نظّمت لجنة القانون الدولي الإنساني في الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، دورة تدريبية متخصصة بعنوان: “أسس توثيق انتهاكات القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان أثناء النزاعات المسلحة”، وذلك يومي 7 و8 أيار/مايو 2026 في مقر الهيئة في بدارو، شارع سامي الصلح، بناية سرحال، الطابق الأول.
وشارك في الدورة 25 متدربًا ومتدربة، من بينهم محامون، وأساتذة جامعيون، وطلاب دكتوراه في القانون، إلى جانب باحثين وناشطين في مجالات حقوق الإنسان والعدالة الدولية.
وافتُتحت الدورة بكلمة ألقاها رئيس الهيئة الدكتور فادي جرجس، قدّم فيها تعريفًا بالهيئة الوطنية لحقوق الإنسان وولايتها القانونية ولجانها المتخصصة، والأدوار التي تضطلع بها في مجالات الرصد والتوثيق والحماية وتعزيز حقوق الإنسان.
وأكد الدكتور جرجس أن الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان أُنشئت بموجب القانون رقم 62/2016، كهيئة وطنية مستقلة تُعنى بحماية وتعزيز حقوق الإنسان في لبنان، وفقًا للمعايير الدولية ذات الصلة، لا سيما مبادئ باريس المنظمة لعمل المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان. وأوضح أن الهيئة تضطلع بمهام الرصد والتوثيق، وإبداء الرأي في مشاريع القوانين، ونشر ثقافة حقوق الإنسان، إلى جانب دورها في الوقاية من التعذيب من خلال لجنة الوقاية من التعذيب.
كما أشار إلى أن إنشاء لجنة القانون الدولي الإنساني ضمن الهيئة يأتي تأكيدًا على التزام لبنان بتعزيز الامتثال للقواعد الدولية التي تنظّم النزاعات المسلحة، وفي مقدمتها اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية، والعمل على ترجمتها إلى ممارسات وطنية فعّالة.
وأوضح أن رؤية لجنة القانون الدولي الإنساني ترتكز على نشر ثقافة القانون الدولي الإنساني لدى القضاة والعسكريين والأجهزة الأمنية، وبناء القدرات الوطنية في مجال حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، والتدريب على آليات التوثيق القانوني للانتهاكات، وتعزيز مبادئ المساءلة وعدم الإفلات من العقاب، وإدماج قواعد القانون الدولي الإنساني في التشريعات والسياسات العامة، إضافة إلى تطوير التعاون مع الجهات الدولية المختصة، وفي مقدمتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
وتطرّق الدكتور جرجس إلى التحديات المرتبطة بالنزاع مع إسرائيل، وما يترتب عليه من آثار إنسانية وقانونية، لا سيما قضية الأشخاص المفقودين والمختفين قسرًا، مشددًا على أن القانون الدولي الإنساني يفرض التزامات واضحة على أطراف النزاع، من بينها البحث عن المفقودين والكشف عن مصيرهم، وتبادل المعلومات بشأنهم، وضمان حق العائلات في المعرفة، واحترام المعاملة الإنسانية لجميع المحتجزين وفقًا لاتفاقيات جنيف، إضافة إلى الحظر المطلق للتعذيب بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب.
كما شدّد على أهمية تعزيز المساءلة ومكافحة الإفلات من العقاب، داعيًا إلى انخراط لبنان بشكل أوسع في منظومة العدالة الدولية، والنظر في مسألة قبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، بما يسهم في حماية حقوق الإنسان وتعزيز العدالة.
وتضمّن البرنامج التدريبي جلسة متخصصة قدّمها البروفيسور فضل ضاهر، عرض خلالها نطاق المسؤولية والالتزامات الدولية في سياق النزاع المسلح في لبنان، والقانون الواجب التطبيق، بما يشمل القانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، والقانون الجنائي الدولي، مع التركيز على التفاعل بين هذه الأنظمة القانونية وآليات تطبيقها في حالات النزاعات المسلحة.

وقدّم بسام القنطار جلسات متخصصة تناولت مبادئ التوثيق الأساسية، وبروتوكول الاتصالات، والمبادئ التوجيهية الداخلية بشأن حماية المصادر والمعلومات، مع التركيز على المعايير المهنية والأخلاقية الواجب اعتمادها خلال عمليات الرصد والتوثيق والتحقيق.
كما تناولت الجلسات التدريبية تطبيق معيار الإثبات وتحديد الأنماط والتطبيق العملي على جمع الأدلة وتحليلها، بما في ذلك تطبيق معيار “الأسباب المعقولة للاعتقاد” في عمليات التحليل والتقييم، ومفاهيم الموثوقية والمصداقية، إلى جانب دراسة حالة تطبيقية.
وأكد القنطار خلال التدريب أن الرصد يجب أن يهدف إلى تعزيز مسؤولية الدولة عن احترام حقوق الإنسان وحمايتها وإعمالها، وليس استبدالها، مشددًا على أهمية التزام موظفي وخبراء ونشطاء حقوق الإنسان بالمبادئ الأساسية للرصد الفعّال.
كما جرى شرح معيار “الأسباب المعقولة للاعتقاد”، باعتباره معيارًا يتحقق عندما تتيح مجموعة كافية وموثوقة من المعلومات الأولية، والمتسقة مع معلومات أخرى، لشخص عادي يتّسم بالحكمة والتبصّر أن يخلص بصورة معقولة إلى أن حادثة أو نمطًا من السلوك قد وقع بالفعل، دون أن يرقى ذلك إلى معيار “الأسباب الجوهرية الداعية إلى الاعتقاد”، باعتباره معيارًا أعلى.

وأوضح القنطار أن هذا المعيار هو المعتمد لدى المحكمة الجنائية الدولية لإصدار مذكرات التوقيف، وأنه من الناحية الكمية يعادل درجة يقين تقارب 40٪، ولا يتطلب الوصول إلى مستوى اليقين التام، كما يتيح المجال لاستخلاص استنتاجات سلبية عند الاقتضاء.
كما تناول القنطار الأدوار التي تضطلع بها الجهات الوطنية والدولية المعنية بتوثيق الانتهاكات وآليات التنسيق بينها، إضافة إلى المهارات الأساسية في التوثيق والتحقيق، بما في ذلك إجراء المقابلات، وجمع الأدلة وتحليلها، وتطبيق معايير الإثبات والتكييف القانوني للوقائع وربطها بالنصوص القانونية ذات الصلة، فضلًا عن إدارة الأدلة والمعلومات وفق المعايير الدولية، بما يشمل سلسلة حيازة الأدلة والتحقق من المعلومات. وركّز أيضًا على الإسهام في إسناد المسؤولية عن الانتهاكات وفق المعايير المعتمدة في الآليات الدولية، وإدماج المنظور الجندري ومبادئ الحماية في مختلف مراحل التوثيق والتحقيق.
وأكدت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان أن هذه الدورة تأتي في إطار التزامها بتعزيز ثقافة حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، ودعم بناء قدرات الكفاءات القانونية والبحثية في لبنان، بما يسهم في تطوير آليات الرصد والتوثيق والمساءلة، وترسيخ مبادئ العدالة وحماية الضحايا خلال النزاعات المسلحة.




