اعلنت لجنة القانون الدولي الإنساني في الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان[1] ان القصف الإسرائيلي الذي استهدف محيط سدّ القرعون والمنشآت المرتبطة به، ينذر بمخاطر كارثية على السكان المدنيين والبنية التحتية الحيوية والأمن المائي والطاقة في لبنان، وتشكل في الوقت نفسه مساساً خطيراً بمنشآت تتمتع بحماية خاصة بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني. وفي هذا الإطار، شددت اللجنة على أن حماية السدود والمنشآت المحتوية على قوى خطرة تُعد من القواعد الأساسية الراسخة في القانون الدولي الإنساني، نظراً لما قد يؤدي إليه أي استهداف مباشر أو غير مباشر لها من إطلاق قوى مدمّرة تتسبب بخسائر جماعية واسعة النطاق بين المدنيين وتهديد خطير للبيئة والبنى التحتية والخدمات الأساسية. وأكدت اللجنة أن المعطيات التقنية والهندسية المتعلقة بسدّ القرعون تُظهر أن أي خلل إنشائي أو استهداف عسكري في محيطه قد يؤدي إلى تداعيات إنسانية وبيئية جسيمة تمتد آثارها إلى مناطق واسعة من حوض نهر الليطاني وصولاً إلى الساحل اللبناني، الأمر الذي يفرض على جميع أطراف النزاع احترام قواعد التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات الواجبة أثناء العمليات العسكرية.
وفي ضوء خطورة الانتهاكات المبلغ عنها، دعت اللجنة السلطات القضائية اللبنانية، وفي مقدمتها النيابات العامة المختصة، إلى المبادرة الفورية لفتح تحقيقات جنائية وطنية في هذه الاعتداءات. كما أكدت اللجنة أن فتح تحقيقات وطنية فعالة ومستقلة يشكل خطوة أساسية في مسار مكافحة الإفلات من العقاب، وحفظ حقوق الضحايا وذويهم في الحقيقة والعدالة والجبر، إضافة إلى تعزيز قدرة لبنان على اللجوء إلى آليات المساءلة الدولية، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية والولاية القضائية العالمية، في حال توافرت الأركان القانونية للجرائم الدولية المحتملة.
دعوة النيابات العامة إلى التحرك التلقائي لتوثيق الاعتداءات على الأعيان المدنية
تنوه اللجنة بخطوة مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الذي وافق على فتح المحضر وتدوين الإفادة المتعلقة بالاعتداء والأضرار التي لحقت بمحيط سد القرعون، معتبرة أن هذه الخطوة تشكل نموذجاً مهماً في مسار التوثيق القضائي الوطني للاعتداءات والانتهاكات المرتبطة بالنزاعات المسلحة. كما أكدت اللجنة أنه من المحبذ أن تبادر النيابة العامة التمييزية إلى التحرك تلقائياً وفتح محاضر توثيق فور ورود معلومات أو أخبار عن وقوع اعتداءات أو استهدافات، سواء تلك التي تطال الأفراد أو المنشآت العامة والخاصة أو الأعيان المدنية، لما يشكله ذلك من عنصر أساسي في حماية الأدلة وضمان عدم ضياع المعطيات التقنية والقضائية المرتبطة بالانتهاكات المحتملة.
ويشدّد المقرّر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء أو بإجراءات موجزة أو تعسفاً، الدكتور موريس تيدبال-بينز، خلال زيارته الرسمية إلى لبنان بين 29 أيلول و10 تشرين الأول 2025، على الأهمية القانونية العاجلة لفتح تحقيقات جنائية وطنية في الانتهاكات المرتبطة بالاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، معتبراً أن الاكتفاء بالتقارير الإدارية أو الأمنية الأولية لا يفي بالالتزامات المترتبة على الدولة اللبنانية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. وقد ركّز المقرّر الخاص بصورة خاصة على الدور المحوري للنيابات العامة في تحريك الدعوى العامة فور وقوع الانتهاكات المحتملة، باعتبار أن عنصر الوقت يشكل عاملاً حاسماً في المحافظة على الأدلة ومنع ضياعها أو العبث بها أو تدهورها.
