spot_img
spot_img

منشورات أخرى

اختتام زيارة الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان إلى جنيف وتعزيز مسار الاعتماد الدولي

اختتمت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من...

توثيق الانتهاكات وحفظ الأدلة بين اختصاص الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان ودور اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني: قراءة في حدود الصلاحيات وضمان الاستقلالية

بقلم بسام القنطار

في ظل تصاعد العدوان الإسرائيلي على لبنان، يبرز توثيق انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني بوصفه المدخل الحاسم لأي مسار جدّي نحو العدالة. فلا مساءلة بلا أدلة، ولا أدلة بلا آليات موثوقة ومستقلة لجمعها وتحليلها وحفظها. وفي السياق اللبناني، تكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة، ليس فقط بسبب تعقيدات الواقع السياسي والأمني، بل أيضاً بسبب تعددية الأطر المؤسسية المعنية بالقانون الدولي الإنساني، وعلى رأسها الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب، واللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني.

وفي سياق تعزيز منظومة المساءلة الوطنية وربطها بالآليات الدولية، تبرز مجموعة من الخطوات الاستراتيجية التي ينبغي على الدولة اللبنانية اتخاذها بشكل عاجل ومتكامل. أولًا، قبول الاختصاص القضائي للمحكمة الجنائية الدولية بموجب المادة 12 فقرة 3 من نظام روما الأساسي، كخطوة تمهيدية نحو الانضمام الكامل إليه، بما يتيح ملاحقة أخطر الجرائم الدولية عندما يتعذر ذلك على المستوى الوطني، ويعزز ثقة الضحايا بإمكانية تحقيق العدالة. ثانيًا، استكمال إعداد وإقرار تشريعات وطنية تجرّم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، بما ينسجم مع التزامات لبنان الدولية، ويؤسس لإطار قانوني واضح يتيح للمحاكم الوطنية ممارسة اختصاصها، بما في ذلك على أساس الولاية القضائية العالمية عند الاقتضاء. ثالثًا، توفير الدعم الكامل للتحقيقات القضائية الوطنية، سواء من حيث الموارد أو الحماية أو التعاون المؤسسي، مع ضمان استقلاليتها التامة عن أي تدخلات سياسية أو أمنية، بما يعزز فعاليتها ويكرّس ثقة الجمهور بها. إن هذه التدابير، مجتمعة، لا تشكّل فقط استجابة لالتزامات قانونية دولية، بل تمثّل ركيزة أساسية لبناء نظام عدالة قادر على كسر حلقة الإفلات من العقاب وترسيخ سيادة القانون.

إن هذه التدابير، مجتمعة، الى جانب إنشاء وحدة متخصصة ضمن الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان تُعنى بتوثيق الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني المرتكبة على الأراضي اللبنانية، وتطوير منهجيات مهنية لجمع الأدلة وتحليلها وحفظها، وإنشاء سجل وطني شامل وموحّد لعمليات القتل والإصابات وسائر الأضرار اللاحقة بالمدنيين، بما يشكّل قاعدة بيانات موثوقة تدعم التحقيقات القضائية الوطنية والدولية، لا تشكّل فقط استجابة لالتزامات قانونية دولية، بل تمثّل ركيزة أساسية لبناء نظام عدالة قادر على كسر حلقة الإفلات من العقاب وترسيخ سيادة القانون.

في المقابل يطرح تحدياً قانونياً ووظيفياً دقيقاً يتمثل في ضرورة تحديد حدود الصلاحيات، ومنع التداخل بينها، بما يضمن فعالية الأداء ويحفظ استقلالية كل جهة. ومن هنا، تأتي الحاجة إلى قراءة معمّقة تبيّن أن توثيق الانتهاكات وحفظ الأدلة هو اختصاص أصيل للهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، في حين يقتصر دور اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني على الوظائف الاستشارية والتنسيقية والتشريعية.

