spot_img
spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

منشورات أخرى

العمل اللائق في اقتصاد المنصات الرقمية: على الحكومة اللبنانية الانضمام إلى الاتفاقية الدولية الجديدة

اعداد: بسام القنطار ملخص تنفيذي يشهد العالم تحولات جذرية في طبيعة...

مسرد المصطلحات والمفاهيم والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان

القسم الأوّل: الهيئة واللّجنة وتلقي الشكاوى ومعالجتها الهيئة: الھیئة الوطنيّة...

العمل اللائق في اقتصاد المنصات الرقمية: على الحكومة اللبنانية الانضمام إلى الاتفاقية الدولية الجديدة

اعداد: بسام القنطار

ملخص تنفيذي

يشهد العالم تحولات جذرية في طبيعة العمل وأسواق الإنتاج نتيجة التطور المتسارع للتكنولوجيا الرقمية والانتشار الواسع للمنصات الإلكترونية التي أعادت تشكيل العلاقات المهنية وأنماط التشغيل على المستوى العالمي. وقد أدى هذا التحول إلى بروز ما يعرف بـ«اقتصاد المنصات الرقمية»، وهو نموذج اقتصادي يعتمد على الوساطة الرقمية بين مقدمي الخدمات والمستهلكين عبر تطبيقات ومنصات إلكترونية تشمل قطاعات النقل والتوصيل والعمل الحر والخدمات اللوجستية والعمل الرقمي عن بعد وغيرها من القطاعات الحديثة. ومع التوسع غير المسبوق لهذا النموذج الاقتصادي، أصبحت أعداد متزايدة من العمال تعتمد بصورة كلية أو جزئية على العمل عبر المنصات الرقمية كمصدر رئيسي للدخل، الأمر الذي أفرز تحديات قانونية واجتماعية وحقوقية متنامية تتعلق بطبيعة علاقة العمل، والحماية الاجتماعية، والأجور العادلة، والسلامة المهنية، وحرية التنظيم النقابي، واستخدام الخوارزميات والذكاء الاصطناعي في إدارة العمل وتقييم الأداء.

وفي مواجهة هذه التحولات، برزت الحاجة الملحة إلى تطوير إطار قانوني دولي يضمن حماية الحقوق الأساسية للعاملين في اقتصاد المنصات، ويمنع تحول التكنولوجيا الرقمية إلى أداة لتوسيع العمل الهش أو التحايل على معايير العمل الدولية. ومن هذا المنطلق، انخرطت منظمة العمل الدولية في مسار تفاوضي لإعداد اتفاقية دولية جديدة بشأن العمل اللائق في اقتصاد المنصات الرقمية، تكملها توصية تفسيرية وتنفيذية، بهدف تحديث منظومة الحماية الدولية للعمل بما يتلاءم مع الاقتصاد الرقمي المعاصر. وقد اعتمد مؤتمر العمل الدولي في دورته 113 عام 2025 استنتاجات تمهد لاعتماد اتفاقية دولية خلال الدورة 114 عام 2026، في خطوة توصف بأنها من أبرز المبادرات الدولية الحديثة لتطوير قانون العمل الدولي في العصر الرقمي.

تكتسب هذه العملية أهمية خاصة بالنسبة إلى لبنان، في ظل التوسع المتزايد للعمل عبر المنصات الرقمية داخل البلاد، لا سيما في قطاعات النقل والتوصيل والخدمات الإلكترونية، بالتزامن مع استمرار الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة والعمل غير المنظم. فمع تراجع فرص العمل التقليدية، باتت المنصات الرقمية تشكل مصدراً أساسياً للدخل بالنسبة لآلاف اللبنانيين واللاجئين والعمال المهاجرين، في وقت لا تزال فيه التشريعات اللبنانية عاجزة عن توفير الحماية القانونية والاجتماعية الملائمة لهذه الفئة من العمال.

ويشير التقرير إلى أن مشروع الاتفاقية الدولية يمثل أول محاولة شاملة لوضع إطار قانوني عالمي ينظم أوضاع العاملين عبر المنصات الرقمية، بما في ذلك منصات النقل والتوصيل والعمل الحر والمنصات التي تستخدم أنظمة اتخاذ القرار المؤتمتة لتنظيم العمل أو تسهيله. ويعتمد المشروع مقاربة قائمة على “المبادئ العامة”، بما يسمح للدول بتكييف التنفيذ وفق أوضاعها الوطنية المختلفة، مع الحفاظ على حد أدنى من الحماية لجميع العاملين عبر المنصات الرقمية.

ويبدأ مشروع الاتفاقية بوضع تعريفات أساسية، وفي مقدمتها تعريف “منصة العمل الرقمية” باعتبارها أي جهة تستخدم التكنولوجيا الرقمية والخوارزميات أو أنظمة اتخاذ القرار المؤتمتة لتنظيم أو تسهيل العمل مقابل أجر أو مبلغ مالي. كما يعرف “عامل المنصة الرقمية” باعتباره الشخص الذي يؤدي عملاً تنظمه أو تيسره منصة رقمية. ويؤكد المشروع أن نطاق الحماية يجب أن يشمل جميع العاملين عبر المنصات، سواء كانوا في الاقتصاد المنظم أو غير المنظم، وبغض النظر عن تصنيفهم القانوني أو طبيعة عقودهم.

ويكرس المشروع المبادئ والحقوق الأساسية في العمل، بما يشمل الحرية النقابية، والحق في المفاوضة الجماعية، والقضاء على العمل الجبري وعمل الأطفال والتمييز، إضافة إلى الحق في بيئة عمل آمنة وصحية. كما يلزم الدول باتخاذ تدابير لمنع الحوادث والأمراض المهنية، وضمان توفير التدريب والمعلومات والمعدات الوقائية للعاملين، لا سيما في القطاعات المرتبطة بالنقل والتوصيل والخدمات الميدانية.

ويولي المشروع أهمية خاصة لمسألة التصنيف القانوني للعاملين عبر المنصات، في ضوء الانتقادات المتزايدة للممارسة الشائعة التي تعتمدها شركات المنصات والمتمثلة في تصنيف العمال باعتبارهم “متعاقدين مستقلين” أو “عاملين لحسابهم الخاص”، رغم خضوعهم لسيطرة فعلية من قبل المنصة عبر الخوارزميات وأنظمة التقييم وتوزيع المهام. ويهدف المشروع إلى ضمان التصنيف الصحيح لعلاقة العمل استناداً إلى الوقائع الفعلية وليس فقط إلى الصياغة التعاقدية الشكلية.

كما يتناول المشروع الأجور والضمان الاجتماعي بصورة تفصيلية، حيث يؤكد ضرورة ضمان أجر عادل ومناسب يدفع بالكامل وفي الوقت المحدد، مع حظر الاقتطاعات غير المبررة وضمان شفافية أنظمة الدفع. كذلك، يدعو المشروع إلى شمول العاملين عبر المنصات بأنظمة الحماية الاجتماعية، بما في ذلك التأمين الصحي وإصابات العمل والتقاعد والحماية أثناء المرض والبطالة والأمومة.

ومن أبرز عناصر المشروع معالجته لمسألة الأنظمة المؤتمتة والخوارزميات المستخدمة في إدارة العمل عبر المنصات. إذ يلزم الدول بضمان ألا يؤدي استخدام الذكاء الاصطناعي أو الخوارزميات إلى انتهاك الحقوق الأساسية للعاملين أو التمييز ضدهم أو الإضرار بصحتهم النفسية والجسدية. كما يفرض توفير إمكانية الحصول على تفسير مكتوب للقرارات المؤتمتة، وضمان مراجعة بشرية للقرارات المتعلقة بتعليق الحسابات أو إنهاء الاستخدام أو رفض دفع المستحقات.

وفي سياق حماية الخصوصية، يفرض المشروع قيوداً على جمع البيانات الشخصية للعاملين واستخدامها، ويحظر استخدام البيانات المتعلقة بالحياة الخاصة أو النشاط النقابي أو البيانات الصحية الحساسة إلا في حالات استثنائية محددة قانوناً. ويعكس ذلك تصاعد المخاوف الدولية من تحول المنصات الرقمية إلى أدوات للمراقبة والانتهاك المنهجي للخصوصية.

أما مشروع التوصية المكملة، فيهدف إلى تقديم إرشادات تفصيلية تساعد الدول على تنفيذ المبادئ العامة الواردة في الاتفاقية. ويشدد على ضرورة اعتماد سياسات وطنية متكاملة تشمل الحوار الاجتماعي، والرقابة، وآليات الإنفاذ، ومشاركة منظمات العمال وأصحاب العمل في وضع السياسات المتعلقة بالاقتصاد الرقمي. كما يتناول بصورة أكثر تفصيلاً قضايا الأجور، والشفافية الخوارزمية، والخصوصية، والضمان الاجتماعي، وآليات تسوية النزاعات، وحماية العمال من الممارسات التعسفية للمنصات الرقمية.

ويعرض التقرير موقف الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في لبنان من مشروع الاتفاقية، حيث تدعو الهيئة إلى تعزيز النص الحالي للاتفاقية بما يضمن حماية أكثر شمولاً وفعالية لعمال المنصات الرقمية. وتتبنى الهيئة مجموعة من المقترحات التي قدمتها منظمات حقوقية دولية ومنظمات متخصصة في حقوق العمل، بهدف تطوير صكوك دولية قوية وملزمة تحمي العمال من الاستغلال وعدم الاستقرار المهني.

وتشدد الهيئة على ضرورة الإبقاء على تعريف واسع لمنصة العمل الرقمية يشمل المنصات التي “تنظم” العمل والمنصات التي “تيسر” العمل، بما يضمن شمول مختلف النماذج الحالية والمستقبلية للعمل الرقمي. كما تدعو إلى حذف الاستثناءات الواردة في بعض مواد الاتفاقية، بما يضمن حماية جميع العاملين عبر المنصات منذ البداية.

وفي مجال الحرية النقابية، تؤكد الهيئة ضرورة الحفاظ على النصوص التي تكفل حق العمال في التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية، مع تعزيز الحماية ضد أي تدابير انتقامية قد تمارسها المنصات الرقمية بحق العمال بسبب نشاطهم النقابي. كما تدعو إلى حظر استخدام الخوارزميات أو أدوات الذكاء الاصطناعي لرصد النشاط النقابي أو التأثير عليه أو الحد منه.

وفي ما يتعلق بالصحة والسلامة المهنية، تؤكد الهيئة ضرورة الإبقاء على التزامات واضحة ومباشرة على عاتق المنصات الرقمية، لا سيما في ظل المخاطر المتزايدة التي يواجهها عمال البيانات وعمال التوصيل، بما يشمل الحوادث، والإرهاق، والتعرض للمحتوى العنيف، والضغوط النفسية المرتبطة بالخوارزميات. كما تشير إلى أن هشاشة العمل وضغوط الأداء قد تدفع العمال إلى المخاطرة بسلامتهم من أجل الحفاظ على دخلهم أو تصنيفهم داخل المنصة.

وفي مجال الأجور، تؤكد الهيئة ضرورة ضمان أجر عادل يشمل كامل وقت العمل، بما في ذلك فترات الانتظار، مع حظر الاقتطاعات والرسوم التي تؤدي إلى خفض دخل العمال دون الحد الأدنى للأجور أو الأجر الكافي للعيش الكريم. كما تدعو إلى ضمان شفافية كاملة في كيفية احتساب الأجور والمكافآت والحوافز والعوامل الخوارزمية المؤثرة فيها.

