في ظلّ تصاعد التحديات الإنسانية في لبنان، قدّمت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، مساهمة شاملة في الاستبيان العالمي لعام 2026 الذي أطلقه التحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان (GANHRI)، بالتعاون مع الشبكات الإقليمية، بهدف توثيق الأعمال الانتقامية والتحديات التي تواجه المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان والمدافعين عن حقوق الإنسان حول العالم.
ويأتي هذا الاستبيان في إطار متابعة تنفيذ خطة العمل العالمية لـ GANHRI، وسيساهم في إعداد مذكرة سرية تُرفع إلى الأمين العام للأمم المتحدة بشأن التعاون مع منظومة الأمم المتحدة، بما يعكس أهمية حماية المؤسسات الوطنية والجهات المتعاونة مع الآليات الدولية.
بيئة عمل متزايدة التعقيد والتقييد
سلّطت الهيئة في مساهمتها الضوء على واقع تشغيلي متزايد الصعوبة، يتّسم بتداخل عوائق إدارية وقانونية وأمنية تؤثر على قدرتها على أداء ولايتها بفعالية. ومن أبرز التحديات التي تم توثيقها، القيود المفروضة على الوصول إلى أماكن سلب الحرية، حيث تم في بعض الحالات اشتراط الحصول على موافقات مسبقة أو تسجيل تأخيرات في تنفيذ الزيارات، ما يقوّض مبدأ الزيارات المفاجئة والوقائية المنصوص عليه في البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب (OPCAT)، ويحدّ من فعالية الرقابة على أوضاع الاحتجاز.
كما أشارت الهيئة إلى تراجع ملحوظ في الفضاء المدني، في ظلّ تصاعد الخطاب التحريضي، ولا سيّما ضد النازحين داخليًا، إلى جانب الضغوط المتزايدة على منظمات المجتمع المدني، في سياق شديد الحساسية.
المدافعون عن حقوق الإنسان تحت ضغط متزايد
أبرزت مساهمة الهيئة أنّ المدافعين عن حقوق الإنسان في لبنان يواجهون مخاطر متزايدة ومتعددة الأبعاد.
ويشمل ذلك الصحافيين، والمدافعين البيئيين، والعاملين في المجال الإنساني، والناشطين في توثيق الانتهاكات، الذين يتعرضون بشكل متزايد إلى:
- حملات تشهير منظمة، لا سيّما عبر الفضاء الرقمي،
- ضغوط قانونية وإدارية،
- تهديدات رقمية ومخاطر متصلة بالمراقبة،
- الوصم الاجتماعي ومحاولات الترهيب.
كما شدّدت الهيئة على البعد الجندري لهذه التحديات، حيث تواجه المدافعات عن حقوق الإنسان مستويات أعلى من العنف الرقمي القائم على النوع الاجتماعي، والتشهير، والاستهداف الشخصي الذي يهدف إلى تقويض مشاركتهن في الشأن العام.
انعكاسات مباشرة على عمل الهيئة
أكّدت الهيئة أنّ هذه التحديات لم تبقَ نظرية، بل انعكست بشكل مباشر على عملها، حيث أدّت إلى:
- تأخير في التفاعل مع الجهات الرسمية،
- صعوبات في جمع المعلومات والتحقق منها،
ورغم ذلك، واصلت الهيئة أداء مهامها من خلال تلقي الشكاوى بسرية، والرصد الوقائي، والتوثيق، وإصدار التقارير والمواقف العامة، مع تعزيز إجراءات حماية البيانات وسرية المصادر.
التعاون مع الأمم المتحدة: أهمية قائمة وحدود واقعية
تناولت مساهمة الهيئة أيضًا تجربتها في التعاون مع آليات الأمم المتحدة، بما في ذلك مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان (OHCHR)، في ما يتعلّق بمخاطر الأعمال الانتقامية. وأشارت إلى أنّ هذا التعاون يساهم في رفع مستوى الانتباه الدولي وتعزيز الرقابة والردع في بعض الحالات، إلا أنّ أثره على المستوى الوطني يبقى متفاوتًا، في ظل غياب أطر حماية داخلية فعالة، وتحديات تتعلق بالإرادة السياسية والتنفيذ.
نحو تعزيز الحماية وضمان الفعالية
في ضوء ما سبق، شدّدت الهيئة على الحاجة الملحّة إلى:
- إقرار إطار قانوني وطني خاص بحماية المدافعين عن حقوق الإنسان،
- مراجعة القوانين التي قد تُستخدم لتقييد حرية التعبير والعمل المدني،
- تعزيز استقلالية وقدرات الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان وفق مبادئ باريس،
- ضمان الحماية من الأعمال الانتقامية، لا سيّما في سياق التعاون مع الآليات الدولية.
كما دعت إلى تعزيز دور المجتمع الدولي في دعم المؤسسات الوطنية وتمكينها من العمل في بيئات معقّدة.
أكدت الهيئة أنّ ضمان تعاون آمن وفعّال مع الأمم المتحدة ليس خيارًا، بل ضرورة لحماية الضحايا وتعزيز المساءلة، مجددة التزامها بمواصلة العمل من أجل حماية الفضاء المدني ودعم المدافعين عن حقوق الإنسان وصون كرامة الإنسان في لبنان.
هذه المقالة متاحة أيضًا بـ:

