spot_img
spot_img
spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

منشورات أخرى

قرار المجلس الدستوري رقم 2026/12 المتعلق بالطعن في قانون العفو العام رقم 2026/70

قرار رقم: 2026/12 تاريخ: 2026/10/12 مراجعة رقم: 12/و/2026 تاريخ: 2026/9/9 موضوع المراجعة: القانون...

قرار المجلس الدستوري رقم 2026/12 المتعلق بالطعن في قانون العفو العام رقم 2026/70

قرار رقم: 2026/12
تاريخ: 2026/10/12

مراجعة رقم: 12/و/2026
تاريخ: 2026/9/9

موضوع المراجعة: القانون رقم 70 الصادر بتاريخ 2026/9/4 (منح عفو عام وتخفيض مدة العقوبات بشكل استثنائي)، المنشور في العدد 39 من الجريدة الرسمية بتاريخ 2026/9/4.

المستدعون: النواب: جبران جرجي باسيل، سليم جورج عون، سيزار ريمون أبي خليل، سامر أسعد التوم، جيمي جورج جبور، شربل كميل مارون، نقولا موريس صحناوي، إدكار جوزيف طرابلسي، أسعد رامز درغام، غسان آمال عطالله، ندى نهاد البستاني، فريد البستاني وجورج عطالله.

إن المجلس الدستوري الملتئم في مقره بتاريخ 2026/10/12، برئاسة رئيسه القاضي طنوس مشلب، وحضور الأعضاء القضاة: عوني رمضان، ألبرت سرحان، رياض أبو غيدا، فوزات فرحات، ميشال طرزي، إلياس مشرقاني وميراي نجم،

وبغياب نائب الرئيس القاضي عمر حمزة والقاضي أحمد أكرم بعاصيري لدواعٍ صحية،

بعد الاطلاع على ملف المراجعة،
وعلى التقرير الوارد في 2026/9/29،
ولدى التدقيق والمذاكرة،

تبيّن أن النواب الواردة أسماؤهم أعلاه قدّموا مراجعة بتاريخ 2026/9/9، سُجّلت في القلم تحت الرقم 12/و/2026، طعنًا بالقانون رقم 70 الصادر بتاريخ 2026/9/4 (منح عفو عام وتخفيض مدة العقوبات بشكل استثنائي)، المنشور في العدد 39 من الجريدة الرسمية بتاريخ 2026/9/4، طالبين وقف مفعول القانون وقبول المراجعة في الشكل، وفي الأساس إبطال القانون برمّته، واستطرادًا، وفي حال عدم إبطاله، تفسيره لجعل أحكامه متوافقة مع الدستور. وعرضوا أنهم لا يعترضون على مبدأ العفو العام، ولا ينكرون خطورة التوقيف المديد من دون محاكمة، وإنما يعترضون على تحويل العفو من تدبير استثنائي غايته إقفال صفحة محددة وإعادة السلم الأهلي، إلى آلية عامة لا صلة لها بالأزمة التي استند إليها المشترع لمحو المسؤولية الجزائية. وأدلوا في الأساس بأن القانون يتضمن عيوبًا تمسّ بالإرادة الشعبية، ومخالفةً لأصول التشريع والمعايير الدستورية والدولية، للأسباب التالية:

1- مخالفة المادة 36 من الدستور وقاعدة التصويت العلني بالمناداة.
2- تحوير النص بعد التصديق عليه والمساس بالسيادة الشعبية.
3- غموض القانون وعدم قابليته للتطبيق.
4- عدم صحة الأسباب الموجبة.
5- مخالفة مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها، المنصوص عليه في الفقرة «ه» من مقدمة الدستور، ومبدأ استقلال القضاء المكرّس في المادة 20 من الدستور.
6- مخالفة المعايير الدستورية الموضوعية للعفو العام.
7- تكريس الإفلات من العقاب بجعل العفو قاعدة والمحاسبة استثناء.
8- المساس بالحقوق الشخصية وحقوق الضحايا والغير وبمبدأ المساواة.

وبتاريخ ورود المراجعة، أُرسل كتاب إلى رئاسة مجلس النواب لإيداع المجلس الدستوري نسخة عن جلسات مناقشة القانون وإقراره في الهيئة العامة، وعن التسجيل الصوتي لتلك الجلسات. وقد وردت النسخ المطلوبة في 2026/9/10، وتقرّر وقف مفعول القانون.

وبتاريخ 2026/9/29 ورد التقرير.

بناءً عليه

أولًا: في الشكل:

حيث إن مراجعة الطعن وردت ضمن المهلة القانونية، مستوفيةً سائر شروطها الشكلية، فتُقبل شكلًا.

ثانيًا: في الأساس:

حيث يقتضي البحث في مدى دستورية القانون المطعون فيه، في ضوء إدلاءات الطاعنين والقواعد والمبادئ الدستورية التي ترعى الموضوع، وما يمكن إثارته عفوًا إذا لزم الأمر.

1- في السبب المبني على مخالفة المادة 36 من الدستور وقاعدة التصويت العلني بالمناداة على الأسماء:

حيث إن الطاعنين يدلون تحت هذا السبب بأن «عددًا من النواب كان قد أثار مسألة عدم احترام آلية التصويت خلال الجلسة المخصصة لمناقشة القانون المطعون فيه»، وأن المجلس الدستوري اللبناني «كان قد شدّد على أهمية آلية التصويت المنصوص عليها في المادة 36 من الدستور»، وأن «المراقبة والمحاسبة تقتضيان الشفافية في أعمال السلطة الاشتراعية عند إقرار القوانين… ليكون الشعب مطّلعًا على ما يقوم به نوابه… وأن القاعدة التي نصّت عليها المادة 36 هي جوهرية وليست شكلية ولا تقبل الاستثناء… وأنه لم يتبيّن من محضر الجلسة، التي أُقرّ فيها القانون، أن الأصول الدستورية المنصوص عليها في المادة 36 من الدستور قد روعيت في التصويت…»، وفق ما ذهب إليه قرار هذا المجلس رقم 2017/5 الصادر بتاريخ 2017/9/22،

وأضافوا أنهم لم يتمكنوا من الاستحصال على محضر الجلسة التي أُقرّ خلالها القانون المطعون فيه، طالبين التحقق من مضمون ذاك المحضر ومن التسجيلات للوقوف على مدى الالتزام بنص المادة 36 المشار إليها،

وحيث إنه، لدى مراجعة محضر مناقشة القانون وإقراره بتاريخ 11 و2026/8/12، بعد وروده من المجلس النيابي مرفقًا بالتسجيل الصوتي، بناءً للطلب، تبيّن من الصفحات 60 حتى 79 منه ضمنًا أنه تمّت تلاوة ومناقشة مواد القانون، مادةً مادةً، وأُدخلت عليها بعض التعديلات، وجرى التصويت عليها ونالت الأكثرية، ثم ورد بعد ذلك في الصفحة 79 أيضًا ما يلي:

– القانون مطروح على التصويت بالمناداة.
– نودي على السادة النواب بأسمائهم.
– أكثرية.
– الرئيس: صُدّق القانون بالأكثرية.

وحيث إنه، بمقارنة القسم المذكور مع التسجيل الصوتي، تبيّن من الأخير أنه تمّت تلاوة أسماء بعض النواب، وقطع رئيس الجلسة المناداة بعبارة «صُدّق بالمناداة»، وسُمع صوت النائب حليمة القعقور تقول: «بس ملاحظة مش صُدّق بالمناداة، ومش تصويت بالمناداة»،

وحيث إنه لم يتبيّن من المحضر أو من التسجيل الصوتي أنه تمّ تدوين أي اعتراض من قبل النواب على توفّر النصاب أو نيل القانون الأكثرية المطلوبة، علمًا أن ملاحظة النائب حليمة القعقور المستعادة أعلاه تناولت آلية التصويت ولم يجرِ تدوينها في المحضر،

وحيث إنه سبق لهذا المجلس، في قراريه رقم 2024/3 و2026/1، أن أكّد على أن الصيغة المنصوص عليها في المادة 36 هي جوهرية ولا يجوز مخالفتها، إلا أنه تجاوز الإبطال في كلٍّ منهما لعدم ثبوت الاعتراض على طريقة التصويت أو على نيل الأكثرية المطلوبة، معلّلًا أنه «لا يرى المجلس حاليًا إبطال القانون رغم مخالفته المادة 36 من الدستور، بعدما جرى التصويت عليه من دون ثبوت أي اعتراض على طريقة التصويت أو على عدد الذين صوّتوا»،

– قرار المجلس الدستوري رقم 2024/3 بتاريخ 2024/4/4.

وحيث، تبعًا لما تقدّم، يكون السبب موضوع البحث مردودًا.

2- في السبب المبني على تحوير النص بعد التصويت عليه، والمساس بالسيادة الشعبية وصحة الإرادة التشريعية:

حيث إن الطاعنين يدلون تحت هذا السبب بأن «القانون المطعون فيه اتخذ صيغًا عديدة، إذ جاءت الصيغة التي أُرفقت بجدول أعمال جلسة مجلس النواب مختلفة عن تلك التي تمّ التصويت عليها، كما جاءت الصيغة الأولى التي وُزّعت وأُحيلت إلى فخامة رئيس الجمهورية مختلفة عن الصيغة التي أصدرها الرئيس»،

حيث إن الطاعنين لم يرفقوا بعريضة الطعن أي صيغة من الصيغ السابقة لصدور القانون المطعون فيه، لا سيما تلك التي سُمّيت «الصيغة الأولى» المختلفة، كما قالوا، عن تلك التي أصدرها رئيس الجمهورية، ولم يبيّنوا، في مطلق الأحوال، وجه الاختلاف بين الصيغتين ومكمن الخلل الدستوري،

وحيث إن الطاعنين أدلوا أيضًا «على سبيل المثال لا الحصر بأن الصيغ السابقة كانت تتضمن استثناءً صريحًا لجرائم الفساد في القطاع العام، في حين أن الصيغة النهائية أسقطت هذا الاستثناء، كما والتعديل الجوهري الذي لحق بالبند 10 من المادة الثانية منه»،

وحيث إن المثال المضروب لجهة استثناء جرائم الفساد في القطاع العام في الصيغ السابقة للصيغة النهائية من القانون بقي بدون إثبات يعزّزه، خاصةً أن القانون المطعون فيه تضمّن في البنود 6 و7 و8 و9 و10 من المادة 2 المذكورة الاستثناءات التالية: الجرائم الواقعة على الأملاك العامة والمال العام، وتزوير النقد الوطني والأجنبي، والجرائم التي تطال قانون النقد والتسليف والمتعلقة بالمصارف، والإثراء غير المشروع، واختلاس الأموال العمومية أو إساءة الأمانة بها أو سرقتها أو تلك العائدة للمؤسسات المالية والمصرفية، والتهرّب الضريبي، وجرائم تبييض الأموال، والجرائم المرتبطة بأموال المودعين، والجرائم المصرفية على أنواعها، ومعظمها تُصنّف ضمن جرائم الفساد،

وحيث إن المثال الآخر جاء خاليًا من أي دلالة أو تحديد لماهية «التعديل الجوهري الذي لحق بالبند 10 من المادة الثانية» من القانون المطعون فيه، أو أي بيان للصيغة السابقة للبند المذكور لكي يتمكن المجلس الدستوري من إعمال رقابته لهذه الجهة،

وحيث إنه، من الرجوع إلى محضر جلسة مجلس النواب والتسجيلات الصوتية العائدة إليها، يتبيّن أنه جرى التداول والمناقشة في عدة ملاحظات وتعديلات تقدّم بها النواب حول المادة 2، وصار إقرار معظمها من قبل الهيئة العامة، ما ينسجم مع نص المادة 2 من القانون المطعون فيه بالصيغة المنشورة في الجريدة الرسمية، بعد التدقيق والمقارنة،

وحيث إنه، من الرجوع إلى الصفحة 70 من المحضر، يتبيّن ما يلي:

«الرئيس: الموافقة على المادة الثانية مع التعديلات برفع الأيدي.
– أكثرية.
نبيل بدر: دولة الرئيس، من دون تعديلات الزميل بو صعب.
الرئيس: صُدّقت المادة الثانية مع التعديلات».

وحيث لا يكون ثمة مخالفة لهذه الناحية لعدم ثبوت التحوير في النص بعد التصويت عليه، وبالتالي يُردّ السبب المبني على المساس بالسيادة الشعبية وصحة الإرادة التشريعية.

3- في السبب المبني على تعدّي السلطة التشريعية على صلاحيات السلطة القضائية بعدم استطلاع رأيها:

حيث إن الطاعنين يدلون تحت هذا السبب بوجوب عرض مشاريع القوانين واقتراحاتها والأنظمة المتعلقة بالقضاء العدلي على مجلس القضاء الأعلى لإبداء الرأي بشأنها قبل التصويت عليها في مجلس النواب، وفق ما تفرضه الفقرة «ز» من المادة /5/ من قانون تنظيم القضاء العدلي (المرسوم الاشتراعي رقم 150 بتاريخ 1983/9/16)، وأن هذه المعاملة هي جوهرية وعدم التقيّد بها يعرّض القانون للإبطال،

وحيث إن الفقرة «ز» من المادة الخامسة من المرسوم الاشتراعي رقم 83/150 تنصّ على أنه من صلاحيات مجلس القضاء الأعلى «إبداء الرأي في مشاريع القوانين والأنظمة المتعلقة بالقضاء العدلي، واقتراح المشاريع والنصوص التي يراها مناسبة بهذا الشأن على وزير العدل»،

وحيث إنه يُستفاد من نص المادة /20/ من الدستور أن ثمة ضمانات يجب حفظها للقضاة والمتقاضين، من أجل تأمين الاستقلال للقضاة وحفظ حقوق المتقاضين، وأن التشريع الذي يمسّ بهذه الضمانات يكون مخالفًا للدستور،

وحيث إن الفقرة «ز» يجب أن تُفسّر ضمن إطار تلك الضمانات، وعلى أنه يتوجب أخذ رأي مجلس القضاء في كل ما يتعلق بشؤون القضاء العدلي والقضاة، كالتعديل في النظام القضائي أو في تنظيم المحاكم أو في سنّ تقاعد القضاة، وذلك على سبيل المثال، وأن ما يخرج عن إطار تلك الضمانات لا يمكن أن يشكّل انتقاصًا منها ولا يستوجب بالتالي استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى، فإن إغفال هذا الأمر لا يؤدي بالتالي إلى إبطال القانون المطعون فيه لأنه لا يتعلق تحديدًا بالتنظيم القضائي وشؤون القضاة.

وحيث، تبعًا لما تقدّم، يقتضي ردّ هذا السبب.

4- في السبب المبني على عدم قابلية القانون المطعون فيه للتطبيق لجهة إسقاط القرارات الإدارية:

حيث إن الطاعنين يدلون تحت هذا السبب بأنه يُخشى «أن يؤدي تطبيق النص المطعون فيه إلى نقل جزء كبير من عبء الحسم التشريعي إلى القضاء، بحيث يضطر كل مرجع إلى استنباط الحل لمسائل كان ينبغي أن يحسمها المشرّع صراحةً، بما قد يؤدي إلى اجتهادات متناقضة ونتائج مختلفة في ملفات متماثلة»، إذ يستخدم القانون عبارة «تهم الفساد المالي» بالنسبة إلى الموظفين من دون تعريفها أو تحديد الجرائم التي تتناولها،

وأضافوا أن القانون المطعون فيه لا يحدد المقصود بسقوط «القرارات الإدارية» الصادرة بحق الموظفين، وما إذا كان يشمل العقوبات التأديبية وكفّ اليد وإنهاء الخدمة والتنزيل في الرتبة وسائر التدابير الإدارية، أم يقتصر على القرارات المرتبطة بالدعوى الجزائية،

وحيث إن هذا السبب يتناول الفقرة الثانية من المادة الأولى من القانون المطعون فيه التي تنصّ على الآتي:

«ويؤدي العفو العام إلى سقوط الدعوى العامة وإلى محو العقوبات الأصلية المحكوم بها، كما تسقط جميع الملاحقات والأحكام والقرارات بما فيها الإدارية التي صدرت بحق موظفين بغير تهم الفساد المالي، سواء كانت وجاهية أم غيابية أم بمثابة الوجاهية».

