أعلنت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب، أنها وجّهت كتاباً رسمياً إلى مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، طالبةً تزويدها بنتائج التحقيقات الجارية في قضية وفاة الشاب محمد حرقوص، وذلك تطبيقاً للمادة 25 من قانون إنشاء الهيئة رقم 62/2016.
ويأتي هذا التحرّك في إطار الصلاحيات القانونية الممنوحة للجنة الوقاية من التعذيب، ولا سيما ما نصّت عليه الفقرة (ب) من المادة 25، التي جاء فيها:
“للجنة أن تطلع على مضمون وسير الشكاوى أو الإدعاءات أو الدفوع المقدّمة للجهات القضائية أو التأديبية أو الإدارية والتي يُدلى فيها بالتعرّض للتعذيب أو ضرب من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو المهينة.
ويُبلّغ كل قرار قضائي أو تأديبي صادر في قضايا التعذيب أو ضرب من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو المهينة للجنة من قبل الجهة التي اتخذته، وذلك خلال مهلة شهر من تاريخ صدوره.”
وأكدت الهيئة في كتابها أنّ طلب الاطلاع يشمل مسار التحقيق، ونتائج تقارير التشريح، وأي قرارات قضائية أو تدابير اتُّخذت أو ستُتخذ في هذا الملف وذلك خلال مهلة شهر من تاريخ صدورها، بما يضمن احترام الأصول القانونية الخاصة بجرائم التعذيب، ويعزّز الشفافية والمساءلة.
دور الهيئة في إطار ولايتها القانونية
شدّدت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان على أن تدخّلها لا يهدف إلى الحلول محل القضاء، بل يأتي في سياق ولايتها الرقابية المنصوص عليها في القانون، وحرصها على ضمان احترام المعايير الوطنية والدولية في التحقيق في ادعاءات التعذيب أو المعاملة القاسية أو المهينة.
وأكدت الهيئة أن أي وفاة أثناء الاحتجاز تستوجب تحقيقاً سريعاً، مستقلاً وشفافاً، مع تمكين ذوي الضحية من الاطلاع على المعلومات ذات الصلة، وضمان عدم تضارب المصالح في الجهة التي تتولى التحقيق.
تأكيد على مبدأ المساءلة
وختمت الهيئة بيانها بالتشديد على أن مكافحة التعذيب تشكّل التزاماً دستورياً ودولياً على الدولة اللبنانية، وأن تطبيق المادة 25 من قانون إنشائها هو ضمانة أساسية لتعزيز الرقابة المؤسسية ومنع الإفلات من العقاب.
وأكدت أنها ستواصل متابعة هذا الملف في إطار صلاحياتها القانونية، إلى حين تبيان الحقيقة كاملة وضمان احترام الأصول القضائية وحقوق الضحية وذويه.
توثيق مفصّل لقضية وفاة محمد حرقوص

لا تزال قضية محمد حرقوص مفتوحة قضائياً، وأسباب الوفاة لم تُحسم بصورة نهائية أمام الرأي العام والعائلة. إلا أنّ المؤشرات الطبية المستقلة تثير شبهات جدّية حول تعرّضه للتعذيب المفضي إلى الموت. هل يشكّل هذا الملف محطة لكسر نمط الإفلات من العقاب في جرائم التعذيب في لبنان، أم حلقة جديدة في مسار لم يُحسم بعد؟
أولاً: الوقائع الأساسية
بتاريخ 6 كانون الثاني 2026، اقتيد الشاب محمد حرقوص، 31 عاماً، من منطقة طريق المطار في الضاحية الجنوبية لبيروت أثناء عمله، على يد أشخاص يرتدون لباساً مدنياً، بحسب إفادة زوجته التي كانت برفقته. وقد عرّف بعض هؤلاء أنفسهم بأنهم من “حزب الله”، فيما أشارت لاحقاً معلومات رسمية إلى أنّه أوقف من قبل الجيش للتحقيق معه.
في اليوم التالي، 7 كانون الثاني 2026، تسلّم والده فرح حرقوص جثمانه من المستشفى العسكري، حيث أُبلغ بأن سبب الوفاة هو توقّف مفاجئ في القلب نتيجة التوتر، وفق تقريرين طبيين شرعيين صادرين عن المستشفى.
إلا أنّ العائلة، وبعد ملاحظتها آثار عنف واضحة على الجثمان، استعانت بالطبيب الشرعي الياس الخوري على نفقتها الخاصة. وقد خلص تقريره الصادر في 8 كانون الثاني، وملحقه في 10 كانون الثاني 2026، إلى أنّ الوفاة ناجمة عن نزيف دماغي حاد نتيجة تعرّضه لصدمة بأجسام صلبة غير حادة، لا سيما في مؤخرة الرأس، ما أدى إلى ارتفاع الضغط داخل الجمجمة وتعطيل الوظائف الحيوية. ولقد استند التقرير الملحق الى تقرير طبي لصورة مقطعية لجمجمة ودماغ محمد حرقوص ممهورة وموقعة من الاخصائي الراديولوجي الدكتور علي موسى حوماني والتي اجريت في مستشفى البرج.
ثانياً: المؤشرات الطبية وآثار العنف
أثبت التقرير المستقل وجود:
-
مساحة دائرية مسطّحة في مؤخرة الرأس بقطر نحو 7 سم،
-
كدمات في الجبين، الظهر، الكتف، الركبة،
-
خدوش سطحية في الصدر والكوع،
-
ازرقاق في الأطراف يُحتمل أن يكون نتيجة نزيف داخلي.
وقد حدّد الطبيب ساعة الوفاة بحوالي منتصف ليل 6 – 7 كانون الثاني 2026، أي بعد ساعات من توقيفه.
وبتاريخ 21 كانون الثاني 2026، أجري تشريح رسمي للجثة بتكليف من مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، بواسطة لجنة من ثلاثة أطباء شرعيين. إلا أنّ نتائج التشريح، رغم صدورها في 16 شباط 2026، رُفعت إلى مديرية المخابرات ولم تُسلّم في حينه إلى القاضي المختص أو إلى الجهة المدّعية، ما أثار تساؤلات جدّية حول مسار التحقيق وشفافيته.
ثالثاً: المسار القضائي
-
بتاريخ 12 كانون الثاني 2026، تقدّم المحامي حسن إبراهيم بوكالته عن والد الضحية، بشكوى أمام النيابة العامة التمييزية بجرم التعذيب المفضي إلى الموت، استناداً إلى قانون تجريم التعذيب ومعاقبة مرتكبيه رقم 65/2017.
-
أحيل الملف في اليوم نفسه إلى مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الذي باشر التحقيق واستمع إلى إفادات الأطباء الشرعيين.
-
أصدرت قيادة الجيش بياناً بتاريخ 17 كانون الثاني 2026 أعلنت فيه “التوسّع في التحقيق بإشراف القضاء المختص”.
ويُثار في هذا السياق إشكال قانوني يتعلّق بالمادة 24 مكرّر من أصول المحاكمات الجزائية المضافة بموجب قانون 65/2017، والتي تحظر على الأجهزة الأمنية إجراء التحقيق في جرائم التعذيب، وتُلزم القاضي المختص بتولّي التحقيق شخصياً، باستثناء المهام الفنية.
هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية)

