spot_img
spot_img

منشورات أخرى

لماذا يُعدّ افتتاح مقرّ الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان محطة مفصلية للبنان؟

يشكّل افتتاح المقرّ الرسمي للهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، المتضمّنة...

المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان تسهم في انطلاق المسار الأممي لوضع اتفاقية ملزمة بشأن حقوق كبار السن

في تطوّرٍ طال انتظاره لعقود، انعقد الاجتماع التنظيمي الأول للفريق العامل الحكومي الدولي المفتوح العضوية المعني بحقوق الإنسان لكبار السن في قصر الأمم بجنيف، مُطلقًا العملية الرسمية نحو إعداد صك دولي ملزم قانونًا مكرّس لحماية وتعزيز حقوق كبار السن.

لم يُختتم الاجتماع بالتوصّل إلى اتفاق بشأن إطار إجرائي. إلا أنّ ذلك، بعيدًا عن أن يُعدّ مؤشرًا على الجمود، شكّل انطلاقة حاسمة للمفاوضات، وأتاح مساحة لحوار جوهري، ومهّد الطريق لتقديم مداخلات خطية واستئناف النقاشات خلال فصل الصيف. وبالنسبة للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، لم يكن هذا مجرد حضور بصفة مراقب، بل فرصة مفصلية.

مرحلة جديدة في الحماية العالمية

أُنشئ الفريق العامل بموجب قرار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة رقم 58/13 الصادر في نيسان/أبريل 2025، وهو ثمرة سنوات من المناصرة المتواصلة التي قادتها منظمات المجتمع المدني، وخبراء مستقلون، ومؤسسات وطنية لحقوق الإنسان حول العالم. وقد اعترف القرار صراحةً بالمؤسسات الوطنية كجهات فاعلة رئيسية، ودعاها إلى الإسهام “بنشاط وبصورة بنّاءة” في العملية.

وقد تجلّى هذا الاعتراف بوضوح في جنيف.

فقد شارك التحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان إلى جانب عدد من مؤسساته الأعضاء وممثلي فريقه العامل المعني بحقوق كبار السن. وكانت رسالتهم واضحة، إذ إن المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان تحتل موقعًا فريدًا عند تقاطع الدول والمجتمع المدني وأصحاب الحقوق.

فهي تعمل ضمن الأنظمة القانونية الوطنية، مع الحفاظ على استقلاليتها وفقًا لمبادئ باريس، وتجمع بين القرب من كبار السن والسلطة المؤسسية. فهي تنقل الخبرات المعاشة إلى توصيات سياسات عامة، وترصد فجوات الامتثال، وتضمن أن تترسخ الالتزامات المجردة في واقع الحياة اليومية.

المشاركة والمساءلة وسد فجوات الحماية

خلال الجلسة، شددت الدول الأعضاء ورئيس الفريق العامل على ضرورة المشاركة الهادفة لكبار السن ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان. ويعكس هذا التركيز على الشمولية فهمًا أوسع مفاده أن الشرعية والفعالية تعتمدان على انخراط حقيقي.

وقدّمت مؤسسات وطنية من اليونان وغواتيمالا ونيجيريا وجنوب أفريقيا وأوغندا مداخلات سلطت الضوء على استمرار فجوات الحماية، والتمييز القائم على السن، والعوائق أمام الوصول إلى العدالة. وركّزت مساهماتهم على ثلاثة محاور مترابطة، هي المشاركة، والمساءلة، وقابلية الإنفاذ.

وخلال حلقة نقاش حول عناصر المعاهدة المستقبلية، اقترحت المفوضة بيدا أنخليس إبريس من لجنة حقوق الإنسان في الفلبين أن يُخوّل الصك الجديد المؤسسات الوطنية رسميًا كآليات وطنية للرصد. كما دعت إلى إدراج آلية لتقديم الشكاوى الفردية وتعزيز أحكام المساءلة.

وتعكس هذه المقترحات توافقًا متناميًا بين الفاعلين في مجال حقوق الإنسان على أن حقوق كبار السن لا يمكن أن تبقى مجزأة ضمن الأطر القائمة. بل ثمة حاجة إلى صك شامل ومخصص لمعالجة مظاهر التمييز المنهجي المرتبط بالعمر، والإقصاء الاجتماعي، وضعف الحماية الاجتماعية، والتمييز في مجالات الرعاية الصحية والسكن والوصول إلى العدالة.

