spot_img
spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

منشورات أخرى

مسرد المصطلحات والمفاهيم والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان

القسم الأوّل: الهيئة واللّجنة وتلقي الشكاوى ومعالجتها الهيئة: الھیئة الوطنيّة...

إنشاء “الهيئة الوطنية لإدارة نطاق .lb (السجل)” كمدخل لمعالجة الاختلالات البنيوية في الحوكمة الرقمية

ملخص تنفيذي يتناول هذا الرأي إشكاليات حوكمة نطاق المستوى الأعلى...

حماية الأطفال في البيئة الرقمية قيود وسائل التواصل الاجتماعي، مساءلة المنصّات، وانعكاسات حقوق الإنسان في لبنان

المؤلف: بسام القنطار


فتح أو تحميل الملف بصيغة PDF

   1.         الملخّص التنفيذي

 

أصبحت التقنيات الرقمية جزءًا لا يتجزأ من حياة الأطفال والمراهقين في لبنان وفي مختلف أنحاء العالم. فقد تحوّلت منصّات التواصل الاجتماعي إلى فضاءات أساسية للتواصل والتعليم وتشكّل الهوية والترفيه والمشاركة المدنية. وفي الوقت نفسه، تعرّض هذه التقنيات الأطفال لمخاطر جسيمة، من بينها التنمّر الإلكتروني، والتحرّش عبر الإنترنت، والمحتوى الضار، والممارسات الاستغلالية المتعلقة بالبيانات، وخصائص التصميم التي تعزّز الإدمان الرقمي، والاستدراج الإلكتروني للأطفال، إضافة إلى الأضرار الناشئة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وقد دفعت هذه التطورات الحكومات إلى اعتماد أو دراسة أشكال جديدة من التنظيم القانوني. ومع ذلك، يبقى التحدّي القانوني والسياساتي الأساسي هو كيفية حماية الأطفال بفعالية من دون المساس بحقوقهم في حرية التعبير، والوصول إلى المعلومات، والخصوصية، والتعليم، والمشاركة.

يتناول هذا التقرير، الصادر عن الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب، هذا التحدّي من منظور حقوق الإنسان، مع تركيز خاص على لبنان. ويحلّل التقرير الاتجاهات التنظيمية الدولية، والإطار القانوني الدولي ذي الصلة، والتطورات التشريعية والسياساتية اللبنانية الحديثة، إضافة إلى الأهمية المتزايدة لتنظيم الجرائم الإلكترونية وحوكمة الذكاء الاصطناعي. ويخلص التقرير إلى أنه رغم مشروعية وأهمية حماية الأطفال في البيئة الرقمية، فإن المقاربات التقييدية التي تعتمد أساسًا على الحظر الشامل للوصول إلى المنصّات الرقمية من غير المرجّح أن توفّر حلًا كاملًا أو مستدامًا. بل إن المقاربة الأكثر فاعلية تتطلب إطارًا شاملًا قائمًا على حقوق الإنسان يجمع بين حماية الطفل، ومساءلة المنصّات الرقمية، وحماية البيانات، والتعاون في مكافحة الجرائم الإلكترونية، والشفافية، وتنظيم الذكاء الاصطناعي.

يضع التقرير لبنان أولًا في سياق نقاش سياساتي دولي أوسع. ففي أستراليا، أُقرّ في كانون الأول/ديسمبر 2025 تشريع يلزم شركات التواصل الاجتماعي بمنع الأفراد دون السادسة عشرة من فتح حسابات أو الاحتفاظ بها. وفي ماليزيا، طُرحت قيود مماثلة ضمن قانون السلامة على الإنترنت لعام 2025، وقد يجري تطبيقها من خلال أنظمة التحقق من الهوية الرقمية. وعلى النقيض من ذلك، فضّل الاتحاد الأوروبي إلى حدّ كبير اعتماد تدابير تقوم على مساءلة المنصّات، من خلال أدوات تشريعية مثل قانون الخدمات الرقمية واللائحة العامة لحماية البيانات، اللذين يفرضان التزامات على شركات التكنولوجيا للحد من المخاطر النظامية، وحماية بيانات المستخدمين، وتقييد الإعلانات الموجّهة إلى القاصرين. وتُظهر هذه الأمثلة المقارنة أن الدول تسلك مسارات تنظيمية متباينة، إذ يركّز بعضها على تقييد الوصول، بينما يركّز البعض الآخر على تنظيم نماذج أعمال المنصّات الرقمية والبيئة الرقمية ككل.

ويسلّط التقرير الضوء على المخاوف التي أثارتها منظمات المجتمع المدني والمدافعون عن حقوق الإنسان، بما في ذلك منظمة العفو الدولية، بشأن الحظر القائم على العمر للوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي. إذ يمكن التحايل على هذه القيود في الممارسة العملية، من خلال التصريح بعمر غير صحيح أو إنشاء حسابات بديلة، ما قد يدفع الأطفال إلى فضاءات رقمية أقل وضوحًا وربما أقل أمانًا. كما أن التدابير التي تعتمد على البيانات البيومترية، أو تقنيات التعرّف إلى الوجه، أو التحقق من العمر عبر الوثائق الرسمية قد تخلق مخاطر كبيرة تتعلق بالخصوصية وحماية البيانات. والأهم من ذلك، أن القيود المفروضة على الوصول قد تتعارض مع حقوق الأطفال في تلقي المعلومات ونقلها، والمشاركة في النقاش العام، والانخراط في الحياة الاجتماعية والثقافية. لذلك يشدّد التقرير على أن الحماية الفعالة لا يمكن أن تقتصر على تقييد الوصول، بل يجب أن تعالج أيضًا تصميم وتشغيل ومساءلة المنصّات الرقمية نفسها.

ويوفّر القانون الدولي لحقوق الإنسان الإطار الناظم لتقييم هذه القضايا. فلبنان ملتزم باتفاقية حقوق الطفل والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وبموجب هذين الصكين، يُعدّ الأطفال أصحاب حقوق يتمتعون ليس فقط بالحماية من الضرر، بل أيضًا بالحق في الخصوصية والمشاركة وحرية التعبير والوصول إلى المعلومات. ويوضح التعليق العام رقم 25 الصادر عن لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة أن على الدول ضمان تمكين الأطفال من الاستفادة من التقنيات الرقمية بصورة آمنة، مع حمايتهم في الوقت نفسه من الإساءة والاستغلال. وبناءً عليه، يجب أن تستوفي التدابير التنظيمية مبادئ الشرعية والضرورة والتناسب، مع احترام القدرات المتطورة للطفل.

ومن أبرز النتائج التي يخلص إليها التقرير أن العديد من الأضرار الرقمية التي تؤثر في الأطفال لا تنشأ فقط من وجودهم على الإنترنت، بل من بنية البيئة الرقمية ذاتها والحوافز التي تقوم عليها. إذ تعتمد منصّات التواصل الاجتماعي بدرجة كبيرة على أنظمة التوصية الخوارزمية، والإعلانات القائمة على المراقبة وجمع البيانات، وعمليات التنميط الواسعة، وتصميم الواجهات التي تهدف إلى تعظيم التفاعل وإطالة مدة الانتباه. ويمكن لهذه الخصائص أن تضخّم المحتوى الضار أو المثير أو المضلل، وأن تعرّض الأطفال لأنماط من الاعتماد أو التلاعب أو الاستغلال. ولذلك، فإن السياسات التي تركز حصراً على تقييد وصول الأطفال قد تغفل المحركات البنيوية الأعمق للضرر. ومن هنا يدعم التقرير اعتماد تنظيمات تشمل مبدأ السلامة في التصميم، وتعزيز حماية البيانات الشخصية للأطفال، والشفافية الخوارزمية، والمساءلة المؤسسية للشركات.

وعلى الصعيد اللبناني، يحدّد التقرير جهودًا مهمة لكنها لا تزال غير مكتملة للاستجابة لهذه التحديات. ففي 26 شباط/فبراير 2026، اعتمد مجلس الوزراء القرار رقم 13 القاضي بإنشاء لجنة وزارية مشتركة مكلّفة بإعداد استراتيجية وطنية لتنظيم وتوجيه استخدام الأطفال للإنترنت والتطبيقات الرقمية. وتعكس هذه المبادرة إدراكًا بأن القوانين اللبنانية القائمة، بما فيها قانون العقوبات، والقانون رقم 422/2002، والقانون رقم 293/2014، والقانون رقم 81/2018 المتعلق بالمعاملات الالكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي، توفّر حماية جزئية فقط في المجال الرقمي ولا تشكّل إطارًا شاملاً. ويُعدّ إدراج رئيس الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان ضمن هذه اللجنة خطوة مهمة، إذ يفتح المجال أمام إشراف مستقل قائم على حقوق الإنسان في عملية تطوير السياسات الرقمية.

كما يتناول التقرير مشروع القانون المقدّم في 5 شباط/فبراير 2026 من النائب طوني فرنجية، والذي يقضي بحظر استخدام الأطفال دون الرابعة عشرة لمنصّات التواصل الاجتماعي، وإلزام مزوّدي الخدمات بتطبيق آليات للتحقق من العمر. ويتضمن الاقتراح أيضًا ضمانات تتعلق ببيانات الأطفال وعقوبات على المنصّات غير الملتزمة. ورغم أن مشروع القانون يستند إلى مخاوف حقيقية تتعلق بالتنمّر الإلكتروني والمحتوى الضار والاستغلال والصحة النفسية، يرى التقرير أنه يثير تساؤلات جدية في مجال حقوق الإنسان، من بينها ما إذا كان الحظر الكامل متناسبًا، وما إذا جرى استكشاف بدائل أقل تقييدًا بصورة كافية، وما إذا كانت أنظمة التحقق من العمر المقترحة قابلة للتطبيق بطريقة تحترم الخصوصية بشكل حقيقي. ويخلص التقرير إلى أن مشروع القانون لا ينبغي تقييمه بمعزل عن إطار أوسع يعالج أيضًا تصميم المنصّات الرقمية، والتعليم والتوعية، والوقاية، وسبل الانتصاف، وآليات المساءلة.

ويؤكد التقرير كذلك أن دور الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب (NHRC-CPT) يشكّل عنصرًا محوريًا في هذه العملية. فوفقًا للتعليق العام رقم 25 الصادر عن لجنة حقوق الطفل، تؤدي المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان دورًا مهمًا في رصد حقوق الأطفال في البيئة الرقمية، وتقييم التشريعات المقترحة، وتعزيز الوعي العام، وضمان الامتثال للمعايير الدولية. وفي السياق اللبناني، يعني ذلك ضرورة الاعتراف بالهيئة ليس فقط كمشارك في المشاورات المؤسسية، بل كجهة مستقلة قادرة على مراجعة مشاريع القوانين، وتوثيق الأضرار والانتهاكات، وتلقي الشكاوى، والدفاع عن إطار لحوكمة رقمية قائم على حقوق الطفل وحساس لاحتياجاته.

ويؤكد التقرير كذلك أن تحقيق السلامة الرقمية للأطفال لا يمكن أن يتم من دون إطار قانوني أكثر قوة لمكافحة الجرائم الإلكترونية وتنظيم الأدلة الرقمية. فطبيعة الأضرار التي تحدث عبر الإنترنت، والتي تتجاوز الحدود الوطنية، تعني أن الاستغلال والتحرش والملاحقة الإلكترونية والاستدراج عبر الإنترنت ونشر المحتوى الضار غالبًا ما تنطوي على فاعلين وأدلة وبنى تحتية موجودة في دول مختلفة. وفي هذا السياق، يشكّل اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجرائم الإلكترونية في 24 كانون الأول/ديسمبر 2024 تطورًا مهمًا. إذ تضع الاتفاقية إطارًا قانونيًا عالميًا لتوحيد تجريم الجرائم الإلكترونية، وتسهيل التحقيقات الرقمية، وتعزيز التعاون العابر للحدود للحصول على الأدلة الإلكترونية، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة احترام الخصوصية وحرية التعبير وضمانات الإجراءات القانونية الواجبة.

ولم ينضم لبنان بعد إلى هذه الاتفاقية. ويرى التقرير أن الانضمام إليها من شأنه أن يعزّز قدرة لبنان على التحقيق في الجرائم الإلكترونية وملاحقتها قضائيًا، ولا سيما في القضايا التي تشمل الأطفال والبنى التحتية الرقمية العابرة للحدود. كما سيساهم في تحديث الإطار القانوني الوطني المتعلق بالأدلة الرقمية، وآليات المساعدة القانونية المتبادلة، والضمانات الإجرائية. وفي الوقت الراهن، يبقى القانون رقم 81/2018 المتعلق بالمعاملات الالكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي القانون الرقمي الأساسي في لبنان، غير أنه لا يوفّر إطارًا شاملًا بما يكفي للتعاون في مكافحة الجرائم الإلكترونية، أو للإشراف الحديث على حماية البيانات، أو لتحقيق العدالة الرقمية بما يتماشى مع المعايير الدولية الحديثة. ولذلك يوصي التقرير بدمج تنظيم الجرائم الإلكترونية ضمن سياسات حماية الطفل، بدل التعامل معه بوصفه مجالًا منفصلًا.

ويتناول التقرير كذلك بُعدًا إضافيًا يتمثل في حماية النساء والفتيات من العنف الميسّر بالتكنولوجيا. فمشروع القانون المتعلق بحماية النساء من العنف الرقمي، المقترح من منظمة FEMALE والمقدّم إلى مجلس النواب في  25  شباط 2025، يشكّل مبادرة تشريعية مهمة تهدف إلى تجريم الملاحقة الإلكترونية، والتحرش عبر الإنترنت، وانتحال الهوية، والابتزاز الإلكتروني، ونشر الصور الحميمة من دون موافقة. وعلى الرغم من أن المشروع يركّز أساسًا على النساء، فإن العديد من أحكامه تكتسب أهمية خاصة أيضًا بالنسبة للأطفال والمراهقين، ولا سيما الفتيات اللواتي يواجهن أشكالًا مشابهة من الإساءة في الفضاءات الرقمية. ومن هذا المنطلق، يعتبر التقرير هذه المبادرة جزءًا مهمًا من الجهد الأوسع الرامي إلى إنشاء بيئة رقمية أكثر أمانًا ومساءلة في لبنان.

يتناول التقرير أيضًا التحدي الناشئ المتمثل في تنظيم الذكاء الاصطناعي. فقد بدأ لبنان مؤخرًا دراسة عدد من المبادرات التشريعية والمؤسسية في هذا المجال. ومن بين هذه المبادرات اقتراح قانون قُدّم عام 2026 يهدف إلى تجريم إنشاء أو تعديل أو استخدام الصور ومقاطع الفيديو الحميمة أو غير اللائقة التي يتم توليدها أو تعديلها باستخدام الذكاء الاصطناعي من دون موافقة. ويأتي هذا المشروع استجابة للتهديد المتزايد الذي تمثله تقنيات التزييف العميق والوسائط الاصطناعية، والتي قد تُلحق أضرارًا جسيمة بالسمعة وبالحالة النفسية والاجتماعية، ولا سيما لدى النساء والأطفال والفئات الضعيفة. ويرحّب التقرير بهذا التطور، مع التشديد على أهمية الوضوح القانوني والتناسب ووجود ضمانات تحول دون إساءة الاستخدام.

وعلى المستوى المؤسسي، طُرحت نموذجان مختلفان للحوكمة. يتمثل الأول في مشروع قانون إنشاء وزارة تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي الذي وافق عليه مجلس الوزراء في أيلول/سبتمبر 2025، والذي يهدف إلى توحيد المسؤولية عن التحول الرقمي الوطني والأمن السيبراني وحماية البيانات الشخصية وسياسات الذكاء الاصطناعي. أما النموذج الثاني فهو مشروع القانون المقدّم في 4 حزيران/يونيو 2025 لإنشاء الهيئة الوطنية للذكاء الاصطناعي كهيئة مستقلة تتولى إعداد الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي واقتراح الأطر التنظيمية ومراقبة التنفيذ والإشراف على الاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي. وتعكس هذه المقترحات إدراكًا متزايدًا للحاجة إلى حوكمة متخصصة في مجال الذكاء الاصطناعي، غير أن التقرير يخلص إلى أن المشهد المؤسسي الحالي لا يزال مجزّأً ويفتقر إلى بنية متماسكة قائمة على حقوق الإنسان.

وتعزّز مخاوف المجتمع المدني هذا التقييم. فقد أثارت منظمات مثل SMEX تساؤلات مهمة تتعلق بالسيادة الرقمية والشفافية والشراكات التكنولوجية بين القطاعين العام والخاص ومخاطر الاعتماد المفرط على مزودي التكنولوجيا الأجانب. كما تُظهر المخاوف المرتبطة باتفاق التدريب مع شركة Oracle الذي أُعلن عنه في كانون الأول/ديسمبر 2025، وعدم التطبيق الكامل للقانون رقم 81/2018، وغياب آليات رقابة مستقلة قوية، مدى هشاشة إطار الحوكمة الرقمية الحالي في لبنان. ومن دون ضمانات أقوى، ثمة خطر في أن يتقدم التحول الرقمي بوتيرة أسرع من الحماية القانونية والمؤسسية اللازمة لصون الخصوصية والمساءلة والثقة العامة.