وحيث إن العفو الشامل، المنصوص عليه في البند 9 من المادة 53 من الدستور، يرد على الجرائم والعقوبات المترتّبة عليها، أما العقوبات التأديبية فتقرّرها الإدارة في إطار علاقة وظيفية مستقلة، وتخضع لمبدأ استقلال الملاحقة التأديبية عن الملاحقة الجزائية،

وحيث إن الفقه البرلماني الكلاسيكي استقرّ على حصر العفو بالأحكام الصادرة في الجنايات والجنح والمخالفات:

« Rien ne limite le pouvoir d’amnistie dévolu aux Chambres par la loi constitutionnelle. Il est néanmoins de principe que l’amnistie doit être réservée aux condamnations prononcées pour crimes, délits ou contraventions. » (Eugène Pierre, Traité de droit politique, électoral et parlementaire, Supplément, Librairies-Imprimeries réunies, Paris, 1919, p. 761)

وحيث إن القرارات التأديبية هي قرارات فردية تصدر عن السلطة الإدارية المختصة ضمن صلاحياتها في إدارة المرفق العام (المادة 65 من الدستور)، وإسقاطها جماعيًا بقوة القانون يؤدي إلى حلول المشترع محل الإدارة في تقرير مصير قراراتها الفردية. وقد اعتبر المجلس الدستوري أن «لمجلس النواب صلاحية مراقبة الحكومة ومحاسبتها، وليس له بالتالي أن يحلّ محلها في ممارسة صلاحياتها» (قرار المجلس الدستوري رقم 2012/2 بتاريخ 2012/12/17؛ وأيضًا القرار رقم 1999/2 بتاريخ 1999/11/24)،

وحيث إن كثيرًا من هذه القرارات قد يكون موضوع مراجعات عالقة أمام مجلس شورى الدولة، وإسقاطها تشريعيًا بصورة شاملة يجرّد هذه المراجعات من موضوعها، ويحسم مسبقًا نزاعات تعود إلى القاضي الإداري، ما يشكّل تدخلًا في الوظيفة القضائية،

وحيث إن المجلس الدستوري الفرنسي، وإن أجاز للمشترع أن يمدّ العفو إلى بعض الآثار غير الجزائية، فقد قيّد ذلك بألا يمسّ حقوق الغير، واعتبر أن احترام الحقوق والحريات للأشخاص الثالثين غير المشمولين بالعفو يفرض قيودًا على ممارسة المشترع لصلاحياته التشريعية: «le respect des droits et des libertés des personnes étrangères aux faits amnistiés (…) impose des limites à l’exercice de la compétence confiée au législateur» (القرار رقم 88-244 DC بتاريخ 1988/7/20، الاعتباران 20 و23)، فأبطل الأحكام التي كانت ترتّب إعادة حكمية إلى العمل،

وحيث إن عبارة «والقرارات بما فيها الإدارية» تحتمل تفسيرين:

– الأول يجعلها شاملة لكل قرار إداري صادر بحق موظف، بما فيه العقوبات التأديبية المستقلة، مع ما يرتّبه ذلك من إعادة إلى الوظيفة واسترداد للرواتب ومن مساس بالمراجعات القضائية العالقة؛
– والثاني يحصرها بالتدابير الإدارية التي هي أثر مباشر للملاحقة أو الإدانة الجزائية المعفو عنها، بحيث تكون هذه التدابير متصلة بالدعوى العامة التي سقطت؛

وحيث إن التفسير الأول يؤدي إلى مخالفة مبدأ الفصل بين السلطات ومبدأ استقلال القضاء ومبدأ وضوح التشريع، أما التفسير الثاني فينسجم مع طبيعة العفو الشامل بوصفه مؤسسة جزائية، ومع النطاق الذي رسمه له البند 9 من المادة 53 من الدستور،

وحيث إن للمجلس الدستوري، متى احتمل النص أكثر من تفسير، أن يستبعد التفسير المخالف للدستور ويعتمد التفسير الذي يجعله متوافقًا معه، فتكون التحفظات التفسيرية التي يقرّرها ملزمة لجميع السلطات العامة والمراجع القضائية والإدارية،

وحيث يقتضي، تبعًا لذلك، عدم إبطال الفقرة الثانية من المادة الأولى، واعتبارها غير مخالفة للدستور، شرط التقيّد بالتحفظ التفسيري الملزم الآتي:

«تُحصر عبارة “القرارات بما فيها الإدارية” الواردة في الفقرة الثانية من المادة الأولى بالتدابير التي هي نتيجة مباشرة للملاحقة أو الإدانة الجزائية المعفى عنها، دون العقوبات التأديبية المستقلة، ومع صون حقوق الغير».

5- في السببين المبنيين على مخالفة المعايير الدستورية الموضوعية للعفو العام وتكريس سياسة الإفلات من العقاب والغموض والمساس بحقوق الضحايا:

حيث إن الطاعنين يدلون بأن العفو العام، وإن كان عملًا تشريعيًا، يبقى استثناءً خاضعًا لرقابة المجلس الدستوري لما له من أثر على النظام القانوني لناحية مساسه بمبدأ المساواة وبوظيفة القضاء وبحقوق الضحايا، وبأن الغاية منه، وفق ما ذهب إليه الاجتهاد الفرنسي، يجب أن تكون مرتبطة بالمصلحة العامة، وأن يكون ثمة صلة موضوعية بين الغاية والأفعال أو الأشخاص المشمولين بالعفو، وأن تبرّر الغاية الفوارق التي أوجدها القانون، مع احترام مبدأ التناسب، مردفين أن الخروج عن أي من هذه المعايير يوجب إبطال القانون،

وحيث إن الطاعنين يدلون أيضًا بأن القانون قلب القاعدة الدستورية بجعله العفو العام مبدأً والعقاب استثناءً، بحيث أصبح كل فعل جرمي، مهما كان نوعه وخطورته، معفيًا من العقاب إذا لم يرد ذكره صراحةً ضمن الاستثناءات التي صيغت بشكل يشوبه الغموض وعدم الوضوح، ما يستحيل معه تحديد الجرائم المستثناة بشكل دقيق، وبأن القانون، بشموليته واتساع نطاقه، يخلّ بمبدأ التناسب بين الغاية التي يرمي إليها وبين ما يرتّبه من أضرار على مبدأ المحاسبة وعلى حقوق الضحايا وحقوق الدولة،

وحيث إن هذين السببين متلازمان، إذ ينطلقان من الفرضية ذاتها، وهي الطابع الاستثنائي للعفو الشامل وما يستتبعه من وجوب تقييده بغاية مشروعة وبنطاق محدد وواضح، ويتناولان المسألة ذاتها من وجهين: وجه الصلة بين نطاق العفو وغايته، ووجه وضوح هذا النطاق وتحديده، ويفضيان إلى النتيجة ذاتها، أي إلى التساؤل عما إذا كان العفو قد تحوّل إلى قاعدة عامة للإفلات من العقاب. فيقتضي، تفاديًا للتكرار، ضمّهما والبحث فيهما معًا.

أولًا: في المبادئ التي تحكم العفو الشامل:

حيث إن العفو الشامل، الذي درجت تسميته بالعفو العام، يشكّل إحدى أكثر الصلاحيات التشريعية حساسيةً ودقّةً، لأنه يقع عند نقطة التماس بين سلطة الدولة السيادية في العقاب وبين مقتضيات العدالة والمصلحة الاجتماعية،

وحيث إن الأصل أن الجريمة تستوجب الملاحقة والعقاب، والعفو الشامل يمثّل استثناءً على هذا الأصل، إذ يتدخل المشترع فيقرّر، لاعتبارات يراها جديرة بالحماية، إسقاط الدعوى العامة والعقوبات أو الآثار الجزائية المترتّبة على أنواع محددة من الجرائم. وانطلاقًا من كون هذه القوانين تشكّل استثناءً، فإنه يقتضي تقييدها بمعايير ومبادئ وأطر لا يجوز تجاوزها، وتفسيرها تفسيرًا ضيقًا لا يُتوسّع فيه ولا يُقاس عليه،

وحيث إن الدستور اللبناني أخذ بهذا النظام صراحةً، إذ نصّت المادة 9/53 منه على أن:

«يمنح العفو الخاص بمرسوم. أما العفو الشامل فلا يُمنح إلا بقانون»،

وحيث إن قانون العفو الشامل يطال الجريمة بذاتها وليس شخص المجرم، فيشمل كل من اقترف الجريمة المعفى عنها ضمن فترة زمنية معينة، حددها القانون المطعون فيه بما قبل الأول من آذار 2026. وهو يمنع أو يوقف سير إجراءات الدعوى الجزائية، ويمحو حكم الإدانة، ويزيل كل التبعات العقابية والآثار المترتّبة عليها، مع وجوب حفظ حقوق الجهة المتضررة،

وحيث إنه يُلجأ عادةً إلى قوانين العفو الشامل لأسباب وطنية مرتبطة بفترة زمنية محددة، أو لتحقيق المصالحة العامة، أو لتخفيف الأزمات الاجتماعية،

وحيث إن المعايير الدولية وفق لجنة البندقية (Commission de Venise) تؤكّد على ضرورة تشديد الرقابة الدستورية على قوانين العفو كلما اتخذ العفو طابعًا راديكاليًا أو شموليًا، بمعنى أنه بقدر ما يتوسّع نطاق العفو الشامل، بقدر ما يتوجب أن يكون الهدف منه مشروعًا:

« Les amnisties doivent poursuivre un but légitime dans l’intérêt de la communauté, plus les amnisties sont radicales, plus le but doit être légitime. L’unité nationale et la réconciliation sociale et politique sont des objectifs légitimes des amnisties. De l’avis de la commission, la proportionnalité exige que, dans chaque cas, l’amnistie proposée soit un moyen approprié pour parvenir à terme à l’unité et à la réconciliation. »

« 78. Les amnisties sont généralement motivées par des raisons de réconciliation sociale et politique. Les objectifs légitimes doivent être atteints par des méthodes et des procédures cohérentes. Les moyens procéduraux doivent avoir un lien rationnel et être cohérents avec le but recherché afin de ne pas aller à l’encontre de ce but. »

« 97. L’amnistie pourrait également couvrir de nombreux citoyens qui ont commis des délits ordinaires qui n’ont que peu ou pas de rapports avec les tensions sociales qui ont conduit à la loi d’amnistie ; cela remettrait en question la justification des avantages spéciaux et violerait le principe d’égalité (…). La Commission réitère donc sa recommandation de restreindre et de définir de manière plus précise le champ d’application de l’amnistie. »

Venice Commission, Opinion on the Rule of Law requirements of Amnesties, with particular reference to the parliamentary bill “on the organic Law of Amnesty for the Institutional, Political and Social normalization of Catalonia” (138th Plenary Session, Venice, 15-16 March 2024).

وحيث إن الصالح العام يشكّل الهدف الأسمى لمجموعة المبادئ الدستورية، ولا سيما العدالة الاجتماعية والمساواة وسيادة القانون واحترام الحقوق والحريات وانتظام عمل المؤسسات والفصل بين السلطات وحماية المجتمع والدولة. ولا تُختزل المصلحة العامة في مصلحة المستفيد من العفو، بل تشمل أيضًا مصلحة المجتمع في العدالة، ومصلحة الضحايا في الإنصاف، ومصلحة الدولة في احترام أحكام القانون وفي عدم تكريس الإفلات من المسؤولية،

وحيث إن الرقابة الدستورية ليست رقابة على الملاءمة السياسية للقانون، فالمجلس الدستوري لا يملك سلطة تقدير مماثلة لسلطة مجلس النواب، ولا يحلّ تقديره محل تقدير المشترع في اختيار الجرائم المشمولة بالعفو أو في تحديد نطاقه الزمني، ما لم يكن هذا التقدير مشوبًا بخطأ ساطع أو مخالفًا لمبدأ أو قاعدة ذات قيمة دستورية.

ثانيًا: في الصلة بين نطاق العفو وغايته:

حيث إن القانون المطعون فيه، كما يتبيّن من أسبابه الموجبة، يرمي إلى معالجة الخلل الناجم عن التأخير المزمن في إصدار الأحكام الجزائية واحتجاز الموقوفين لمدد تتجاوز المهل القانونية المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات الجزائية، والاكتظاظ وسوء أوضاع أماكن التوقيف والسجون، بما يشكّل مساسًا بكرامة الإنسان وبالمعايير الدولية الدنيا لمعاملة السجناء والموقوفين، كما يرمي إلى تعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة وتمكين السلطة القضائية من تسريع البتّ في الملفات المتبقية،

وحيث إن هذه الغاية، المتصلة بصون الكرامة الإنسانية وبحسن سير مرفق العدالة، هي غاية مشروعة، واردة في الأسباب الموجبة للقانون، يعود للمشترع أن يختار الوسائل الآيلة إلى تحقيقها، ومنها العفو الشامل، ضمن الحدود التي يرسمها الدستور:

« L’objectif d’intérêt général poursuivi doit impérativement apparaître dans le texte de la loi ou dans les travaux préparatoires. Le non-respect de cette règle essentielle conduit le Conseil à censurer la disposition litigieuse. » (Guillaume Merland, « L’intérêt général, instrument efficace de protection des droits fondamentaux ? », Cahiers du Conseil constitutionnel n° 16, juin 2004)

وحيث إنه يتبيّن من المواد الثالثة (استبدال العقوبات) والخامسة (إخلاءات السبيل) والتاسعة (الإعفاء من الغرامات والرسوم) والعاشرة (جمع العقوبات) من القانون المطعون فيه أن المشترع قرن العفو بتدابير أخرى تعالج مباشرةً المشاكل الناجمة عن اكتظاظ السجون وطول أمد المحاكمات، بما يكشف عن مقاربة متكاملة للغاية المعلنة،

وحيث إنه، إذا كانت الجرائم التي شملها العفو والاستثناءات الواردة فيه لا ترتبط كلها بالغاية المتمثلة بمعالجة أوضاع السجون والموقوفين، فإن ذلك لا يكفي بذاته لإبطال القانون المطعون فيه، طالما أن العفو الشامل عينيّ بطبيعته ويرد على فئات من الجرائم لا على فئات من الموقوفين، وطالما أن المعيار الذي اعتمده المشترع، أي طبيعة الجرم وتاريخ ارتكابه، هو معيار موضوعي ومجرّد،

وحيث إن العفو الشامل من حيث الأصل يتعلق بالحق العام، ولا يمحو الحقوق المدنية أو الشخصية الناشئة عن الجريمة. وقد حرص المشترع على تأكيد ذلك في المادة الرابعة من القانون المطعون فيه، التي أبقت حق النظر بالحقوق الشخصية للمحاكم الجزائية أو المدنية أو الإدارية المختصة، وأجازت للمدعي طلب حبس المحكوم عليه إكراهًا عند تنفيذ الحكم بالتعويض، بما ينفي أن يكون القانون قد أهدر، في مبدئه، حقوق الضحايا،

وحيث إن الغاية المشروعة للقانون لا تبرّر، مع ذلك، أن يمتدّ العفو إلى جرائم يلتزم لبنان، بموجب الدستور والمواثيق الدولية، بملاحقتها والمعاقبة عليها، ولا سيما جرائم الفساد والجرائم الدولية الخطيرة، على ما سيأتي بيانه في السبب المتعلق بحصر استثناء جرائم الفساد وفي السبب المتعلق بمخالفة المواثيق الدولية،

ثالثًا: في وضوح نطاق العفو:

وحيث إن شرط وضوح القانون يتشدّد في المادة الجزائية، عملًا بأحكام المادة 8 من الدستور اللبناني التي تنصّ على أن «الحرية الشخصية مصونة وفي حمى القانون، ولا يمكن أن يُقبض على أحد أو يُحبس أو يُوقف إلا وفاقًا لأحكام القانون، ولا يمكن تحديد جرم أو تعيين عقوبة إلا بمقتضى القانون». وقد سار اجتهاد المجلس الدستوري الفرنسي على اعتبار أنه يجب على المشترع تحديد الجرائم بعبارات واضحة ودقيقة بما فيه الكفاية لاستبعاد التعسّف:

« 7. Considérant qu’aux termes de l’article 8 de la Déclaration des droits de l’homme et du citoyen de 1789 nul ne peut être puni qu’en vertu d’une loi établie et promulguée antérieurement au délit et légalement appliquée ; qu’il en résulte la nécessité pour le législateur de définir les infractions en termes suffisamment clairs et précis pour exclure l’arbitraire ; » (Conseil constitutionnel, décision n° 80-127 DC du 20 janvier 1981)