وفي هذا السياق، أشار المقرّر الخاص إلى أن العديد من الوقائع المرتبطة بالضربات الإسرائيلية يتم التعامل معها من خلال ما يُعرف بـ “تقارير المعلومات” الأمنية التي تكتفي بتوثيق أولي للوقائع من دون فتح ملفات قضائية فعلية تحت إشراف النيابة العامة، الأمر الذي يؤدي إلى بقاء الأدلة والمعلومات ضمن نطاق إداري داخلي وغير متاح بصورة منهجية للضحايا أو ذويهم. واعتبر أن هذا النهج يهدد سلامة مسار العدالة، لأن غياب التحقيق الجنائي الرسمي يحول دون تثبيت الأدلة وفق الأصول القانونية المعترف بها دولياً، ولا سيما ما يتعلق بسلسلة حفظ الأدلة (Chain of Custody)، والتي تُعدّ شرطاً أساسياً لقبول الأدلة أمام المحاكم الوطنية أو الدولية.
كما أوضح المقرّر الخاص أن فتح التحقيقات الجنائية لا يرتبط فقط بهدف تحديد المسؤوليات الفردية، بل يشكل أيضاً آلية قانونية ضرورية لضمان “الحق في الحقيقة” و”الحق في العدالة” و”الحق في الجبر والتعويض” للضحايا وعائلاتهم. فبموجب المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، تلتزم الدولة بإجراء تحقيقات فعّالة وسريعة ومستقلة ونزيهة في جميع حالات الحرمان التعسفي من الحق في الحياة، بما يشمل الانتهاكات الواقعة أثناء النزاعات المسلحة. وبالتالي، فإن امتناع السلطات القضائية عن فتح تحقيقات فعلية قد يُفسَّر على أنه إخفاق في الوفاء بالتزامات لبنان الدولية المتعلقة بحماية الحق في الحياة ومكافحة الإفلات من العقاب.
وأشار تيدبال-بينز أيضاً إلى أن التحقيقات الجنائية المبكرة تكتسب أهمية مضاعفة في سياق الجرائم الدولية المحتملة، نظراً لأن مسارح الجرائم المرتبطة بالنزاعات المسلحة تكون عرضة بصورة سريعة للتغيير أو التدمير أو إزالة الأنقاض أو التأثر بالعوامل الطبيعية والأمنية. ولذلك، فإن أي تأخير في الانتقال القضائي إلى أماكن الاستهداف قد يؤدي إلى فقدان آثار المقذوفات والشظايا وبقايا الذخائر وآثار المتفجرات والبيانات الرقمية والشهادات الحية، وهي عناصر أساسية لإعادة بناء الوقائع وتحديد طبيعة الأسلحة المستخدمة والجهات المحتملة المسؤولة عن الهجمات. كما شدّد على ضرورة توثيق مواقع الضربات والوفيات والإصابات وفق المعايير الدولية، ولا سيما بروتوكول مينيسوتا لعام 2016 بشأن التحقيق في حالات الوفاة غير المشروعة.
وفي إطار توصياته الختامية، دعا المقرّر الخاص السلطات اللبنانية إلى فتح تحقيقات جنائية في جميع الوفيات التي يحتمل أن تكون غير مشروعة، بما فيها تلك الناجمة عن الهجمات الإسرائيلية، وإحالة القضايا، عندما تتوافر الأدلة الكافية، إلى المحاكم المدنية المختصة. كما أوصى بإنشاء وحدة متخصصة داخل مكتب النيابة العامة للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، بما يشمل جرائم الحرب والانتهاكات المرتبطة بالنزاعات المسلحة. واعتبر أن تطوير هذا المسار القضائي الوطني يشكل خطوة أساسية ليس فقط لحماية حقوق الضحايا، بل أيضاً للحفاظ على إمكانية اللجوء مستقبلاً إلى آليات العدالة الدولية، بما فيها الولاية القضائية العالمية أو المحكمة الجنائية الدولية، في حال تعذر تحقيق المساءلة الكاملة على المستوى الوطني.