إن توثيق الانتهاكات ليس مجرد نشاط إداري أو توثيقي بالمعنى البسيط، بل هو عملية قانونية معقّدة تشكّل الأساس لأي ملاحقة قضائية لاحقة. فالأدلة التي يتم جمعها، سواء كانت شهادات ضحايا أو شهود، أو مواد رقمية، أو تقارير طبية، يجب أن تُستحصل وفق معايير دقيقة تضمن سلامتها وقابليتها للاستخدام أمام المحاكم. وهذا ما تؤكده قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الأول، التي تفرض على الدول ليس فقط تجريم الانتهاكات الجسيمة، بل أيضاً التحقيق فيها وملاحقة مرتكبيها أو تسليمهم.

غير أن هذه الالتزامات، على أهميتها، تبقى حبراً على ورق ما لم تُدعَم بآليات وطنية قادرة على تحويلها إلى ممارسة فعلية. وهنا تظهر أهمية ما يُعرف بـ”البيئة المواتية للعدالة الجنائية”، التي تشمل مؤسسات ذات اختصاصات واضحة، وهيئات تحقيق مستقلة، وإجراءات فعّالة لحفظ الأدلة. وتُظهر القوائم المرجعية الدولية، ولا سيما تلك المتعلقة بالردع الجنائي ومنع انتهاكات القانون الدولي الإنساني، أن الاستقلالية ليست مجرد قيمة مبدئية، بل شرط عملي لضمان مصداقية الأدلة وقابليتها للاستخدام.

في هذا الإطار، تُعدّ الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، المنشأة بموجب القانون رقم 62/2016، المرجعية الطبيعية لتولي مهام الرصد والتوثيق. فهي مؤسسة مستقلة، لا تخضع للسلطة التنفيذية، وتتمتع بصلاحيات واسعة تشمل تلقي الشكاوى، وإجراء التحقيقات، وزيارة أماكن الاحتجاز، وإصدار التقارير والتوصيات. وقد عزّز نظامها الداخلي، الصادر بالمرسوم رقم 1762/2025، هذا الدور من خلال إنشاء لجان متخصصة، من بينها لجنة القانون الدولي الإنساني، التي تضطلع بمهام رصد وتوثيق الانتهاكات المرتبطة بالنزاعات المسلحة.

إن هذا الإطار المؤسسي يمنح الهيئة القدرة على العمل وفق المعايير الدولية، سواء من حيث منهجية التوثيق أو ضمانات الاستقلال. فهي قادرة على اعتماد بروتوكولات واضحة لجمع الأدلة، تشمل الأدلة الشفوية والرقمية والمادية، وعلى تأمين سلسلة حفظ الأدلة chain of custody، بما يضمن تتبعها من لحظة جمعها حتى تقديمها أمام القضاء. كما أنها ملزمة بحماية الشهود والضحايا، وصون سرية المعلومات، وهو ما يشكّل شرطاً أساسياً لكسب ثقة الأفراد والمجتمعات.

في المقابل، يثور الكثير من الالتباس حول دور اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني، المنشأة بموجب المرسوم رقم 4382/2010. فبعض التصورات الخاطئة تنسب إليها مهام التوثيق أو التحقيق في الانتهاكات، في حين أن هذا الدور لا يجد له سنداً في النصوص القانونية ولا في طبيعة هذه اللجان على المستوى المقارن.

فاللجان الوطنية للقانون الدولي الإنساني، كما هو مستقر في الممارسة الدولية ووفق إرشادات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، هي هيئات حكومية أو شبه حكومية تهدف إلى مساعدة الدولة على تنفيذ التزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني. وهي تقوم بذلك من خلال التنسيق بين الوزارات، واقتراح التشريعات، وإعداد دراسات المواءمة، وتعزيز نشر المعرفة بالقانون الإنساني، وتنظيم برامج التدريب للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية.