كما تشدد الهيئة على ضرورة إلزام المنصات الرقمية بالاحتفاظ بسجل علني للأنظمة المؤتمتة المستخدمة، وتزويد العمال بمعلومات واضحة حول طريقة عملها وأثرها على ظروف العمل والأجور وإدارة الحسابات. وتدعو أيضاً إلى ضمان مراجعة بشرية فعالة للقرارات المؤتمتة، وإخضاع الخوارزميات لعمليات تدقيق مستقلة لمنع التحيز وضمان المساءلة.

وفي مجال حماية البيانات والخصوصية، تدعو الهيئة إلى اعتماد ضمانات قوية تشمل حق العمال في الوصول إلى بياناتهم وتصحيحها ونقلها ومحوها، مع حظر الاستغلال التجاري للبيانات الشخصية. كما تؤكد أن استخدام العمال لأجهزتهم الشخصية في أداء العمل يخلق مخاطر جدية على الخصوصية والاستقلالية، ما يستوجب توفير حماية قانونية متقدمة.

ويدعو التقرير الحكومة اللبنانية إلى الانخراط الفاعل في المفاوضات الدولية الجارية بشأن الاتفاقية، والمشاركة في إعداد الملاحظات الوطنية قبل انتهاء مهلة المشاورات. كما يحذر من أن عدم انخراط لبنان في هذا المسار أو الامتناع عن التصديق على الاتفاقية بعد اعتمادها سيشكل مؤشراً سلبياً على التزام الدولة اللبنانية بمعايير العمل الدولية وحقوق العمال.

ويشير التقرير إلى أن لبنان يعاني أصلاً من فجوات تشريعية وتنظيمية في مواءمة قوانينه مع المعايير الدولية المتعلقة بالعمل والضمان الاجتماعي والحرية النقابية، ما يجعل من هذه الاتفاقية فرصة مهمة لتحديث الإطار القانوني الوطني بما يتلاءم مع التحولات الرقمية الحديثة. كما يؤكد أن الاقتصاد القائم على المنصات الرقمية أصبح من أكثر القطاعات توسعاً عالمياً، حيث يعتمد مئات الملايين من الأشخاص حول العالم على العمل عبر المنصات كمصدر للدخل، في ظل غياب الحماية القانونية والاجتماعية الكافية.

ويستخدم التقرير لبنان كنموذج لتوضيح واقع العمل عبر المنصات الرقمية، مستنداً إلى توثيق أجرته منظمة هيومن رايتس ووتش حول أوضاع سائقي تطبيقات النقل في بيروت. ويعرض حالات لعمال وسائقين فقدوا الاستقرار الوظيفي والأجور الثابتة بعد انتقالهم إلى العمل عبر التطبيقات الرقمية، واضطروا لتحمل كامل تكاليف التشغيل والصيانة والوقود، في ظل غياب الضمان الاجتماعي والحماية من إصابات العمل. كما يسلط الضوء على حالات تعرض فيها العمال للعنف والسطو المسلح أثناء العمل دون الحصول على دعم أو تعويض من المنصات الرقمية.

ويخلص التقرير إلى أن المفاوضات الجارية داخل منظمة العمل الدولية تشكل محطة مفصلية لتطوير منظومة الحماية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في العصر الرقمي، وأن نجاح هذه العملية يتطلب اعتماد مقاربة قائمة على حقوق الإنسان ومعايير العمل الدولية، تضع كرامة العامل وحمايته الاجتماعية والقانونية في صلب تنظيم اقتصاد المنصات الرقمية. كما يؤكد أن التكنولوجيا والمنصات الرقمية يجب ألا تتحول إلى وسيلة للتحايل على التزامات أصحاب العمل أو لتقويض الحقوق الأساسية للعمال، بل ينبغي تنظيمها بما يضمن العدالة الاجتماعية والمساءلة والشفافية في بيئة العمل الرقمية الحديثة.

نحو إطار دولي لحماية حقوق العمال في العصر الرقم

يشهد العالم في السنوات الأخيرة تحوّلات جذرية في أنماط العمل والإنتاج نتيجة التطور المتسارع للتكنولوجيا الرقمية، والانتشار الواسع للمنصات الإلكترونية التي أعادت تشكيل العلاقات المهنية وأسواق العمل على نطاق عالمي. وقد أدى هذا التحول إلى بروز ما يُعرف بـ«اقتصاد المنصات»، وهو نموذج اقتصادي قائم على الوساطة الرقمية بين مقدّمي الخدمات والمستهلكين عبر تطبيقات ومنصات إلكترونية تشمل مجالات النقل والتوصيل والعمل الحر والخدمات الرقمية واللوجستية وغيرها. ومع التوسع غير المسبوق لهذا النموذج، أصبحت فئات واسعة من العمال تعتمد بصورة كلية أو جزئية على العمل عبر المنصات كمصدر رئيسي للدخل، الأمر الذي أفرز تحديات قانونية واجتماعية وحقوقية متزايدة تتعلق بطبيعة العلاقة التعاقدية، والحماية الاجتماعية، والأجور العادلة، والسلامة المهنية، والحقوق النقابية، واستخدام الخوارزميات والذكاء الاصطناعي في إدارة العمل وتقييم الأداء.

وفي ظل هذه التحولات، برزت الحاجة الملحّة إلى تطوير إطار قانوني دولي يضمن حماية الحقوق الأساسية للعاملين في اقتصاد المنصات، ويمنع نشوء أشكال جديدة من العمل الهش أو غير المنظم أو القائم على التحايل على معايير العمل الدولية. ومن هذا المنطلق، انخرطت منظمة العمل الدولية في مسار تفاوضي دولي لإعداد مشروع اتفاقية دولية بشأن العمل اللائق في اقتصاد المنصات، من المقرر مناقشة نصها النهائي واعتماده ضمن الخامس من جدول أعمال الدورة 114 لمؤتمر العمل الدولي (حزيران/ يونيه 2026) في خطوة توصف بأنها من أبرز المبادرات الدولية المعاصرة لتحديث منظومة حقوق العمل بما يتلاءم مع الاقتصاد الرقمي.

اعتمد مؤتمر العمل الدولي في دورته 113 المنعقدة في جنيف في 13 حزيران/ يونيه 2025 قراراً اتخذته لجنة وضع المعايير بشأن العمل اللائق في اقتصاد المنصات يتضمن استنتاجات مقترحة.[1] ووافق المؤتمر على المقترحات من أجل وضع اتفاقية تكمّلها توصية بشأن العمل اللائق في اقتصاد المنصات.

وتكتسب هذه العملية أهمية خاصة بالنسبة إلى لبنان، في ضوء التوسع المتزايد للعمل عبر المنصات داخل البلاد، ولا سيما في قطاعات النقل والتوصيل والخدمات الإلكترونية، في ظل استمرار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وارتفاع معدلات البطالة والعمل غير المنظم. كما تبرز أهمية هذه الاتفاقية في سياق الحاجة إلى مواءمة التشريعات الوطنية اللبنانية مع المعايير الدولية للعمل، وتعزيز التزام الدولة اللبنانية بواجباتها الدولية الناشئة عن عضويتها في منظمة العمل الدولية، وبما ينسجم مع مبادئ العدالة الاجتماعية والعمل اللائق وحماية الكرامة الإنسانية في بيئة العمل الرقمية الحديثة.

مشروع اتفاقية العمل اللائق في اقتصاد المنصات الرقمية

يشكّل مشروع الاتفاقية بشأن العمل اللائق في اقتصاد المنصات الرقمية، الذي تناقشه منظمة العمل الدولية ضمن أعمال الدورة 114 لمؤتمر العمل الدولي لعام 2026، أول محاولة دولية شاملة لوضع إطار قانوني عالمي ينظم أوضاع العاملين عبر المنصات الرقمية، بما في ذلك منصات النقل والتوصيل والعمل الحر والمنصات الرقمية التي تستخدم أنظمة اتخاذ القرار المؤتمتة لتنظيم أو تسهيل العمل.

جاء إعداد مشروع الاتفاقية نتيجة تزايد الاعتماد العالمي على اقتصاد المنصات الرقمية، وما رافقه من توسع في أنماط العمل غير التقليدية، وتزايد المخاوف المتعلقة بضعف الحماية الاجتماعية، وانعدام الاستقرار المهني، وغياب الضمانات المتعلقة بالأجور والسلامة المهنية والخصوصية وحرية التنظيم النقابي. وقد قرر مجلس إدارة منظمة العمل الدولية عام 2023 إدراج بند خاص بالعمل اللائق في اقتصاد المنصات على جدول أعمال مؤتمر العمل الدولي بهدف إعداد معايير دولية جديدة تعالج هذه التحديات.

يعتمد مشروع الاتفاقية مقاربة قائمة على “المبادئ العامة”، بحيث يضع إطاراً مرناً يسمح للدول الأعضاء بتكييف التنفيذ وفق أوضاعها الوطنية المختلفة، مع الحفاظ على الحد الأدنى من الحماية لجميع العاملين عبر المنصات الرقمية. وقد شددت المناقشات داخل لجنة وضع المعايير على ضرورة تحقيق توازن بين المرونة التنظيمية وحماية حقوق العمال، نظراً للتنوع الكبير في نماذج أعمال المنصات الرقمية وطبيعة علاقات العمل فيها.

يبدأ مشروع الاتفاقية بتحديد مجموعة من التعاريف الأساسية، وعلى رأسها تعريف “منصة العمل الرقمية”، التي يقصد بها أي شخص طبيعي أو اعتباري يستخدم أنظمة اتخاذ القرار المؤتمتة عبر التكنولوجيا الرقمية لتنظيم أو تسهيل العمل الذي يؤديه أشخاص مقابل أجر أو مبلغ مالي لتقديم خدمة بناء على طلب متلقي الخدمة. كما يشمل التعريف العمل المنجز عبر الإنترنت أو في موقع جغرافي محدد. وقد أثار هذا التعريف نقاشاً واسعاً داخل منظمة العمل الدولية بسبب اتساع نطاقه واحتمال شموله منصات رقمية مختلفة، مثل وسائل التواصل الاجتماعي أو مواقع الإعلانات الإلكترونية أو محركات البحث.

كما يعرّف المشروع “عامل المنصة الرقمية” باعتباره الشخص الذي يؤدي عملاً تنظمه أو تيسره منصة رقمية مقابل أجر أو مبلغ مالي. ويستخدم المشروع تعبير “الأجر أو المبلغ المالي” للتمييز بين العاملين المستخدمين والعاملين لحسابهم الخاص، بحيث يشمل مختلف أشكال المقابل المالي الذي يتلقاه العامل لقاء العمل المنجز، مع استبعاد التعويضات المتعلقة بالنفقات والتكاليف التشغيلية.

أما من حيث النطاق، فتسري الاتفاقية على جميع منصات العمل الرقمية وعلى جميع العاملين عبر هذه المنصات، سواء كانوا في الاقتصاد المنظم أو غير المنظم، ما لم تنص الاتفاقية على خلاف ذلك. ويؤكد المشروع أن الحماية يجب أن تشمل جميع العمال بغض النظر عن تصنيفهم القانوني أو طبيعة عقودهم.

ويكرّس المشروع المبادئ والحقوق الأساسية في العمل، بما يشمل الحرية النقابية، والحق في المفاوضة الجماعية، والقضاء على العمل الجبري، وعمل الأطفال، والتمييز في الاستخدام والمهنة، إضافة إلى الحق في بيئة عمل آمنة وصحية. كما ينص المشروع على حماية حق العمال في إنشاء منظمات يختارونها والانضمام إليها دون ترخيص مسبق، بما يضمن حق التنظيم النقابي للعاملين عبر المنصات الرقمية.