دور المصلحة الوطنية لنهر الليطاني في توثيق الأضرار والمخاطر
تشيد لجنة القانون الدولي الإنساني في الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان بالدور الذي قام به رئيس مجلس إدارة المصلحة الوطنية لنهر الليطاني الدكتور سامي علوية، الذي بادر إلى تكليف المهندس في المصلحة محمد كمال عمر بالتوجه إلى مخفر القرعون التابع لقوى الأمن الداخلي وطلب تنظيم محضر رسمي لتثبيت الأضرار التي لحقت بالسد ومحيطه، بالإضافة إلى إرفاق تصور فني يتضمن سيناريوهات مخاطر انهيار سد القرعون والمناطق المعرضة للفيضانات المحتملة في حال حصول أي خلل إنشائي أو استهداف للسد. واعتبرت اللجنة أن هذا الإجراء يعكس إدراكاً لمسؤولية المؤسسات العامة في التوثيق الاستباقي للمخاطر والانتهاكات، ويؤسس لقاعدة بيانات تقنية وقانونية يمكن البناء عليها في أي مسار مساءلة لاحق. وأكدت اللجنة أنها ستتابع عملية التوثيق بالاستناد إلى هذا المحضر الرسمي، وستعتمد رقم المحضر وتاريخه في جميع أعمال التوثيق والتحليل القانوني المرتبطة بهذا الاعتداء، باعتبار أن هذا المحضر يشكل مرجعاً قضائياً أساسياً في مسار المساءلة القضائية، سواء على مستوى تحديد الجناة المحتملين أو توصيف الأفعال المرتكبة والتكييف القانوني للجرائم الفردية المحتملة، تمهيداً للمساءلة والمحاسبة ضمن المسارات القضائية الوطنية والدولية، بما في ذلك أمام محكمة الجنايات الدولية أو أمام المحاكم الوطنية التي تعتمد الولاية القضائية العالمية.
بحسب الإفادة التي أدلى بها المهندس الموظف في المصلحة الوطنية لنهر الليطاني محمد كمال عمر، والتي تم تدوينها في المحضر الرسمي، فقد تبيّن بعد الاطلاع على تسجيلات فيديو مصورة من محيط مفيض سد القرعون عند الساعة الثانية بعد الظهر يوم الثلاثاء الواقع فيه 26 أيار 2026، أن المنطقة تعرضت لثلاث غارات متتالية بفارق ثوانٍ معدودة بين الواحدة والأخرى، ما أدى إلى تطاير الصخور والأحجار وإلحاق أضرار بالمنشآت التابعة للسد والمنشأة المعروفة بـ(NPS)، إضافة إلى انقطاع التيار الكهربائي عن بعض المناطق وتضرر كابلات وأعمدة كهربائية وقسم من القناطر الواقعة ضمن المنشأة. وتشير الإفادة التقنية إلى أن المنطقة المستهدفة ليست مجرد طريق عادية أو ممر للسيارات، بل تشكل جزءاً لا يتجزأ من المنشأ الخلفي للسد، وتؤدي وظيفة هندسية أساسية تتمثل في تثبيت الصخور والترسبات ومنع الانزلاق باتجاه قاعدة السد. كما يتضمن الموقع جداراً تدعيمياً هندسياً يهدف إلى حماية جسم السد والحفاظ على استقراره ومنع أي انزلاقات أو تحركات قد تهدد سلامة المنشأة الأساسية. وأوضحت الإفادة أن الطريق المحاذية للسد تشكل جزءاً من منظومة الحماية الهندسية المرتبطة مباشرة بسلامة مرفق الليطاني، فضلاً عن كونها ممراً حيوياً يربط بين الضفتين الغربية والشرقية لنهر الليطاني، الأمر الذي يجعل أي استهداف متكرر لمحيط السد والطريق المذكورة خطراً جدياً على سلامة المنشأة والمنشآت المرتبطة بها.
مخاطر الاستهداف وسيناريوهات انهيار سد القرعون
قد يؤدي الاستهداف المباشر أو غير المباشر لمنشآت سد القرعون إلى مخاطر جسيمة تهدد السلامة العامة، نظراً لما يمثله السد من منشأة مدنية استراتيجية ترتبط بالأمن المائي والطاقة والري في لبنان. كما أن أي خلل إنشائي محتمل قد يؤدي إلى تداعيات كارثية على السكان والبنية التحتية والمنشآت الواقعة أسفل السد، بما في ذلك مخاطر الفيضانات والانهيارات الواسعة. أعدّت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني ضمن برنامج دعم إدارة حوض نهر الليطاني، دراسة تحليلية حول سيناريوهات انهيار سد القرعون والمناطق المعرضة للفيضانات المحتملة في حال حصول أي خلل إنشائي أو استهداف للسد. كما قامت بإعداد خطة طوارئ لإخلاء المناطق المعرّضة للفيضانات في الحوض الأدنى لنهر الليطاني حتى المصب، وتم تحديث هذه الدراسات وإيداعها لدى الجهات الأمنية والإدارية المختصة. وتشير الدراسة الواردة في تقرير “Dam Break Modeling for Qaraoun Dam” الصادر ضمن برنامج دعم إدارة حوض نهر الليطاني عام 2012، إلى أن انهيار سدّ القرعون قد يؤدي إلى واحدة من أخطر الكوارث البيئية والإنسانية في لبنان، نظراً لضخامة حجم المياه المخزّنة وطبيعة الانحدار الحاد لحوض نهر الليطاني الممتد حتى البحر المتوسط.