وحيث إنه إذا كان يعود للمشترع أن يمارس كاملًا الاختصاص التشريعي الذي أناطه به الدستور بموجب المادة 16 منه، فإن المادة 8 من الدستور ومبدأ وضوح التشريع ذو القيمة الدستورية يفرضان عليه اعتماد أحكام دقيقة بما فيه الكفاية وصياغة لا لبس فيها، لا سيما في المواد الجزائية، من دون أن يلقي على عاتق السلطات الإدارية أو القضائية مهمة تحديد قواعد لم يُنط الدستور تحديدها إلا بالقانون:

« 9. Considérant qu’il incombe au législateur d’exercer pleinement la compétence que lui confie la Constitution (…) ; que le plein exercice de cette compétence, ainsi que l’objectif de valeur constitutionnelle d’intelligibilité et d’accessibilité de la loi (…) lui imposent d’adopter des dispositions suffisamment précises et des formules non équivoques ; qu’il doit en effet prémunir les sujets de droit contre une interprétation contraire à la Constitution ou contre le risque d’arbitraire, sans reporter sur des autorités administratives ou juridictionnelles le soin de fixer des règles dont la détermination n’a été confiée par la Constitution qu’à la loi ; » (Conseil constitutionnel, décision n° 2006-540 DC du 27 juillet 2006)

وحيث إن اجتهاد المجلس الدستوري سار على اعتبار أن الغموض «يفسح في المجال أمام تطبيقه بشكل استنسابي، وبطرق ملتوية، تسيء إلى العدالة والمساواة بين المواطنين» (القرار رقم 2017/5 بتاريخ 2017/9/22)، وأن الغموض الذي يترك هامشًا من الاستنسابية يتعارض مع مبدأ فقه القانون ووضوحه (القرار رقم 2024/3 بتاريخ 2024/4/4)، وهذا ما استقرّ عليه المجلس الدستوري الفرنسي أيضًا (القرار رقم 2001-455 DC بتاريخ 2002/1/12)،

وحيث إن القانون المطعون فيه اعتمد مبدئية العفو، بحيث تكون كل جريمة غير مستثناة صراحةً مشمولة حكمًا بالعفو، ثم صاغ بعض الاستثناءات بعبارات تحتمل أكثر من تفسير. وبالعودة إلى أحكام المادتين الأولى والثانية، يتبيّن ما يلي:

– إن المادة الأولى حصرت نطاق تطبيق القانون الزمني بالجرائم الحاصلة قبل تاريخ 1 آذار 2026، في حين أن الفقرتين الأولى والثالثة من البند الخامس من المادة الثانية تضمّنتا عبارة «المرتكبة قبل صدور هذا القانون» و«في حال كانت مرتكبة قبل صدور هذا القانون» بالنسبة لجرائم المخدرات وزراعتها. وإذا كان اعتماد تاريخ سابق للتصويت على القانون حدًّا زمنيًا للعفو، وهو تاريخ الأول من آذار 2026، يدخل في السلطة التقديرية للمشترع، وهو تقدير مبرّر بموضوعه، إذ يحول دون أن يتحوّل العفو إلى حافز على ارتكاب الجرائم في الفترة التي تسبق إقراره أو تواكب مناقشته، غير أن تفسير هاتين العبارتين الأخيرتين على نحو يمدّ العفو إلى جرائم لاحقة لتاريخ الأول من آذار 2026 يؤدي إلى إخلال بالمساواة بين مرتكبي جرائم متماثلة في الفترة ذاتها، وإلى منح عفو عن أفعال ارتُكبت بعد بدء النقاش العام في القانون أو بعد التصويت عليه؛ ما يوجب إبطال عبارة «والمرتكبة قبل صدور هذا القانون» من الفقرة الثانية من البند الخامس من المادة الثانية، وعبارة «في حال كانت مرتكبة قبل صدور هذا القانون» من الفقرة الثالثة من البند إياه، بحيث يُعتمد تاريخ 2026/3/1 حدًّا زمنيًا موحدًا لجميع الجرائم المشمولة بالعفو، بما فيها جرائم المخدرات وزراعتها.

– إن البند 5 من المادة الثانية ينصّ على أنه «لا يستفيد من قانون العفو مرتكبو جنايات التكرار بالمخدرات التي تزيد عن المرة الثانية، والمرتكبة قبل صدور هذا القانون، سواء صدرت أم لم تصدر بها أحكام قضائية»، في حين أنه لا وجود لجناية «تكرار بالمخدرات»، وأن التكرار، بمفهومه القانوني المنصوص عليه في قانون العقوبات، لا يتحقق إلا بصدور حكم سابق مبرم، ولا تكفي الملاحقة دليلًا عليه؛

– إن البند 5 إياه، بعد أن نصّ في فقرته الثانية على استثناء «جميع جرائم المخدرات المرتكبة من قبل العسكريين وعناصر المؤسسات الأمنية»، اعتبر في الفقرة التي تليها جرائم زراعة المواد المخدرة مشمولة بالعفو، الأمر الذي يخلق التباسًا حول وضع العسكريين وعناصر المؤسسات الأمنية المرتكبين جرائم زراعة؛

– إن البند 6 ينصّ على «الجرائم المتعلقة بجميع أنواع التعدّي الخاضعة للملاحقة والتي لا تزال مستمرة بتاريخ صدور هذا القانون»، فلا يُفهم من عبارة «الخاضعة للملاحقة» ما إذا كانت تعني «القابلة للملاحقة» أم التي هي «قيد الملاحقة». والأخذ بالتفسير الثاني وحده يؤدي إلى إعفاء جميع التعديات التي لم تبدأ ملاحقتها، مهما كانت أهميتها، وبالتالي إلى هدر حقوق الدولة والمتضررين؛

– إن البند 8 ينصّ على «جرائم التزوير وتقليد النقد الوطني والأجنبي…». وإدخال «الـ» التعريف على كلمة «التزوير» يثير الالتباس حول ما إذا كان الاستثناء يشمل جميع جرائم التزوير الواردة في المواد 453 حتى 472 ضمنًا من قانون العقوبات، أم يقتصر على التزوير الوارد تحت عنوان «في تقليد خاتم الدولة والعلامات الرسمية والعملة والأسناد المالية العامة»، موضوع المواد 437 حتى 451 من قانون العقوبات؛

وحيث إن الغموض الذي يشوب هذه البنود، وإن كان يكشف عن صياغة تشريعية غير سليمة، لا يبلغ حدّ تبديد المعنى الذي يحول دون فقه النص كليًا، إذ يمكن رفعه بتفسير يستند إلى سائر أحكام القانون، وإلى المفاهيم القانونية المستقرة في قانون العقوبات، وإلى الطابع الاستثنائي للعفو الذي يوجب تفسيره تفسيرًا ضيقًا، وإلى الأحكام الدستورية والالتزامات الدولية التي يلتزم بها لبنان. ومتى رُفع هذا الغموض على هذا الوجه، انتفى ما يدلي به الطاعنون من تحوّل العفو إلى قاعدة عامة للإفلات من العقاب،

وحيث إن إبطال القانون المطعون فيه سيؤدي إلى حرمان جميع المستفيدين من العفو، ومنهم الموقوفون منذ سنوات طويلة من دون محاكمة، من منحة قرّرها المشترع لغاية مشروعة، في حين أن التحفظ التفسيري الملزم يحقق الغاية ذاتها، أي ضمان وضوح النص ووحدة تطبيقه والمساواة أمامه، بوسيلة أقل مساسًا بإرادة المشترع،

وحيث إن للمجلس الدستوري، متى احتمل النص أكثر من تفسير، أن يستبعد التفسير المخالف للدستور ويعتمد التفسير الذي يجعله متوافقًا معه، فتكون التحفظات التفسيرية التي يقرّرها ملزمة لجميع السلطات العامة والمراجع القضائية والإدارية، بما يضمن وحدة تطبيق القانون ويحول دون الاجتهادات المتناقضة،

وحيث يقتضي، تبعًا لذلك، ردّ السببين المدمجين، واعتبار المادتين الأولى والثانية غير مخالفتين للدستور، شرط التقيّد بالتحفظات التفسيرية الملزمة الآتية:

– أن يُفسّر «التكرار» في البند 5 من المادة الثانية وفق مفهومه القانوني في قانون العقوبات؛
– أن يُعتبر استثناء «جميع جرائم المخدرات المرتكبة من قبل العسكريين وعناصر المؤسسات الأمنية» شاملًا جرائم الزراعة المرتكبة من قبلهم؛
– أن تُفسّر عبارة «الخاضعة للملاحقة» الواردة في البند 6 من المادة الثانية بأنها تشمل جميع أنواع التعدّي القابلة للملاحقة والتي هي قيد الملاحقة؛
– أن يُفسّر استثناء «جرائم التزوير» الوارد في البند 8 من المادة الثانية على أنه يشمل جميع جرائم التزوير المنصوص عليها في قانون العقوبات.