وفي ضوء ذلك، يخلص التقرير إلى أن لبنان يقف عند لحظة تنظيمية حاسمة. فقد بدأ البلد يدرك الحاجة إلى حماية الأطفال على الإنترنت، وتعزيز الاستجابة للجرائم الإلكترونية، ومعالجة العنف الرقمي، وتنظيم الذكاء الاصطناعي. غير أن التدابير الحالية لا تزال موزّعة بين مشاريع قوانين متعددة ومبادرات وزارية ومقترحات سياسات لم تُدمج بعد في إطار متماسك. ولذلك يدعو التقرير إلى وضع استراتيجية وطنية شاملة تجمع بين حقوق الطفل، وحماية البيانات، وتنظيم الجرائم الإلكترونية، ومساءلة المنصّات الرقمية، والتثقيف الرقمي، وحوكمة الذكاء الاصطناعي، والرقابة المؤسسية ضمن رؤية موحّدة قائمة على حقوق الإنسان.

وأخيرًا، يقدّم التقرير مجموعة من التوصيات والنتائج المتوقعة موجّهة إلى الحكومة اللبنانية ومجلس النواب والوزارات والسلطات العامة ومنظمات المجتمع المدني ووكالات الأمم المتحدة وهيئات المعاهدات. وتهدف هذه التوصيات إلى دعم تطوير إطار منسّق يحمي الأطفال والفئات الضعيفة، ويعزّز مساءلة المنصّات الرقمية وأنظمة الذكاء الاصطناعي، ويحسّن الشفافية في الحوكمة الرقمية، ويضمن توافق القوانين والمؤسسات اللبنانية مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان. وفي قلب هذا الإطار يضع التقرير الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب (NHRC-CPT) كمؤسسة مستقلة تؤدي دورًا محوريًا في الرصد والمناصرة والإشراف والتوجيه العام.

وتتمثل الرسالة الأساسية للتقرير في أن الأطفال في العصر الرقمي لا ينبغي النظر إليهم بوصفهم مجرد موضوع للحماية، بل بوصفهم أصحاب حقوق يتمتعون بالأمان والكرامة والخصوصية والمشاركة وحرية التعبير والوصول إلى المعلومات. إن حمايتهم تتطلب ليس فقط القيود عندما تكون مبرّرة، بل أيضًا التعليم والمساءلة والشفافية وسبل الانتصاف والإصلاح المؤسسي. ولذلك يجب أن يضع إطار الحوكمة الرقمية المستدام في لبنان حقوق الإنسان والرقابة الديمقراطية ومصلحة الطفل الفضلى في صميمه.

   2.         مقدمة

أصبحت التقنيات الرقمية متجذّرة بعمق في الحياة اليومية للأطفال والمراهقين. فباتت منصّات التواصل الاجتماعي، وتطبيقات المراسلة، وخدمات مشاركة الفيديو، وبيئات الألعاب الإلكترونية، وأدوات الذكاء الاصطناعي الناشئة تشكّل الطريقة التي يتواصل بها الشباب ويتعلّمون ويصلون إلى المعلومات ويعبّرون عن أنفسهم ويشاركون في الحياة الاجتماعية والسياسية. وبالنسبة لكثير من الأطفال، لم تعد البيئة الرقمية منفصلة عن الواقع غير المتصل بالإنترنت، بل أصبحت امتدادًا أساسيًا له. فهي توفّر فرصًا كبيرة للتعليم والإبداع وبناء المجتمعات وتعزيز المشاركة المدنية. وفي الوقت نفسه، تعرّض الأطفال لمخاطر متزايدة، من بينها التنمّر الإلكتروني، والتحرّش عبر الإنترنت، والمحتوى الضار، واستغلال البيانات الشخصية، والاستدراج الإلكتروني للأطفال، ومشاركة الصور من دون موافقة، وممارسات التصميم التي تعزّز الإدمان الرقمي، إضافة إلى أشكال جديدة من التلاعب التي تمكّنها الأنظمة الخوارزمية والوسائط الاصطناعية.

أثارت هذه التطورات قلقًا متزايدًا لدى الحكومات وأولياء الأمور والمربين ومنظمات المجتمع المدني والهيئات الدولية المعنية بحقوق الإنسان. واستجابة لذلك، بدأت عدة دول في دراسة أو اعتماد تدابير قانونية وسياسات عامة تهدف إلى تنظيم وصول الأطفال إلى المنصّات الرقمية، ولا سيما وسائل التواصل الاجتماعي. غير أن مثل هذه التدابير تثير تساؤلات قانونية وأخلاقية معقّدة. فجهود حماية الأطفال في الفضاء الرقمي يجب ألا تأتي على حساب حقوقهم في حرية التعبير، والخصوصية، والوصول إلى المعلومات، والتعليم، والمشاركة. ويقضي القانون الدولي لحقوق الإنسان بأن تكون أي قيود مفروضة قانونية وضرورية ومتناسبة، وأن تراعي القدرات المتطورة للطفل ومصلحته الفضلى.

في لبنان، أصبحت هذه النقاشات أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالمقترحات التشريعية الأخيرة، والمبادرات السياساتية، والنقاشات المؤسسية الجارية تعكس إدراكًا متزايدًا بأن البلاد تفتقر إلى إطار متكامل ينظّم حياة الأطفال في الفضاء الرقمي، ويعالج قضايا الجرائم الإلكترونية والعنف الرقمي واستخدام الذكاء الاصطناعي.

ويبحث هذا التقرير في هذه التطورات من منظور حقوق الإنسان. إذ يؤكد أن حماية الأطفال في البيئة الرقمية لا يمكن أن تقتصر على فرض قيود على الوصول إلى المنصّات. بل تتطلّب إطارًا شاملاً قائمًا على حقوق الإنسان يعالج مساءلة المنصّات الرقمية، وحماية البيانات الشخصية، والتعاون في مكافحة الجرائم الإلكترونية، وتعزيز الثقافة الرقمية، والتصدي للعنف القائم على النوع الاجتماعي عبر الإنترنت، وتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي، وذلك بما يتوافق مع التزامات لبنان القانونية الوطنية والدولية.

 

   3.         الاستجابات السياساتية العالمية لاستخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي

                 3.1.         أستراليا

في كانون الأول/ديسمبر 2025، اعتمدت أستراليا تشريعًا يلزم شركات وسائل التواصل الاجتماعي بمنع الأفراد الذين تقل أعمارهم عن ستة عشر عامًا من فتح حسابات على هذه المنصّات أو الاحتفاظ بها. ويُلزم القانون المنصّات بتطبيق آليات للتحقق من العمر، إضافة إلى إزالة الحسابات القائمة التي تعود إلى القاصرين.[1]

برّرت الحكومة الأسترالية هذا التشريع باعتباره إجراءً يهدف إلى حماية الأطفال من المحتوى الضار على الإنترنت، ومن الإفراط في استخدام الشاشات، ومن المخاطر النفسية المرتبطة بالتعرّض المطوّل لوسائل التواصل الاجتماعي.

غير أنّ هذا التشريع أثار نقاشًا واسعًا بين صانعي السياسات ومنظمات المجتمع المدني. وتشير بيانات استطلاعات الرأي إلى أنه رغم تأييد غالبية الأستراليين للهدف الكامن وراء الحظر، فإن كثيرين يعتقدون أن الأطفال سيجدون طرقًا للتحايل على هذه القيود، وأن تنفيذ القانون قد يواجه صعوبات عملية.[2]

                 3.2.         ماليزيا

في ماليزيا، اقترحت السلطات قيودًا مماثلة في إطار قانون السلامة على الإنترنت لعام 2025، قد تتضمن إلزام المستخدمين بالتحقق من هويتهم الرقمية عند استخدام المنصّات الإلكترونية. وقد أعربت منظمات المجتمع المدني عن مخاوفها من أن مثل هذه التدابير قد تخلق مخاطر كبيرة على الخصوصية وحرية التعبير.[3]

                 3.3.         الاتحاد الأوروبي

داخل الاتحاد الأوروبي، يميل صانعو السياسات عمومًا إلى اعتماد مقاربات تنظيمية تركّز على مساءلة المنصّات الرقمية بدلًا من فرض حظر مباشر على وصول الأطفال إلى وسائل التواصل الاجتماعي. ففي هذا السياق، تفرض أدوات تشريعية مثل قانون الخدمات الرقمية (Digital Services Act) واللائحة العامة لحماية البيانات (General Data Protection Regulation) التزامات على شركات التكنولوجيا للحد من المخاطر النظامية، وحماية بيانات المستخدمين، وتقييد الإعلانات الموجّهة إلى القاصرين.[4]

   4.         مخاوف حقوق الإنسان التي أثارها المجتمع المدني

أدى التوسع السريع في التقنيات الرقمية ومنصّات التواصل الاجتماعي إلى تصاعد سريع في النقاش العام حول تأثيرها على رفاه الأطفال ونموّهم وحقوقهم. وقد بدأت حكومات عديدة حول العالم في دراسة تدابير تشريعية تهدف إلى تقييد وصول الأطفال إلى منصّات التواصل الاجتماعي أو فرض التزامات على شركات التكنولوجيا للحد من الأضرار الرقمية. وعلى الرغم من أن العديد من هذه المبادرات تنطلق من مخاوف مشروعة تتعلق بسلامة الأطفال على الإنترنت، فقد أثارت منظمات المجتمع المدني، والمدافعون عن الحقوق الرقمية، وخبراء حماية الطفل، والمؤسسات المعنية بحقوق الإنسان، جملة من المخاوف المهمة بشأن الآثار غير المقصودة المحتملة لمثل هذه التدابير.

ولا تشكّك هذه المخاوف في الهدف المتمثل في حماية الأطفال في البيئة الرقمية، بل تؤكد أن الاستجابات التنظيمية يجب أن تبقى منسجمة مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وأن تعالج الأسباب الجذرية للأضرار الرقمية بدل الاكتفاء بالتركيز على تقييد وصول الأطفال إلى التكنولوجيا. ومن هذا المنطلق، دعت منظمات المجتمع المدني إلى اعتماد مقاربات تنظيمية متوازنة تجمع بين تدابير حماية الطفل والضمانات المتعلقة بحرية التعبير والخصوصية والوصول إلى المعلومات والمشاركة في الفضاءات الرقمية.

                 4.1.         مخاوف بشأن القيود الشاملة على وصول الأطفال إلى وسائل التواصل الاجتماعي

يُعدّ حظر أو تقييد وصول الأطفال إلى منصّات التواصل الاجتماعي دون سن معيّنة أحد أكثر الاستجابات السياساتية إثارة للنقاش في ما يتعلق بسلامة الأطفال على الإنترنت. وقد ظهرت مقترحات من هذا النوع في عدة ولايات قضائية، من بينها أستراليا والمملكة المتحدة وعدد من الدول الأخرى التي تدرس تشريعات تتعلق بحماية الأطفال في الفضاء الرقمي.

وقد أعربت منظمات المجتمع المدني عن مخاوف من أن الحظر الشامل على وصول الأطفال إلى وسائل التواصل الاجتماعي قد يثبت عدم فعاليته في الممارسة العملية. إذ تشير الأبحاث المتعلقة بالسلوك الرقمي إلى أن الأطفال والمراهقين غالبًا ما يمتلكون قدرًا كبيرًا من المعرفة الرقمية والقدرة التقنية على التكيّف. ونتيجة لذلك، قد يتمكنون بسهولة من التحايل على القيود القائمة على العمر، من خلال تقديم معلومات عمر غير صحيحة، أو استخدام حسابات بديلة، أو الدخول إلى المنصّات عبر أجهزة مشتركة، أو الانتقال إلى فضاءات رقمية أقل تنظيمًا.

وقد تؤدي مثل هذه النتائج إلى تقويض الهدف الوقائي المقصود من هذه القيود. فبدلًا من الحد من تعرّض الأطفال لبيئات رقمية ضارة، قد تدفع السياسات التقييدية الأطفال إلى منصّات تعمل بضمانات أقل، وأنظمة إشراف ومراقبة أضعف، أو مستويات أقل من الرقابة التنظيمية. وفي بعض الحالات، قد يسعى الأطفال أيضًا إلى الانضمام إلى مجتمعات إلكترونية يصعب على الأهل أو المربين أو السلطات متابعتها أو مراقبتها، الأمر الذي قد يزيد من احتمال تعرّضهم للمخاطر.

لذلك شدّدت منظمات المجتمع المدني على أن السياسات التي تركّز حصراً على تقييد وصول الأطفال إلى المنصّات قد لا تعالج بفعالية الأسباب الكامنة وراء الأضرار الرقمية. وبدلاً من ذلك، ترى هذه المنظمات أن التنظيم يجب أن يركّز على تصميم المنصّات الرقمية وتشغيلها ومساءلة الشركات المشغّلة لها، باعتبار أن العديد من المخاطر تنبع من طريقة عمل هذه المنصّات ونماذجها التجارية.

                 4.2.         مخاطر الخصوصية المرتبطة بآليات التحقق من العمر

يثير موضوع آليات التحقق من العمر قلقًا كبيرًا لدى منظمات المجتمع المدني، لا سيما تلك المعنية بالحقوق الرقمية، إذ غالبًا ما تُستخدم هذه الآليات لفرض القيود المفروضة على وصول الأطفال إلى منصّات التواصل الاجتماعي. ففي العديد من المقترحات التشريعية، يُطلب من المنصّات الرقمية التحقق من عمر المستخدمين لتحديد ما إذا كانوا مؤهلين لإنشاء حسابات أو الاحتفاظ بها.

وتعتمد أنظمة التحقق من العمر على مجموعة من المقاربات التكنولوجية المختلفة. فقد تتطلب من المستخدمين تحميل وثائق هوية رسمية صادرة عن الدولة، أو الاعتماد على تقنيات التعرّف إلى الوجه أو التحقق البيومتري، أو استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي لتقدير العمر استنادًا إلى صور الوجه، أو ربط الحسابات الإلكترونية بأنظمة الهوية الرقمية. ورغم أن هذه الأنظمة قد تسهم في تطبيق القيود القائمة على العمر، فإنها قد تخلق في الوقت ذاته مخاطر جديدة تتعلق بالخصوصية وحماية البيانات.

وقد حذّرت منظمات حقوق الإنسان وجماعات الدفاع عن الحقوق الرقمية من أن العديد من أنظمة التحقق من العمر تتطلب جمع ومعالجة بيانات شخصية شديدة الحساسية. وقد تشمل هذه البيانات مؤشرات بيومترية، وصور الوجه، ووثائق الهوية، أو معلومات شخصية أخرى يمكن استخدامها للتحقق من الهوية. وإذا جرى تخزين هذه البيانات أو معالجتها أو مشاركتها من قبل شركات خاصة من دون ضمانات كافية، فقد يعرّض ذلك الأطفال وأسرهم لمخاطر كبيرة تتعلق بالخصوصية.

كما أثارت احتمالات حدوث اختراقات للبيانات، أو مشاركة البيانات بصورة غير مصرح بها، أو إجراء عمليات تنميط للمستخدمين، أو إساءة استخدام المعلومات الشخصية، مخاوف جدية لدى منظمات المجتمع المدني. وإضافة إلى ذلك، فإن استخدام التقنيات البيومترية للتحقق من العمر قد يسهم في تطبيع أنظمة التحقق الواسعة من الهوية الرقمية، الأمر الذي قد تكون له آثار أوسع على الخصوصية وحرية التعبير في الفضاء الرقمي.

لذلك تؤكد منظمات المجتمع المدني أن أي أنظمة للتحقق من العمر يتم اعتمادها بهدف حماية الأطفال يجب أن تلتزم بمبادئ صارمة، من بينها تقليل جمع البيانات إلى الحد الأدنى، وتحديد الغرض من استخدامها، واعتماد مبدأ الخصوصية منذ مرحلة التصميم. كما يجب أن تخضع هذه الأنظمة لآليات رقابة مستقلة وضمانات تنظيمية شفافة، بما يضمن عدم استغلال البيانات الشخصية للأطفال أو تعريضها لسوء الاستخدام.

                 4.3.         المخاطر التي قد تطال حرية التعبير والوصول إلى المعلومات

كما شدّدت منظمات المجتمع المدني على أن القيود المفروضة على وصول الأطفال إلى المنصّات الرقمية قد تكون لها آثار على حقوقهم في حرية التعبير والوصول إلى المعلومات. وتكفل هذه الحقوق صكوك القانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك اتفاقية حقوق الطفل والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وفي البيئة الرقمية المعاصرة، تُعدّ منصّات التواصل الاجتماعي من القنوات الرئيسية التي يتبادل من خلالها الأفراد الأفكار، ويصلون إلى الأخبار والموارد التعليمية، ويشاركون في النقاشات العامة. وكثيرًا ما يعتمد الشباب على هذه المنصّات للحصول على معلومات حول القضايا الاجتماعية والفرص التعليمية والمبادرات المجتمعية. كما يستخدمون الفضاءات الرقمية للتعبير عن آرائهم، ومشاركة تجاربهم، والمشاركة في النقاشات التي تؤثر في مجتمعاتهم.

ومن هذا المنطلق، تحذّر منظمات المجتمع المدني من أن التدابير التقييدية المفرطة قد تحدّ من قدرة الأطفال على التفاعل مع المعلومات والمشاركة في النقاش العام. فبينما تبقى الحماية من المحتوى الضار هدفًا مشروعًا، يجب أن تضمن المقاربات التنظيمية في الوقت نفسه احتفاظ الأطفال بفرص حقيقية لممارسة حقوقهم في التواصل والمشاركة والتعبير.

تكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في المجتمعات التي قد لا تعكس فيها وسائل الإعلام التقليدية تنوّع وجهات نظر الشباب بصورة كافية، أو حيث توفّر المنصّات الرقمية مساحات مهمة للمشاركة المدنية وبناء المجتمعات. وقد يؤدي تقييد وصول الأطفال إلى الفضاءات الرقمية، من دون توفير قنوات بديلة للمشاركة، إلى إسكات أصواتهم في النقاش العام بشكل غير مقصود.