ويعرض التقرير تصوراً هندسياً مفصلاً لسيناريو انهيار السد باستخدام نموذج HEC-RAS المعتمد من سلاح المهندسين في الجيش الأميركي، بهدف محاكاة تدفق موجة الفيضان الناتجة عن انهيار السد وانتقالها عبر مجرى نهر الليطاني وصولاً إلى الساحل الجنوبي. ويؤكد التقرير أن أخطر سيناريو محتمل يتمثل في تعرّض السد لهزة أرضية قوية تؤدي إلى إضعاف بنيته وحدوث انهيار تدريجي في جسم السد الصخري المغلف بالخرسانة، يتبعه تدفق هائل للمياه نتيجة تجاوزها قمة السد وانجراف الردميات الصخرية. وبحسب نتائج المحاكاة، فإن انهيار السد في حال امتلاء الخزان بالكامل، والذي تبلغ سعته نحو 220 مليون متر مكعب، سيؤدي إلى تدفق مائي هائل تصل ذروته إلى أكثر من 67 ألف متر مكعب في الثانية عند موقع السد، وهي كمية تفوق بأضعاف ضخامة أي فيضان طبيعي مسجل في لبنان. كما أوضحت الدراسة أن موجة الفيضان الأولى ستبلغ ارتفاعاً يقارب 40 متراً في بعض المناطق، مع تسجيل ارتفاعات أكبر في المنعطفات الضيقة للوادي، حيث قد تتجاوز الموجة 50 متراً. وتُظهر الدراسة أن موجة الفيضان ستتحرك بسرعة كبيرة جداً بسبب الانحدار الحاد لوادي الليطاني، إذ يمكن أن تصل إلى البحر خلال نحو ساعتين فقط، بسرعة تقارب 44 كيلومتراً في الساعة.
حدد التقرير أوقات وصول الموجة إلى عدد من المناطق الواقعة أسفل السد، مثل سحمر ويحمر والخردلي وكفرصير، وصولاً إلى السهل الساحلي والقاسمية، ما يترك هامشاً زمنياً محدوداً جداً لعمليات الإخلاء والاستجابة الطارئة. كما يلفت التقرير إلى أن التأثيرات لن تقتصر على الغرق المباشر، بل ستشمل تدمير البنية التحتية والجسور والطرق وشبكات الري والكهرباء، إضافة إلى مخاطر بيئية واسعة نتيجة انجراف الرواسب والملوثات المتراكمة في بحيرة القرعون ومجرى الليطاني نحو المناطق الزراعية والساحلية. ومن شأن ذلك أن يفاقم الأزمة الصحية والبيئية في جنوب لبنان، خصوصاً في ظل التلوث المزمن الذي يعاني منه الحوض المائي للنهر. وفي خاتمة التقرير، أوصى معدّوه بضرورة إعداد خرائط تفصيلية للمناطق المهددة بالغرق، ووضع خطة طوارئ وطنية لحماية المجتمعات الواقعة أسفل السد، تشمل أنظمة إنذار مبكر وخطط إخلاء وتدريب السلطات المحلية والسكان على الاستجابة السريعة. كما شدد التقرير على أهمية تحديث نماذج المحاكاة بشكل دوري وربطها ببرامج مراقبة السلامة الزلزالية والهيدرولوجية للسد.
التوثيق القضائي والتقني كمدخل للمساءلة والمحاسبة الدولية
تلفت لجنة القانون الدولي الإنساني في الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان إلى أن وجود مثل هذه الدراسات يعكس حجم الأخطار الحقيقية التي قد تترتب على أي استهداف للسد أو لمنشآته، ويؤكد أن أي هجوم يقع بالقرب من هذه المنشآت يجب تقييمه في ضوء مبدأ الاحتياطات الواجبة ومبدأ التناسب المنصوص عليهما في القانون الدولي الإنساني. كما أشارت اللجنة إلى أن عدداً من المشاريع الوطنية والاستراتيجية الممولة من البنك الدولي ترتبط بصورة مباشرة باستمرار تشغيل منشآت سد القرعون، ومن بينها مشاريع جر المياه إلى مدينة بيروت، ومشاريع تأهيل معامل الليطاني الكهرومائية ضمن برامج الطاقة المتجددة، ما يجعل أي تهديد لهذه المنشآت تهديداً مباشراً للأمن المائي والطاقة والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في لبنان.