وبحكم هذا الدور، فإن هذه اللجان ترتبط عضوياً بالسلطة التنفيذية، وتضم في عضويتها ممثلين عن وزارات الدفاع والخارجية والداخلية والعدل وغيرها من الجهات الرسمية. وهذا الطابع التمثيلي، وإن كان ضرورياً لتحقيق التنسيق، يجعلها غير مؤهلة للقيام بمهام توثيق الانتهاكات، لا سيما عندما تكون هذه الانتهاكات منسوبة إلى جهات رسمية أو قوات أمنية. فكيف يمكن لهيئة تضم ممثلين عن هذه الجهات أن تحقق في أفعال قد تكون هي نفسها طرفاً فيها؟

إن الإجابة على هذا السؤال تكشف جوهر التمايز بين المؤسستين. فالهيئة الوطنية لحقوق الإنسان تقوم على مبدأ الاستقلال والحياد، بينما تقوم اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني على مبدأ التمثيل والتنسيق الحكومي. الأولى مرجعية للمساءلة والتوثيق، والثانية مرجعية للتشريع والتنفيذ. وأي خلط بين هذين الدورين لا يؤدي فقط إلى إضعاف الأداء، بل قد يعرّض العدالة نفسها للخطر.

فإسناد مهمة التوثيق إلى جهة غير مستقلة يفتح الباب أمام تضارب المصالح، ويعرّض الأدلة للطعن، ويقوّض ثقة الضحايا بها. كما أنه قد يحوّل عملية التوثيق من أداة لكشف الحقيقة إلى أداة لإدارتها أو تقييدها، بما يتعارض مع الهدف الأساسي للقانون الدولي الإنساني، وهو حماية الضحايا وضمان المساءلة.

وقد تنبّه النظام الداخلي للهيئة إلى هذه الإشكالية، فنص صراحة على أن لجنة القانون الدولي الإنساني داخل الهيئة “تحرص على التنسيق مع اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني… بما لا يتعارض مع استقلالية الهيئة”. هذه العبارة ليست تفصيلاً شكلياً، بل هي قاعدة حاكمة للعلاقة بين المؤسستين، توازن بين الحاجة إلى التعاون وضرورة الحفاظ على الاستقلال.

فالتنسيق مطلوب، بل ضروري، لضمان تكامل الجهود وتبادل الخبرات. يمكن للجنة الوطنية أن تستفيد من نتائج التوثيق التي تنتجها الهيئة في صياغة السياسات والتشريعات، كما يمكن للهيئة أن تستفيد من خبرة اللجنة في مجالات التدريب ونشر الثقافة القانونية. لكن هذا التنسيق يجب أن يبقى ضمن حدود واضحة، وألا يتحول إلى تداخل في الصلاحيات أو إلى تبعية تمس جوهر استقلال الهيئة.

وفي ضوء ذلك، يمكن تصور نموذج تكاملي يقوم على توزيع واضح للأدوار، حيث تضطلع اللجنة الوطنية بوظائف الوقاية والتشريع والتنسيق، بينما تتولى الهيئة مهام الرصد والتوثيق وجمع الأدلة. هذا النموذج لا يعزز فقط فعالية الأداء، بل يساهم أيضاً في بناء منظومة متماسكة للعدالة، تقوم على التخصص والتكامل لا على التداخل والتنافس.

إن أهمية هذا التمايز تتجاوز الإطار المؤسسي، لتصل إلى جوهر التزامات الدولة بموجب القانون الدولي الإنساني. فالدول ملزمة، وفقاً لاتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الأول، باتخاذ تدابير تشريعية لفرض عقوبات جزائية فعالة على مرتكبي الانتهاكات الجسيمة، وبالتحقيق في هذه الانتهاكات وملاحقة مرتكبيها أو تسليمهم. كما يلزمها القانون الدولي الإنساني العرفي بالتحقيق في جرائم الحرب التي تقع ضمن اختصاصها.

غير أن هذه الالتزامات لا يمكن تنفيذها دون وجود نظام وطني قادر على إنتاج أدلة موثوقة. فالمحاكم، سواء كانت وطنية أو دولية، لا تبني أحكامها على النوايا أو التصريحات، بل على الأدلة. وإذا كانت هذه الأدلة مشوبة بالشك أو ناتجة عن جهة غير مستقلة، فإنها قد تُستبعد، ما يؤدي إلى إفلات الجناة من العقاب.