وفي مجال السلامة والصحة المهنيتين، يفرض المشروع على الدول اتخاذ تدابير ملائمة للوقاية من الحوادث والأمراض المهنية وغيرها من الأضرار الصحية المرتبطة بالعمل عبر المنصات الرقمية. كما يناقش المشروع مسؤوليات السلطات العامة والمنصات الرقمية والعمال أنفسهم في مجال الوقاية من المخاطر المهنية، بما يشمل تقييم المخاطر واتخاذ تدابير الحماية المناسبة. وتشمل هذه التدابير توفير المعلومات والتدريب والمعدات الوقائية اللازمة للعمال، لا سيما في قطاعات النقل والتوصيل والخدمات الميدانية.

ويتناول المشروع أيضاً مسألة العنف والتحرش في بيئة العمل الرقمية، حيث يطالب الدول باتخاذ تدابير لحماية العاملين عبر المنصات من العنف والتحرش، سواء أثناء العمل الميداني أو عبر الوسائط الرقمية، بما في ذلك التحرش القائم على النوع الاجتماعي.

وفي ما يتعلق بعلاقة الاستخدام، يطالب المشروع الدول بوضع تدابير تضمن التصنيف الصحيح للعاملين عبر المنصات، استناداً إلى الوقائع الفعلية المرتبطة بأداء العمل والأجر المدفوع، وليس فقط إلى التوصيف التعاقدي الذي تفرضه المنصات. ويهدف ذلك إلى مكافحة ظاهرة التصنيف الخاطئ للعمال باعتبارهم “متعاقدين مستقلين” رغم وجود عناصر علاقة استخدام فعلية. كما يستند المشروع إلى توصية منظمة العمل الدولية بشأن علاقة الاستخدام لعام 2006.

وفي باب الأجور، يؤكد المشروع ضرورة ضمان أن يكون الأجر أو المقابل المالي مناسباً، وأن يُدفع بالكامل وفي الوقت المحدد، وبالعملة القانونية أو نقداً وفقاً للقوانين الوطنية والاتفاقات الجماعية. كما يحظر المشروع إجراء اقتطاعات غير مبررة من أجور العاملين، ويشدد على ضرورة شفافية أنظمة الدفع. ويلزم المشروع المنصات الرقمية بتزويد العمال بمعلومات منتظمة ودقيقة وسهلة الفهم بشأن الأجور والاقتطاعات المطبقة عليهم.

ويكرّس المشروع حق العاملين عبر المنصات في الضمان الاجتماعي، داعياً الدول إلى اتخاذ تدابير لضمان وصولهم إلى الحماية الاجتماعية، بما يشمل إصابات العمل، والتأمين الصحي، والتقاعد، وغيرها من أشكال الحماية الاجتماعية الملائمة.

ومن أبرز عناصر مشروع الاتفاقية معالجته لمسألة الأنظمة المؤتمتة والذكاء الاصطناعي المستخدم في إدارة العمل عبر المنصات. إذ يلزم المشروع الدول بضمان ألا يؤدي استخدام الخوارزميات وأنظمة اتخاذ القرار المؤتمتة إلى انتهاك الحقوق الأساسية للعمال، بما في ذلك منع التمييز المباشر أو غير المباشر، وحماية الصحة النفسية والجسدية للعاملين. كما يفرض المشروع توفير إمكانية الحصول على تفسير مكتوب للقرارات المؤتمتة التي تؤثر على ظروف العمل أو الوصول إلى العمل، إضافة إلى ضمان مراجعة بشرية للقرارات المتعلقة بتعليق الحسابات أو إلغائها أو إنهاء التوظيف أو رفض دفع المستحقات.

كما يتناول المشروع حماية البيانات الشخصية والخصوصية، حيث يفرض على الدول ضمان أن يكون جمع البيانات الشخصية للعاملين وتخزينها ومعالجتها واستخدامها مقتصراً على ما هو ضروري لأغراض العمل. ويحظر المشروع جمع بيانات تتعلق بالمحادثات الخاصة أو الانتماء النقابي أو الأنشطة النقابية أو البيانات الصحية الحساسة إلا في حالات محددة ومقيدة قانوناً. ويعكس ذلك تصاعد المخاوف الدولية من استخدام المنصات الرقمية لبيانات العمال في المراقبة أو التمييز أو التضييق على النشاط النقابي.

ويتضمن المشروع أحكاماً تتعلق بحماية العمال من التعليق التعسفي للحسابات أو إلغاء التفعيل أو إنهاء الاستخدام أو التوظيف، من خلال ضمان وجود إجراءات عادلة وشفافة وإمكانية الاعتراض على القرارات المؤتمتة. كما يفرض على الدول اتخاذ تدابير لضمان أن يكون العمال على علم بأحكام وشروط الاستخدام أو التوظيف بطريقة واضحة وسهلة الفهم، ويفضل أن تكون عبر عقود مكتوبة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بحماية العمال المهاجرين واللاجئين العاملين عبر المنصات الرقمية، من خلال إلزام الدول باتخاذ تدابير لمنع إساءة الاستغلال وتوفير الحماية الملائمة لهم أثناء عملية الاستخدام وأثناء العمل.

وفي مجال تسوية النزاعات والإنفاذ، يطالب المشروع الدول بإنشاء آليات فعالة لضمان الامتثال للقوانين الوطنية والاتفاقات الجماعية وإنفاذ الحقوق، بما يشمل إمكانية الوصول إلى سبل الانتصاف القضائية والإدارية. كما ينص على مبدأ “المعاملة التي لا تقل مؤاتاة”، بحيث لا يجوز أن تؤدي أحكام الاتفاقية إلى خفض مستوى الحماية الممنوحة للعمال بموجب قوانين أو اتفاقات وطنية أكثر تقدماً.

ويمثل مشروع الاتفاقية خطوة مفصلية في تطوير قانون العمل الدولي لمواكبة التحولات الرقمية وسوق العمل المعاصر. فهو يعترف لأول مرة على المستوى الدولي بالطابع الخاص للعمل عبر المنصات الرقمية وبالحاجة إلى حماية العاملين فيه من مخاطر الاستغلال وعدم الاستقرار والتمييز والمراقبة الرقمية. كما يعكس اتجاهاً عالمياً متزايداً نحو مساءلة المنصات الرقمية الكبرى عن أوضاع العاملين لديها وعن تأثير الخوارزميات على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والعمالية.

مشروع التوصية المكمّلة لاتفاقية العمل اللائق في اقتصاد المنصات الرقمية

تشكل مشروع التوصية المكمّلة لاتفاقية العمل اللائق في اقتصاد المنصات الرقمية الأداة التفسيرية والتنفيذية للاتفاقية التي تناقشها منظمة العمل الدولية خلال الدورة 114 لمؤتمر العمل الدولي لعام 2026. وتهدف التوصية إلى تقديم إرشادات تفصيلية للدول الأعضاء حول كيفية تطبيق المبادئ العامة الواردة في الاتفاقية، مع مراعاة التنوع الكبير في نماذج العمل عبر المنصات الرقمية واختلاف الأطر القانونية الوطنية.

تعتمد التوصية مقاربة مرنة تقوم على توسيع الحماية الاجتماعية والعمالية لجميع العاملين عبر المنصات الرقمية، سواء كانوا مصنفين كعمال مستخدمين أو عاملين لحسابهم الخاص، مع التأكيد على أن طبيعة العمل الرقمية لا ينبغي أن تكون سبباً لحرمان العاملين من الحقوق الأساسية في العمل والحماية الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

وتؤكد التوصية في بدايتها أن أحكامها ينبغي أن تُطبّق بالاقتران مع الاتفاقية، وأنها تهدف إلى دعم التنفيذ العملي لمبادئ العمل اللائق في اقتصاد المنصات الرقمية. كما تدعو الدول إلى اعتماد تشريعات وسياسات وطنية متكاملة تشمل الحوار الاجتماعي، والرقابة، وآليات الإنفاذ، ومشاركة منظمات العمال وأصحاب العمل في إعداد السياسات المتعلقة بالاقتصاد الرقمي.

في مجال السلامة والصحة المهنيتين، توصي الوثيقة بأن تتخذ الدول تدابير وقائية إضافية للتخفيف من المخاطر المرتبطة بالعمل عبر المنصات، لا سيما تلك الناتجة عن ساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وفترات الراحة غير الكافية، والعمل تحت المراقبة الرقمية المستمرة. كما تشدد على ضرورة تقييم المخاطر المهنية بشكل دوري، وضمان توفير التدريب والمعلومات والمعدات الوقائية الملائمة للعاملين، خصوصاً في القطاعات التي تتطلب التنقل أو العمل الميداني مثل خدمات التوصيل والنقل.

وتتناول التوصية قضية الأجور والدخل بشكل أكثر تفصيلاً من الاتفاقية، حيث تدعو الدول إلى ضمان حصول العاملين عبر المنصات على دخل عادل ويمكن التنبؤ به، مع تنظيم شروط الاقتطاعات والرسوم التي قد تفرضها المنصات الرقمية. كما توصي بحظر فرض رسوم غير مبررة على العمال، سواء مقابل الوصول إلى العمل أو استخدام التطبيقات أو الخدمات الرقمية، وبضمان شفافية احتساب الأجور والمكافآت والحوافز.

كما تؤكد التوصية ضرورة تزويد العاملين بمعلومات منتظمة وواضحة حول طريقة احتساب أجورهم أو مستحقاتهم المالية، وأي اقتطاعات أو رسوم مطبقة عليهم، بطريقة سهلة الفهم ويمكن التحقق منها. ويهدف ذلك إلى مواجهة الغموض الذي يكتنف غالباً أنظمة الأجور الخوارزمية المعتمدة من قبل المنصات الرقمية.

وفي ما يتعلق بعلاقة الاستخدام، تدعو التوصية الدول إلى تطوير آليات قانونية وإدارية تساعد في تحديد الوضع القانوني الحقيقي للعاملين عبر المنصات، استناداً إلى الوقائع الفعلية المرتبطة بأداء العمل، بدلاً من الاقتصار على التصنيفات التعاقدية الشكلية التي تعتمدها الشركات الرقمية. كما تشجع على اعتماد اختبارات ومعايير قانونية تأخذ في الاعتبار السيطرة الخوارزمية، والتبعية الاقتصادية، وطرق إدارة العمل الرقمية.

وتولي التوصية اهتماماً خاصاً بالأنظمة المؤتمتة والذكاء الاصطناعي، حيث تدعو الدول إلى تنظيم استخدام الخوارزميات في إدارة العمال، وضمان الشفافية والمساءلة في القرارات المؤتمتة المتعلقة بالأجور، أو توزيع العمل، أو تقييم الأداء، أو تعليق الحسابات، أو إنهاء الاستخدام. كما تشدد على ضرورة ضمان تدخل بشري فعّال في مراجعة القرارات المؤتمتة التي تؤثر بشكل جوهري على حقوق العاملين أو فرصهم الاقتصادية.

وفي سياق حماية البيانات الشخصية، توصي الوثيقة بأن تعتمد الدول تشريعات فعالة لحماية خصوصية العاملين عبر المنصات، وأن تحد من جمع البيانات الشخصية واستخدامها إلى ما هو ضروري فقط لأغراض العمل. كما تؤكد على حظر استخدام البيانات المتعلقة بالنشاط النقابي أو الحياة الخاصة أو البيانات الصحية الحساسة في إدارة العمال أو تقييمهم أو معاقبتهم.

وتشجع التوصية الدول أيضاً على وضع ضمانات تمنع إساءة استخدام تقنيات المراقبة الرقمية، بما في ذلك التتبع المستمر، أو المراقبة البيومترية، أو تحليل السلوك، عندما تؤدي هذه الممارسات إلى انتهاك الخصوصية أو خلق بيئة عمل قمعية أو تمييزية.