                 4.4.         العوامل البنيوية المسببة للأضرار الرقمية

في السنوات الأخيرة، أكدت منظمات المجتمع المدني والباحثون الأكاديميون بصورة متزايدة أن العديد من الأضرار التي يتعرض لها الأطفال على الإنترنت تنبع من البنية التصميمية للمنصّات الرقمية نفسها، وليس فقط من وجود الأطفال في الفضاء الرقمي. إذ تقوم منصّات التواصل الاجتماعي عادة على نماذج أعمال تعتمد على تعظيم تفاعل المستخدمين وجمع كميات كبيرة من البيانات الشخصية.

وتشكّل أنظمة التوصية الخوارزمية عنصرًا أساسيًا في هذه النماذج. فهذه الأنظمة تحلل سلوك المستخدمين بهدف اقتراح محتوى يُرجَّح أن يجذب انتباههم ويشجّعهم على مواصلة التفاعل مع المنصّة. ورغم أن هذه الأنظمة قد تحسّن تجربة المستخدم، فإنها قد تسهم أيضًا في تضخيم المحتوى المثير أو العاطفي أو المثير للجدل، لأن هذا النوع من المحتوى غالبًا ما يحقق معدلات تفاعل أعلى.

وبالنسبة للأطفال والمراهقين، قد تؤدي هذه الديناميكية إلى تعرّض مطوّل لمحتوى ضار أو مضلّل. كما قد تعزّز خوارزميات التوصية ما يُعرف بـ غرف الصدى، أو تعرّض المستخدمين الصغار لمواد قد تؤثر سلبًا في صحتهم النفسية ورفاههم.

إلى جانب هذا التضخيم الخوارزمي، تعتمد نماذج الإعلانات القائمة على البيانات، والتي تستخدمها العديد من منصّات التواصل الاجتماعي، بشكل كبير على جمع بيانات المستخدمين وتحليلها. إذ تقوم هذه الأنظمة بتتبّع سلوك المستخدمين عبر المنصّات المختلفة، وبناء ملفات تعريف مفصّلة عنهم، ثم استخدام هذه الملفات لتوجيه الإعلانات المخصّصة إليهم.

وقد أعربت منظمات المجتمع المدني عن مخاوف من أن مثل هذه الممارسات قد تكون إشكالية بشكل خاص عندما تُطبَّق على الأطفال. فالمستخدمون الصغار قد لا يدركون بالكامل الآثار المترتبة على جمع البيانات أو على ممارسات الإعلانات الموجّهة. ونتيجة لذلك، قد يتعرض الأطفال لرسائل تجارية تلاعبية أو لاستهداف سلوكي يستغل نقاط ضعفهم.

ومن هذا المنظور، ترى منظمات المجتمع المدني أن الاستجابات التنظيمية يجب ألا تقتصر على مسألة وصول الأطفال إلى المنصّات، بل ينبغي أن تتناول أيضًا الخصائص البنيوية الأوسع للنظم البيئية الرقمية. ولذلك قد تؤدي تدابير مثل فرض قيود على الإعلانات الموجّهة إلى القاصرين، واشتراط الشفافية في عمل الأنظمة الخوارزمية، وإلزام المنصّات بإجراء تقييمات للمخاطر، دورًا أساسيًا في حماية الأطفال في الفضاء الرقمي.

 

                 4.5.         الثقافة الرقمية وتمكين الأطفال

تؤكد جهات المجتمع المدني كذلك على أهمية التعليم وتعزيز الثقافة الرقمية في حماية الأطفال من الأضرار المرتبطة بالإنترنت. فبدلاً من الاعتماد حصراً على التدابير التنظيمية التقييدية، تدعو العديد من المنظمات إلى اعتماد استراتيجيات تمكّن الأطفال وأولياء الأمور والمربين من التعامل مع البيئات الرقمية بصورة آمنة ومسؤولة.

وقد تشمل مبادرات الثقافة الرقمية برامج تعليمية تتناول السلامة على الإنترنت، وحماية الخصوصية، وأساليب التواصل المسؤول، والتقييم النقدي للمحتوى الرقمي. ويمكن لهذه المبادرات أن تساعد الأطفال على اكتساب المهارات اللازمة للتعرّف إلى المحتوى الضار، وتجنب الاستغلال عبر الإنترنت، والتعامل بشكل مناسب مع حالات التنمّر الإلكتروني أو التحرّش.

كما يلعب الأهل والمربّون دورًا مهمًا في توجيه تجارب الأطفال الرقمية. ولذلك تشجّع منظمات المجتمع المدني على تطوير موارد دعم وبرامج توعية تساعد الأسر على فهم التقنيات الرقمية وتعزيز العادات الرقمية الصحية.

وتنطلق هذه المبادرات من إدراك أن الأطفال ليسوا مجرد متلقّين سلبيين للمحتوى الرقمي، بل مشاركون فاعلون في البيئات الرقمية. ومن ثمّ، فإن تمكين الأطفال من فهم هذه البيئات والتنقّل فيها بوعي قد يوفّر حماية أكثر استدامة من الاعتماد على التدابير التقييدية وحدها.

                 4.6.         نحو مقاربة تنظيمية متوازنة

إن المخاوف التي تثيرها منظمات المجتمع المدني لا تعني معارضة تنظيم المنصّات الرقمية أو رفض اعتماد سياسات تهدف إلى حماية الأطفال على الإنترنت. بل على العكس، تدعم العديد من هذه المنظمات بقوة تطوير أطر تنظيمية شاملة تعالج الأضرار الرقمية.

غير أن جهات المجتمع المدني تؤكد باستمرار أن التنظيم الفعّال يجب أن يوازن بين أهداف الحماية واحترام حقوق الإنسان. ولذلك ينبغي أن تتضمن الأطر التنظيمية تدابير تعالج مساءلة المنصّات الرقمية، وحماية البيانات، والشفافية الخوارزمية، والمسؤولية المؤسسية للشركات، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حقوق الأطفال في التعبير والوصول إلى المعلومات والمشاركة.

وتنطلق هذه المقاربة من إدراك أن التقنيات الرقمية تتيح للأطفال فرصًا مهمة بقدر ما تنطوي على مخاطر. ومن ثمّ، فإن حماية الأطفال في العصر الرقمي تتطلب سياسات تجمع بين الضمانات التي تمنع الضرر والتدابير التي تمكّن الأطفال من الاستفادة من الابتكار الرقمي بطرق آمنة وتمكينية.

وفي هذا السياق، يصبح دور المؤسسات المعنية بحقوق الإنسان، وصنّاع السياسات، والمربين، ومنظمات المجتمع المدني، وشركات التكنولوجيا دورًا أساسيًا. إذ إن تطوير أطر تنظيمية قادرة على حماية الأطفال بفعالية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الحقوق والحريات الأساسية التي تقوم عليها المجتمعات الديمقراطية، لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال جهود منسّقة بين هذه الجهات المختلفة.

 

   5.         الإطار الدولي لحقوق الإنسان

                 5.1.         اتفاقية حقوق الطفل

صادق لبنان على اتفاقية حقوق الطفل عام 1991. وتُقرّ الاتفاقية عددًا من الحقوق الأساسية ذات الصلة بمشاركة الأطفال في البيئات الرقمية. تنص المادة 13 على حق الطفل في حرية التعبير، بما في ذلك حرية التماس المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها عبر أي وسيلة إعلامية. وتعترف المادة 17 بأهمية ضمان وصول الأطفال إلى المعلومات التي تسهم في نموّهم وتطورهم. كما تحمي المادة 16 حق الطفل في الخصوصية. وبموجب الاتفاقية، يتعين على الدول أن تضمن أن التدابير الوقائية المعتمدة في البيئة الرقمية تحترم مبدأ التناسب وتأخذ في الاعتبار القدرات المتطورة للطفل.[5]

                 5.2.         العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية

لبنان هو أيضًا طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وتنص المادة 19 من العهد على حماية حرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومات. ويجب أن تستوفي أي قيود تُفرض على هذه الحقوق معايير الشرعية والضرورة والتناسب وفقًا للقانون الدولي.[6]

                 5.3.         لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل

في التعليق العام رقم 25 بشأن حقوق الطفل في البيئة الرقمية، شددت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل على ضرورة أن تضمن الدول تمكين الأطفال من الاستفادة بأمان من التقنيات الرقمية، مع حمايتهم في الوقت نفسه من الأضرار والمخاطر المرتبطة بالإنترنت.[7]

 

   6.         العوامل البنيوية للأضرار الرقمية

تُظهر الأبحاث المتزايدة في مجالات حوكمة الفضاء الرقمي وسياسات التكنولوجيا وحقوق الإنسان أن العديد من الأضرار التي يتعرض لها الأطفال والمراهقون عبر الإنترنت لا تنشأ فقط من وجودهم على المنصّات الرقمية. بل إن هذه الأضرار غالبًا ما ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالحوافز الاقتصادية الكامنة والبنية التكنولوجية وخصائص التصميم التي تقوم عليها هذه المنصّات.

فشركات وسائل التواصل الاجتماعي تعمل ضمن نماذج أعمال تعطي الأولوية لجذب انتباه المستخدمين، وجمع البيانات الشخصية، وتحويل المعلومات السلوكية إلى قيمة اقتصادية من خلال أنظمة الإعلانات الموجّهة. وتشكل هذه الخصائص البنيوية عاملًا مؤثرًا في كيفية تداول المعلومات عبر الإنترنت، وفي الطريقة التي يتفاعل بها المستخدمون، بمن فيهم الأطفال، مع البيئات الرقمية.

يقدّم تقرير منظمة العفو الدولية بعنوان «عمالقة المراقبة: كيف يهدّد نموذج أعمال غوغل وفيسبوك حقوق الإنسان» (2019) تحليلًا نقديًا لهذه الديناميات. إذ يجادل التقرير بأن نموذج الأعمال السائد لدى كبرى شركات التكنولوجيا يقوم على ما يُعرف بـ «رأسمالية المراقبة»، وهو نظام تقوم فيه الشركات بجمع كميات هائلة من البيانات الشخصية بصورة منهجية وتحليلها وتحويلها إلى قيمة اقتصادية بهدف التنبؤ بسلوك المستخدمين والتأثير فيه.

ويحفّز هذا النموذج تصميم المنصّات بطريقة تهدف إلى تعظيم تفاعل المستخدمين واستخراج أكبر قدر ممكن من البيانات، بدل إعطاء الأولوية لرفاه المستخدمين أو سلامتهم أو حماية حقوقهم الأساسية. [8]

في هذا الإطار، يمكن تحديد عدد من العوامل البنيوية المسببة للأضرار الرقمية. وتشمل هذه العوامل أنظمة التوصية الخوارزمية المصممة لتعظيم التفاعل، ونماذج الإعلانات القائمة على المراقبة التي تعتمد على جمع واسع النطاق للبيانات الشخصية والتنميط السلوكي للمستخدمين، إضافة إلى آليات تصميم الواجهات الرقمية التي تُهندَس لإطالة مدة انتباه المستخدم وتشجيع التفاعل المتكرر.

وتسهم هذه الأنظمة مجتمعة في خلق بيئات رقمية قد يتعرّض فيها الأطفال لمخاطر متزايدة، من بينها المحتوى الضار، والمعلومات المضللة، والتحرّش عبر الإنترنت، وأنماط الاستخدام الرقمي المفرط أو القهري.

                 6.1.         أنظمة التوصية الخوارزمية وتضخيم المحتوى الضار

تُعدّ أنظمة التوصية الخوارزمية إحدى أكثر السمات البنيوية تأثيرًا في منصّات التواصل الاجتماعي المعاصرة. إذ تحدّد هذه الأنظمة نوع المحتوى الذي يظهر في صفحات المستخدمين، ومقاطع الفيديو التي تُقترح عليهم لاحقًا، والمنشورات التي تُعرض بصورة أكثر بروزًا. وبدلًا من عرض المعلومات بشكل زمني أو عشوائي، تعتمد المنصّات على خوارزميات معقّدة تقوم بتحليل سلوك المستخدمين بهدف التنبؤ بالمحتوى الأكثر قدرة على جذب الانتباه وتشجيع التفاعل المستمر.

وتعتمد هذه الخوارزميات على مجموعة واسعة من الإشارات السلوكية، من بينها الوقت الذي يقضيه المستخدم في مشاهدة محتوى معيّن، والمنشورات التي يضغط عليها بالإعجاب أو يشاركها، والحسابات التي يتابعها، وأنماط تفاعله مع المستخدمين الآخرين. ومن خلال تحليل هذه المؤشرات، تحاول الأنظمة الخوارزمية تحديد المحتوى الأكثر احتمالًا لإثارة ردود فعل عاطفية قوية أو جذب الانتباه لفترات أطول.

ورغم أن هذه الأنظمة قد تحسّن تجربة المستخدم من خلال اقتراح محتوى يتوافق مع اهتماماته، فإنها تخلق في الوقت نفسه حوافز قوية لتضخيم المواد المثيرة أو المشحونة عاطفيًا. وتشير الأبحاث إلى أن المحتوى الذي يثير الغضب أو الاستياء أو الخوف أو الجدل غالبًا ما يحقق مستويات أعلى من التفاعل. ونتيجة لذلك، قد تعمل أنظمة التوصية الخوارزمية بصورة غير متناسبة على تعزيز انتشار المحتوى المستقطِب أو المضلِّل أو الضار.

وبالنسبة للأطفال والمراهقين، قد تكون لهذه الديناميكية آثار كبيرة. فقد يواجه المستخدمون الصغار محتوى يروّج لمعايير جسدية غير واقعية، أو سلوكيات إيذاء النفس، أو تحديات خطرة، أو معلومات مضللة، أو أفكار متطرفة. وبمجرد أن يتفاعل المستخدم مع هذا النوع من المحتوى، قد تستمر الخوارزميات في اقتراح مواد مشابهة، ما يعزز التعرض لها من خلال عملية يُشار إليها غالبًا بـ «أنفاق الخوارزميات» أو ما يُعرف بالـ rabbit holes.

وقد جادلت منظمة العفو الدولية وغيرها من منظمات حقوق الإنسان بأن آليات التضخيم الخوارزمي هذه ليست مجرد نتيجة عرضية، بل ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالحوافز الاقتصادية التي يقوم عليها نموذج أعمال المنصّات. فبما أن عائدات الإعلانات ترتبط مباشرة بمدة الوقت الذي يقضيه المستخدمون على المنصّات، تمتلك الشركات حوافز قوية لتصميم أنظمة تعظّم التفاعل، حتى عندما يؤدي هذا التفاعل إلى تعريض المستخدمين لمحتوى ضار.

                 6.2.         الإعلانات القائمة على المراقبة واستخراج البيانات

يُعدّ نموذج الإعلانات القائمة على المراقبة أحد العوامل البنيوية الأساسية الأخرى التي تسهم في الأضرار الرقمية، وهو النموذج الذي تقوم عليه الاستراتيجيات التجارية للعديد من منصّات التكنولوجيا الكبرى. ووفقًا لهذا النموذج، تقوم الشركات بجمع كميات واسعة من المعلومات حول سلوك المستخدمين على الإنترنت، واهتماماتهم، وعلاقاتهم، وتفضيلاتهم. ثم تُستخدم هذه المعلومات لبناء ملفات تعريف سلوكية مفصّلة تتيح توجيه إعلانات شديدة الاستهداف.

وتصف منظمة العفو الدولية هذا النظام بأنه يقوم على المراقبة المستمرة للمستخدمين عبر البيئات الرقمية المختلفة. إذ لا تُجمع البيانات من النشاط داخل منصّة واحدة فحسب، بل أيضًا من التفاعلات عبر مواقع إلكترونية وتطبيقات متعددة. ومن خلال تقنيات التتبع مثل ملفات تعريف الارتباط (cookies)، ومعرّفات الأجهزة، وحزم تطوير البرمجيات المدمجة في التطبيقات (SDKs)، تستطيع المنصّات بناء سجلات مفصّلة عن عادات التصفح لدى المستخدمين، واستعلامات البحث، وبيانات الموقع الجغرافي، وتفاعلاتهم مع المحتوى على الإنترنت.

وبالنسبة للأطفال، يثير جمع هذه البيانات مخاوف جدية تتعلق بالخصوصية والاستقلالية. فالمستخدمون الصغار قد لا يدركون بشكل كامل كيفية جمع بياناتهم أو الكيفية التي تُستخدم بها هذه البيانات لأغراض تجارية. كما أنهم قد يكونون أكثر عرضة لممارسات الإعلانات الموجّهة التي تستغل نقاط ضعفهم العاطفية أو المرتبطة بمرحلة نموّهم.

وقد تؤدي أنظمة الإعلانات الموجّهة إلى الترويج لمنتجات أو خدمات أو محتوى يتوافق مع الملفات السلوكية التي يتم إنشاؤها من خلال تحليل البيانات. فعلى سبيل المثال، قد يتلقى المستخدمون الذين يتفاعلون مع أنواع معينة من المحتوى إعلانات تتعلق بمنتجات الحمية الغذائية، أو الإجراءات التجميلية، أو رسائل تسويقية أخرى قد تكون ضارة. وفي بعض الحالات، قد تسهم هذه الإعلانات في تعزيز صور نمطية ضارة أو تشجيع سلوكيات قد تؤثر سلبًا في رفاه الأطفال.