سبق ان دعت اللجنة الحكومة اللبنانية إلى اتخاذ خطوات قانونية ومؤسساتية عاجلة لتعزيز مسار المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، وذلك من خلال:
أولًا، قبول الاختصاص القضائي للمحكمة الجنائية الدولية بموجب المادة 12 فقرة 3 من نظام روما الأساسي، تمهيدًا للانضمام إليه.
ثانيًا، استكمال إعداد وإقرار تشريعات وطنية تجرّم جرائم الحرب وغيرها من الجرائم الدولية بما ينسجم مع التزامات لبنان الدولية.
ثالثًا، توفير الدعم الكامل للتحقيقات القضائية الوطنية وأعمال توثيق الانتهاكات التي تقوم بها الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان وغيرها من الجهات المختصة، بما يضمن حفظ الأدلة وتعزيز فرص المساءلة وعدم الإفلات من العقاب.
وختمت اللجنة بالتأكيد أن التوثيق القضائي والتقني المبكر لهذه الاعتداءات يشكل حجر الأساس في أي مسار مستقبلي للمساءلة والمحاسبة، وأن حفظ الأدلة والمعطيات الفنية والهندسية والإفادات الرسمية يمثل خطوة جوهرية لضمان عدم إفلات مرتكبي الانتهاكات الجسيمة من العقاب، سواء أمام القضاء الوطني أو ضمن الآليات الدولية المختصة بالمساءلة عن الجرائم الدولية.
حماية السدود والمنشآت المائية بموجب القانون الدولي الإنساني
وأكدت اللجنة أن السدود والمنشآت المائية الكبرى تتمتع بحماية خاصة بموجب المادة 56 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977 [2] ،كما كرّست القاعدة العرفية رقم 42 من قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي هذا الحظر بشكل واضح، إذ يمنع استهداف السدود أو مهاجمة أهداف عسكرية على مقربة منها إذا كان من شأن ذلك التسبب بإطلاق قوى خطرة تؤدي إلى خسائر فادحة بين السكان المدنيين. وتكتسب هذه الحماية طابعاً مشدداً بالنظر إلى ما قد يترتب على أي خلل إنشائي أو استهداف مباشر أو غير مباشر للسد من فيضانات واسعة النطاق ودمار للبنى التحتية وتهديد لحياة المدنيين.
تشكل المادة 56 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977 إحدى أهم قواعد الحماية الخاصة في القانون الدولي الإنساني، إذ جاءت لتكريس حماية معززة للأشغال والمنشآت التي تحتوي على “قوى خطرة”، وفي مقدمتها السدود والجسور ومحطات الطاقة النووية. وتقوم الفلسفة القانونية لهذه المادة على الاعتراف بأن استهداف هذه المنشآت لا يؤدي فقط إلى أضرار عسكرية تقليدية، بل قد يتسبب بكوارث جماعية واسعة النطاق نتيجة إطلاق المياه أو الطاقة أو المواد الخطرة بصورة غير مسيطر عليها، بما يفضي إلى خسائر بشرية وبيئية هائلة تتجاوز بكثير نطاق الهدف العسكري المباشر.
وتحظر المادة 56 بصورة صريحة مهاجمة هذه المنشآت “حتى ولو كانت أهدافاً عسكرية”، إذا كان من شأن الهجوم أن يؤدي إلى انطلاق القوى الخطرة وما يترتب عليها من خسائر جسيمة بين السكان المدنيين. وتبرز هنا خصوصية هذه المادة مقارنة بالقواعد العامة للاستهداف في القانون الدولي الإنساني، لأنها تضع قيداً إضافياً يتجاوز مجرد مبدأ التناسب. فحتى في الحالات التي قد يحقق فيها الهجوم ميزة عسكرية معينة، يبقى الهجوم محظوراً إذا كانت النتيجة المحتملة هي إطلاق قوى خطرة بصورة تؤدي إلى آثار كارثية على المدنيين.