من هنا، فإن توثيق الانتهاكات ليس مجرد خطوة إجرائية، بل هو فعل سيادي يرتبط بحقوق الضحايا وبهيبة القانون. وهو يتطلب، إضافة إلى الاستقلال، توفر معايير مهنية عالية، تشمل تدريب المحققين، واعتماد بروتوكولات واضحة، وتأمين الموارد اللازمة، وبناء نظم معلومات متطورة قادرة على تخزين وتحليل البيانات.

كما يتطلب هذا الدور انفتاحاً على التعاون الدولي، سواء مع المنظمات الدولية أو مع آليات الأمم المتحدة أو مع هيئات التحقيق الدولية. فالجرائم الدولية، بطبيعتها، قد تتجاوز الحدود الوطنية، ما يستدعي تنسيقاً عابراً للحدود وتبادلاً للمعلومات والأدلة.

وفي هذا السياق، يمكن للهيئة الوطنية لحقوق الإنسان أن تلعب دوراً محورياً في ربط المستوى الوطني بالمستوى الدولي، من خلال تقديم تقارير موثوقة، والمساهمة في آليات الرصد الدولية، والتعاون مع الهيئات القضائية الدولية عند الاقتضاء. وهذا الدور يعزز مكانة لبنان على الساحة الدولية، ويظهر التزامه الجدي بمكافحة الإفلات من العقاب.

في المقابل، تظل اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني شريكاً أساسياً في هذا المسار، من خلال دورها في تطوير التشريعات، وتعزيز الامتثال، ونشر الثقافة القانونية. فهي تساهم في بناء الإطار القانوني الذي تعمل ضمنه الهيئة، وفي تهيئة البيئة المؤسسية اللازمة لتطبيق القانون الدولي الإنساني.

غير أن نجاح هذا النموذج يتوقف على احترام الحدود بين المؤسستين، وعلى الالتزام بمبدأ الاستقلال. فبدون هذا الالتزام، قد تتحول العلاقة من تكامل إلى تنازع، ومن تعاون إلى تداخل، ما ينعكس سلباً على فعالية النظام برمّته.

وفي النهاية، يبقى السؤال الجوهري: كيف يمكن تحويل النصوص القانونية إلى عدالة فعلية؟ الإجابة تبدأ من لحظة التوثيق. فإذا كانت هذه اللحظة محكومة بالاستقلال والمهنية والمعايير الواضحة، فإن الطريق إلى المساءلة يصبح ممكناً. أما إذا كانت مشوبة بالتبعية أو الغموض، فإن الحقيقة نفسها تصبح عرضة للتشكيك.

إن الدفاع عن اختصاص الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في توثيق الانتهاكات وحفظ الأدلة ليس مجرد دفاع عن توزيع مؤسسي للصلاحيات، بل هو دفاع عن حق الضحايا في العدالة، وعن حق المجتمع في معرفة الحقيقة، وعن حق الدولة في أن تكون قادرة على الوفاء بالتزاماتها الدولية.

وفي هذا المعنى، فإن وضوح المرجعيات واستقلالها يشكّلان الخطوة الأولى نحو بناء دولة القانون، دولة لا تكتفي بإعلان التزامها بالقانون الدولي الإنساني، بل تعمل فعلياً على تطبيقه، من خلال مؤسسات قوية، مستقلة، وقادرة على تحويل الأدلة إلى مساءلة، والمساءلة إلى عدالة.

هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: English (الإنجليزية)

NHRCLB
NHRCLBhttps://nhrclb.org
مؤسسة وطنية مستقلة منشأة بموجب القانون 62/ 2016، تتضمن آلية وقائية وطنية للتعذيب (لجنة الوقاية من التعذيب) عملاً بأحكام القانون رقم 12/ 2008 (المصادقة على البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب). An independent national institution established under Law No. 62/2016, which includes a National Preventive Mechanism against torture (the Committee for the Prevention of Torture), in accordance with the provisions of Law No. 12/2008 (ratifying the Optional Protocol to the Convention against Torture). Une institution nationale indépendante établie en vertu de la loi n° 62/2016, qui comprend un mécanisme national de prévention de la torture (le Comité pour la prévention de la torture), conformément aux dispositions de la loi n° 12/2008 (ratifiant le Protocole facultatif se rapportant à la Convention contre la torture).