رؤية خبيرة مستقلة

وقدّمت كلوديا ماهلر، الخبيرة المستقلة المعنية بتمتع كبار السن بجميع حقوق الإنسان، تقييمًا صريحًا عقب الجلسة، مرحبةً بالمشاركة الملحوظة للمؤسسات الوطنية من مختلف المناطق، ومؤكدة أن ولاياتها القانونية وخبرتها الوطنية وقربها من أصحاب الحقوق تجعلها عنصرًا لا غنى عنه في عملية الصياغة.

وسلطت ملاحظاتها الضوء على نقطة جوهرية، فعملية إعداد المعاهدة لا تقتصر على التفاوض حول نصوص قانونية، بل تتعلق بإعادة تشكيل نظرة المجتمعات إلى الشيخوخة والكرامة والاستقلالية والمساواة.

نحو تموز وأكتوبر

ورغم أن الوفود لم تعتمد إطارًا إجرائيًا نهائيًا، أكد رئيس الفريق أن باب تقديم المساهمات الخطية سيفتح قريبًا. وسيُدعى كل من الدول الأعضاء والمؤسسات الوطنية ومنظمات المجتمع المدني وأصحاب المصلحة الآخرين إلى تقديم مقترحاتهم، بما يضمن استمرار الزخم.

ومن المقرر عقد دورتين موضوعيتين في تموز/يوليو وأكتوبر/تشرين الأول 2026، حيث ستتجاوز المناقشات المسائل التنظيمية لتتناول المحتوى الجوهري للصك المقترح.

وستكون الشفافية والشمولية وإمكانية الوصول عناصر أساسية في جميع المراحل. كما تبقى المشاركة الهادفة لكبار السن أنفسهم، إلى جانب منظماتهم التمثيلية، حجر الزاوية في مصداقية العملية.

تنسيق مشاركة المؤسسات الوطنية

ولدعم مشاركة منظمة ومستدامة، وضع التحالف العالمي للمؤسسات الوطنية استراتيجية مخصصة للتفاعل مع الفريق العامل. ويجمع هذا النهج بين تبادل المعلومات وبناء القدرات على نطاق واسع، وبين انخراط أعمق للمؤسسات القادرة على تقديم مساهمات قانونية وسياساتية جوهرية.

ويأخذ هذا النموذج ثنائي المستوى في الاعتبار تنوع قدرات المؤسسات الوطنية، مع الحفاظ على اتساق جماعي.

لحظة مفصلية

على مدى عقود، جرى التعامل مع حقوق كبار السن بوصفها حقوقًا ضمنية في معاهدات حقوق الإنسان القائمة. إلا أن اجتماع جنيف يشير إلى انتقال من الضمنية إلى الاعتراف الصريح.

ورغم أن الاتفاق الإجرائي لا يزال قيد الانتظار، فقد أكد الاجتماع التنظيمي أن العملية قد انطلقت، وأن أصحاب المصلحة معبّأون، وأن الزخم حقيقي.

وبالنسبة للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، الرسالة واضحة بالقدر نفسه. فولايتها الوطنية، وصلاحياتها التحقيقية، وأدوارها الرقابية، وقربها من المجتمعات، تضعها في صميم هذا البناء المتطور. ومع تقدم أعمال الفريق العامل الحكومي الدولي، ستسهم مساهماتها في صياغة ليس فقط نص معاهدة، بل مستقبل الشيخوخة بكرامة في جميع أنحاء العالم.

خلفية

أُنشئ الفريق العامل الحكومي الدولي المفتوح العضوية المعني بحقوق الإنسان لكبار السن بموجب قرار مجلس حقوق الإنسان رقم 58/13 في نيسان/أبريل 2025، وهو تتويج لعقود من المناصرة التي قادها المجتمع المدني وخبراء مستقلون ومؤسسات وطنية لحقوق الإنسان. وقد اعترف القرار صراحةً بالمؤسسات الوطنية بوصفها جهات فاعلة رئيسية، وشجّعها على “الإسهام بنشاط وبصورة بنّاءة في أعمال الفريق العامل”.

هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية)

NHRCLB
NHRCLBhttps://nhrclb.org
تعمل الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب، على حماية حقوق الإنسان وتعزيزها في لبنان وفق المعايير الواردة في الدستور اللّبناني والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتفاقيات والمعاهدات الدولية والقوانين اللّبنانية المتفقة مع هذه المعايير. وهي مؤسسة وطنية مستقلة منشأة بموجب القانون 62/ 2016، سنداً لقرار الجمعية العامة للامم المتحدة (مبادئ باريس) التي ترعى آليات إنشاء وعمل المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان. كما تتضمن آلية وقائية وطنية للتعذيب (لجنة الوقاية من التعذيب) عملاً بأحكام البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية او اللاانسانية او المهينة الذي انضم اليه لبنان بموجب القانون رقم 12/ 2008.