وفي مجال الضمان الاجتماعي، تدعو التوصية إلى اتخاذ تدابير عملية لتوسيع أنظمة الحماية الاجتماعية لتشمل العاملين عبر المنصات، بما في ذلك التأمين الصحي، وإصابات العمل، وتعويضات البطالة، والحماية أثناء المرض أو الأمومة، ومعاشات التقاعد. كما تشجع على تطوير نماذج تمويل مرنة ومبتكرة تضمن مساهمة المنصات الرقمية في أنظمة الحماية الاجتماعية.وتتناول التوصية كذلك الحق في التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية، مؤكدة ضرورة حماية العمال من أي تدابير انتقامية بسبب النشاط النقابي أو المشاركة في الإضرابات أو الحملات الجماعية. كما تدعو إلى منع استخدام الخوارزميات أو أنظمة الذكاء الاصطناعي في مراقبة النشاط النقابي أو الحد منه أو التأثير عليه بشكل غير مشروع.

وفي ما يتعلق بحماية العمال المهاجرين واللاجئين، توصي الوثيقة بضمان عدم تعرضهم للاستغلال أو التمييز أو القيود التعسفية المرتبطة بوضعهم القانوني أو الهجرة، وبضمان تمتعهم بنفس الحقوق الأساسية التي يتمتع بها سائر العاملين عبر المنصات الرقمية. كما تدعو التوصية إلى إنشاء آليات فعالة لتسوية النزاعات وتقديم الشكاوى، تكون سهلة الوصول ومجانية أو منخفضة التكلفة، وتراعي الطبيعة الرقمية للعمل عبر المنصات. وتشجع على تطوير أنظمة إنفاذ فعالة تشمل التفتيش العمالي، وآليات الرقابة الرقمية، والعقوبات المناسبة على المنصات المخالفة. وفي جانب التنفيذ، تشدد التوصية على أهمية التعاون الدولي وتبادل الخبرات والممارسات الفضلى بين الدول، نظراً للطابع العابر للحدود الذي يميز العديد من المنصات الرقمية العالمية. كما تشجع على جمع البيانات والإحصاءات المتعلقة بالعمل عبر المنصات الرقمية لتحسين السياسات العامة والتشريعات الوطنية.

وبشكل عام، تهدف التوصية المكمّلة إلى تحويل المبادئ العامة الواردة في الاتفاقية إلى إجراءات عملية قابلة للتنفيذ، مع توفير توجيهات تفصيلية تساعد الدول على تنظيم اقتصاد المنصات الرقمية بطريقة تحمي الحقوق الأساسية للعاملين وتضمن العدالة الاجتماعية والشفافية والمساءلة في الاقتصاد الرقمي المعاصر.

موقف الهيئة الوطنية من تعديل الأحكام الرئيسية في الاتفاقية

تشجّع الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان على تحسين المسودة الحالية للاتفاقية المرفقة بتوصية بشأن العمل اللائق في اقتصاد المنصات،  بحيث تتمكّن بصورة أكثر شمولاً من مواجهة التحديات التي تفرضها الممارسات الحالية والناشئة في هذا القطاع.  تتبنى الهيئة التوصيات المتعلقة بتعديل الأحكام الرئيسية للاتفاقية، والتي تقدمت بها مروحة واسعة من منظمات حقوق الإنسان الدولية ومنظمات دولية متخصصة من أجل تطوير صكوك دولية توفّر حماية قوية لعمال المنصات الرقمية.

بناءاً عليه نشجّع منظمة العمل الدولية والدول الأعضاء فيها على اعتماد التدابير التالية:

المادة 1(أ) من الاتفاقية: نقترح الإبقاء على تعريف «منصة العمل الرقمية» بصيغة تشمل المنصات التي «تنظّم» العمل وكذلك المنصات التي «تُيسّر» العمل. ومن شأن ذلك أن يضمن شمول طيف واسع من نماذج المنصات، الحالية والمستقبلية، بغضّ النظر عن الكيفية التي تؤثر بها هذه النماذج في ترتيبات العمل وظروفه. وبصورة أكثر تحديدًا، فإن إدراج المنصات التي «تُيسّر» العمل من شأنه أن يُبقي المجال مفتوحًا أمام شمول مجموعة واسعة من ترتيبات العمل القائمة على «إضفاء الطابع المنصاتي» على العمل، حيث يُنظَّم العمل من قبل جهة أخرى، قد تكون وسيطًا آخر، لكن تتم إدارته أو تسهيله من خلال التقنيات الرقمية التي تستخدم أنظمة اتخاذ القرار المؤتمتة. وللسبب ذاته، نقترح حذف عبارة «بناءً على طلب متلقّي الخدمة أو طالبها»، إذ إن هذه العبارة قد تؤدي إلى حصر التعريف بنماذج المنصات السوقية التي تربط العمال بالمستهلكين الباحثين عن الخدمة، الأمر الذي قد يستبعد طيفًا واسعًا من ترتيبات العمل التي تتم بوساطة المنصات الرقمية، بما في ذلك الحالات التي تكون فيها العلاقة بين المنصة والعمال قائمة عبر متعاقدين فرعيين أو أطراف ثالثة أخرى. كذلك، نقترح الإبقاء على عبارة «الأجر والدفع» لضمان تمتع جميع العمال، بصرف النظر عن تصنيفهم القانوني، بحق الحصول على دخل كافٍ وفي الوقت المناسب.

المادة 2 من الاتفاقية: نقترح حذف الاستثناء المنصوص عليه في المادة 2(2)، وكذلك المواد اللاحقة 2(3) و2(4) و2(5)، بما يشجّع الدول الموقّعة على معالجة التحديات التي يفرضها اقتصاد المنصات بكامل تنوّعه، والسعي إلى حماية جميع عمال المنصات منذ البداية.

المادة 3 من الاتفاقية:  تقتضي المادة 3 من الاتفاقية مواءمة الفقرة 3(1) مع إعلان منظمة العمل الدولية بشأن المبادئ والحقوق الأساسية في العمل، ومع التزامات الدول بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما يؤكد التزام الحكومات باحترام حقوق العمل وحمايتها وإعمالها لجميع العمال، بمن فيهم العمال المنظمون عبر المنصات الرقمية. كما ينبغي الإبقاء على الفقرة 3(2) باعتبارها نصاً مخصصاً لحرية تكوين الجمعيات بالنسبة لعمال المنصات، مع تعزيزها بالنص على ضرورة ضمان بيئة تمكينية تتيح لعمال المنصات الرقمية ممارسة حقوقهم في التنظيم النقابي، والمفاوضة الجماعية، والمشاركة في الحوار الاجتماعي، بما في ذلك من خلال استخدام التقنيات الرقمية. كذلك، يُستحسن إضافة صياغة صريحة تُلزم بضمان حماية كافية ضد أي أعمال أو تدابير انتقامية قد تمارسها منصات العمل الرقمية بحق العمال عند ممارستهم لهذه الحقوق. وفي الوقت نفسه، ينبغي التأكيد على أن اعتماد اتفاقية أقل تفصيلاً لا يجوز تفسيره على أنه يقيّد سلطة منظمة العمل الدولية في معالجة التطورات المتسارعة والوقائع المستجدة المرتبطة باقتصاد المنصات الرقمية.

المادة 4 من الاتفاقية: انسجاماً مع البديل المقترح للمادة 4 من قبل مكتب منظمة العمل الدولية، نوصي بإدراج مادة جديدة تتضمن فقرتين، تعكس الأولى المبادئ العامة، بينما تستند الثانية بصورة أساسية إلى النهج المعتمد في المادة 6 من الاتفاقية رقم 155، التي تشير إلى وظائف ومسؤوليات كل جهة فاعلة. كما نوصي برفض اقتراح المكتب القاضي بنقل المادة 4(2) إلى التوصية. وفي حال استُبدلت المادة 4 بالصياغة المقترحة في الفقرة 48 من تعليق المكتب، يمكن عندئذ حذف المادة 7.

إن ضمان بيئة عمل آمنة وصحية يُعدّ معياراً معترفاً به من معايير العمل الدولية، كما أن التحديد الواضح لمسؤوليات السلطات العامة، والمنصات الرقمية، وعمال المنصات الرقمية، وغيرهم من الجهات المعنية، يُعتبر أمراً أساسياً للاستجابة للمخاطر الجسيمة المتعلقة بالصحة والسلامة المهنية التي يواجهها العمال في اقتصاد المنصات الرقمية. فهشاشة العمل والضغوط التي تفرضها الخوارزميات المستخدمة من قبل منصات العمل الرقمية قد تدفع العمال إلى تحمّل مخاطر أكبر ووضع أنفسهم في ظروف خطرة.

فعلى سبيل المثال، يواجه عمال البيانات مخاطر شديدة تتعلق بالسلامة والصحة المهنية، قد ترقى إلى مستوى العنف في مكان العمل، بما في ذلك ظروف عمل تتسبب بأضرار جسدية ونفسية وجنسية. كما يواجه عمّال توصيل الطعام عبر المنصات الرقمية مخاطر مهنية مرتبطة بقيادة الدراجات لساعات طويلة وسط حركة مرور وفي ظروف طرق غير آمنة، تتفاقم بفعل الأحوال الجوية القاسية، بما في ذلك ارتفاع درجات الحرارة، إضافة إلى غياب إمكانية الحصول على إجازات مرضية أو دعم طبي مناسب.

المادة 5 من الاتفاقية:  نوصي بالإبقاء على المادة 5(أ)، ولا سيما في ضوء الإخفاقات الموثقة لمنصات العمل الرقمية والجهات الوسيطة التابعة لها في الكشف عن مخاطر السلامة والصحة المهنية ومعالجتها. غير أن هذه المخاطر لا تنشأ فقط عن نقص التدريب أو المعدات أو وسائل الحماية الشخصية، بل إن الأضرار المتعلقة بالسلامة والصحة المهنية التي يتعرض لها العمال ترتبط أيضاً بعمليات العمل نفسها، بما في ذلك التعرّض المطوّل للمحتوى العنيف بالنسبة لعمّال البيانات، في غياب الدعم النفسي والضمانات المناسبة، فضلاً عن الضغوط المفروضة لتحقيق أهداف إنتاجية على حساب الصحة والسلامة، في قطاعات متعددة تتراوح بين أعمال البيانات وخدمات التوصيل.

المادة 6 من الاتفاقية:  نقترح حذف المادة 6(ب)، إذ إنها قد تتيح لأصحاب العمل التهرّب من المسؤولية في حال عدم امتثال العامل لهذا الواجب، وهو ما قد يحدث في حالات الإصابة، بما في ذلك الآثار النفسية السلبية الناجمة عن التعرّض للسطو المسلح أو الاعتداء أو غيرها من الجرائم الخطيرة. ومن شأن حذف هذه الفقرة أن يعزّز آلية المساءلة الجاري إرساؤها.

المادة 10: على الرغم من خضوع العديد من عمال المنصات لأنظمة خوارزمية تتحكم بعملهم وتوجّهه، فإنهم غالباً ما يُصنَّفون بصورة خاطئة كمتعاقدين مستقلين. ويؤدي ذلك إلى حرمانهم من كامل الحقوق والحمايات الممنوحة للعاملين الأجراء، وهي مسألة ينبغي أن تعالجها هذه الاتفاقية بصورة فعّالة. نؤيد المادة 10(1)، ونوصي بإضافة نص يعترف بتعدد المقاربات المعتمدة لتحديد علاقة العمل، بما في ذلك اعتماد قرينة قانونية لوجود علاقة عمل. كما نقترح حذف المادة 10(2)، إذ إن التصنيف السليم لعلاقة العمل من شأنه أن يجعل هذه الفقرة غير ضرورية.

المادة 11: ينبغي أن يعكس الأجر أو المقابل المالي كامل مدة وقت العمل، بما في ذلك فترات الانتظار، بما يضمن أن يلبّي الدخل معايير الأجر العادل والأجر الكافي للعيش الكريم. كما ينبغي تعويض العمال بصورة كاملة عن النفقات أو التكاليف الأخرى التي يتكبدونها أثناء أداء عملهم، بما يضمن أن تعكس الأرباح صافي الدخل الفعلي الذي يحصلون عليه.