كما يخلق نموذج الإعلانات القائم على المراقبة حوافز قوية للمنصّات لجمع أكبر قدر ممكن من البيانات الشخصية. فكلما زادت كمية البيانات التي تجمعها الشركة، ازدادت قدرتها على التنبؤ بسلوك المستخدمين وتوجيه الإعلانات بدقة أكبر. وكما تشير منظمة العفو الدولية، فإن هذه الديناميكية قد تولّد ضغوطًا منهجية لتوسيع نطاق جمع البيانات، غالبًا بطرق قد تقوّض حقوق الخصوصية وتحدّ من قدرة الأفراد على التحكم في معلوماتهم الشخصية.

                 6.3.         تصميم الواجهات الرقمية واستحواذ الانتباه

إلى جانب أنظمة التوصية الخوارزمية ونماذج الإعلانات القائمة على المراقبة، تعتمد العديد من منصّات التواصل الاجتماعي أيضًا على استراتيجيات تصميم الواجهات التي تهدف إلى تعظيم تفاعل المستخدمين. وغالبًا ما تستند هذه الخصائص التصميمية إلى مبادئ علم النفس السلوكي، وتُصمَّم خصيصًا لتشجيع المستخدمين على البقاء في المنصّات لفترات زمنية أطول.

ومن الأمثلة على هذه الخصائص آليات التمرير اللانهائي للمحتوى، ووظائف التشغيل التلقائي لمقاطع الفيديو، والإشعارات الفورية التي تنبّه المستخدمين إلى تفاعلات جديدة، إضافة إلى المؤشرات البصرية مثل زر «الإعجاب» أو عدّادات التفاعل التي تعزز الشعور بالقبول الاجتماعي. ويمكن لهذه العناصر التصميمية أن تخلق حلقات تغذية راجعة تشجّع على التفاعل المتكرر والاستخدام المطوّل.

وبالنسبة للأطفال والمراهقين، قد تسهم هذه الآليات التصميمية في نشوء أنماط من الاستخدام المفرط للشاشات أو التفاعل القهري مع المنصّات الرقمية. وقد يشعر المستخدمون الصغار بضغط للبقاء متصلين باستمرار للحفاظ على علاقاتهم الاجتماعية، أو للرد على الرسائل، أو لمتابعة التفاعلات التي تحدث عبر الإنترنت.

تشير الأبحاث النفسية إلى أن خصائص مثل المكافآت المتقطعة وإشارات التقدير الاجتماعي يمكن أن تنشّط استجابات سلوكية مشابهة لتلك التي تُلاحظ في بيئات المقامرة. فالإشعارات، وعلامات الإعجاب، والتعليقات توفّر دفعات صغيرة ومتكررة من التغذية الراجعة الاجتماعية، مما يشجّع المستخدمين على التحقق من المنصّات بشكل متكرر.

وقد أشارت منظمة العفو الدولية ومنظمات أخرى إلى أن مثل هذه الممارسات التصميمية تثير تساؤلات أخلاقية عندما تُطبّق على المستخدمين الصغار. فإذا كانت المنصّات تُصمَّم عمدًا لالتقاط انتباه المستخدمين والاحتفاظ به، فقد يجد الأطفال صعوبة في الانفصال عن البيئات الرقمية، حتى عندما يؤثر الاستخدام المطوّل سلبًا في أنماط النوم أو الأداء الدراسي أو الصحة النفسية.

                 6.4.         التعرّض للمعلومات المضللة والسرديات الضارّة

من النتائج الأخرى لتصميم المنصّات القائم على تعظيم التفاعل الانتشار السريع للمعلومات المضللة والسرديات الضارّة. إذ إن الأنظمة الخوارزمية المصمّمة لإعطاء الأولوية للمحتوى الذي يحقق مستويات عالية من التفاعل قد تسهم، من دون قصد، في الترويج لمعلومات مضللة أو غير دقيقة إذا كان هذا المحتوى يثير تفاعلًا كبيرًا لدى المستخدمين.

وفي سياق التجارب الرقمية للأطفال، قد تشمل المعلومات المضللة نصائح صحية خاطئة، أو نظريات مؤامرة، أو تمثيلات مشوّهة لقضايا اجتماعية مختلفة. وقد يكون المستخدمون الصغار، الذين يفتقرون إلى المهارات أو الخبرة اللازمة لتقييم المعلومات الرقمية بشكل نقدي، أكثر عرضة للتأثر بمثل هذا المحتوى.

وعلاوة على ذلك، قد تسهم الأنظمة الخوارزمية في تضخيم مجتمعات أو شبكات رقمية تروّج لسلوكيات ضارّة، بما في ذلك حملات التحرّش، أو السرديات المتطرفة، أو الأيديولوجيات التمييزية. ورغم أن المنصّات قد اعتمدت سياسات للإشراف على المحتوى بهدف الحد من انتشار المواد الضارّة، فإن تحديات التنفيذ تبقى كبيرة نظرًا لحجم المعلومات المتداولة عبر الإنترنت وسرعة انتشارها.

ولذلك شدّدت منظمات المجتمع المدني على أهمية الشفافية والمساءلة في تصميم وتشغيل الأنظمة الخوارزمية. فبدون قدر أكبر من الشفافية حول كيفية عمل خوارزميات التوصية، يصبح من الصعب على الجهات التنظيمية والباحثين والجمهور تقييم تأثير هذه الأنظمة في رفاه المستخدمين وفي طبيعة النقاش العام داخل المجتمعات الديمقراطية.

                 6.5.         الآثار المترتبة على حقوق الطفل

إن العوامل البنيوية المسببة للأضرار الرقمية، كما جرى وصفها أعلاه، تحمل آثارًا مهمة على حماية حقوق الطفل في البيئة الرقمية. فـ اتفاقية حقوق الطفل تقرّ بأن الأطفال يتمتعون ليس فقط بالحق في الحماية من الأذى، بل أيضًا بالحق في الخصوصية وحرية التعبير والوصول إلى المعلومات والمشاركة في الحياة الثقافية والاجتماعية.

وعندما تُصمَّم المنصّات الرقمية بطريقة تعطي الأولوية لاستخراج البيانات وجذب انتباه المستخدمين، قد تتأثر هذه الحقوق. فممارسات جمع البيانات الواسعة قد تقوّض حق الأطفال في الخصوصية، كما أن التضخيم الخوارزمي للمحتوى الضار قد يعرّضهم لمواد تؤثر في رفاههم أو في نموّهم. كذلك قد تسهم خصائص التصميم القائمة على تعظيم التفاعل في ظهور أنماط من الاعتماد الرقمي تؤثر في الصحة النفسية.

ومن منظور حقوق الإنسان، فإن مواجهة هذه التحديات تتطلب أكثر من مجرد تقييد وصول الأطفال إلى التقنيات الرقمية. بل تستدعي أيضًا فحص الحوافز البنيوية التي تشكّل طريقة عمل المنصّات الرقمية والطريقة التي تُصمَّم بها البيئات الرقمية.

                 6.6.         نحو تنظيم بنيوي للمنصّات الرقمية

إن إدراك العوامل البنيوية المسببة للأضرار الرقمية دفع العديد من صانعي السياسات والمدافعين عن حقوق الإنسان إلى الدعوة لاعتماد مقاربات تنظيمية تعالج مسؤوليات شركات التكنولوجيا نفسها. وقد تشمل هذه المقاربات إلزام المنصّات بإجراء تقييمات لتأثير تقنياتها على حقوق الإنسان، وفرض متطلبات للشفافية فيما يتعلق بالأنظمة الخوارزمية، وفرض قيود على الإعلانات الموجّهة إلى القاصرين، وتعزيز حماية البيانات الشخصية للأطفال.

وقد ينظر المنظّمون أيضًا في اعتماد معايير تصميم ملائمة لأعمار الأطفال تُلزم المنصّات بإعطاء الأولوية لسلامة الأطفال ورفاههم في المنتجات والخدمات الرقمية التي يستخدمونها. ويمكن أن تشمل هذه المعايير فرض قيود على خصائص التصميم التي تعزّز الإدمان الرقمي، وتوفير ضمانات أوضح لحماية الخصوصية، وتعزيز آليات الإبلاغ عن المحتوى الضار.

وفي نهاية المطاف، فإن حماية الأطفال في البيئات الرقمية تتطلب تحولًا في التركيز التنظيمي. فبدل اعتبار وجود الأطفال على الإنترنت المصدر الرئيسي للمخاطر، ينبغي على صانعي السياسات إدراك أن العديد من الأضرار تنشأ من بنية النظام البيئي الرقمي والحوافز الاقتصادية التي تحكمه. ومن ثمّ، فإن معالجة هذه العوامل البنيوية تُعدّ أمرًا أساسيًا لإنشاء بيئات رقمية تحترم حقوق الأطفال، وتدعم نموّهم وتطورهم، وتضمن أن يتقدم الابتكار التكنولوجي بما يتماشى مع الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان.

 

   7.         الإطار القانوني في لبنان

تشير التطورات الأخيرة في لبنان إلى تزايد الإدراك بضرورة معالجة المخاطر المرتبطة باستخدام الأطفال للتقنيات الرقمية. وعلى الرغم من وجود عدد من القوانين التي توفّر حماية جزئية ذات صلة بالأطفال في البيئة الرقمية، فإن لبنان لا يمتلك حاليًا إطارًا تنظيميًا شاملًا يعالج مسألة وصول الأطفال إلى منصّات التواصل الاجتماعي.

                 7.1.         مبادرة مجلس الوزراء لإعداد استراتيجية وطنية

شهدت مسألة وصول الأطفال إلى الإنترنت ومنصّات التواصل الاجتماعي في لبنان مؤخرًا اهتمامًا متزايدًا في إطار مبادرات تشريعية وسياساتية ناشئة. ففي 26 شباط/فبراير 2026، اعتمد مجلس الوزراء اللبناني القرار رقم 13 (المحضر رقم 52)، الذي وافق بموجبه على تشكيل لجنة وزارية مشتركة مكلّفة بإعداد استراتيجية وطنية شاملة لتنظيم وتوجيه استخدام الأطفال للإنترنت والتطبيقات الرقمية.

وجاء هذا القرار بناءً على اقتراح تقدّمت به وزارة الإعلام، واستند إلى عدد من النصوص القانونية القائمة، من بينها قانون العقوبات اللبناني (المرسوم الاشتراعي رقم 340/1943)، وقانون حماية الأحداث المخالفين للقانون أو المعرّضين للخطر (القانون رقم 422/2002)، وقانون حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري (القانون رقم 293/2014)، وقانون المعاملات الالكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي (القانون رقم 81/2018).

ويقرّ قرار مجلس الوزراء بأن هذه القوانين توفّر حماية جزئية فقط في المجال الرقمي، وأن لبنان يفتقر حاليًا إلى إطار سياساتي أو تنظيمي متكامل يعالج المخاطر المرتبطة باستخدام الأطفال للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. وبناءً عليه، نصّ القرار على تشكيل لجنة وزارية تضم وزراء الإعلام، والعدل، والاتصالات، والشؤون الاجتماعية، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والتربية والتعليم العالي، والداخلية والبلديات، والبيئة، إضافة إلى رئيس الفريق الوطني المعني بمكافحة الجرائم الإلكترونية ورئيس الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان.

وتتولى هذه اللجنة إعداد خطة وطنية لتنظيم وتوجيه استخدام الأطفال للمنصّات والتطبيقات الرقمية، بالتنسيق مع المؤسسات العامة المعنية ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية ذات الصلة، ولا سيما منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف).

ويأتي هذا التوجّه في إطار التزامات لبنان بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما اتفاقية حقوق الطفل التي صادق عليها لبنان عام 1990، والتي تلزم الدولة باتخاذ التدابير المناسبة لضمان حماية الطفل ومراعاة مصالحه الفضلى، بما في ذلك في البيئة الرقمية.

وتضمّ اللجنة ممثلين عن عدد من الوزارات المعنية، إضافة إلى الفريق الوطني المختص بمكافحة الجرائم الإلكترونية ورئيس الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، بما يعكس توجّهًا نحو اعتماد مقاربة تشاركية تجمع بين الجهات الحكومية والأجهزة المتخصصة والمؤسسات الوطنية المستقلة في معالجة قضايا حماية الأطفال في البيئة الرقمية.

 

                 7.2.         مشروع قانون حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من قبل القاصرين

يهدف مشروع القانون الذي تقدّم به النائب طوني فرنجية في 25 شباط/فبراير 2026 إلى إنشاء إطار قانوني ينظّم وصول الأطفال إلى منصّات التواصل الاجتماعي في لبنان. ويعرّف الاقتراح القاصر بأنه كل شخص لم يتم الرابعة عشرة من عمره، وينصّ على حظر قيام منصّات التواصل الاجتماعي بإنشاء حسابات أو تفعيلها للأفراد دون هذا السن.

ويلزم مشروع القانون مزوّدي الخدمات العاملين في لبنان باعتماد آليات فعّالة للتحقق من العمر تراعي الخصوصية، بما في ذلك أنظمة التحقق عبر أولياء الأمور، وأدوات التحقق الرقمي من العمر، أو التقنيات القائمة على الذكاء الاصطناعي، وذلك لضمان الامتثال للحد الأدنى للعمر المحدد. كما يتضمّن المشروع ضمانات لحماية البيانات الشخصية للقاصرين، من خلال حظر جمع بيانات الأطفال أو استغلالها أو بيعها لأغراض تجارية أو إعلامية.

ويتضمن المشروع أيضًا أحكامًا تتعلق بإنفاذ القانون، إذ يفرض عقوبات جزائية على المنصّات غير الملتزمة تتراوح بين الحبس لمدة تتراوح بين ثلاثة أشهر وسنتين، وغرامات مالية تتراوح بين خمسة وعشرين ضعفًا للحد الأدنى الرسمي للأجور. كما يمنح وزارة الاتصالات صلاحية تعليق عمل المنصّة جزئيًا أو كليًا في حال تكرار المخالفات.

ويستثني مشروع القانون بصورة محدودة منصّات التعليم الإلكتروني وتطبيقات التواصل التعليمية، كما يمنح مزوّدي الخدمات مهلة ثلاثة أشهر من تاريخ نشر القانون في الجريدة الرسمية لتسوية أوضاعهم بما يتوافق مع أحكامه. أما التدابير التنفيذية فيُفترض أن تُعدّ بشكل مشترك بين وزارتي الاتصالات والشؤون الاجتماعية.

وتشير المذكرة التفسيرية المرافقة للمشروع إلى المخاطر المتزايدة المرتبطة بالتعرّض المبكر لوسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك التنمّر الإلكتروني، والتعرّض للمحتوى الضار، والاستغلال عبر الإنترنت، والآثار السلبية المحتملة على الصحة النفسية للأطفال. كما تؤكد المذكرة التزامات لبنان بموجب القانون الدولي، ولا سيما اتفاقية حقوق الطفل، في ضمان حماية الأطفال في البيئة الرقمية.

 

   8.         تقييم الاقتراح اللبناني في ضوء المعايير الدولية لحقوق الإنسان

يعكس مشروع القانون المقترح في لبنان لحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من قبل القاصرين دون سن الرابعة عشرة مخاوف مشروعة تتعلق بالمخاطر المحتملة المرتبطة بتعرّض الأطفال للمنصّات الرقمية. وتشمل هذه المخاطر التنمّر الإلكتروني، والتعرّض للمحتوى الضار، والاستغلال عبر الإنترنت، إضافة إلى الأضرار النفسية المرتبطة بالاستخدام المفرط للوسائط الرقمية.

ومع ذلك، يجب تقييم المبادرات التشريعية التي تنظّم وصول الأطفال إلى التقنيات الرقمية في إطار القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما المعايير التي حدّدتها لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل وغيرها من الهيئات الدولية المعنية بحماية حقوق الأطفال في البيئة الرقمية.

                 8.1.         مدى توافق المشروع مع اتفاقية حقوق الطفل

تُلزم اتفاقية حقوق الطفل الدول الأطراف بضمان احترام حقوق الأطفال وحمايتها وإعمالها في جميع البيئات، بما في ذلك البيئة الرقمية. وقد أوضحت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل هذه الالتزامات في التعليق العام رقم 25 بشأن حقوق الطفل في البيئة الرقمية، الذي اعتُمد عام 2021. وأكدت اللجنة أن البيئة الرقمية أصبحت عنصرًا محوريًا في إعمال حقوق الأطفال، وأن الابتكارات التكنولوجية تؤثر في حقوقهم المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بطرق مترابطة.

ويؤكد التعليق العام رقم 25 أن الوصول الفعّال إلى التقنيات الرقمية يمكن أن يدعم الأطفال في ممارسة مجموعة واسعة من الحقوق، بما في ذلك الحق في التعليم، والوصول إلى المعلومات، وحرية التعبير، والمشاركة الثقافية، والتنمية الاجتماعية. وفي الوقت نفسه، تقرّ اللجنة بأن البيئات الرقمية قد تعرّض الأطفال لمخاطر كبيرة، من بينها الاستغلال، وانتهاكات الخصوصية، والمحتوى الضار، والسلوكيات المسيئة.

وبناءً على ذلك، تدعو اللجنة الدول إلى اعتماد أطر تنظيمية تضمن حماية الأطفال من الأضرار وتمكينهم في الوقت ذاته من الاستفادة من التقنيات الرقمية. وتؤكد اللجنة، بصورة خاصة، أن السياسات العامة والتدابير التنظيمية في المجال الرقمي يجب أن تراعي المصلحة الفضلى للطفل، واحترام حقوقه الأساسية، ومبدأ التناسب، وأن توازن بين متطلبات الحماية وتمكين الأطفال من المشاركة الفاعلة في البيئة الرقمية.