كما تعكس المادة 56 تطوراً مهماً في مفهوم الحماية الخاصة للأعيان المدنية، إذ لم تكتفِ بحظر الهجوم المباشر على السدود، بل وسّعت نطاق الحماية ليشمل أيضاً الأهداف العسكرية الواقعة على مقربة منها، إذا كان استهداف تلك الأهداف قد يؤدي بصورة عرضية إلى إصابة السد أو التأثير على سلامته الإنشائية. ويعني ذلك أن الالتزام القانوني لا يقتصر على الامتناع عن ضرب المنشأة ذاتها، بل يشمل أيضاً واجب تقييم المخاطر غير المباشرة الناجمة عن العمليات العسكرية في محيطها، بما في ذلك آثار الانفجارات والاهتزازات أو الأضرار الثانوية التي قد تؤدي إلى انهيار جزئي أو كلي للمنشأة.
وتكتسب هذه الحماية بعداً وقائياً واضحاً، إذ تُلزم أطراف النزاع باتخاذ أقصى درجات الاحتياط عند التخطيط أو تنفيذ العمليات العسكرية قرب هذه المنشآت، انطلاقاً من مبدأ “العناية الواجبة” في تجنب الأضرار الكارثية المتوقعة. كما أن المادة 56 تضيق بشكل كبير من نطاق الاستثناءات الممكنة، إذ لا تجيز رفع الحماية إلا في ظروف استثنائية جداً، عندما تُستخدم المنشأة بصورة منتظمة ومباشرة وحيوية لدعم العمليات العسكرية، وعندما يكون الهجوم الوسيلة الوحيدة الممكنة لإنهاء ذلك الدعم. وحتى في هذه الحالة، تبقى قواعد التناسب والاحتياطات الواجبة واجبة التطبيق بصورة صارمة.
أما القاعدة العرفية رقم 42 من قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي، كما صاغتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فقد كرّست هذا الحظر بوصفه قاعدة عرفية ملزمة لجميع أطراف النزاعات المسلحة، سواء كانت دولاً أطرافاً في البروتوكول الإضافي الأول أم لا. وتنبع أهمية الطابع العرفي لهذه القاعدة من أنها تعكس ممارسة دولية واسعة واقتناعاً قانونياً عاماً بوجوب حماية السدود والمنشآت المحتوية على قوى خطرة، بالنظر إلى طبيعة الأخطار الإنسانية المرتبطة بها.
وتؤكد القاعدة العرفية رقم 42 أن الحماية الخاصة لهذه المنشآت ترتبط مباشرة بالمبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبدأي الإنسانية والتمييز. فإطلاق المياه أو القوى الخطرة الناتجة عن استهداف السدود لا يمكن حصر آثاره ضمن نطاق عسكري محدد، بل يؤدي بطبيعته إلى آثار عشوائية وغير قابلة للسيطرة تمتد إلى المدنيين والأعيان المدنية على مساحات واسعة. ولذلك، فإن أي هجوم قد يؤدي إلى هذه النتائج يُعتبر متعارضاً بطبيعته مع الحظر المفروض على الهجمات العشوائية وغير المتناسبة.
كما أن الطابع العرفي للقاعدة يعزز إمكانية المساءلة الدولية عن أي انتهاك جسيم لها، سواء في إطار المسؤولية الدولية للدول أو المسؤولية الجنائية الفردية. وقد يُنظر إلى تعمد استهداف السدود أو تنفيذ عمليات عسكرية مع العلم باحتمال التسبب بإطلاق قوى خطرة تؤدي إلى خسائر واسعة بين المدنيين باعتباره انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي الإنساني، وقد يرقى، وفقاً لظروف كل حالة، إلى جريمة حرب تستوجب الملاحقة والمساءلة أمام القضاء الوطني أو الدولي.
حواشي:
[1] مؤسسة وطنية لبنانية مستقلة منشأة بموجب القانون 62/ 2016، سنداً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة (مبادئ باريس) التي ترعى آليات إنشاء وعمل المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان. كما تتضمن آلية وقائية وطنية للتعذيب (لجنة الوقاية من التعذيب) عملاً بأحكام البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية او اللاانسانية او المهينة الذي انضم اليه لبنان بموجب القانون رقم 12/ 2008.
[2] البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977، والبروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977؛ انضمام لبنان بتاريخ 7 تموز/يوليو 1991.
هذه المقالة متاحة أيضًا بـ:




