أدانت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان الغارات الجوية التي شنتها إسرائيل فجر اليوم الاثنين على أحياء سكنية مكتظة في الضاحية الجنوبية لبيروت وعدد من بلدات الجنوب، مؤكدة أن هذه الهجمات تشكل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني.
وأعلنت الهيئة أن لجنة القانون الدولي الإنساني التابعة لها تتابع توثيق الانتهاكات المرتكبة على الأراضي اللبنانية، وتعمل على إنشاء سجل وطني شامل لعمليات القتل والإصابات وسائر الأضرار اللاحقة بالمدنيين، إلى جانب التحقيق في هذه الوقائع باعتبارها من جرائم الحرب. كما تواصل الهيئة التحقق من الصور الفوتوغرافية ومقاطع الفيديو التي التقطت في أعقاب الهجمات.
وأسفرت الغارات، وفق المعطيات الصادرة عن مركز عمليات طوارئ التابع لوزارة الصحة العامة، عن مقتل 31 مدنيًا وإصابة ما لا يقل عن 149 آخرين. وتوزعت الضربات على مناطق حارة حريك وبرج البراجنة والحدث في الضاحية الجنوبية لبيروت، وعلى بلدات الشهابية، السلطانية، عدشيت، حاروف، تول، الكفور، يارون، عيترون، والخيام في جنوب لبنان.
وأوضحت الهيئة أنه، استنادًا إلى معطياتها الأولية، لم يصدر الجيش الإسرائيلي تحذيرات مسبقة فعالة للسكان لإخلاء هذه المناطق قبل تنفيذ الغارات. كما أعلنت إسرائيل، في أعقاب الهجمات، مزاعم عن استهدافات عسكرية من دون تقديم أي أدلة تثبت صحة هذه الادعاءات. وأكدت الهيئة أنه حتى في حال الادعاء بوجود هدف عسكري، فإن الوسيلة والطريقة المستخدمة في قصف مبانٍ سكنية مكتظة بالمدنيين ترجح توصيف الهجوم بأنه عشوائي.
وشددت الهيئة على أن مبدأ التمييز، وهو أحد المبادئ الأساسية في القانون الدولي الإنساني، يفرض على أطراف النزاع التمييز في جميع الأوقات بين المقاتلين والأعيان العسكرية من جهة، والمدنيين والأعيان المدنية من جهة أخرى، وتوجيه الهجمات حصريًا نحو الأهداف العسكرية. كما يحظر القانون الدولي الإنساني الهجمات العشوائية التي تصيب الأهداف العسكرية والمدنيين بلا تمييز.
وأكدت أن مبدأ الحيطة يفرض على أطراف النزاع اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتفادي إصابة المدنيين أو الإضرار بالأعيان المدنية، بما في ذلك إصدار إنذارات مسبقة ومجدية، واختيار وسائل وأساليب قتال تقلل الأضرار المدنية إلى الحد الأدنى.
وفي سياق متصل، أشارت الهيئة إلى تهديد قوات الاحتلال الإسرائيلي 53 بلدة في الجنوب والبقاع والبقاع الغربي بالقصف، ما يفاقم حالة الذعر بين المدنيين ويعرضهم لخطر وشيك، في ظل غياب أي ضمانات لاحترام قواعد القانون الدولي الإنساني.
ونظرًا للنمط المعهود في ارتكاب انتهاكات جسيمة في لبنان من دون تحقيق أو محاسبة، دعت الهيئة المجتمع الدولي إلى تكثيف الجهود لضمان المساءلة، بما في ذلك ممارسة الولاية القضائية الوطنية أو العالمية للتحقيق في الجرائم المشمولة بالقانون الدولي وملاحقة مرتكبيها.
كما دعت الحكومة اللبنانية إلى:
أولًا، قبول الاختصاص القضائي للمحكمة الجنائية الدولية بموجب المادة 12 فقرة 3 من نظام روما الأساسي، تمهيدًا للانضمام إليه.
ثانيًا، استكمال إعداد وإقرار تشريعات وطنية تجرّم جرائم الحرب وغيرها من الجرائم الدولية بما ينسجم مع التزامات لبنان الدولية.
ثالثًا، توفير الدعم الكامل للتحقيقات القضائية الوطنية وتوثيق الانتهاكات الذي تقوم به الهيئة الوطنية وغيرها من الجهات المختصة.
واختتمت الهيئة بيانها بالتأكيد أنه، استنادًا إلى أسباب معقولة، فإن الغارات الجوية التي شُنت فجر يوم الاثنين تشكل انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني، سواء باعتبارها هجمات عشوائية أو هجمات مباشرة على المدنيين أو الأعيان المدنية، ويجب التحقيق فيها باعتبارها جرائم حرب.
خلفية
تستند الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في تحركها إلى القانون رقم 62/ 2016 وتعديلاته، ولا سيما المادة 16 التي تخوّلها رصد وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني خلال فترات النزاع المسلح، ومتابعة الجهود الرامية إلى وضع حد للإفلات من العقاب.
كما ينص المرسوم رقم 1762 تاريخ 7 تشرين الثاني 2025، المتعلق بالنظام الداخلي للهيئة، على إنشاء لجنة القانون الدولي الإنساني داخل الهيئة، ومنحها صلاحيات رصد وتوثيق الانتهاكات، وإبداء الرأي في النصوص التشريعية والإدارية ذات الصلة، وتقديم التوصيات إلى السلطات العامة، ونشر ثقافة القانون الدولي الإنساني.
هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية)