وتؤكد اللجنة أن التدابير الوقائية يجب أن تحترم مبادئ التناسب والضرورة ومراعاة القدرات المتطورة للطفل. ولذلك قد تثير القيود الشاملة التي تستبعد الأطفال كليًا من البيئات الرقمية مخاوف إذا أدّت إلى تقييد غير متناسب لحقوقهم في الوصول إلى المعلومات والمشاركة والتعبير.

وفي السياق اللبناني، يثير الحظر المقترح القائم على العمر تساؤلات حول ما إذا كان المنع الكامل لوصول الأطفال دون الرابعة عشرة إلى منصّات التواصل الاجتماعي يشكّل استجابة متناسبة للمخاطر المحددة. فبينما تُعدّ حماية الأطفال هدفًا مشروعًا بموجب القانون الدولي، يتعيّن على الدول أن تُثبت أن التدابير التقييدية ضرورية بالفعل، وأنه لا توجد بدائل أقل تقييدًا يمكن أن تحقق الهدف الوقائي نفسه.

 

                 8.2.         التحقق من العمر ومخاوف الخصوصية

ينصّ مشروع القانون على إلزام المنصّات الرقمية بتطبيق آليات للتحقق من العمر بهدف منع القاصرين من إنشاء حسابات. وعلى الرغم من أن تقنيات التحقق من العمر قد تسهم في تعزيز حماية الأطفال على الإنترنت، فإن الهيئات الدولية المعنية بحقوق الإنسان أشارت إلى المخاطر المحتملة التي قد تطرحها هذه الآليات على صعيد الخصوصية.

ويؤكد التعليق العام رقم 25 الصادر عن لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل أن جمع ومعالجة البيانات الشخصية للأطفال في البيئات الرقمية يجب أن يخضعا لأعلى معايير حماية الخصوصية. كما يتعيّن على الدول ضمان اعتماد مزوّدي الخدمات الرقمية مبدأ الخصوصية منذ مرحلة التصميم ومبدأ تقليل جمع البيانات إلى الحد الأدنى عند معالجة بيانات الأطفال.

وتعتمد العديد من أنظمة التحقق من العمر على تقديم بيانات شخصية حساسة، مثل وثائق الهوية الرسمية الصادرة عن الدولة، أو تقنيات التعرّف إلى الوجه، أو أدوات التحقق البيومترية. وقد تؤدي هذه الآليات إلى خلق مخاطر جديدة للأطفال إذا جرى تخزين بياناتهم الشخصية أو معالجتها من قبل شركات خاصة من دون ضمانات كافية.

ولهذا السبب، حذّرت منظمات حقوق الإنسان من أن أنظمة التحقق من العمر يجب أن تُصمَّم بعناية لتجنّب جمع بيانات شخصية غير ضرورية، ولضمان الامتثال للمعايير الدولية لحماية الخصوصية. ومن منظور حقوق الإنسان، ينبغي أن تعطي تدابير التحقق من العمر الأولوية للتقنيات التي تحافظ على الخصوصية وأن تخضع لآليات رقابة مستقلة لمنع إساءة استخدام البيانات الشخصية للأطفال.

                 8.3.         العوامل البنيوية المسببة للأضرار في المنصّات الرقمية

تتعلق مسألة أخرى أساسية بالأسباب البنيوية الكامنة وراء العديد من الأضرار الرقمية التي يتعرض لها الأطفال. إذ تشير الأبحاث والتحليلات السياساتية التي أجرتها منظمات حقوق الإنسان، بما في ذلك برنامج التكنولوجيا وحقوق الإنسان في منظمة العفو الدولية، إلى أن العديد من المخاطر المرتبطة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي ترتبط بالتصميم البنيوي للمنصّات الرقمية نفسها، وليس فقط بوجود الأطفال على الإنترنت.

فالكثير من منصّات التواصل الاجتماعي تعتمد على نماذج أعمال قائمة على المراقبة، ترتكز على جمع كميات كبيرة من البيانات الشخصية، إلى جانب أنظمة توصية خوارزمية مصمَّمة لتعظيم تفاعل المستخدمين. وقد تؤدي هذه الأنظمة إلى تضخيم المحتوى المثير أو المشحون عاطفيًا، والذي قد يشمل مواد ضارّة أو مضللة. ونتيجة لذلك، قد يتعرّض المستخدمون، بمن فيهم الأطفال، لمحتوى يمكن أن يؤثر سلبًا في رفاههم أو في صحتهم النفسية.

ومن هذا المنظور، قد تفشل المقاربات التنظيمية التي تركز حصراً على تقييد وصول المستخدمين الصغار إلى المنصّات في معالجة العوامل البنيوية المسببة للأضرار الرقمية. ولذلك يذهب عدد متزايد من خبراء حقوق الإنسان إلى ضرورة أن تركّز الأطر التنظيمية على ضمان أن تعمل المنصّات الرقمية بطريقة تحترم حقوق الإنسان، بما في ذلك حقوق الطفل.

وقد تشمل هذه الأطر فرض متطلبات الشفافية الخوارزمية، وفرض قيود على الإعلانات الموجّهة إلى القاصرين، وإلزام المنصّات بإجراء تقييمات لتأثير تقنياتها على حقوق الإنسان قبل نشرها أو تعديلها.

                 8.4.         حقوق الطفل في المشاركة والوصول إلى المعلومات

يعترف القانون الدولي لحقوق الإنسان بأن الأطفال مشاركون فاعلون في الحياة الاجتماعية والمدنية وليسوا مجرد متلقّين سلبيين للحماية. وتؤكد اتفاقية حقوق الطفل حق الأطفال في التعبير عن آرائهم، والوصول إلى المعلومات، والمشاركة في الأنشطة الثقافية والاجتماعية.

وفي العصر الرقمي، غالبًا ما تشكّل منصّات التواصل الاجتماعي مساحات مهمة يشارك من خلالها الشباب في النقاشات العامة، ويتبادلون الخبرات، ويصلون إلى الموارد التعليمية. ولذلك يؤكد التعليق العام رقم 25 الصادر عن لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل ضرورة أن تضمن الدول تمكين الأطفال من المشاركة بصورة فعّالة في البيئات الرقمية، مع توفير الحماية لهم من المخاطر والأضرار.

وقد تؤدي القيود الشاملة على وصول الأطفال إلى منصّات التواصل الاجتماعي إلى الحدّ، من دون قصد، من فرص المشاركة والانخراط في الحياة العامة. فعلى سبيل المثال، يستخدم الشباب كثيرًا المنصّات الرقمية للحصول على معلومات حول الشؤون العامة، والمشاركة في الحركات الاجتماعية، والتعبير عن آرائهم بشأن القضايا التي تؤثر في مجتمعاتهم.

ومن ثمّ ينبغي أن تسعى المقاربات التنظيمية إلى تحقيق توازن بين الحماية والمشاركة. فبدلًا من استبعاد الأطفال بالكامل من الفضاءات الرقمية، يمكن لصانعي السياسات النظر في تدابير تعزّز بيئات رقمية أكثر أمانًا، مع الحفاظ في الوقت نفسه على فرص الأطفال في ممارسة حقوقهم.

                 8.5.         دور المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان

يشير التعليق العام رقم 25 الصادر عن لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل إلى الدور المهم الذي تؤديه المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان في رصد وحماية حقوق الأطفال في البيئة الرقمية. وتوصي اللجنة بتمكين هذه المؤسسات من تلقي شكاوى الأطفال، والتحقيق في الانتهاكات المرتبطة بالحقوق الرقمية، وتوفير الإشراف على تنفيذ السياسات التي تؤثر في الأطفال على الإنترنت.

وفي لبنان، يمثّل إشراك الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في اللجنة الوزارية المشتركة التي أنشأها مجلس الوزراء خطوة مهمة نحو ضمان أخذ حقوق الأطفال الرقمية في الاعتبار ضمن إطار أوسع قائم على حقوق الإنسان.

كما يمكن للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان أن تؤدي دورًا أساسيًا في تقييم الآثار الحقوقية لمشاريع القوانين المقترحة، وتعزيز الوعي العام بحقوق الأطفال في البيئة الرقمية، وضمان توافق الأطر التنظيمية مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

                 8.6.         نحو مقاربة تنظيمية متوازنة

يعكس مشروع القانون اللبناني مخاوف مشروعة تتعلق بسلامة الأطفال في البيئات الرقمية. غير أن المعايير الدولية لحقوق الإنسان تشير إلى أن التنظيم الفعّال ينبغي أن يعالج كلًا من المخاطر المرتبطة بتفاعل الأطفال مع الفضاء الرقمي ومسؤوليات شركات التكنولوجيا التي تدير هذه المنصّات.

ومن ثمّ، يمكن لإطار تنظيمي متوازن أن يجمع بين عدة عناصر، من بينها معايير تصميم رقمية ملائمة لأعمار الأطفال، وتعزيز حماية البيانات الشخصية للأطفال، وإرساء آليات للمساءلة والشفافية الخوارزمية، إضافة إلى مبادرات الثقافة الرقمية التي تهدف إلى تمكين الأطفال وأولياء الأمور من التعامل مع البيئات الرقمية بصورة آمنة ومسؤولة.

وتتوافق هذه المقاربة مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، كما تعكس إدراكًا بأن حماية الأطفال في العصر الرقمي تتطلب تعاونًا بين الحكومات وشركات التكنولوجيا والمربين ومنظمات المجتمع المدني لضمان بيئات رقمية آمنة تحترم حقوق الطفل وتدعم نموّه وتطوّره.

 

   9.         تعزيز الإطار القانوني للسلامة الرقمية ومكافحة الجرائم الإلكترونية

إن حماية الأطفال بفعالية في البيئات الرقمية لا تقتصر على وضع سياسات تتعلق بالوصول إلى منصّات التواصل الاجتماعي فحسب، بل تتطلب أيضًا إطارًا قانونيًا شاملًا قادرًا على الاستجابة للتحديات الأوسع التي تطرحها الجرائم الإلكترونية، والأدلة الرقمية، والتحقيقات الرقمية العابرة للحدود. فبسبب الطبيعة العالمية للمنصّات الرقمية، غالبًا ما تنطوي الأضرار التي يتعرض لها الأطفال على الإنترنت، مثل التنمّر الإلكتروني، والاستغلال عبر الإنترنت، والتحرّش، ونشر المحتوى الضار، على فاعلين ومنصّات وبنى تحتية تقع في ولايات قضائية متعددة. ونتيجة لذلك، أصبح من الضروري أن تعمل الأطر القانونية الوطنية ضمن منظومات أوسع للتعاون الدولي.

وفي هذا السياق، أسهمت التطورات الأخيرة في القانون الدولي في تعزيز البنية التنظيمية لمكافحة الجرائم الإلكترونية وتنظيم الأدلة الرقمية. ويُعدّ اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجرائم الإلكترونية خطوة مهمة نحو إرساء إطار قانوني عالمي للتصدي للجرائم المرتكبة عبر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة أن تحترم تدابير التحقيق حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

                 9.1.         اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجرائم الإلكترونية

في 24 كانون الأول/ديسمبر 2024، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجرائم الإلكترونية بموجب القرار رقم 79/243. وتمثل هذه الاتفاقية أول معاهدة دولية شاملة تهدف تحديدًا إلى معالجة الجرائم المرتكبة عبر أنظمة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. ويعكس اعتماد الاتفاقية إدراكًا دوليًا متزايدًا بأن الجرائم الإلكترونية تمثل تحديًا عابرًا للحدود يتطلب استجابات دولية منسّقة.

وتضع الاتفاقية إطارًا قانونيًا يهدف إلى تعزيز قدرة الدول على منع الجرائم الإلكترونية والتحقيق فيها وملاحقتها قضائيًا، مع تسهيل التعاون الدولي في جمع الأدلة الإلكترونية وتبادلها. وتسعى الاتفاقية إلى توحيد التشريعات الجنائية الوطنية المتعلقة بجرائم الفضاء الإلكتروني، وتطوير أدوات تحقيق تتلاءم مع البيئات الرقمية، وإنشاء آليات للتعاون العابر للحدود بين سلطات إنفاذ القانون.

كما تعترف المعاهدة بأن التحقيق في الجرائم الإلكترونية يتطلب في كثير من الأحيان الوصول إلى أدلة رقمية موجودة خارج الولاية القضائية للدولة التي تجري التحقيق. ولذلك تنص الاتفاقية على إجراءات تهدف إلى تسهيل التعاون الدولي، بما في ذلك المساعدة القانونية المتبادلة، وتبادل المعلومات، وآليات الحصول على الأدلة الإلكترونية المخزّنة في الخارج.

وفي الوقت نفسه، تؤكد الاتفاقية على ضرورة ضمان أن تُمارَس سلطات التحقيق في المجال الرقمي بما يتوافق مع القانون الدولي لحقوق الإنسان. ولهذا تتضمن أحكامًا تلزم الدول الأطراف بضمان أن التدابير المعتمدة لمكافحة الجرائم الإلكترونية تحترم الحقوق والحريات الأساسية، بما في ذلك الحق في الخصوصية، وحرية التعبير، وضمانات الإجراءات القانونية الواجبة.

                 9.2.         دخول الاتفاقية حيّز النفاذ وإجراءات التوقيع

وفقًا للمادة 64 من الاتفاقية، فُتح باب التوقيع على المعاهدة في هانوي يومي 25 و26 تشرين الأول/أكتوبر 2025، ثم في مقر الأمم المتحدة في نيويورك حتى 31 كانون الأول/ديسمبر 2026. وتنص المادة 65 كذلك على أن الاتفاقية ستدخل حيّز النفاذ بعد تسعين يومًا من إيداع الصك الأربعين للتصديق أو القبول أو الانضمام.

وبمجرد دخولها حيّز التنفيذ، يُتوقع أن تشكّل الاتفاقية أداة دولية أساسية لتنظيم التعاون بين الدول في التحقيقات المتعلقة بالجرائم الإلكترونية وتبادل الأدلة الرقمية. كما تهدف إلى تعزيز التعاون القانوني الدولي، وتطوير الضمانات الإجرائية المرتبطة بالتحقيقات الرقمية، وتعزيز احترام حقوق الإنسان في سياق مكافحة الجرائم الإلكترونية.

وبالنسبة للدول التي تواجه تحديات متزايدة مرتبطة بالجرائم الرقمية، يمكن أن يسهم الانضمام إلى هذه الاتفاقية بشكل كبير في تعزيز قدرة السلطات الوطنية على التحقيق في الجرائم المرتبطة بالبنى التحتية الرقمية العابرة للحدود.

                 9.3.         أهمية الاتفاقية في حماية الأطفال

أدى الاستخدام المتزايد للمنصّات الرقمية من قبل الأطفال إلى ارتفاع ملحوظ في الأضرار التي يتعرض لها القاصرون عبر الإنترنت. وتشمل هذه الأضرار التنمّر الإلكتروني، والتحرّش، وتوزيع المحتوى الضار أو الاستغلالي، والاستدراج عبر الإنترنت، وأشكالًا أخرى من الإساءة الرقمية. وغالبًا ما تنطوي هذه الجرائم على فاعلين يعملون عبر ولايات قضائية متعددة أو يستخدمون بنى تحتية رقمية مستضافة في دول مختلفة.

ولذلك تؤدي آليات التعاون الدولي دورًا أساسيًا في تمكين السلطات الوطنية من التحقيق في هذه الجرائم وملاحقة مرتكبيها بفعالية. وتهدف اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجرائم الإلكترونية إلى تعزيز هذا التعاون من خلال وضع أطر إجرائية مشتركة للتحقيقات الرقمية وجمع الأدلة الإلكترونية.

وفي سياق حماية الأطفال، يمكن أن تسهم الاتفاقية في تعزيز استجابات أجهزة إنفاذ القانون للجرائم التي تنطوي على استغلال الأطفال أو الإساءة إليهم في البيئات الرقمية. فمن خلال تسهيل الوصول إلى الأدلة الرقمية وتمكين التحقيقات العابرة للحدود، يمكن للمعاهدة أن تعزّز قدرة السلطات الوطنية على تحديد هوية الجناة وحماية الضحايا.

وفي الوقت نفسه، تؤكد الاتفاقية على ضرورة توفير ضمانات إجرائية تكفل ألا تؤدي صلاحيات التحقيق في المجال الرقمي إلى تقويض حقوق الإنسان. ولذلك يجب أن تلتزم التحقيقات التي تتضمن الاتصالات الرقمية أو تقنيات المراقبة أو اعتراض البيانات بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان المتعلقة بحماية الخصوصية، وضمانات الإجراءات القانونية الواجبة، وحرية التعبير.

                 9.4.         الإطار القانوني اللبناني

على الصعيد الوطني، اعتمد لبنان عددًا من التدابير التشريعية ذات الصلة بتنظيم البيئة الرقمية. ويُعدّ من أبرز هذه التشريعات القانون رقم 81 الصادر في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2018 بشأن المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي، الذي يشكّل الإطار القانوني الأساسي المنظّم للاتصالات الإلكترونية والتوقيع الإلكتروني وبعض جوانب حماية البيانات الشخصية.

ويضع القانون رقم 81/2018 قواعد تنظّم المعاملات الإلكترونية وآليات التحقق الرقمي وبعض جوانب الأمن السيبراني. كما يتضمن أحكامًا تتعلق بحماية البيانات الشخصية التي تتم معالجتها عبر الأنظمة الإلكترونية، وتهدف هذه الأحكام إلى تنظيم جمع البيانات الشخصية وتخزينها ومعالجتها من قبل الجهات العامة والخاصة العاملة في لبنان.

ورغم أن القانون رقم 81/2018 يمثّل خطوة مهمة نحو تنظيم الأنشطة الرقمية داخل البلاد، فإنه لا يعالج بصورة كاملة التحديات الأوسع المرتبطة بالجرائم الإلكترونية والتحقيقات الرقمية. فعلى وجه الخصوص، لا يضع القانون إطارًا شاملاً للتعاون الدولي في التحقيقات المتعلقة بالجرائم الإلكترونية أو لتبادل الأدلة الإلكترونية مع الجهات القضائية في الدول الأخرى.

كما أن هذا القانون قد اعتُمد قبل التسارع الكبير في النقاشات السياساتية العالمية المتعلقة بتنظيم المنصّات الرقمية، والمساءلة الخوارزمية، وحقوق الأطفال في البيئة الرقمية. ولذلك قد تكون هناك حاجة إلى إصلاحات تشريعية إضافية لضمان بقاء الإطار القانوني اللبناني متوافقًا مع المعايير الدولية المتطورة في هذا المجال.

                 9.5.         لبنان واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجرائم الإلكترونية

لم ينضمّ لبنان حتى الآن إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجرائم الإلكترونية. ويمكن أن يسهم الانضمام إلى هذه المعاهدة بشكل كبير في تعزيز قدرة لبنان على التحقيق في الجرائم الإلكترونية وملاحقة مرتكبيها قضائيًا، إضافة إلى تسهيل التعاون الدولي في الحصول على الأدلة الإلكترونية.

فالمشاركة في الاتفاقية من شأنها أن تتيح للسلطات اللبنانية الاستفادة من آلياتها المتعلقة بالمساعدة القانونية المتبادلة والتعاون العابر للحدود. وقد يكون ذلك مهمًا بصورة خاصة في القضايا التي تنطوي على جرائم رقمية تؤثر في الأطفال وتتعلق بمنصّات أو فاعلين موجودين خارج الأراضي اللبنانية.

كما يمكن أن يسهم الانضمام إلى الاتفاقية في مواءمة الإطار القانوني اللبناني مع المعايير الدولية المتطوّرة المتعلقة بالعدالة الرقمية وحماية البيانات وحقوق الإنسان في البيئة الرقمية. إذ تؤكد الاتفاقية ضرورة أن تُجرى التحقيقات في الجرائم الإلكترونية بما يحترم الحقوق الأساسية والضمانات الإجرائية، بما في ذلك حماية الخصوصية وحرية التعبير.

وبالنسبة للبنان، فإن اعتماد هذه المعايير قد يعزّز الاستجابة الوطنية للجرائم الإلكترونية، ويدعم في الوقت نفسه الجهود الأوسع لتنظيم المنصّات الرقمية بطرق تحمي المستخدمين، بمن فيهم الأطفال، من الأضرار.

                 9.6.         دمج تنظيم الجرائم الإلكترونية ضمن سياسات حماية الطفل

يتطلّب التصدي للمخاطر التي يتعرض لها الأطفال عبر الإنترنت مقاربة متكاملة تجمع بين إنفاذ القانون الجنائي، وتنظيم المنصّات الرقمية، وضمانات حماية البيانات، والمبادرات التعليمية التي تعزّز الثقافة الرقمية. ولا يمكن لتشريعات مكافحة الجرائم الإلكترونية وحدها أن تعالج بصورة كاملة التحديات المعقّدة المرتبطة بتفاعل الأطفال مع التقنيات الرقمية. ومع ذلك، يبقى وجود أطر قانونية فعّالة للتحقيق في الجرائم الرقمية عنصرًا أساسيًا ضمن الاستراتيجيات الأوسع الرامية إلى حماية الأطفال على الإنترنت.

ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز القدرات القانونية للبنان في مجال مكافحة الجرائم الإلكترونية يمكن أن يكمّل المبادرات السياساتية الأخرى، بما في ذلك إعداد استراتيجيات وطنية لتنظيم استخدام الأطفال للتقنيات الرقمية وتعزيز بيئات رقمية أكثر أمانًا.

كما أن مواءمة التشريعات الوطنية مع الصكوك القانونية الدولية، مثل اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجرائم الإلكترونية، قد تمكّن لبنان من تعزيز قدرته على مكافحة الجرائم الرقمية، مع ضمان أن تبقى الاستجابات التنظيمية متوافقة مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

                 9.7.         حماية النساء من العنف الرقمي عبر الإنترنت

قُدّم إلى مجلس النواب اللبناني بتاريخ  25 شباط 2026 مشروع قانون لحماية النساء من العنف الرقمي. وقد أُعدّ الاقتراح بدعم من منظمة “FEMALE”، وقدّمه عدد من النواب، من بينهم بلال عبد الله، بولا يعقوبيان، جميل السيد، طوني فرنجية، ندى البستاني، حليمة القعقور، سجيع عطية، وميشال الدويهي. ويهدف مشروع القانون إلى إنشاء إطار قانوني شامل لمنع وتجريم والتصدي لأشكال العنف الميسّر بالتكنولوجيا التي تستهدف النساء.

ويقدّم المشروع تعريفًا واسعًا للعنف الرقمي ضد النساء، يشمل الأفعال المرتكبة عبر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتي تمسّ كرامة المرأة أو خصوصيتها أو سلامتها النفسية أو أمنها. كما يجرّم مجموعة من الأفعال، من بينها الملاحقة الإلكترونية، والتحرّش عبر الإنترنت، وانتحال الهوية، والابتزاز الإلكتروني، ونشر الصور الحميمة دون موافقة، واستخدام المنصّات الرقمية للتهديد أو الترهيب أو الاستغلال.

ولا يقتصر المشروع على العقوبات الجزائية، بل يتضمن أيضًا آليات حماية للضحايا، مثل إصدار أوامر حماية قضائية، وتوفير آليات سهلة للإبلاغ عن الانتهاكات، وإتاحة خدمات الدعم القانوني والاجتماعي والنفسي. كما ينصّ على تدابير مؤسسية ووقائية تهدف إلى تعزيز التنسيق بين أجهزة إنفاذ القانون والسلطات القضائية ومنظمات المجتمع المدني، إضافة إلى تطوير برامج توعية واستراتيجيات وقائية لمواجهة العنف الرقمي القائم على النوع الاجتماعي. وبذلك يشكّل مشروع القانون خطوة تشريعية مهمة لمعالجة الأشكال المستجدة للعنف عبر الإنترنت وتعزيز حماية حقوق النساء في لبنان بما يتماشى مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

ورغم أن مشروع قانون حماية النساء من العنف الرقمي (2025) يركّز أساسًا على مواجهة العنف الميسّر بالتكنولوجيا ضد النساء، فإن عددًا من أحكامه يسهم بصورة غير مباشرة في تعزيز حماية الأطفال والمراهقين في البيئة الرقمية. إذ يضع المشروع إطارًا قانونيًا واسعًا للتصدي لأشكال الإساءة والتحرّش والاستغلال عبر الإنترنت، وهي ممارسات كثيرًا ما تطال القاصرين أيضًا.

أولًا، يجرّم المشروع مجموعة من السلوكيات الرقمية مثل الملاحقة الإلكترونية، والتحرّش عبر الإنترنت، وانتحال الهوية، والابتزاز الإلكتروني، ونشر الصور أو البيانات الشخصية دون موافقة. وتُعدّ هذه الأفعال من أكثر أشكال الأذى الرقمي التي يتعرض لها الأطفال والمراهقون، ولا سيما الفتيات. ومن خلال تجريم هذه الأفعال وفرض عقوبات على مرتكبيها، يسهم التشريع المقترح في ردع السلوكيات الضارّة عبر الإنترنت وتعزيز المساءلة عن الانتهاكات الرقمية.

ثانيًا، يتضمن القانون تدابير قضائية وقائية، بما في ذلك إمكانية حصول الضحايا على أوامر حماية والاستفادة من خدمات الدعم. وتكتسب هذه الآليات أهمية خاصة بالنسبة للأطفال الذين قد يكونون ضحايا للتنمّر الإلكتروني أو الاستدراج أو الاستغلال الرقمي، إذ يمكن أن تسهم إجراءات الإبلاغ وسبل الانتصاف القانونية في توفير الحماية والمساعدة لهم في الوقت المناسب.

ثالثًا، يعزّز المشروع التنسيق المؤسسي وحملات التوعية بين السلطات العامة وأجهزة إنفاذ القانون ومنظمات المجتمع المدني بهدف منع العنف الرقمي. وتُعدّ هذه التدابير الوقائية ضرورية لحماية الأطفال في البيئة الرقمية، لأنها تشجّع على ممارسات رقمية أكثر أمانًا، وتحسّن آليات الإبلاغ، وتعزّز قدرة المؤسسات على الاستجابة للأضرار التي تحدث عبر الإنترنت.

وأخيرًا، يعترف مشروع القانون بالمخاطر المجتمعية الأوسع المرتبطة بإساءة استخدام التقنيات الرقمية، ويؤكد ضرورة اعتماد سياسات تحمي الكرامة والخصوصية والأمن الشخصي في الفضاءات الرقمية. وتنسجم هذه المبادئ مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، بما في ذلك اتفاقية حقوق الطفل، التي تلزم الدول بحماية الأطفال من جميع أشكال العنف والاستغلال والإساءة، بما في ذلك تلك التي تحدث من خلال التقنيات الرقمية.

وبذلك، ورغم أن المشروع يركّز أساسًا على حماية النساء، فإن أحكامه تسهم في تحقيق هدف أوسع يتمثل في حماية الفئات الأكثر هشاشة، بما في ذلك الأطفال، من العنف الميسّر بالتكنولوجيا، وتعزيز بناء بيئة رقمية أكثر أمانًا ومساءلة في لبنان.

10.         تعزيز الإطار القانوني لتنظيم الذكاء الاصطناعي في لبنان

تشير التطورات التشريعية والسياساتية الأخيرة في لبنان إلى إدراك متزايد لدى صانعي السياسات بضرورة تنظيم التقنيات الرقمية الناشئة، ولا سيما الذكاء الاصطناعي، ومعالجة آثارها على حقوق الإنسان والخصوصية وحوكمة الفضاء الرقمي وحماية الأطفال في البيئات الإلكترونية. ومع تزايد تأثير المنصّات الرقمية والأنظمة الخوارزمية وأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في مجالات التواصل والنشاط الاقتصادي والإدارة العامة، بدأت السلطات اللبنانية في استكشاف آليات مؤسسية وتشريعية قادرة على تنظيم هذه التقنيات.

وبمجملها، تعكس هذه المبادرات بداية تبلور إطار تنظيمي وطني يعالج الأضرار الرقمية، وحوكمة الذكاء الاصطناعي، والتحولات الأوسع في النظام الرقمي في لبنان. غير أن المشهد التنظيمي الحالي لا يزال مجزّأً، وستعتمد فعالية هذه المبادرات إلى حد كبير على تطوير ضمانات قانونية متماسكة ومتوافقة مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

             10.1.         الأطر السياساتية الناشئة لحوكمة الفضاء الرقمي

في شباط/فبراير 2026، اعتمد مجلس الوزراء اللبناني القرار رقم 13 (المحضر رقم 52) الذي يقضي بإنشاء لجنة وزارية مشتركة مكلّفة بإعداد استراتيجية وطنية شاملة لتوجيه وتنظيم استخدام الأطفال للإنترنت والتطبيقات الرقمية. وقد جاءت هذه المبادرة بناءً على اقتراح تقدّمت به وزارة الإعلام، وتعكس تزايد القلق بشأن تأثير التقنيات الرقمية على الأطفال والمخاطر المرتبطة بالبيئات الإلكترونية.

ويقرّ قرار مجلس الوزراء بأن عددًا من القوانين اللبنانية يوفّر حماية جزئية ذات صلة بالأنشطة الرقمية، غير أن لبنان لا يمتلك حاليًا إطارًا تنظيميًا متكاملًا ينظّم استخدام الأطفال للمنصّات الرقمية والتقنيات الناشئة.

ومن بين الأدوات القانونية القائمة التي أشار إليها القرار:

  • قانون العقوبات اللبناني (المرسوم الاشتراعي رقم 340 لعام 1943)
    قانون حماية الأحداث المخالفين للقانون أو المعرّضين للخطر (القانون رقم 422 لعام 2002)
    قانون حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري (القانون رقم 293 لعام 2014)
    قانون المعاملات الالكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي (القانون رقم 81 لعام 2018)

ورغم أن هذه النصوص القانونية توفّر بعض الضمانات، فإنها اعتُمدت قبل التوسع السريع في استخدام المنصّات الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تعالج بصورة شاملة التحديات المعاصرة لحوكمة الفضاء الرقمي.

كما يؤكد قرار مجلس الوزراء التزامات لبنان بموجب اتفاقية حقوق الطفل، التي تلزم الدول بضمان حماية الأطفال ومراعاة مصالحهم الفضلى في جميع البيئات، بما في ذلك الفضاءات الرقمية.

             10.2.         المبادرات التشريعية لمعالجة مخاطر وسائل التواصل الاجتماعي

بالتوازي مع هذه المبادرات السياساتية، قدّم عدد من المشرّعين اللبنانيين مقترحات تشريعية تهدف إلى معالجة مخاطر رقمية محددة تؤثر على الأطفال.

ومن بين هذه المقترحات مشروع قانون قدّمه النائب طوني فرنجية في 25 شباط/فبراير 2026، يقضي بحظر استخدام منصّات التواصل الاجتماعي من قبل القاصرين الذين تقل أعمارهم عن أربع عشرة سنة. ويُلزم الاقتراح المنصّات الرقمية العاملة في لبنان باعتماد آليات للتحقق من عمر المستخدمين ومنع القاصرين من إنشاء حسابات على هذه المنصّات.

كما يتضمن مشروع القانون أحكامًا تهدف إلى تعزيز حماية البيانات الشخصية للقاصرين، من خلال حظر الاستغلال التجاري لبيانات الأطفال أو جمعها دون إذن.

ويعكس هذا الاقتراح تزايد القلق إزاء الأضرار المحتملة المرتبطة بالتعرّض المبكر لمنصّات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك التنمّر الإلكتروني، والتعرّض لمحتوى ضار أو غير ملائم، والاستغلال عبر الإنترنت.

غير أنّ هذه القيود، كما أُشير سابقًا في هذا التقرير، تثير أيضًا تساؤلات سياساتية وقانونية معقّدة تتعلق بمبدأ التناسب وفعالية التدابير المقترحة ومدى توافقها مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، ولا سيما تلك المتعلقة بحرية التعبير والوصول إلى المعلومات.

             10.3.         معالجة الأضرار الناتجة عن المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي

إلى جانب تنظيم وسائل التواصل الاجتماعي، بدأ المشرّعون اللبنانيون أيضًا في معالجة الأضرار الناشئة المرتبطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي.

وفي هذا السياق، قُدّم عام 2026 مشروع قانون بعنوان: “مشروع قانون يجرّم إنشاء أو تعديل أو استخدام صور ومقاطع فيديو حميمة أو خادشة للحياء مولَّدة أو معدَّلة بواسطة الذكاء الاصطناعي دون موافقة الشخص المعني”، وذلك بهدف معالجة المشكلة المتزايدة المتمثلة في التلاعب السمعي البصري الاصطناعي المعروف باسم “الديب فايك” (Deepfakes).

ويقضي الاقتراح، الذي قدّمته النائبة عناية عبد الله إلى جانب عدد من النواب، بتجريم إنشاء أو تعديل أو نشر محتوى مولَّد بواسطة الذكاء الاصطناعي يُظهر أشخاصًا في أوضاع حميمة أو مهينة دون موافقتهم الصريحة.

كما يقرّ المشروع مسؤولية قانونية على الأفراد الذين ينتجون أو يوزعون أو يسهلون تداول هذا النوع من المحتوى المزيّف عبر المنصّات الرقمية. والأهم من ذلك أنه يوسّع نطاق المسؤولية ليشمل مطوّري أو مزوّدي أدوات الذكاء الاصطناعي التي تُصمَّم عمدًا لأغراض مسيئة أو يُعلم أنها تُستخدم لإنتاج محتوى ضار.

ويتضمن مشروع القانون عقوبات تشمل الحبس والغرامات المالية ومصادرة الأجهزة أو البرمجيات المستخدمة في ارتكاب الجريمة. كما ينصّ على تشديد العقوبات في الحالات التي يكون فيها الضحية قاصرًا أو عندما يتم نشر المحتوى المزيّف على نطاق واسع عبر المنصّات الرقمية، وذلك اعترافًا بالأذى المتزايد الذي قد تلحقه هذه الأفعال بالفئات الأكثر هشاشة.

 

             10.4.         التطوير المؤسسي لحوكمة الذكاء الاصطناعي

إلى جانب الجهود التشريعية التي تتناول أضرارًا رقمية محددة، بدأ لبنان أيضًا في النظر في آليات مؤسسية أوسع لتنظيم تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وفي أيلول/سبتمبر 2025، وافق مجلس الوزراء اللبناني على مشروع قانون يقضي بإنشاء وزارة تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي (MITAI). وتهدف هذه المبادرة إلى تحويل وزارة الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي القائمة إلى وزارة كاملة الصلاحيات تتولى تنسيق الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي في لبنان.

وتسعى المبادرة، التي قادها الوزير كمال شحادة، إلى تعزيز البنية التحتية الرقمية في لبنان، وتطوير الأطر التنظيمية الخاصة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وتشجيع الابتكار التكنولوجي في كلٍّ من الإدارة العامة والقطاع الخاص.