ونقترح الإبقاء على الإشارة إلى «الاحتساب على أساس العمل بالقطعة»، ورفض إدراج الصياغة المقترحة في الفقرة 66. كما نقترح حذف المادة 11(ب)، نظراً لما قد تنطوي عليه من مخاطر تؤدي إلى تقويض مبدأ الأجر العادل.

المادة 12 : ينبغي الإبقاء على المادة 12 ضمن الاتفاقية نفسها، وعدم نقلها إلى التوصية. كما ينبغي حظر أي اقتطاعات تؤدي إلى خفض دخل العمال إلى ما دون الحد الأدنى للأجور أو معايير الأجر الكافي للعيش الكريم. كذلك، يجب منع المنصات من فرض عمولات أو رسوم وصول تُجبر العمال على الدفع مقابل الحصول على العمل، وذلك انسجاماً مع أحكام اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 181 بشأن وكالات الاستخدام الخاصة.

المادة 13 : ينبغي الإبقاء على المادة 13 كنص مستقل يضمن حق العمال في معرفة كيفية احتساب أجورهم. كما ينبغي إلزام المنصات بالكشف، بلغة واضحة وميسّرة، عن كيفية تحديد الأجور والاقتطاعات، والعوامل الخوارزمية التي تؤثر على معدلات الأجر أو المكافآت. كذلك، ينبغي تعزيز المادة 21 من خلال إلزام المنصات بتزويد العمال بصورة منتظمة بمعلومات تتعلق بالأجور والاقتطاعات ضمن الشروط والأحكام الخاصة بها. وفي المقابل، ينبغي رفض اقتراح مكتب منظمة العمل الدولية القاضي بدمج الفقرتين 14 و15(أ) من التوصية، لما قد ينطوي عليه ذلك من إضعاف للالتزام بضمان تعويض عادل ومتوقع عن فترات الانتظار.

المادة 14: تدعو هذه المادة إلى اعتماد تدابير تكفل شمول جميع عمال المنصات بصورة فعلية بأنظمة الضمان الاجتماعي. ونوصي بأن تنص المادة 14 بوضوح على أن هذه التغطية ينبغي أن تشمل إمكانية الوصول إلى معاشات التقاعد، وتعويضات البطالة، والتغطية في حالات المرض والعجز، وإجازات الأمومة، والمنافع الأبوية، وذلك بما يتوافق مع الاتفاقية رقم 102 والتوصية رقم 202 الصادرتين عن منظمة العمل الدولية.

المادة 15: نوصي بإلزام المنصات بالاحتفاظ بسجل علني للأنظمة المؤتمتة المستخدمة، وتزويد العمال وممثليهم بمعلومات شاملة، بلغة واضحة وميسّرة، بشأن الغاية من هذه الأنظمة وتصميمها وآلية عملها. كما ينبغي تقديم هذه المعلومات للعمال قبل إخضاعهم لأي نظام مؤتمت، وكذلك بعد إجراء أي تحديثات على الأنظمة المعنية. كما نوصي بتزويد العمال بشرح واضح حول كيفية ممارسة الإشراف على الأنظمة المؤتمتة، ولا سيما الدور الذي يؤديه الإشراف البشري ضمن هذه العملية.

المادة 16: ينبغي تضمين ضمانات تتعلق بحرية تكوين الجمعيات، من خلال إضافة صياغة صريحة تؤكد أن الأنظمة المؤتمتة «يجب ألا تعيق ممارسة الحق في حرية التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية». كما ينبغي حظر استخدام الأدوات الخوارزمية لرصد أو التنبؤ أو ردع أنشطة التنظيم النقابي أو المفاوضة الجماعية.

المادة 17: نوصي بأن تكون التفسيرات الخطية المقدّمة للعمال مخصّصة لكل حالة على حدة، وأن تتضمن معلومات مفصلة بلغة واضحة وميسّرة، بما في ذلك المعايير الأساسية المعتمدة وقيمها، ومنطق الخوارزميات، ومستوى الإشراف البشري القائم عليها. كما ينبغي أن يتمتع العمال بحق مراجعة أي قرار من قبل شخص بشري متى كان لهذا القرار تأثير على ظروف عملهم أو على إمكانية وصولهم إلى العمل. إضافة إلى ذلك، نوصي بأن تنص المادة على إخضاع المنصات لعمليات تدقيق مستقلة للخوارزميات من قبل هيئات عامة أو متعددة أصحاب المصلحة، بهدف منع التحيّز وضمان المساءلة. كما نوصي بدعم الصياغة التي اقترحها مكتب منظمة العمل الدولية بشأن «المراجعة التي يجريها شخص بشري»، كما نقترح إلزام المنصات بتمكين العمال من الوصول إلى مراجعة يجريها شخص بشري لأي قرار يؤثر على ظروف عملهم أو على إمكانية تمتعهم بالحق في العمل.

المادة 18: نوصي بضمان وجود تدابير حماية تكفل حماية خصوصية العمال وبياناتهم الشخصية معاً، وليس البيانات الشخصية فقط، وذلك وفقاً للمعايير الدولية وصكوك حقوق الإنسان. فمن المرجّح أن يستخدم عمال المنصات الرقمية أجهزتهم الشخصية لأداء العمل عبر التطبيقات والمواقع الإلكترونية التابعة للمنصات، والتي قد تتطلب الوصول إلى بيانات حساسة أو إلى أجهزة الاستشعار الموجودة في هذه الأجهزة. ويؤدي هذا التداخل بين الحياة الخاصة للعامل وعمله إلى خلق مخاطر تتعلق بالتدخّل في الخصوصية، وقد يؤثر في استقلالية العمال، الأمر الذي يستوجب توفير ضمانات قوية تكفل حماية حقهم في الخصوصية. كما نوصي بأن تنص المادة، إلى جانب مبدأ تقليل جمع البيانات، على التزام المنصات بضمان حقوق العمال في الوصول إلى بياناتهم، ونقلها، وتصحيحها، ومحوها، فضلاً عن حظر الاستغلال التجاري لبياناتهم.

المادة 19: ينبغي الإبقاء على البنود من (أ) إلى (د) ضمن الاتفاقية نفسها، وليس نقلها إلى التوصية، نظراً لأن هذه الضمانات تُعدّ أساسية لمعالجة المخاطر الخاصة بالبيانات المرتبطة بالعمل عبر المنصات الرقمية. كما ينبغي إضافة نص يوضح أن معالجة البيانات الشخصية للعمال يجب ألا تؤدي إلى أي شكل من أشكال التمييز المباشر أو غير المباشر في الاستخدام أو المهنة. كذلك، ينبغي التأكيد على أن هذه الحمايات تنطبق على جميع البيانات التي يتم جمعها أو معالجتها من خلال أي أنظمة مرتبطة بطبيعة العمل عبر المنصات، بما في ذلك الأنظمة المؤتمتة والخوارزمية.

المادة 21 من الاتفاقية: ينبغي تعزيز المادة 21 من خلال إلزام المنصات بتزويد العمال بصورة منتظمة بمعلومات تتعلق بالأجور والاقتطاعات ضمن الشروط والأحكام الخاصة بها.

المادة 24: نوصي بضمان إتاحة الوصول إلى آليات تسوية النزاعات وسبل الانتصاف خلال مهلة زمنية معقولة ومن دون تأخير غير مبرر، بالنظر إلى السرعة والتواتر اللذين يمكن أن تُتخذ بهما القرارات بواسطة الأنظمة المؤتمتة.

وعلاوة على ذلك، ينبغي التشاور مع العمال بشأن آليات الانتصاف لضمان ملاءمتها لواقعهم واحتياجاتهم وظروفهم المعيشية، مع توفير مسارات سريعة وفعّالة تتيح لهم الاستمرار في أداء مهامهم أثناء استمرار إجراءات الانتصاف.

دعوة الحكومة اللبنانية إلى المشارِكة في المفاوضات والانضمام

يكفل القانون الدولي لحقوق الإنسان الحق في العمل، والحق في ظروف عمل عادلة ومواتية، بما في ذلك الأجور العادلة وبيئات العمل الآمنة والصحية، والحق في إنشاء النقابات العمالية والانضمام إليها، والحق في الضمان الاجتماعي. وقد تم تكريس هذه الحقوق، من بين صكوك دولية أخرى، في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية[2]، وفي اتفاقيات منظمة العمل الدولية المتعلقة بعلاقات العمل (رقم 198)[3]، والسلامة والصحة المهنيتين (رقم 155)[4]، والحد الأدنى للأجور (رقم 131)[5]، والحرية النقابية والمفاوضة الجماعية (رقما 87 و98)[6]، والضمان الاجتماعي (رقم 102)[7].

خلال الدورة الثالثة عشرة بعد المئة لـ مؤتمر العمل الدولي المنعقدة في حزيران/يونيو 2025، وافق أعضاء المؤتمر على الشروع في التفاوض بشأن اعتماد اتفاقية وتوصية دوليتين جديدتين بشأن العمل اللائق في اقتصاد المنصات، على أن تُستكمل المداولات النهائية خلال دورة حزيران/يونيو 2026. وفي إطار البنية الثلاثية التي تقوم عليها منظمة العمل الدولية، مُنحت الحكومات وممثلو العمال ومنظمات أصحاب العمل مهلة حتى 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 لتقديم ملاحظاتهم وتعليقاتهم على مشروع الصياغة الأول، بما يشكّل فرصة محورية للتأثير في كيفية تعريف وتنظيم العمل عبر المنصات الرقمية ضمن إطار القانون الدولي للعمل مستقبلاً[8].

تشدد الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان على ضرورة انخراط الجمهورية اللبنانية بصورة فاعلة في مسار المشاورات والمفاوضات الدولية الجارية بشأن مشروع الاتفاقية الدولية المتعلقة بالعمل اللائق في اقتصاد المنصات، والتي من المقرر التفاوض على نصها النهائي خلال الدورة المقبلة لمؤتمر العمل الدولي في حزيران/يونيو 2026، تحت مظلة منظمة العمل الدولية. واعتبرت الهيئة أنّ هذه العملية التفاوضية تمثّل محطة مفصلية في تطوير منظومة الحماية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ولا سيما في ظل التحولات البنيوية التي يشهدها سوق العمل العالمي نتيجة التوسع المتسارع للاقتصاد الرقمي والعمل عبر المنصات الإلكترونية.

تلفت الهيئة إلى أنّ لبنان، الذي انضم إلى منظمة العمل الدولية عام 1948، لا يزال يعاني من قصور واضح في مجال التصديق على عدد من الاتفاقيات الدولية الأساسية المتعلقة بالعمل وحقوق العمال، فضلاً عن استمرار الفجوات التشريعية والتنظيمية في مواءمة القوانين الوطنية مع المعايير الدولية ذات الصلة. واعتبرت الهيئة أنّ الإخفاق في الانخراط الجدي في مسار هذه الاتفاقية الجديدة، أو الامتناع لاحقاً عن التصديق عليها بعد اعتمادها، سيشكّل مؤشراً سلبياً إضافياً بشأن مدى التزام لبنان بالمعايير الدولية للعمل، واحترامه للحقوق الأساسية للعمال، وامتثاله للالتزامات الناشئة عن عضويته في منظومة العمل الدولية.

يشكّل الاقتصاد القائم على المنصات الرقمية أحد أكثر القطاعات توسعاً في سوق العمل العالمي، إذ تقدّر منظمة العمل الدولية أنّ حجم العمل عبر المنصات تضاعف تقريباً[9] بين عامي 2016 و2021، فيما يشير البنك الدولي إلى أنّ ما يصل إلى 435 مليون شخص حول العالم يحققون جزءاً من دخلهم أو كامل دخلهم من خلال العمل عبر هذه المنصات الرقمية. إلا أنّ هذا التوسع المتسارع لم يواكبه تطور موازٍ في أنظمة الحماية القانونية والاجتماعية، ما أدى إلى نشوء أنماط واسعة من العمل الهش وغير المستقر، وارتفاع معدلات التعرض للاستغلال الاقتصادي، وغياب الضمانات الأساسية المتعلقة بالأجر العادل، والحماية الاجتماعية، والسلامة المهنية، والحق في التنظيم النقابي.

يجب على مشروع الاتفاقية الدولية الجاري التفاوض بشأنه أن يشكّل إطاراً قانونياً دولياً ملزماً لمعالجة الثغرات القائمة في حماية العاملين عبر المنصات الرقمية، من خلال ضمان تمتع جميع العاملين بحقوق العمل الأساسية بغض النظر عن توصيفهم التعاقدي أو الشكل القانوني لعلاقتهم مع شركات المنصات. وأوضحت أنّ العديد من شركات المنصات تعتمد بصورة منهجية على تصنيف العاملين لديها كـ«متعاقدين مستقلين» أو «عاملين لحسابهم الخاص»، بما يؤدي عملياً في عدد كبير من الدول إلى حرمانهم من ضمانات الحد الأدنى للأجور، والتغطية بالضمان الاجتماعي، والحماية من إصابات العمل، والحقوق النقابية، وسائر الحقوق المرتبطة بعلاقة العمل التقليدية.

ينبغي أن تتضمن الاتفاقية المرتقبة معايير واضحة وملزمة تمنع إساءة استخدام التصنيفات التعاقدية للتحايل على التزامات أصحاب العمل، وذلك من خلال اعتماد قرينة قانونية تفترض وجود علاقة عمل كلما مارست شركات المنصات درجة فعلية من السيطرة أو الإشراف أو التوجيه على العاملين، سواء عبر الخوارزميات أو نظم التقييم أو آليات توزيع المهام أو تحديد الأسعار والأجور. كما  ينبغي تضمين النص النهائي للاتفاقية ضمانات صريحة تكفل الحق في أجر عادل ومنصف، يشمل التعويض عن جميع ساعات العمل الفعلية وفترات الانتظار المرتبطة بالعمل عبر المنصة، بما يضمن دخلاً لا يقل عن الحد الأدنى للأجور أو الأجر المعيشي المعتمد وطنياً. وأكدت كذلك ضرورة ضمان شمول جميع عاملي المنصات بأنظمة الضمان والحماية الاجتماعية، بما يشمل إصابات العمل، والمرض، والبطالة، والأمومة، والعجز، والتقاعد والشيخوخة.

وفي ما يتعلق باستخدام الأنظمة الرقمية والخوارزميات،تشددت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان على ضرورة فرض التزامات صارمة على شركات المنصات في مجال الشفافية الخوارزمية، بما يضمن حق العاملين في معرفة الأسس والمعايير التي يتم على أساسها احتساب الأجور، وتسعير الخدمات، وتوزيع المهام، وتحديد الأولويات، وتقييم الأداء، وإدارة أنظمة الحوافز والعقوبات. كما أكدت ضرورة ضمان حق العاملين في الوصول إلى معلومات واضحة ومفهومة بشأن القرارات المؤتمتة التي تؤثر على أوضاعهم المهنية والمعيشية.

يجب أن تشكّل مساءلة شركات المنصات أحد المبادئ الجوهرية في الاتفاقية المرتقبة، بما في ذلك إلزام هذه الشركات بتوفير آليات فعالة ويسهل الوصول إليها للطعن في القرارات المؤتمتة، ولا سيما قرارات تعليق الحسابات أو إلغائها أو تخفيض التصنيف المهني للعاملين، مع ضمان خضوع هذه القرارات لمراجعة بشرية مستقلة وعادلة. مع ضرورة توسيع نطاق تطبيق معايير الصحة والسلامة المهنية لتشمل جميع العاملين عبر المنصات الرقمية، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بالنقل والتوصيل والخدمات الميدانية، مع إلزام الشركات باتخاذ تدابير وقائية فعالة لحماية العمال من مخاطر الحرارة الشديدة، والإرهاق، والحوادث المهنية، وظروف العمل الخطرة الأخرى، بما يتوافق مع المعايير الدولية للسلامة والصحة المهنية.

كذلك أنّ الحق في التنظيم النقابي والتفاوض الجماعي يشكل جزءاً أساسياً من الحقوق الأساسية في العمل، وينبغي ضمانه بصورة كاملة لجميع العاملين في اقتصاد المنصات دون أي شكل من أشكال التمييز أو الانتقام أو القيود التعاقدية أو التقنية. واعتبرت أنّ أي إطار قانوني دولي جديد لا يضمن الحريات النقابية وحق العمال في التمثيل الجماعي سيكون قاصراً عن معالجة الاختلالات البنيوية التي تميز هذا القطاع.

إنّ انخراط لبنان بصورة بنّاءة وفاعلة في هذه المفاوضات الدولية لا يقتصر على كونه التزاماً سياسياً أو دبلوماسياً، بل يشكل ضرورة تشريعية وحقوقية واجتماعية ملحّة، في ضوء التوسع المتزايد للعمل عبر المنصات داخل لبنان، ولا سيما في قطاعات النقل والتوصيل والخدمات الرقمية، وما يرتبط بذلك من تحديات متصاعدة تتعلق بحماية العمال وضمان شروط العمل اللائق واحترام الكرامة الإنسانية في البيئة الرقمية الحديثة.

«الإخفاق الجسيم» للبنان في عرض اتفاقيات وتوصيات منظمة العمل الدولية

أعربت لجنة الخبراء المعنية بتطبيق الاتفاقيات والتوصيات التابعة لـ منظمة العمل الدولية[10]، في ملاحظتها المعتمدة عام 2025 والمنشورة خلال الدورة الـ 114 لمؤتمر العمل الدولي لعام 2026، عن قلقها إزاء ما وصفته بـ«الإخفاق الجسيم» من جانب الدولة اللبنانية في الوفاء بالتزامها الدستوري المتعلق بعرض الاتفاقيات والتوصيات الدولية المعتمدة من قبل مؤتمر العمل الدولي على السلطات الوطنية المختصة، وفقاً لأحكام المادة 19 من دستور منظمة العمل الدولية[11].

وأشارت اللجنة إلى المعلومات التفصيلية التي قدمتها الحكومة اللبنانية أمام لجنة تطبيق المعايير التابعة لمؤتمر العمل الدولي في حزيران/يونيو 2025، والتي أوضحت فيها أنّ أبرز التحديات التي تحول دون الوفاء بهذا الالتزام تتمثل في ظروف القوة القاهرة المرتبطة بالنزاع الذي شهده لبنان خلال عام 2024، إضافة إلى سوء تفسير بعض المسؤولين في الأمانة العامة لمجلس الوزراء، بوصفه الجهة المختصة بإحالة الصكوك الدولية إلى مجلس النواب، لطبيعة الالتزام الدستوري المتعلق بعرض الاتفاقيات والتوصيات الدولية، حيث اعتبر هؤلاء المسؤولون أنّ عرض الاتفاقيات يقتضي بالضرورة إجراء دراسة مسبقة بشأن إمكانية التصديق عليها.

وفي هذا السياق، شددت اللجنة على ضرورة التمييز بين الالتزام بعرض الصكوك الدولية على السلطة المختصة وبين مسألة التصديق عليها. وأوضحت أنّ الغاية من إجراء العرض تتمثل، أولاً، في إطلاع السلطات الوطنية والرأي العام على الاتفاقيات والتوصيات المعتمدة من قبل مؤتمر العمل الدولي من خلال إحالتها إلى هيئة تشريعية أو تداولية مختصة، وثانياً، في تشجيع التصديق عليها أو تطبيقها. إلا أنّ هذا الالتزام لا يرتب على الدول أي واجب قانوني بالتصديق على الاتفاقيات أو اقتراح التصديق عليها أو اتخاذ تدابير محددة بشأنها.

وأكدت اللجنة أنّ المادة 19 من دستور منظمة العمل الدولية تترك للدول الأعضاء الحرية الكاملة في تحديد طبيعة الاقتراحات أو التدابير التي قد ترغب في اتخاذها عند عرض الصكوك الدولية على السلطات المختصة، مستندة في ذلك إلى المذكرة التفسيرية الصادرة عام 2005 بشأن الالتزام الدستوري بالعرض.

وبناءً عليه، طلبت اللجنة مجدداً من الحكومة اللبنانية تزويدها بمعلومات بشأن عرض اتفاقية العنف والتحرش لعام 2019 (رقم 190) والتوصية رقم 206 المرافقة لها، واتفاقية بيئة العمل الآمنة والصحية (التعديلات التبعية) لعام 2023 (رقم 191) والتوصية رقم 207، إضافة إلى توصية التدريب المهني الجيد لعام 2023 (رقم 208)، على السلطات الوطنية المختصة.

كما جدّدت اللجنة طلبها من الحكومة اللبنانية تحديد تاريخ عرض الصكوك المعتمدة خلال الدورات 99 و100 و101 و103 و104 و106 لمؤتمر العمل الدولي، الممتدة بين عامي 2010 و2017، على مجلس النواب اللبناني.

لبنان كنموذج لعمل المنصات الرقمية

يوثق التقرير المتعدد الوسائط، بعنوان “خوارزميات الاستغلال: انتهاكات الحقوق في اقتصاد العمل المؤقت والنضال العالمي من أجل التغيير”، الصادر عن منظمة هيومن رايتس واتش تجارب عمال المنصات في تسعة بلدان، من بينها  لبنان[12].

يوثق التقرير المتعدد الوسائط المعنون «خوارزميات الاستغلال: انتهاكات الحقوق في اقتصاد العمل المؤقت والنضال العالمي من أجل التغيير»، الصادر عن منظمة Human Rights Watch، أوضاع عمال المنصات الرقمية في عدد من الدول، من بينها لبنان، حيث خلص إلى أن العمال في مختلف البلدان المشمولة بالدراسة يواجهون تدنيًا وعدم استقرار في الدخل، وظروف عمل غير آمنة، وغيابًا أو ضعفًا شديدًا في الحماية الاجتماعية عند الإصابة أو فقدان القدرة على العمل.

ويشير التقرير إلى أن لبنان يُعد من الدول التي شهدت توسعًا ملحوظًا في عمل المنصات الرقمية، ولا سيما تطبيقات النقل مثل Uber، حيث تناول بصورة مفصلة أوضاع السائقين العاملين عبر هذه التطبيقات في بيروت ومحيطها، في ظل غياب إطار قانوني وتنظيمي كافٍ يضمن حماية حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية.

وفي هذا السياق، عرض التقرير حالة السائق أبراهام، البالغ من العمر 74 عامًا، والذي كان يعمل سابقًا لدى شركة نقل تؤمّن له راتبًا ثابتًا وعمولات منتظمة ومركبات مملوكة من الشركة. إلا أن دخول شركة Uber إلى السوق اللبنانية عام 2015 أدى إلى إقفال تلك الشركة وانتقاله إلى العمل عبر التطبيق كأحد أوائل السائقين العاملين لديها في لبنان. ويوضح التقرير أن ظروف العمل الجديدة اختلفت بصورة جذرية، إذ لم يعد السائق يتمتع براتب ثابت، وأصبحت العمولات متغيرة وغير مستقرة، كما اضطر إلى تأمين سيارته الخاصة وتحمل كامل التكاليف التشغيلية المرتبطة بالعمل، في وقت تراجعت فيه الأجور تدريجيًا مع ازدياد أعداد السائقين على المنصة.