6- في السبب المبني على حصر استثناء جرائم الفساد:

حيث إن الطاعنين يدلون بأن القانون، بصيغته المنشورة، يحصر جرائم الفساد المستثناة من العفو بما ورد في البندين 9 و10 من المادة الثانية، بحيث يمتدّ العفو إلى سائر جرائم الفساد، ولا سيما الرشوة وصرف النفوذ واستثمار الوظيفة وإساءة استعمال السلطة والإثراء غير المشروع الناتج عن غير الاختلاس، بما يؤدي إلى تبييض جرائم الفساد، وإلى حرمان الدولة من استرداد الأموال المتأتية منها، وإلى الإخلال بمبدأ التناسب،

وحيث إن البندين 9 و10 المذكورين ينصّان على ما يلي:

«9- جرائم الإثراء غير المشروع الواردة بالقانون رقم 189 بتاريخ 2020/10/16، المتعلقة باختلاس الأموال العمومية أو بإساءة الأمانة بها أو سرقتها أو بالأموال العائدة إلى المؤسسات المالية والمصرفية، والتهرّب الضريبي.

10- الجرائم المنصوص عنها في قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب رقم 2015/44، والجرائم المخالفة لقانون النقد والتسليف أيًا كان مرتكبوها، لا سيما الجرائم المرتبطة بأموال المودعين والجرائم المتعلقة بالجرائم المصرفية على أنواعها».

أ- في مبدأ التناسب وحدود استثناء جرائم الفساد:

وحيث إن مبدأ التناسب يشكّل مرتكزًا هامًا لتحليل دستورية قوانين العفو الشامل، فإذا كانت معالجة أوضاع إنسانية، أو اكتظاظ السجون، أو تحقيق مصالحة وطنية، أو معالجة اختلالات تشريعية أو قضائية محددة، أهدافًا مشروعة لقانون العفو، فإنه يقتضي الموازنة بين المنفعة العامة التي يحققها العفو وبين الأضرار الدستورية والقانونية التي يمكن أن تترتب عليه. فكلما اتسع نطاق العفو، اتسعت معه الحاجة إلى تبرير العلاقة بين الجرائم المشمولة به وبين الغاية العامة التي يستهدفها التشريع،

وحيث إن المشترع، وإن كان يتمتع بموجب المادة 53 من الدستور بصلاحية منح العفو الشامل وباستثناء ما يراه من الجرائم، إلا أن هذه الصلاحية لا يمكن أن تُمارس بمعزل عن المبادئ ذات القيمة الدستورية التي تحكم عمل السلطات العامة، وفي مقدمتها العدالة الاجتماعية والمساواة وسيادة القانون وحماية الصالح العام. وتفسير الاستثناءات المتعلقة بالفساد تفسيرًا حصريًا يترك العديد من الجرائم المتشابهة من حيث الخطورة مشمولةً بالعفو، فيخلّ بهذه المبادئ،

وحيث إن هذا الإخلال لا يكمن في مبدأ العفو ولا في نطاقه العام، بل في تفسير معين للبندين 9 و10، وهو إخلال يمكن تداركه بتحفظ تفسيري ملزم يحصّن المادتين الأولى والثانية من دون حاجة إلى إبطالهما، إذا ثبت أن هذا التحفظ يجد سنده في نص القانون ذاته وفي الأحكام الدستورية،

وحيث إنه يتبيّن من مجمل أحكام القانون المطعون فيه أن المشترع أبدى إرادة واضحة في استبعاد جرائم الفساد من نطاق العفو. ويظهر ذلك:

– في الفقرة الثانية من المادة الأولى، التي استبعدت صراحةً من نطاق العفو سقوط الملاحقات والأحكام والقرارات بحق الموظفين ما يتعلق منها بـ«تهم الفساد المالي»؛
– في البند 7 من المادة الثانية، الذي استثنى من العفو «الجرائم الواقعة على المال العام» بصيغة عامة غير محصورة؛
– في البند 8 منها، الذي استثنى جرائم النيل من مكانة الدولة المالية والإفلاس الاحتيالي والجرائم المنصوص عليها في قانون النقد والتسليف وسائر القوانين والأنظمة المتعلقة بالمصارف؛
– في البندين 9 و10 منها، اللذين استثنيا جرائم الإثراء غير المشروع وجرائم تبييض الأموال وتمويل الإرهاب والجرائم المخالفة لقانون النقد والتسليف «أيًا كان مرتكبوها»؛

وحيث إن هذه الأحكام يجب أن تُقرأ مجتمعةً، لا أن يُقتطع منها بند بعينه ليستنتج منه، بتفسير عكسي، عفو ضمني عن جرائم لم يذكرها المشترع صراحةً. ذلك أن العفو، بوصفه استثناءً على مبدأ المحاسبة وعلى مبدأ الفصل بين السلطات (المجلس الدستوري الفرنسي، القرار رقم 89-258 DC بتاريخ 1989/7/8)، يُفسّر تفسيرًا ضيقًا، فلا يُستنتج ضمنًا ولا يُتوسّع فيه،

وحيث إن تفسير البندين 9 و10 على أنهما يحصران جرائم الفساد المستثناة من العفو يؤدي إلى نتائج مخالفة للدستور، إذ:

– يُفرغ الاستثناء العام الوارد في البند 7 والاستثناء الوارد في الفقرة الثانية من المادة الأولى من مضمونهما؛
– يخلّ بمبدأ المساواة المنصوص عليه في المادة 7 من الدستور، بإبقاء الموظف الملاحق بتهمة فساد مالي خارج العفو، في حين يستفيد منه شريكه أو الراشي أو المستفيد من غير الموظفين، ويستفيد منه مرتكب الفساد بالرشوة أو صرف النفوذ دون مرتكبه بالاختلاس؛
– يناقض الفلسفة التي قام عليها القانون رقم 189 بتاريخ 2020/10/16، الذي جعل الزيادة الكبيرة غير المبرّرة في الذمة المالية للموظف العمومي قرينةً قائمةً بذاتها على الإثراء غير المشروع، بحيث يصبح الادعاء ملزمًا بإثبات مصدر الإثراء ونوع الجرم الأصلي؛
– يحرم الدولة من استرداد الأموال المتأتية من جرائم الفساد والمنهوبة من المال العام، خلافًا للقانون رقم 214 بتاريخ 2021/4/8 (استعادة الأموال المتأتية من جرائم الفساد)، في حين أن المشترع حفظ الحقوق الشخصية لسائر المتضررين؛

وحيث إن الفقرة «ب» من مقدمة الدستور تنصّ على أن لبنان «عضو مؤسس وعامل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتجسّد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقول والمجالات دون استثناء»، وقد استقرّ اجتهاد المجلس الدستوري على أن لهذه الفقرة، كسائر فقرات المقدمة، قيمة دستورية،

وحيث إن لبنان ملتزم باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي انضمّ إليها بموجب القانون رقم 33 بتاريخ 2008/10/16، فشكّلت الأساس الذي استندت إليه الحكومة في صياغة الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد (2020–2025)، التي تهدف إلى تعزيز النزاهة والشفافية في الإدارة العامة،