ووفقًا لمشروع القانون المحال إلى مجلس النواب بموجب المرسوم رقم 12867 الصادر في 19 أيلول/سبتمبر 2025، ستتولى الوزارة المقترحة مجموعة من المهام الأساسية، من بينها:

  • وضع الاستراتيجيات الوطنية للتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي
    • الإشراف على المنظومة الرقمية الوطنية
    • تعزيز سياسات الأمن السيبراني
    • حماية البيانات الشخصية
    • دعم الابتكار الرقمي وريادة الأعمال

كما ينص مشروع القانون على إنشاء مديريات متخصصة تتولى تنفيذ سياسات الحوكمة الرقمية الوطنية، من بينها:

  • مديرية التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
    • مديرية الأمن السيبراني وحماية البيانات
    • مديرية الاقتصاد الرقمي وريادة الأعمال

وفي حال إقرار هذا المشروع، فإن إنشاء وزارة تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي سيمثل خطوة مؤسسية مهمة نحو توحيد مسؤوليات الحوكمة الرقمية ضمن سلطة حكومية متخصصة.

             10.5.         اقتراح إنشاء الهيئة الوطنية للذكاء الاصطناعي

بالتوازي مع هذه المبادرات المؤسسية، اقترح عدد من النواب اللبنانيين إنشاء هيئة تنظيمية مستقلة مخصّصة لحوكمة الذكاء الاصطناعي.

وفي 4 حزيران/يونيو 2025، قدّم النواب إدغار طرابلسي، جبران باسيل، جورج عطالله، سيزار أبي خليل، نقولا صحناوي، وجيمي جبور مشروع قانون لإنشاء الهيئة الوطنية للذكاء الاصطناعي.

وبموجب مشروع القانون، ستعمل الهيئة المقترحة كهيئة وطنية مستقلة تتولى تطوير والإشراف على الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي في لبنان.

ووفقًا لنص المشروع، تُكلَّف الهيئة بالمهام التالية:

  • إعداد الاستراتيجية الوطنية لقطاع الذكاء الاصطناعي
    • اقتراح الأطر التنظيمية التي تحكم تقنيات الذكاء الاصطناعي
    • متابعة تنفيذ السياسات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي
    • الإشراف على الاستخدام الأخلاقي والمسؤول لتقنيات الذكاء الاصطناعي
    • اقتراح إصلاحات تشريعية عند الحاجة

كما تنصّ مسودة القانون على أن تقوم الهيئة برفع تقارير دورية إلى مجلس الوزراء عبر وزير الاتصالات.

ويتضمن الهيكل المؤسسي المقترح مشاركة ممثلين عن المؤسسات الحكومية وقطاع تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي ومنظمات المجتمع المدني المتخصصة في التقنيات الرقمية.

ويؤكد مشروع القانون أهمية مواءمة تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي مع الأهداف التشريعية والسياسات العامة للبنان، بما في ذلك تعزيز الشفافية، وضمان الوصول إلى المعلومات، وتشجيع الابتكار التكنولوجي، وترسيخ مبادئ الحوكمة المسؤولة.

كما يسلّط الضوء على ضرورة تعزيز القدرات الوطنية في مجالات التعليم والبحث العلمي والتطوير التكنولوجي، بما يضمن قدرة لبنان على الاستفادة من الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، مع الحدّ في الوقت نفسه من المخاطر المحتملة التي قد تطال المجتمع والحقوق الأساسية.

             10.6.         مخاوف المجتمع المدني والسيادة الرقمية

إلى جانب المبادرات الحكومية، أعربت منظمات المجتمع المدني في لبنان عن مخاوف بشأن التداعيات المرتبطة بحوكمة التحول الرقمي الجاري في البلاد.

وقد تابعت منظمة SMEX-  Social Media Exchange، وهي منظمة لبنانية تُعنى بالحقوق الرقمية، عن كثب التطورات المتعلقة بحوكمة الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية في لبنان. وأثارت منظمات المجتمع المدني جملة من المخاوف المرتبطة بالشفافية وحماية البيانات والمخاطر الناجمة عن الاعتماد على مزوّدي التكنولوجيا الأجانب.

وعلى وجه الخصوص، حذّرت SMEX من أن الاعتماد على مزوّدي التكنولوجيا الخارجيين في إدارة البنية التحتية الرقمية الوطنية قد يعرّض السيادة الرقمية للبنان وحماية البيانات الشخصية للمواطنين لمخاطر محتملة.

وقد تعزّزت هذه المخاوف عقب الإعلان في كانون الأول/ديسمبر 2025 عن اتفاق مع شركة التكنولوجيا Oracle لتقديم برامج تدريب في مجال الذكاء الاصطناعي لنحو 50 ألف مشارك في لبنان. ورغم تأكيد الحكومة أن الاتفاق لا يمنح الشركات الأجنبية حق الوصول إلى بيانات القطاع العام، أعربت منظمات المجتمع المدني عن قلقها من أن غياب ضمانات تنظيمية كافية قد يعرّض معلومات حساسة لإمكانية الوصول من قبل جهات خارجية.

كما أشار مراقبون إلى نقاط ضعف في الإطار الحالي لحماية البيانات في لبنان. فعلى الرغم من أن القانون رقم 81 الصادر في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2018 بشأن المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي يوفّر أساسًا قانونيًا لتنظيم معالجة البيانات الشخصية، فإنه لم يُنفَّذ بشكل كامل حتى الآن، كما يفتقر إلى آليات رقابة مستقلة وقوية.

لذلك، دعت منظمات المجتمع المدني إلى تعزيز الضمانات المؤسسية لضمان الشفافية في حوكمة الفضاء الرقمي، وتعزيز المساءلة في الشراكات التكنولوجية بين القطاعين العام والخاص، وضمان حماية فعّالة للبيانات الشخصية.

             10.7.         نحو إطار لحوكمة الذكاء الاصطناعي قائم على حقوق الإنسان

وتُظهر هذه المبادرات مجتمعة أن لبنان بدأ بالفعل في تطوير إطار مؤسسي وتشريعي للتعامل مع التحديات التي تطرحها تقنيات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية.

إلا أن المشهد التنظيمي الحالي لا يزال مجزّأً ويحتاج إلى مزيد من التوحيد والتنسيق من أجل ضمان حوكمة متماسكة وفعّالة.

وسيتطلب تطوير إطار تنظيمي فعّال للذكاء الاصطناعي معالجة عدد من القضايا الأساسية، من بينها:

  • حماية الخصوصية والبيانات الشخصية
    • المساءلة عن أنظمة اتخاذ القرار الخوارزمية
    • وضع ضمانات لمواجهة التحرّش الرقمي والتلاعب بالمحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي
    • حماية الأطفال في البيئات الرقمية
    • تعزيز الشفافية والرقابة على استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي من قبل السلطات العامة

إن إدماج هذه الضمانات ضمن أطر الحوكمة الرقمية سيكون أمرًا حاسمًا لضمان أن يتطور الابتكار التكنولوجي في لبنان بما يتوافق مع حقوق الإنسان، ومبادئ الحوكمة الديمقراطية، وحماية الفئات الأكثر هشاشة في العصر الرقمي.

11.         التوصيات والنتائج

في ضوء النتائج التي خلص إليها هذا التقرير، ينبغي على الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب الدعوة إلى اعتماد مقاربة وطنية منسّقة وقائمة على حقوق الإنسان لحوكمة الفضاء الرقمي، بما يضمن حماية الأطفال، وصون الخصوصية، وتعزيز المساءلة عن المنصّات الرقمية وأنظمة الذكاء الاصطناعي، ومواءمة القوانين والمؤسسات اللبنانية مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

وينبغي على الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب أن تضع نفسها كفاعل مستقل ومحوري ضمن الإطار الناشئ للحقوق الرقمية في لبنان. ويتعيّن عليها إصدار آراء رسمية بشأن مشاريع القوانين، ومراقبة آثارها على حقوق الإنسان، والانخراط في الحوار مع الوزارات ومجلس النواب، والدفاع عن تنظيم رقمي قائم على حقوق الإنسان يراعي خصوصية الأطفال ويحترم الخصوصية.

كما ينبغي للهيئة أن تستكشف آليات لتلقي الشكاوى وتوثيقها فيما يتعلق بالأضرار الرقمية التي قد يتعرض لها الأطفال وسائر الفئات الأكثر هشاشة.

ومن خلال هذا الدور، يمكن للهيئة أن تسهم في ضمان ألا تكون استجابة لبنان للمخاطر المرتبطة بوسائل التواصل الاجتماعي والجرائم الإلكترونية والذكاء الاصطناعي مدفوعة فقط باعتبارات أمنية أو بحالة من الهلع الأخلاقي، بل قائمة على الالتزام المبدئي بالكرامة الإنسانية وسيادة القانون والالتزامات الدولية لحقوق الإنسان.

وتوجَّه التوصيات الواردة أدناه إلى الحكومة اللبنانية، ومجلس النواب اللبناني، والوزارات والهيئات العامة المعنية، ومنظمات المجتمع المدني، ووكالات الأمم المتحدة والهيئات المنشأة بموجب المعاهدات الدولية.

              11.1.         التوصيات الموجّهة إلى الحكومة اللبنانية

ينبغي على الحكومة اللبنانية اعتماد استراتيجية وطنية شاملة على مستوى الدولة بشأن حقوق الطفل في البيئة الرقمية، بما يضمن أن جميع المبادرات التنظيمية المتعلقة بوصول الأطفال إلى التقنيات الرقمية تسترشد بمصلحة الطفل الفضلى وبمبادئ الشرعية والضرورة والتناسب، مع الالتزام بحماية الأطفال مع الحفاظ في الوقت نفسه على حقوقهم في حرية التعبير والوصول إلى المعلومات والتعليم والمشاركة والخصوصية.

كما ينبغي على مجلس الوزراء ضمان أن تعمل اللجنة الوزارية المشتركة المنشأة بموجب القرار رقم 13 الصادر في 26 شباط/فبراير 2026 بطريقة شفافة، وأن تتضمن مشاورات فعلية مع الأطفال وأولياء الأمور والمعلمين وخبراء حماية الطفل وخبراء الحقوق الرقمية ومنظمات المجتمع المدني، وأن تفضي إلى إعداد استراتيجية وطنية علنية تتضمن أهدافًا واضحة وجداول زمنية محددة وتحديدًا دقيقًا للمسؤوليات المؤسسية. وينبغي للحكومة أيضًا أن تضمن قيام الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان بدور رقابي مستقل وجوهري في هذه العملية.

كما ينبغي للحكومة الامتناع عن اعتماد قيود رقمية شاملة تؤثر على الأطفال ما لم تتمكن من إثبات أن هذه التدابير ضرورية بشكل صارم ومتناسبة وقائمة على أدلة، وأنها مصحوبة بضمانات قوية لحماية حقوق الأطفال. وبدلًا من ذلك، ينبغي إعطاء الأولوية للتدابير التنظيمية التي تعالج الأسباب البنيوية للأضرار عبر الإنترنت، بما في ذلك تصميم المنصّات غير الآمن، والأنظمة الخوارزمية غير الشفافة، والممارسات الاستغلالية المتعلقة بالبيانات، وضعف آليات الشكاوى والانتصاف.

ينبغي على الحكومة اللبنانية الشروع في إجراءات الانضمام إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجرائم الإلكترونية، مع ضمان أن تتوافق أي تدابير تنفيذية مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما ما يتعلق بحماية الخصوصية وحرية التعبير وضمانات المحاكمة العادلة والرقابة القضائية. كما ينبغي تحديث التشريعات الوطنية لتنظيم التحقيقات في الجرائم الإلكترونية، والحصول على الأدلة الرقمية عبر الحدود، والضمانات الإجرائية الرقمية بما يتماشى مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

كما ينبغي للحكومة تسريع تنفيذ وإصلاح القانون رقم 81/2018 المتعلق بالمعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي من خلال إنشاء آليات إنفاذ فعّالة وهيئات رقابة مستقلة لحماية البيانات الشخصية، ولا سيما فيما يتعلق ببيانات الأطفال والبيانات البيومترية وأنظمة التحقق من العمر.

وفي مجال الذكاء الاصطناعي، ينبغي للحكومة ضمان أن يتم إنشاء أي وزارة أو هيئة أو آلية تنظيمية مستقبلية مكلّفة بحوكمة الذكاء الاصطناعي على أساس الاستقلالية والشفافية والمساءلة العامة والامتثال لمعايير حقوق الإنسان. كما ينبغي أن تتضمن حوكمة الذكاء الاصطناعي ضمانات إلزامية لمنع التمييز والمراقبة غير القانونية وانتهاكات الخصوصية، وكذلك لمواجهة الأضرار الناتجة عن استخدام الذكاء الاصطناعي، مثل الصور والفيديوهات المزيّفة (الديب فايك) المنشأة دون موافقة والتلاعب بالمحتوى الاصطناعي المضلل.

              11.2.         النتائج المتوقعة من الإجراءات الحكومية

  • اعتماد استراتيجية وطنية شاملة لحقوق الطفل في البيئة الرقمية ترتكز إلى المعايير الدولية لحقوق الإنسان وتضمن حماية الأطفال مع صون حقوقهم الأساسية في التعبير والمشاركة والوصول إلى المعلومات والخصوصية.
  • تطوير إطار وطني متماسك لحوكمة الفضاء الرقمي ينسّق بين السياسات المتعلقة بحماية الأطفال على الإنترنت، وتنظيم المنصّات الرقمية، ومكافحة الجرائم الإلكترونية، وحماية البيانات الشخصية، وتنظيم الذكاء الاصطناعي.
  • تعزيز قدرة لبنان على التحقيق في الجرائم الرقمية وملاحقة مرتكبيها، ولا سيما تلك التي تستهدف الأطفال، من خلال مواءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية وتعزيز آليات التعاون الدولي في مجال الأدلة الرقمية.
  • إنشاء نظام فعّال لحماية البيانات الشخصية يشمل آليات إنفاذ واضحة ورقابة مستقلة، مع إيلاء اهتمام خاص لحماية بيانات الأطفال والبيانات البيومترية وأنظمة التحقق من العمر.
  • اعتماد إطار تنظيمي للذكاء الاصطناعي قائم على حقوق الإنسان يضمن الشفافية والمساءلة ويضع ضمانات للحد من التمييز والمراقبة غير المشروعة والتلاعب بالمحتوى الرقمي.
  • تعزيز المساءلة والشفافية في عمل المنصّات الرقمية وشركات التكنولوجيا، بما في ذلك وضع قواعد تتعلق بتصميم المنصّات الآمنة، والحد من الاستهداف الإعلاني للأطفال، وتعزيز آليات الشكاوى والانتصاف.
  • دعم مبادرات التثقيف والتمكين الرقمي للأطفال والأهالي والمعلمين من أجل تعزيز الوعي بالمخاطر الرقمية وتنمية مهارات الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا.
  • تعزيز التنسيق المؤسسي والتعاون بين الجهات الحكومية والمجتمع المدني والقطاع الخاص والمنظمات الدولية من أجل تطوير سياسات رقمية متوازنة تحمي الحقوق وتدعم الابتكار التكنولوجي في لبنان.

              11.3.         التوصيات الموجّهة إلى مجلس النواب اللبناني

ينبغي على مجلس النواب اللبناني مراجعة جميع مشاريع القوانين المتعلقة بوسائل التواصل الاجتماعي والجرائم الإلكترونية والذكاء الاصطناعي وحوكمة الفضاء الرقمي من منظور حقوق الإنسان. وعلى وجه الخصوص، ينبغي إخضاع مشروع القانون الذي يقضي بحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من قبل القاصرين دون الرابعة عشرة لتدقيق دقيق في ضوء اتفاقية حقوق الطفل، والتعليق العام رقم 25، والمادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

كما ينبغي للبرلمان تعديل أي اقتراح تشريعي يعتمد على آليات تحقق من العمر تتسم بالتدخل المفرط في الخصوصية أو يفرض عقوبات واسعة على المنصّات الرقمية، ما لم تكن هذه التدابير محددة بدقة وتحافظ على الخصوصية وتخضع لرقابة مستقلة. وبدلًا من الاعتماد أساسًا على الحظر، ينبغي للبرلمان سنّ تشريعات تتعلق بالتصميم الملائم للأطفال، وتعزيز حماية بيانات الأطفال، وفرض قيود على الإعلانات الموجّهة للقاصرين، وإلزام المنصّات بتقييم المخاطر التي قد تمسّ حقوق الأطفال والتخفيف منها.

كذلك ينبغي للبرلمان اعتماد إطار قانوني حديث وشامل لتنظيم الذكاء الاصطناعي ينظّم بوضوح استخدامات الذكاء الاصطناعي في القطاعين العام والخاص، ويوفّر سبل انتصاف لضحايا الأضرار الناتجة عن المحتوى أو القرارات المولّدة بالذكاء الاصطناعي، ويُلزم الجهات المطوّرة والمستخدمة بإجراءات الشفافية والعناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان، ويحدّد المسؤولية القانونية للمطوّرين والمستخدمين والوسطاء.

كما ينبغي لمجلس النواب النظر في إنشاء هيئة مستقلة للحقوق الرقمية أو لحماية البيانات، أو التأكد من أن أي هيئة وطنية مقترحة للذكاء الاصطناعي تتمتع بدرجة كافية من الاستقلالية والخبرة والصلاحيات الرقابية، بما في ذلك صلاحية تلقي الشكاوى والتحقيق في الانتهاكات.