وأشار أبراهام، وفق ما أورده التقرير، إلى أنه رغم ساعات العمل الطويلة، لم يعد قادرًا على تأمين احتياجاته الأساسية، قائلاً: «لدي إيجار ومولد وكهرباء ومياه. بالكاد أشتري بعض الطعام. انسَ أمر شراء ملابس جديدة».

كما يؤكد التقرير أن دخل عدد كبير من السائقين العاملين عبر المنصات الرقمية في لبنان لم يعد يسمح لهم بالمساهمة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، الأمر الذي يحرمهم من التغطية الصحية ومن حقوق التقاعد والحماية الاجتماعية. وفي هذا الإطار، نقل التقرير عن أبراهام قوله: «لا أستطيع تحمّل الكلفة».

ويشير التقرير كذلك إلى أن تصنيف السائقين العاملين عبر المنصات الرقمية كـ«متعاقدين مستقلين» يحرمهم من الضمانات القانونية التي يفرضها قانون العمل اللبناني على أصحاب العمل، بما في ذلك التغطية عن إصابات العمل والتعويضات المرتبطة بها. واعتبر التقرير أنه لو جرى تصنيف أبراهام كعامل أجير، لكان من الممكن أن يستفيد من تعويضات عن خسارة الدخل الناتجة عن الصدمة النفسية التي تعرض لها إثر حادثة الاعتداء التي تعرّض لها أثناء العمل.

وفي هذا الإطار، وثّق التقرير حادثة تعرّض أبراهام لعملية سطو مسلح أثناء تنفيذه رحلة عبر تطبيق Uber من بيروت إلى جونية بتاريخ 3 تشرين الأول/أكتوبر 2024، حيث أقدم راكبان على تهديده بسكين وسرقة سيارته وهاتفَيه بعد وصوله إلى الوجهة المحددة. وأوضح التقرير أن أبراهام اضطر بعد الحادثة إلى السير لمسافة تقارب خمسة كيلومترات للوصول إلى مركز للشرطة، في حين رفضت شركة Uber تحمّل أي مسؤولية مباشرة، فيما تبادلت الشركة والسلطات الأمنية المسؤولية بشأن الوصول إلى بيانات التطبيق اللازمة للتحقيق، دون أن يحصل السائق على أي دعم نفسي أو تعويض مالي. ونقل التقرير عنه قوله: «نحن نعمل لصالح أوبر ونؤمن لها الدخل. على الأقل يجب أن تتحمل بعض المسؤولية».

كما عرض التقرير حالة «إيلي» (اسم مستعار)، وهو سائق يعمل بدوام كامل لدى Uber في لبنان منذ عام 2016، حيث تناول شروط الحفاظ على تصنيف “Uber Pro Diamond”، وهو أعلى تصنيف ضمن نظام المكافآت المعتمد من الشركة. وبيّن التقرير أن الحفاظ على هذا التصنيف يتطلب تنفيذ عدد مرتفع من الرحلات، والحفاظ على تقييم يفوق 4.9 من 5، والإبقاء على نسبة إلغاء تقل عن 4% خلال فترة ثلاثة أشهر. إلا أن التقرير أشار إلى أن هذه الحوافز لا تؤمن استقرارًا فعليًا في الدخل، وأن السائقين لا يملكون أي قدرة حقيقية على فهم أو التأثير في الخوارزميات التي تتحكم بتوزيع الرحلات وتحديد الأسعار.

وذكر التقرير أن السائقين الذين قابلتهم منظمة Human Rights Watch في لبنان أكدوا أن شركة Uber تقتطع ما نسبته 25% من قيمة كل رحلة كعمولة، مشيرًا إلى أن هذه الاقتطاعات، إلى جانب تكاليف الوقود والصيانة والاتصالات، تؤدي عمليًا إلى تآكل الجزء الأكبر من الدخل الفعلي للسائقين.

وفي السياق ذاته، تناول التقرير حالة «داني» (68 عامًا)، الذي يعمل بدوام كامل لدى Uber في لبنان منذ ثماني سنوات، حيث أوضح أنه عمل ما يقارب خمسين ساعة خلال أسبوع واحد وحقق إيرادات بلغت 9,630,500 ليرة لبنانية، أي ما يعادل نحو 107 دولارات أميركية قبل اقتطاع عمولة الشركة. إلا أن دخله انخفض إلى نحو 75 دولارًا فقط بعد اقتطاع نسبة 25% لصالح Uber، في وقت تجاوزت فيه كلفة الوقود المبلغ المتبقي له فعليًا. ونقل التقرير عنه قوله: «أعطيت كل شيء لأوبر. لم يعد لدي شيء لأطعم بناتي الثلاث».

كما أورد التقرير مثالًا عن رحلة من بيروت إلى جونية بلغت كلفتها نحو 9 دولارات، لم يحصل داني منها سوى على 6.75 دولار قبل احتساب الوقود، ما دفعه إلى القول: «لقد دفعت المال كي أقوم بهذه الرحلة».

وعاد التقرير في الفصل المتعلق بالحماية الاجتماعية إلى التأكيد على أن عدداً من العمال في لبنان، ومن بينهم أبراهام، لا يستطيعون تحمّل كلفة الاشتراك في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي رغم حاجتهم الفعلية إلى التغطية الصحية والحماية الاجتماعية، حيث نقل عنه قوله: «لا أستطيع تحمّل الكلفة، وليس لأنني لا أريد ذلك».

التوصيات

تشكل المفاوضات الجارية داخل منظمة العمل الدولية بشأن إعداد اتفاقية دولية جديدة للعمل اللائق في اقتصاد المنصات الرقمية محطة مفصلية في تطوير منظومة الحماية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في العصر الرقمي. فقد أدى التوسع المتسارع للعمل عبر المنصات الإلكترونية، في مجالات النقل والتوصيل والخدمات الرقمية والعمل الحر، إلى إعادة تشكيل علاقات العمل التقليدية بصورة عميقة، وخلق واقع مهني جديد يتسم في كثير من الأحيان بضعف الحماية القانونية والاجتماعية، وغياب الاستقرار الوظيفي، وتزايد الاعتماد على الأنظمة الخوارزمية والقرارات المؤتمتة في إدارة العمل وتقييم الأداء وتحديد الأجور.

ورغم ما يتيحه اقتصاد المنصات الرقمية من فرص اقتصادية ومرونة في الوصول إلى العمل، إلا أن التجارب الموثقة في العديد من الدول، بما فيها لبنان، تكشف عن اتساع مظاهر العمل الهش وغير المنظم، وحرمان أعداد كبيرة من العمال من الحقوق الأساسية المرتبطة بالعمل اللائق، بما يشمل الأجر العادل، والضمان الاجتماعي، والسلامة والصحة المهنية، والحماية من الاستغلال، والحق في التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية.

وفي هذا السياق، ترى الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب، أن الاتفاقية الدولية المرتقبة يجب أن تشكّل إطاراً قانونياً دولياً متقدماً يواكب التحولات البنيوية في الاقتصاد الرقمي، ويضمن عدم استخدام التكنولوجيا والمنصات الرقمية كوسيلة للتحايل على التزامات أصحاب العمل أو لتقويض الحقوق الأساسية للعمال. كما تؤكد الهيئة أن نجاح هذه العملية التفاوضية يتطلب اعتماد مقاربة قائمة على حقوق الإنسان ومعايير العمل الدولية، تضع كرامة العامل وحمايته الاجتماعية والقانونية في صلب تنظيم اقتصاد المنصات.

وانطلاقاً من ذلك، تتقدم الهيئة بمجموعة من التوصيات الموجهة إلى منظمة العمل الدولية والدول الأعضاء، وإلى الحكومة اللبنانية بصورة خاصة، بهدف المساهمة في تطوير إطار دولي ووطني يضمن العمل اللائق لجميع العاملين عبر المنصات الرقمية، ويعزز مبادئ العدالة الاجتماعية والمساءلة والشفافية في بيئة العمل الرقمية الحديثة.

أولاً: توصيات إلى منظمة العمل الدولية والدول الأعضاء

توصي الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب، منظمة العمل الدولية والدول الأعضاء باعتماد اتفاقية دولية ملزمة بشأن العمل اللائق في اقتصاد المنصات الرقمية، تكمّلها توصية تفصيلية، بما يضمن ألا يؤدي التحول الرقمي في سوق العمل إلى تكريس أشكال جديدة من العمل الهش أو غير المنظم أو القائم على التحايل على معايير العمل الدولية.

كما توصي بأن يتضمن النص النهائي للاتفاقية تعريفاً واسعاً لمنصة العمل الرقمية، يشمل المنصات التي تنظّم العمل والمنصات التي تيسّره، وبما يغطي النماذج الحالية والمستقبلية للعمل عبر المنصات، بما في ذلك الحالات التي تتم فيها العلاقة مع العمال عبر وسطاء أو متعاقدين فرعيين.

وتدعو الهيئة إلى ضمان شمول جميع عمال المنصات الرقمية بالحماية القانونية، بغض النظر عن توصيفهم التعاقدي، واعتماد قرينة قانونية بوجود علاقة عمل متى مارست المنصة سيطرة فعلية أو إشرافاً أو توجيهاً على العامل، سواء بصورة مباشرة أو عبر الخوارزميات وأنظمة التقييم وتوزيع المهام وتحديد الأسعار.

وتوصي الهيئة بالنص صراحة على حق عمال المنصات في أجر عادل وكافٍ، يشمل كامل وقت العمل، بما في ذلك فترات الانتظار، مع حظر الاقتطاعات والرسوم والعمولات التي تؤدي إلى خفض الدخل الفعلي دون الحد الأدنى للأجور أو الأجر الكافي للعيش الكريم.

وتدعو الهيئة إلى إلزام المنصات الرقمية بالشفافية الكاملة في احتساب الأجور، والاقتطاعات، والمكافآت، وتوزيع المهام، وتقييم الأداء، من خلال تقديم معلومات واضحة وميسّرة للعمال حول العوامل الخوارزمية التي تؤثر في دخلهم وشروط عملهم.

كما توصي بإدراج ضمانات قوية للسلامة والصحة المهنية، تشمل مخاطر النقل والتوصيل، والإرهاق، والحرارة الشديدة، والحوادث، والتعرض للمحتوى العنيف أو الضار في أعمال البيانات، مع إلزام المنصات باتخاذ تدابير وقائية وتوفير الدعم الطبي والنفسي عند الحاجة.

وتؤكد الهيئة ضرورة شمول جميع عمال المنصات بأنظمة الضمان والحماية الاجتماعية، بما في ذلك المرض، وإصابات العمل، والبطالة، والأمومة، والعجز، والتقاعد، انسجاماً مع معايير منظمة العمل الدولية ذات الصلة.

وتوصي الهيئة بإدراج أحكام صريحة بشأن الشفافية والمساءلة الخوارزمية، بما في ذلك حق العمال في معرفة كيفية عمل الأنظمة المؤتمتة، وحقهم في مراجعة بشرية لأي قرار يؤثر في عملهم أو دخلهم أو إمكانية وصولهم إلى المنصة.

كما تدعو إلى حظر استخدام الأدوات الخوارزمية لرصد أو توقع أو ردع النشاط النقابي أو المفاوضة الجماعية، وضمان ألا تؤدي الأنظمة المؤتمتة إلى إعاقة ممارسة الحق في حرية التنظيم النقابي.

وتوصي الهيئة بالإبقاء على ضمانات الخصوصية وحماية البيانات ضمن الاتفاقية نفسها، بما يشمل حق العمال في الوصول إلى بياناتهم، وتصحيحها، ونقلها، ومحوها، وحظر الاستغلال التجاري لبياناتهم الشخصية أو المهنية.

