدد مستقبل قطاع الاتصالات ودور الدولة فيه.
الأثر التراكمي للقرارات على السيادة الرقمية والحقوق الأساسية
في ضوء التحليل المتقدّم، يتبيّن أن القرارات الثلاثة، رغم اختلاف طبيعتها الشكلية، تتقاطع في إشكالية بنيوية واحدة تتمثل في الانزلاق التدريجي من منطق التنظيم العام القائم على حماية المصلحة العامة، إلى منطق إعادة توزيع القيمة خارج الأطر السيادية والمؤسساتية، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على منظومة الحقوق الأساسية.
فعلى مستوى السيادة الرقمية، يؤدي إدخال خدمات الإنترنت الفضائي خارج البنية التحتية الوطنية، بالتوازي مع إضعاف قدرة الدولة على استعادة الشبكات غير الشرعية، إلى تفكيك السيطرة القانونية على تدفّق البيانات، بما يحدّ من قدرة الدولة على حماية أمنها المعلوماتي وضمان خضوع البيانات للولاية القضائية الوطنية.
أما في ما يتعلق بـ الحق في الخصوصية وحماية البيانات، فإن تشغيل خدمات خارج إطار رقابي مكتمل، في ظل غياب ضمانات فعالة للإشراف على المعالجة والتخزين، يشكّل إخلالاً بمعايير الشرعية والضرورة والتناسب المنصوص عليها في القانون الدولي لحقوق الإنسان، ويعرّض المستخدمين لمخاطر غير محددة.
وعلى صعيد الحق في الوصول إلى الإنترنت، لا تبدو هذه القرارات معزّزة للوصول العادل والميسور، بل يُخشى أن تؤدي إلى تعميق الفجوة الرقمية، سواء نتيجة ارتفاع كلفة الخدمات الجديدة، أو نتيجة إضعاف الشبكة الوطنية، أو بسبب غياب التخطيط الذي يضمن استمرارية الخدمة وجودتها خلال المراحل الانتقالية.
ومن زاوية المساواة وعدم التمييز، تثير بعض التدابير المعتمدة إشكاليات جدية، لا سيّما من خلال منح أفضلية غير مباشرة لجهات عملت خارج الإطار القانوني، أو حصر خدمات متقدمة بفئات محددة، بما يقوّض تكافؤ الفرص في الوصول إلى الخدمات الأساسية.
وفي ما يتصل بـ حماية المال العام والموارد الاستراتيجية، فإن نقل القيمة الاقتصادية، ولا سيّما قاعدة المشتركين، من الدولة إلى السوق دون مقابل عادل أو إطار شفاف، يشكّل خطراً على أحد أهم الأصول العامة، ويهدد القدرة المستقبلية للدولة على إدارة القطاع أو الاستفادة منه كرافعة اقتصادية.
وأخيراً، على مستوى مبدأ المشروعية وسيادة القانون، فإن التوسّع في استخدام مفهوم “الظروف الاستثنائية” وتجاوز الأطر الإجرائية والمؤسساتية يهددان بتحويل الاستثناء إلى قاعدة، بما يقوّض الضمانات القانونية ويضعف الثقة بالمؤسسات العامة.
[1] سمكس (SMEX)، “بحجة الظروف الاستثنائية: الحكومة اللبنانية توسّع نطاق المستفيدين من ستارلينك وتفوّض السلطة لوزير الاتصالات”، مهدي كريّم، 7 آذار/مارس 2026، متوافر على: https://trimlink.in/tncrA (تاريخ الاطلاع: 21 آذار/مارس 2026).
[2] الهيئة المنظمة للاتصالات (لبنان)، قرار رقم 2/2026 بشأن تحديد الشروط التقنية والتشغيلية والاستثمارية الخاصة بالترخيص لشركة ستارلينك لبنان ش.م.ل.، 22 كانون الثاني/يناير 2026، متاح على:https://is.gd/LvJegH (آخر زيارة 21 آذار/مارس 2026).
[3] الهيئة المنظمة للاتصالات في لبنان، القرار رقم 4/2026: معالجة شبكات الإنترنت غير المرخصة، 5 شباط/فبراير 2026، متوافر على https://www.tra.gov.lb/Library/Files/Uploaded%20files/Decisions/Decision4-2026.pdf (تاريخ الاطلاع: 21 آذار/مارس 2026).
[4] سلوى بعلبكي، النهار، “قرار الهيئة الناظمة… المسمار الأخير في نعش ‘ليبان تلكوم’!,” 9 شباط/فبراير 2026، متاح على: https://is.gd/oCnzEM (آخر زيارة 21 آذار/مارس 2026).
[5]مرسوم رقم 13944 تاريخ 4/1/2005، إنشاء شركة «اتصالات لبنان» والمصادقة على نظامها التأسيسي، مركز المعلوماتية القانونية، الجامعة اللبنانية، متوافر على: http://77.42.251.205/Law.aspx?lawId=245231 (تاريخ الاطلاع: 21 آذار/مارس 2026).