              11.4.         النتائج المتوقعة من الإجراءات البرلمانية

  • ضمان أن تكون جميع التشريعات المتعلقة بالفضاء الرقمي، بما في ذلك تنظيم وسائل التواصل الاجتماعي والجرائم الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، متوافقة مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، ولا سيما اتفاقية حقوق الطفل والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
  • تطوير إطار تشريعي متوازن يحمي الأطفال من المخاطر الرقمية دون فرض قيود غير متناسبة على حقوقهم في حرية التعبير والوصول إلى المعلومات والمشاركة في الحياة الرقمية.
  • تعزيز حماية البيانات الشخصية للأطفال من خلال وضع قواعد واضحة بشأن جمع البيانات ومعالجتها واستخدامها، والحد من الإعلانات الموجّهة للقاصرين والممارسات الرقمية الاستغلالية.
  • إقرار تشريعات حديثة لتنظيم الذكاء الاصطناعي تضمن الشفافية والمساءلة وتوفّر سبل الانتصاف للأفراد المتضررين من الأضرار الناتجة عن الأنظمة الخوارزمية أو المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي.
  • تعزيز الرقابة البرلمانية على السياسات الرقمية من خلال متابعة تنفيذ الاستراتيجيات الوطنية المتعلقة بحوكمة الفضاء الرقمي وضمان خضوع المبادرات الحكومية للمساءلة الديمقراطية.
  • دعم إنشاء هيئات مستقلة لحماية البيانات أو الحقوق الرقمية تتمتع بالخبرة والصلاحيات الكافية للإشراف على الامتثال للقوانين الرقمية والتحقيق في الانتهاكات.
  • تعزيز ثقة الجمهور في السياسات الرقمية والتشريعات التكنولوجية من خلال ضمان الشفافية والمساءلة واحترام الحقوق الأساسية في عملية صنع القرار التشريعي.

              11.5.         التوصيات الموجّهة إلى الوزارات

ينبغي على وزارات الإعلام والاتصالات والعدل والشؤون الاجتماعية والتربية والتعليم العالي والداخلية والبلديات ووزارة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وسائر الجهات المعنية أن تنسّق فيما بينها بشكل وثيق لضمان ألا يُنظر إلى تنظيم الفضاء الرقمي باعتباره مسألة تقنية أو أمنية فقط، بل أيضًا كقضية تتعلق بحماية الطفل والخصوصية والتعليم وحقوق الإنسان.

وينبغي على وزارة التربية والتعليم العالي تطوير مناهج للتثقيف الرقمي والسلامة على الإنترنت تكون ملائمة لمختلف الفئات العمرية، وتشمل وحدات تعليمية حول حماية الخصوصية، والتنمر الإلكتروني، والمعلومات المضللة، والموافقة، والاستغلال عبر الإنترنت، والاستخدام المسؤول لأدوات الذكاء الاصطناعي.

كما ينبغي على وزارة الشؤون الاجتماعية تعزيز خدمات الدعم النفسي والاجتماعي ومسارات الإبلاغ للأطفال المتأثرين بالأضرار الرقمية، بما يضمن حصول الضحايا على المساعدة والحماية في الوقت المناسب.

وينبغي على وزارة العدل مراجعة القوانين الإجرائية والتشريعات الجزائية لضمان توافر سبل انتصاف فعّالة وإجراءات عادلة في القضايا المرتبطة بالبيئة الرقمية.

أما وزارة الاتصالات، فينبغي أن تضمن أن أي تدابير تنظيمية تُفرض على المنصّات الرقمية تكون قانونية وشفافة ومتوافقة مع معايير حقوق الإنسان.

كما ينبغي على السلطات العامة نشر اتفاقيات التكنولوجيا وخطط التحول الرقمي والشراكات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي التي تؤثر في الخدمات العامة، مع استثناءات محدودة ومبررة بموجب القانون، وذلك من أجل ضمان الشفافية والمساءلة العامة.

 

              11.6.         النتائج المتوقعة من الإجراءات الوزارية

  • تعزيز التنسيق المؤسسي بين الوزارات والسلطات العامة في مجال تنظيم الفضاء الرقمي، بما يضمن اعتماد مقاربة شاملة تراعي حماية الطفل والخصوصية والتعليم وحقوق الإنسان إلى جانب الاعتبارات التقنية والأمنية.
  • إدماج التثقيف الرقمي والسلامة على الإنترنت في المناهج التعليمية الوطنية، بما يمكّن الأطفال والشباب من اكتساب مهارات الاستخدام الآمن والمسؤول للتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي.
  • تطوير آليات دعم وإبلاغ فعّالة للأطفال المتضررين من الأذى الرقمي، بما يشمل خدمات الدعم النفسي والاجتماعي ومسارات واضحة للإبلاغ عن التنمر الإلكتروني أو الاستغلال عبر الإنترنت.
  • تحسين الإطار الإجرائي والقانوني للتعامل مع الجرائم الرقمية، بما يضمن وجود سبل انتصاف فعّالة للضحايا وإجراءات قضائية عادلة وفعّالة في القضايا المرتبطة بالفضاء الرقمي.
  • تعزيز الشفافية والمساءلة في سياسات التحول الرقمي والشراكات التكنولوجية بين القطاعين العام والخاص، بما في ذلك نشر الاتفاقيات والمبادرات المتعلقة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
  • ضمان أن تكون الإجراءات التنظيمية المفروضة على المنصّات الرقمية قانونية وواضحة ومتوافقة مع معايير حقوق الإنسان، مع تعزيز حماية المستخدمين، ولا سيما الأطفال.
  • بناء قدرات مؤسسية داخل الوزارات والهيئات العامة للتعامل مع التحديات المرتبطة بالتكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي، بما يعزز قدرة الدولة على تطوير سياسات رقمية متوازنة ومستدامة.
  • تعزيز ثقة الجمهور في السياسات الرقمية الحكومية من خلال اعتماد الشفافية، والمساءلة، وحماية الحقوق الأساسية في إدارة التحول الرقمي في لبنان.

              11.7.         التوصيات الموجّهة إلى منظمات المجتمع المدني

ينبغي على منظمات المجتمع المدني مواصلة متابعة التطورات التشريعية والسياساتية التي تؤثر في حقوق الأطفال وحوكمة الفضاء الرقمي وتنظيم الجرائم الإلكترونية والذكاء الاصطناعي في لبنان. كما ينبغي لها الانخراط في مناصرة قائمة على الأدلة، والمساهمة في عمليات التشاور العامة، وتقديم خبرات مستقلة في مجالات الخصوصية والحقوق الرقمية وحماية الطفل والعنف القائم على النوع الاجتماعي عبر الإنترنت والسيادة الرقمية.

كما ينبغي على المنظمات التي تعمل مع الأطفال والأسر توسيع حملات التوعية حول حقوق الطفل في البيئة الرقمية، وإنشاء آليات يسهل الوصول إليها للإبلاغ وتقديم الدعم للأشخاص الذين يتعرضون للأذى عبر الإنترنت.

وينبغي على المنظمات المتخصصة في الحقوق الرقمية الاستمرار في مراجعة وتقييم اتفاقيات التكنولوجيا والمقترحات التنظيمية والإصلاحات المؤسسية، بما في ذلك الآثار المتعلقة بحوكمة الفضاء الرقمي الناتجة عن الشراكات التكنولوجية مع الجهات الأجنبية ومبادرات التدريب في مجال الذكاء الاصطناعي.

كما ينبغي على المجتمع المدني بناء تحالفات عابرة للقطاعات تضم منظمات حقوق الطفل وحرية الإعلام وحقوق النساء وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة والتعليم وسياسات التكنولوجيا، بما يضمن أن تكون النقاشات المتعلقة بحوكمة الفضاء الرقمي شاملة وقائمة على حقوق الإنسان.

              11.8.         النتائج المتوقعة من عمل المجتمع المدني

  • تعزيز الرقابة المستقلة على التشريعات والسياسات الرقمية بما يضمن توافقها مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان وحماية الأطفال في البيئة الرقمية.
  • رفع مستوى الوعي المجتمعي بحقوق الأطفال على الإنترنت والمخاطر المرتبطة بالتنمر الإلكتروني والاستغلال الرقمي وانتهاكات الخصوصية والمعلومات المضللة.
  • تطوير آليات دعم وإبلاغ فعّالة للضحايا، ولا سيما الأطفال والمراهقين الذين يتعرضون للأذى أو العنف عبر الإنترنت.
  • تعزيز المساءلة والشفافية في السياسات الرقمية والشراكات التكنولوجية بين القطاعين العام والخاص، بما في ذلك الاتفاقيات المتعلقة بالبنية التحتية الرقمية أو برامج الذكاء الاصطناعي.
  • توفير خبرة مستقلة لصنّاع القرار من خلال الدراسات والأبحاث والمشاورات العامة المتعلقة بحوكمة الفضاء الرقمي وحماية البيانات والذكاء الاصطناعي.
  • بناء تحالفات واسعة بين منظمات المجتمع المدني العاملة في مجالات حقوق الطفل وحرية الإعلام وحقوق النساء والتعليم وسياسات التكنولوجيا، بما يعزز مقاربة شاملة لحوكمة الفضاء الرقمي.
  • تعزيز مشاركة المجتمع المدني في صياغة السياسات الرقمية لضمان أن تكون هذه السياسات شاملة وتراعي حقوق الإنسان والفئات الأكثر هشاشة.
  • دعم تطوير بيئة رقمية أكثر أمانًا وعدالة ومساءلة في لبنان، بما يتيح الاستفادة من الابتكار التكنولوجي مع الحد من مخاطره على الأفراد والمجتمع.

              11.9.         التوصيات الموجّهة إلى وكالات الأمم المتحدة والهيئات المنشأة بموجب المعاهدات

ينبغي على وكالات الأمم المتحدة، بما في ذلك اليونيسف (UNICEF) ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (OHCHR) واليونسكو (UNESCO) وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) والاتحاد الدولي للاتصالات (ITU)، تقديم مساعدة تقنية منسّقة للبنان في تطوير استراتيجية وطنية لحقوق الطفل في البيئة الرقمية، وسياسات للتثقيف الرقمي، وضمانات لحماية الخصوصية، وأطر لحوكمة الذكاء الاصطناعي قائمة على حقوق الإنسان.

وينبغي على اليونيسف دعم تطوير السياسات التي تضع الأطفال في صلبها وتعزيز المشاركة الفعلية للأطفال في إصلاحات حوكمة الفضاء الرقمي. كما ينبغي على مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان تقديم إرشادات بشأن مدى توافق القوانين والسياسات المقترحة مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، ولا سيما فيما يتعلق بالخصوصية وحرية التعبير وحقوق الطفل.

كما ينبغي على اليونسكو دعم تطوير سياسات الذكاء الاصطناعي الأخلاقي وتعزيز التعليم الرقمي، في حين يمكن لـ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وشركائه دعم بناء القدرات المؤسسية وتصميم الأطر التنظيمية في مجال الحوكمة الرقمية.

أما الهيئات المنشأة بموجب المعاهدات الدولية، ولا سيما لجنة حقوق الطفل ولجنة حقوق الإنسان، فينبغي أن تواصل تناول التزامات لبنان في مجال حوكمة الفضاء الرقمي خلال حواراتها مع الدولة اللبنانية وملاحظاتها الختامية، بما يشمل تنظيم سلامة الأطفال على الإنترنت، وحماية البيانات، وإنفاذ قوانين الجرائم الإلكترونية، والتصدي للأضرار المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

           11.10.         النتائج المتوقعة من انخراط الأمم المتحدة

  • تقديم دعم تقني ومنهجي للبنان في تطوير استراتيجية وطنية شاملة لحقوق الطفل في البيئة الرقمية وسياسات متقدمة لحوكمة الفضاء الرقمي.
  • تعزيز مواءمة التشريعات والسياسات اللبنانية مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، ولا سيما اتفاقية حقوق الطفل والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
  • دعم تطوير سياسات تعليمية للتثقيف الرقمي وتعزيز مهارات الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لدى الأطفال والشباب.
  • تقوية القدرات المؤسسية للحكومة اللبنانية والهيئات الوطنية في مجالات حماية البيانات، وتنظيم الذكاء الاصطناعي، ومكافحة الجرائم الإلكترونية.
  • تعزيز مشاركة الأطفال والشباب في صياغة السياسات الرقمية بما يضمن أن تعكس هذه السياسات احتياجاتهم وتجاربهم في البيئة الرقمية.
  • تطوير أطر أخلاقية وتنظيمية للذكاء الاصطناعي قائمة على مبادئ الشفافية والمساءلة واحترام حقوق الإنسان.
  • تشجيع التعاون الدولي وتبادل الخبرات في مجال حوكمة الفضاء الرقمي وحماية الأطفال على الإنترنت.
  • دعم الرصد الدولي المستمر للتطورات الرقمية في لبنان من خلال آليات المعاهدات الدولية، بما يعزز الامتثال لالتزامات لبنان في مجال حقوق الإنسان.

الحواشي

[1] الحكومة الأسترالية، تشريع قيود العمر على وسائل التواصل الاجتماعي، كانون الأول/ديسمبر 2025.

[2] ​​Pureprofile Research، استطلاع حول مواقف الرأي العام تجاه القيود على وسائل التواصل الاجتماعي، 2025.

[3] منظمة العفو الدولية – ماليزيا، “ماليزيا: تنظيم وسائل التواصل الاجتماعي بشكل فعّال لحماية الأطفال والشباب بدلًا من فرض حظر شامل”، 3 كانون الأول/ديسمبر 2025.

[4]الاتحاد الأوروبي، قانون الخدمات الرقمية (اللائحة الأوروبية رقم 2022/2065).

[5] اتفاقية حقوق الطفل، المواد 13 و 16 و 17.

[6] العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، المادة 19.

[7]لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل، التعليق العام رقم 25 (2021) بشأن حقوق الطفل في ما يتعلق بالبيئة الرقمية.

[8] منظمة العفو الدولية، «عمالقة المراقبة: كيف يهدّد نموذج أعمال غوغل وفيسبوك حقوق الإنسان»، 2019.

 


العنوان: حماية الأطفال في البيئة الرقمية قيود وسائل التواصل الاجتماعي، مساءلة المنصّات، وانعكاسات حقوق الإنسان في لبنان

الناشر: الجمهورية اللبنانية | الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب (NHRC-CPT)

المؤلف: بسام القنطار – مفوّض العلاقات الدولية والإعلام في الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب

الطبعة الأولى: 2026

العنوان: مبنى سرحال، الطابق الأول، جادة سامي الصلح، بيروت، لبنان

البريد الإلكتروني: info@nhrclb.org

الموقع الإلكتروني: https://nhrclb.org

الخط الساخن: 03923456

فيسبوك: https://www.facebook.com/nhrclb

منصة إكس: https://x.com/nhrclb

إنستغرام: https://www.instagram.com/nhrc_lb

يوتيوب:  http://yt.nhrclb.org

فليكر:  https://www.flickr.com/photos/145354751@N08

بلوسكاي: https://bsky.app/profile/nhrclb.bsky.social

تمبلر: https://www.tumblr.com/nhrclb

ماستودون:  https://mastodon.social/@nhrclb

لينكدإن: https://www.linkedin.com/company/nhrclb/

ثريدز: https://www.threads.com/@nhrc_lb


بعض الحقوق محفوظة (CC)، الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب – لبنان، 2026.


الآراء الواردة في هذا التقرير تعبّر عن وجهات نظر الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب، ولا تعكس بالضرورة آراء أي من الجهات المذكورة في التقرير أو أي من الشركاء السابقين أو الحاليين.

هذا المستند متاح بموجب رخصة المشاع الإبداعي: النسبة، غير تجاري، بدون مشتقات 4.0 الدولية (CC BY-NC-ND 4.0). يُحظر حظرًا تامًا إعادة إنتاج هذا الكتاب أو تخزينه في أي نظام لاسترجاع المعلومات أو نقله بأي شكل أو بأي وسيلة، سواء كانت إلكترونية أو ميكانيكية أو عبر النسخ الضوئي أو التسجيل أو غير ذلك، لأغراض تجارية، من دون الحصول على إذن خطي مسبق من الجهة الناشرة. لمزيد من المعلومات، يرجى زيارة صفحة حقوق النشر على موقع الهيئة: https://nhrclb.org/copyright
التراخيص: يجب توجيه طلبات الاستخدام التجاري أو طلبات الحصول على حقوق إضافية أو تراخيص إلى: info@nhrclb.org

تعمل الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب على حماية وتعزيز حقوق الإنسان في لبنان وفقًا للمعايير المنصوص عليها في الدستور اللبناني والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتفاقيات والمعاهدات الدولية ذات الصلة، وكذلك القوانين الوطنية المتوافقة مع هذه المعايير.

وتُعدّ الهيئة مؤسسة وطنية مستقلة أُنشئت بموجب القانون رقم 62/2016، استنادًا إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة المتعلق بمبادئ باريس التي تنظّم إنشاء وعمل المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان.

كما تضطلع الهيئة بدور الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب، وذلك انسجامًا مع أحكام البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، الذي انضم إليه لبنان بموجب القانون رقم 12/2008.

 

هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: English (الإنجليزية)

NHRCLB
NHRCLBhttps://nhrclb.org
مؤسسة وطنية مستقلة منشأة بموجب القانون 62/ 2016، تتضمن آلية وقائية وطنية للتعذيب (لجنة الوقاية من التعذيب) عملاً بأحكام القانون رقم 12/ 2008 (المصادقة على البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب). An independent national institution established under Law No. 62/2016, which includes a National Preventive Mechanism against torture (the Committee for the Prevention of Torture), in accordance with the provisions of Law No. 12/2008 (ratifying the Optional Protocol to the Convention against Torture). Une institution nationale indépendante établie en vertu de la loi n° 62/2016, qui comprend un mécanisme national de prévention de la torture (le Comité pour la prévention de la torture), conformément aux dispositions de la loi n° 12/2008 (ratifiant le Protocole facultatif se rapportant à la Convention contre la torture).