وحيث إن هذه الاتفاقية ألزمت الدول الأطراف بتجريم أفعال الفساد المعدّدة في المواد 15 إلى 25 منها، وهي: رشوة الموظفين العموميين الوطنيين، ورشوة الموظفين العموميين الأجانب وموظفي المؤسسات الدولية العمومية، واختلاس الممتلكات أو تبديدها أو تسريبها بشكل آخر من قبل موظف عمومي، والمتاجرة بالنفوذ، وإساءة استغلال الوظائف، والإثراء غير المشروع، والرشوة في القطاع الخاص، واختلاس الممتلكات في القطاع الخاص، وغسل العائدات الإجرامية، والإخفاء، وإعاقة سير العدالة،

وحيث إن المادة 30 من الاتفاقية المذكورة أوجبت على كل دولة طرف أن تُخضع ارتكاب هذه الأفعال لعقوبات تُراعى فيها جسامة الجرم (الفقرة 1)، وأن تسعى إلى ضمان ممارسة أي صلاحيات قانونية تقديرية تتعلق بملاحقة مرتكبيها على نحو يحقق الفعالية القصوى لتدابير إنفاذ القانون ويراعي ضرورة الردع (الفقرة 3)، وأن تأخذ في الحسبان جسامة الجرائم عند النظر في إمكانية الإفراج المبكر أو المشروط (الفقرة 5). كما أوجبت تجميد العائدات الإجرامية وحجزها ومصادرتها (المادة 31)، وجعلت استرداد الموجودات مبدأً أساسيًا من مبادئها (المادة 51)، وألزمت الدول الأطراف بالتعاون في المسائل الجنائية (المادة 43)،

وحيث إن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية (transnationales)، التي وقّعها لبنان في 2001/12/18 وصادق عليها في 2005/10/5، أوجبت بدورها في المادتين 8 و9 منها تجريم الفساد واعتماد تدابير فعالة لمنع فساد الموظفين العموميين وكشفه والمعاقبة عليه، وفي الفقرة 4 من المادة 11 مراعاة الطبيعة الخطيرة لهذه الجرائم عند النظر في الإفراج المبكر أو المشروط،

وحيث إن العفو الشامل غير المشروط عن جرائم الفساد، من دون ردّ للأموال المنهوبة ومن دون أي آلية لاستردادها، يتعارض مع هذه الالتزامات، ويفقد لبنان القدرة على التعاون الدولي في ملاحقة جرائم الفساد واسترداد الأموال المتأتية منها والمحوّلة إلى الخارج،

ب- في نطاق الاستثناء من حيث الجرائم ومن حيث الأشخاص:

وحيث إن القوانين المرعية الإجراء تتضمن جرائم فساد متعددة، منها على سبيل المثال لا الحصر: الجرائم الواقعة على الإدارة العامة المنصوص عليها في قانون العقوبات، ولا سيما الرشوة وصرف النفوذ والاختلاس واستثمار الوظيفة وإساءة استعمال السلطة (المواد 351 وما يليها — عقوبات)، وجرائم الإثراء غير المشروع المنصوص عليها في القانون رقم 154 بتاريخ 1999/12/27 والقانون رقم 189 بتاريخ 2020/10/16، والجرائم المنصوص عليها في قانون مكافحة الفساد في القطاع العام وإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد رقم 175 بتاريخ 2020/5/8، وفي قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب رقم 44 بتاريخ 2015/11/24،

وحيث إن جرائم الفساد، بطبيعتها، جرائم تبادلية لا تقع من الموظف العمومي وحده، بل يشترك فيها حكمًا الراشي والوسيط والمستفيد والشريك والمتدخل والمحرّض والمخبّئ، وقد يرتكبها أشخاص من القطاع الخاص،

وحيث إن المادة الأولى من القانون المطعون فيه نفسها جعلت نطاق العفو يشمل «جميع من ساهموا في ارتكابها، سواء بصفتهم فاعلين أم شركاء أم متدخلين أم محرّضين أم مخبّئين، وفقًا للتعريفات الواردة في قانون العقوبات». فيقتضي، من باب التلازم والمساواة، أن يكون الاستثناء بالاتساع إياه، أي أن يشمل جميع المساهمين في جرائم الفساد المستثناة، أيًا كانت مكانتهم وصفتهم ودورهم، لا الموظفين العموميين وحدهم. وإلا استفاد الراشي من العفو وبقي المرتشي ملاحقًا عن الفعل إياه، وهي نتيجة تخلّ بمبدأ المساواة وتجافي المنطق القانوني،

وحيث إن تفسير القانون المطعون فيه وفقًا لأحكام الدستور والاتفاقيات الدولية التي التزم بها لبنان يوجب اعتبار جرائم الفساد كافة مستثناة من العفو، بالنسبة إلى جميع المتورطين فيها. وهو تفسير يجد سنده في نص القانون ذاته (البند 7 من المادة الثانية والفقرة الثانية من المادة الأولى)، ولا يشكّل تجريمًا جديدًا ولا تشديدًا لعقوبة، بل إعمالًا للقاعدة الأصلية في الملاحقة والعقاب، التي لا يخرج عنها إلا ما شمله العفو صراحةً وبصورة لا لبس فيها،

وحيث، تبعًا لذلك، تكون المادتان الأولى والثانية غير مخالفتين للدستور، ولا سيما للفقرة «ب» من مقدمته التي تحيل إلى المواثيق الأممية الملتزم بها لبنان، ومن بينها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية (transnationales)، شرط التقيّد بالتحفظ التفسيري الملزم الآتي:

«عدم حصر جرائم الفساد المستثناة من العفو بما ورد في البندين 9 و10 من المادة الثانية، بل اعتبارها تشمل جميع جرائم الفساد المنصوص عليها في القوانين المرعية الإجراء والاتفاقيات الدولية الملتزم بها لبنان، في القطاعين العام والخاص، وجميع المتورطين فيها، أيًا كانت صفتهم. ولا يحول العفو دون تحصيل حقوق الدولة بوصفها متضررةً، ولا دون إجراءات المصادرة واسترداد الأموال المتأتية من جرائم الفساد».

7- في الأسباب المثارة عفوًا من المجلس:

أولًا: في تحصين المادة الثالثة من القانون المطعون فيه لجهة جرائم القتل المشدّدة:

حيث إن المادة الثالثة من القانون المطعون فيه، بعد أن حددت في البنود 1 و2 و3 منها كيفية استبدال العقوبات وكيفية تخفيضها، نصّت على الآتي:

«وفي جرائم القتل العمدي أو القصدي المقترنة أو المصاحبة بالظروف المشدّدة الآتية: الاغتصاب أو الاعتداء الجنسي. إذا ارتكبها أحد الأصول أو الفروع أو من له سلطة أو ولاية أو وصاية على الضحية. إذا اقترنت بالتعذيب أو الوحشية أو التشويه أو الخطف. إذا ارتُكبت في إطار الاغتيال السياسي. وكان المتضرر قد اتخذ صفة الادعاء الشخصي قبل 2026/3/1، فلا يستفيد المحكوم من التخفيض إلا بعد إسقاط الحق الشخصي».

وحيث إن قانون العقوبات شدّد العقوبة بالنسبة للقتل القصدي في المادة 547 منه، وفي المادة 548 إذا اقترن بأحد الأسباب التي عدّدتها، وفي المادة 549 إذا اقترن بأسباب أخرى جرى تعدادها ومن ضمنها العمد،

وحيث إن الفقرة الأخيرة من المادة الثالثة المستعاد نصّها أعلاه تثير الالتباس ويشوبها الغموض فيما إذا كان إسقاط الحق الشخصي مشترطًا كلما توفّر ظرف مشدّد منصوص عليه في المواد 547 و548 و549 — عقوبات، أم محصورًا بتوفّر أحد الأسباب الواردة فيها، علمًا أن الأخذ بالاحتمال الأخير يؤدي إلى الإخلال بمبدأ المساواة بين المتضررين من جرائم القتل المشدّدة،

وحيث، حرصًا على احترام مبدأ المساواة، يقتضي تحصين الفقرة الأخيرة من المادة الثالثة بتحفظ تفسيري ملزم مؤداه أن الحكم الوارد فيها، أي اشتراط إسقاط الحق الشخصي، يسري «في جرائم القتل القصدي أو العمدي المقترنة أو المصاحبة بأحد الأسباب المشدّدة الواردة في الفقرة الثانية من المادة الثالثة، أو بأحد الأسباب المشدّدة الواردة في المواد 547 و548 و549 — عقوبات»،

وحيث إن اشتراط اتخاذ صفة الادعاء الشخصي قبل تاريخ 2026/3/1، فضلًا عن كونه غير مبرّر، يؤدي أيضًا إلى الإخلال بمبدأ المساواة بين المتضررين، خاصةً المتضررين من جرائم تجري ملاحقتها أمام المحاكم العسكرية، والذين لا يمكنهم الادعاء إلا بعد صدور أحكام مبرمة قد تصدر بعد 2026/3/1 وقبل نفاذ القانون، ما يوجب إبطال عبارة «قبل 2026/3/1» من الفقرة الأخيرة من المادة الثالثة.