ثانياً: توصيات إلى الحكومة اللبنانية

توصي الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان الحكومة اللبنانية بالمشاركة الفاعلة في المفاوضات الجارية داخل منظمة العمل الدولية بشأن مشروع الاتفاقية الدولية المتعلقة بالعمل اللائق في اقتصاد المنصات الرقمية، وباعتماد موقف وطني داعم لاتفاقية قوية وملزمة تكفل حماية فعلية لجميع عمال المنصات.

وتدعو الهيئة الحكومة اللبنانية إلى الالتزام المسبق بالانضمام إلى الاتفاقية بعد اعتمادها، وإلى اعتبارها فرصة لإصلاح الإطار التشريعي الوطني بما يواكب التحولات الرقمية في سوق العمل ويحمي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعمال.

كما توصي الحكومة بمراجعة قانون العمل اللبناني والتشريعات المتصلة بالضمان الاجتماعي والسلامة المهنية، بهدف إدراج عمال المنصات الرقمية ضمن نطاق الحماية القانونية، ومنع إساءة تصنيفهم كمتعاقدين مستقلين عندما تكون علاقة العمل قائمة فعلياً.

وتدعو الهيئة إلى اعتماد قرينة قانونية بوجود علاقة عمل في الحالات التي تخضع فيها شروط العمل، أو توزيع المهام، أو تقييم الأداء، أو تحديد الأجور، أو العقوبات، لسيطرة المنصة أو أنظمتها الخوارزمية.

وتوصي الحكومة اللبنانية بوضع إطار تنظيمي خاص بالمنصات الرقمية العاملة في لبنان، يلزمها بالتسجيل، والإفصاح عن سياساتها التشغيلية، وتقديم معلومات واضحة للعمال بشأن الأجور، والاقتطاعات، والعمولات، ومعايير توزيع العمل، وآليات تعليق الحسابات أو إنهائها.

كما تدعو إلى ضمان شمول عمال المنصات بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بما في ذلك التغطية الصحية، وتعويضات إصابات العمل، والتقديمات العائلية، وتعويض نهاية الخدمة أو أنظمة التقاعد المستقبلية.

وتوصي الهيئة بإلزام المنصات بتحمل مسؤوليات واضحة في مجال السلامة والصحة المهنية، ولا سيما في قطاعات النقل والتوصيل، بما يشمل الحماية من حوادث السير، والعنف أثناء العمل، والحرارة الشديدة، والإرهاق، وتوفير آليات دعم وتعويض عند التعرض لإصابة أو اعتداء أثناء العمل.

وتدعو الحكومة إلى ضمان حق عمال المنصات في التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية والتمثيل الجماعي، وحظر أي ممارسات تعاقدية أو تقنية أو خوارزمية تؤدي إلى معاقبة العمال أو تقييد نشاطهم النقابي.

كما توصي بإنشاء آليات شكاوى وتسوية نزاعات سريعة وفعالة ويسهل الوصول إليها، تتيح لعمال المنصات الطعن في القرارات المؤتمتة، ولا سيما قرارات تعليق الحسابات أو إلغائها أو خفض التصنيف، مع ضمان مراجعة بشرية مستقلة ومنصفة.

وتؤكد الهيئة أن انخراط لبنان في هذه العملية لا ينبغي أن يكون شكلياً، بل يجب أن يشكل مدخلاً لإصلاح وطني شامل يضمن أن يكون الاقتصاد الرقمي في لبنان قائماً على العمل اللائق، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية.

 

[1]  مكتب العمل الدولي، نتيجة اللجنة المعنية بالعمل اللائق في اقتصاد المنصات، الوثيقة ILC.113/Record No. 6A.

https://www.ilo.org/sites/default/files/2025-06/ILC113-Record-6A-%5BWORKQ-250605-001%5D-web-AR_0.pdf

انظر أيضاً:

منظمة العمل الدولية، الجلسة العامة: نتائج أعمال لجنة وضع المعايير بشأن العمل اللائق في اقتصاد المنصات، مؤتمر العمل الدولي، ILC.113/المحضر رقم 6C.

https://www.ilo.org/sites/default/files/2025-07/ILC113-Record-6C-%5BRELMEETINGS-250613-015%5D-Web-EN_0.pdf

 

[2] الجمعية العامة للأمم المتحدة، «العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية»، القرار رقم 2200 ألف (د-21)، المعتمد في 16 كانون الأول/ديسمبر 1966، متاح على: https://www.ohchr.org/en/instrumentsmechanisms/instruments/international-covenant-economic-social-and-cultural-rights.

[3] منظمة العمل الدولية، «التوصية رقم 198 بشأن علاقة العمل، 2006»، متاح على: https://normlex.ilo.org/dyn/nrmlx_en/f?p=NORMLEXPUB:12100:0::NO::P12100_INSTRUMENT_ID:312535

[4] منظمة العمل الدولية، «الاتفاقية رقم 155 بشأن السلامة والصحة المهنيتين، 1981»، اعتمدت في 11 آب/أغسطس 1983، متاح على: https://normlex.ilo.org/dyn/nrmlx_en/f?p=NORMLEXPUB:12100:0::NO::P12100_ILO_CODE:C155

[5] منظمة العمل الدولية، «اتفاقية تحديد الحد الأدنى للأجور رقم 131، 1970»، اعتمدت في 22 حزيران/يونيو 1970، متاح على: https://normlex.ilo.org/dyn/nrmlx_en/f?p=NORMLEXPUB:13101:0::NO::P13101_COMMENT_ID:2699840

[6] منظمة العمل الدولية، «الاتفاقية رقم 87 بشأن الحرية النقابية وحماية حق التنظيم النقابي، 1948»، اعتمدت في 9 تموز/يوليو 1948، متاح على: https://normlex.ilo.org/dyn/nrmlx_en/f?p=NORMLEXPUB:12100:0::NO::P12100_INSTRUMENT_ID:312232  منظمة العمل الدولية، «الاتفاقية رقم 98 بشأن حق التنظيم والمفاوضة الجماعية، 1949»، اعتمدت في 1 تموز/يوليو 1949، متاح على: https://normlex.ilo.org/dyn/nrmlx_en/f?p=NORMLEXPUB:12100:0::NO::P12100_INSTRUMENT_ID:312243

[7] منظمة العمل الدولية، «الاتفاقية رقم 102 بشأن الضمان الاجتماعي (المعايير الدنيا)، 1952»، اعتمدت في 28 حزيران/يونيو 1952، متاح على: https://normlex.ilo.org/dyn/nrmlx_en/f?p=NORMLEXPUB:12100:0::NO:12100:P12100_INSTRUMENT_ID:312247:NO

[8] منظمة العمل الدولية، «العمل اللائق في اقتصاد المنصات»، تقرير مؤتمر العمل الدولي، الدورة 114، التقرير الخامس (3)، 2025، متاح على: https://www.ilo.org/resource/conference-paper/ilc/ilc114/decent-work-platform-economy

[9] منظمة العمل الدولية، «استكشاف أسواق العمل عبر الإنترنت من خلال مرصد العمل الإلكتروني»، صفحة إلكترونية، http://onlinelabourobservatory.org

[10] منظمة العمل الدولية، لجنة الخبراء المعنية بتطبيق الاتفاقيات والتوصيات (CEACR)، «التعليقات المعتمدة بشأن لبنان»، ضمن الملف القطري الخاص بلبنان على قاعدة بيانات منظمة العمل الدولية، https://normlex.ilo.org/dyn/nrmlx_en/f?p=1000:13201::::13201:P13201_COUNTRY_ID:103147

[11] منظمة العمل الدولية، لجنة الخبراء المعنية بتطبيق الاتفاقيات والتوصيات (CEACR)، «ملاحظة بشأن إحالة الصكوك الدولية إلى السلطات المختصة – لبنان»، اعتمدت عام 2025، ونُشرت خلال الدورة 114 لمؤتمر العمل الدولي (2026).

https://normlex.ilo.org/dyn/nrmlx_en/f?p=1000:13100:0::NO:13100:P13100_COMMENT_ID,P13100_COUNTRY_ID:4458190,103147

[12] هيومن رايتس ووتش، «خوارزميات الاستغلال: انتهاكات الحقوق في اقتصاد العمل المؤقت والنضال العالمي من أجل التغيير»، 13 أيار/مايو 2026، متاح على:  https://www.hrw.org/node/393596


العنوان: العمل اللائق في اقتصاد المنصات الرقمية: على الحكومة اللبنانية الانضمام إلى الاتفاقية الدولية الجديدة

اعداد: بسام القنطار، مفوض العلاقات الدولية في الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب في لبنان. شغل سابقاً منصب محقق في بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق في ليبيا، كما عمل باحثاً لدى منظمة العفو الدولية.

الناشر: الجمهورية اللبنانية | الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب

الطبعة الأولى: 2026


الآراء الواردة في هذه الوثيقة تعبّر عن وجهات نظر الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب، ولا تعكس بالضرورة آراء أي من الجهات المذكورة في التقرير أو أي من الشركاء السابقين أو الحاليين.

بعض الحقوق محفوظة (CC)، الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب – لبنان، 2026. هذا المستند متاح بموجب رخصة المشاع الإبداعي: النسبة، غير تجاري، بدون مشتقات 4.0 الدولية (CC BY-NC-ND 4.0). يُحظر حظرًا تامًا إعادة إنتاج هذا الكتاب أو تخزينه في أي نظام لاسترجاع المعلومات أو نقله بأي شكل أو بأي وسيلة، سواء كانت إلكترونية أو ميكانيكية أو عبر النسخ الضوئي أو التسجيل أو غير ذلك، لأغراض تجارية، من دون الحصول على إذن خطي مسبق من الجهة الناشرة. لمزيد من المعلومات، يرجى زيارة صفحة حقوق النشر على موقع الهيئة: https://nhrclb.org/copyright
التراخيص: يجب توجيه طلبات الاستخدام التجاري أو طلبات الحصول على حقوق إضافية أو تراخيص إلى: info@nhrclb.org

العنوان: مبنى سرحال، الطابق الأول، جادة سامي الصلح، بيروت، لبنان | البريد الإلكتروني: info@nhrclb.org | الموقع الإلكتروني: https://nhrclb.org | الخط الساخن: 03923456| فيسبوك: https://www.facebook.com/nhrclb  | منصة إكس: https://x.com/nhrclb  | إنستغرام: https://www.instagram.com/nhrc_lb  | يوتيوب:  http://yt.nhrclb.org | فليكر:  https://www.flickr.com/photos/145354751@N08  | بلوسكاي: https://bsky.app/profile/nhrclb.bsky.social  | تمبلر: https://www.tumblr.com/nhrclb  | ماستودون:  https://mastodon.social/@nhrclb  | لينكدإن: https://www.linkedin.com/company/nhrclb  |ثريدز: https://www.threads.com/@nhrc_lb


 

NHRCLB
NHRCLBhttps://nhrclb.org
مؤسسة وطنية مستقلة منشأة بموجب القانون 62/ 2016، تتضمن آلية وقائية وطنية للتعذيب (لجنة الوقاية من التعذيب) عملاً بأحكام القانون رقم 12/ 2008 (المصادقة على البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب). An independent national institution established under Law No. 62/2016, which includes a National Preventive Mechanism against torture (the Committee for the Prevention of Torture), in accordance with the provisions of Law No. 12/2008 (ratifying the Optional Protocol to the Convention against Torture). Une institution nationale indépendante établie en vertu de la loi n° 62/2016, qui comprend un mécanisme national de prévention de la torture (le Comité pour la prévention de la torture), conformément aux dispositions de la loi n° 12/2008 (ratifiant le Protocole facultatif se rapportant à la Convention contre la torture).