ثانيًا: في تحصين البند 1 من المادة الثالثة لجهة عقوبة الإعدام الملغاة:

حيث إن البند 1 من المادة الثالثة من القانون المطعون فيه ينصّ على أن «عقوبة الإعدام تصبح 28 سنة سجنية»، والبند 2 منها على أن «الأشغال الشاقة المؤبدة تصبح 17 سنة سجنية»،

وحيث إن القانون رقم 68 المتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام، الصادر بتاريخ 2026/8/7 والمنشور في العدد 36 من الجريدة الرسمية بتاريخ 2026/8/20، والمعمول به فور نشره، قد ألغى في مادته الأولى عقوبة الإعدام أينما ورد النص عليها في القوانين اللبنانية، ونصّ في مادته الثالثة على أن الجرائم المرتكبة قبل نفاذه تُستبدل فيها عقوبة الإعدام بالعقوبة التي تليها مباشرةً، وهي عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة، ونصّ في الفقرة (أ) من مادته الخامسة على أن إلغاء عقوبة الإعدام يشمل جميع القرارات القضائية التي سبق وصدرت بحق المحكوم عليهم بها ولم يتم تنفيذها، وتُستبدل عقوبتهم بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة،

وحيث إن القانون المطعون فيه صدر ونُشر بتاريخ 2026/9/4، أي بعد نفاذ القانون رقم 2026/68، فلم تعد عقوبة الإعدام، بتاريخ نفاذه، قائمة في التشريع اللبناني ولا في الأحكام غير المنفذة،

وحيث إن تطبيق البند 1 من المادة الثالثة تطبيقًا حرفيًا يجعله نصًّا بلا موضوع ويؤدي، في المقابل، إلى إخضاع من استُبدلت عقوبة الإعدام بحقهم بالأشغال الشاقة المؤبدة بموجب القانون رقم 2026/68 للبند 2 من المادة الثالثة، فيستوون مع من حُكم أصلًا بالأشغال الشاقة المؤبدة عن جرائم أقل خطورة، وهذه النتيجة تخلّ بمبدأ المساواة الذي يقتضي عدم معاملة أوضاع مختلفة معاملة واحدة، وتناقض التدرّج الذي أراده المشترع صراحةً بين البندين 1 و2،

وحيث إن المشترع لا يُفترض أنه يشرّع عبثًا، وقد أقرّ القانون المطعون فيه «خلافًا لأي نص آخر»، وبعد نفاذ القانون رقم 2026/68، بما يقتضي إعطاء البند 1 أثرًا مفيدًا ينسجم مع إلغاء عقوبة الإعدام ولا يعيد إحياءها بأي وجه،

وحيث يقتضي، تبعًا لذلك، تحصين البند 1 من المادة الثالثة بتحفظ تفسيري ملزم مؤداه:

«إن البند 1 من المادة الثالثة لا يعيد إحياء عقوبة الإعدام الملغاة بموجب القانون رقم 2026/68 بأي وجه، ويُفسّر على أنه يتناول الجرائم التي كانت معاقبًا عليها بالإعدام قبل نفاذ القانون المذكور، والمحكومين الذين استُبدلت عقوبة الإعدام بحقهم بالأشغال الشاقة المؤبدة بموجب المادتين الثالثة والخامسة (أ) منه، فتصبح عقوبتهم 28 سنة سجنية، ولا يسري عليهم البند 2 من المادة الثالثة».

ثالثًا: في السبب المبني على مخالفة المواثيق الدولية:

حيث إن الفقرة «ب» من مقدمة الدستور تنصّ على أن «لبنان عربي الهوية والانتماء، وهو عضو مؤسس وعامل في جامعة الدول العربية وملتزم مواثيقها، كما هو عضو مؤسس وعامل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وتجسّد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقول والمجالات دون استثناء»،

وحيث إن اختصاص الدولة في إقرار قانون العفو الشامل، عملًا بمبدأ السيادة الجزائية، تحدّه القواعد التي ترسمها المواثيق الدولية التي التزمها لبنان، ومنها ما فرض قيودًا على الأعمال القانونية التي تشكّل انتهاكًا خطيرًا لحقوق الإنسان الأساسية، حيث الجريمة لا تنشئ حقًّا للضحية فحسب، بل واجبًا على الدولة في التحقيق والملاحقة،

وحيث إن القانون الدولي الإنساني العرفي يوجب على الدول التحقيق في جرائم الحرب وملاحقة المشتبه بهم (القاعدة 158 من دراسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر حول القانون الدولي الإنساني العرفي)، وحتى حين يشجّع على منح أوسع عفو ممكن عند انتهاء الأعمال العدائية، فإنه يستثني منه المشتبه بارتكابهم جرائم حرب أو المتهمين أو المحكومين بها (القاعدة 159؛ المادة 6(5) من البروتوكول الإضافي الثاني لاتفاقيات جنيف كما فسّرتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر)،

وحيث إن المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة اعتبرت أن العفو الوطني عن مرتكبي التعذيب لا يحظى بالاعتراف القانوني الدولي، نظرًا للطبيعة الآمرة لحظر التعذيب (Furundžija, 10 décembre 1998). وقد خلصت لجنة البندقية، استنادًا إلى ذلك وإلى اجتهاد لجنة حقوق الإنسان والمحكمتين الأوروبية والأميركية لحقوق الإنسان، إلى أن العفو عن الجرائم الدولية الخطيرة وعن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان غير مقبول (الرأي المذكور، الفقرات 65 إلى 73)،

وحيث إن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لاحظت «اتجاهًا متناميًا في القانون الدولي» يعتبر العفو عن الانتهاكات الجسيمة للحقوق الأساسية غير مقبول (Marguš c. Croatie [GC], n° 4455/10, 27 mai 2014, § 129-139)، واعتبرت لجنة حقوق الإنسان أن الدول لا يجوز لها أن تعفي المرتكبين من مسؤوليتهم الشخصية عن هذه الانتهاكات بواسطة العفو (التعليق العام رقم 31، الفقرة 18)،

وحيث إن القانون المطعون فيه، وإن استثنى صراحةً في البند 12 من المادة الثانية الجرائم المنصوص عليها في قانون معاقبة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة رقم 2017/65، وفي قانون المفقودين والمخفيين قسرًا رقم 2018/105، لم يستثنِ صراحةً الأفعال التي قد تشكّل جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، كما أن استثناءه التعذيب والإخفاء القسري يقتصر على المسؤولية الجزائية دون المسؤولية التأديبية التي قد يُفهم أنها مشمولة بالفقرة الثانية من المادة الأولى،

وحيث إن عددًا من أنواع الجرائم الاقتصادية يدخل ضمن نطاق الجرائم الأكثر خطورة على الحقوق الأساسية، لا سيما ما يساهم في تمويل الجريمة الدولية من تبييض الأموال وعمليات الفساد، وقد سبق بيان الالتزامات الدولية للبنان في هذا الشأن،

وحيث إنه لا يجوز لقانون العفو الشامل أن يفقد لبنان القدرة على الالتزام بموجباته الدولية لجهة التعاون القضائي في المسائل الجزائية، كمثل بيع الأطفال واستغلالهم في البغاء، خلافًا لما فرضته اتفاقية حقوق الطفل والبروتوكولات الملحقة بها، ولجهة استعادة الأموال المتأتية من جرائم الفساد والمحوّلة إلى الخارج، عملًا بالمادة 43 وبالفصل الخامس من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد،

وحيث إن هذه المخالفات لا تكمن في مبدأ العفو ذاته، بل في نطاق تطبيقه على أفعال يلتزم لبنان بملاحقتها، وهي تُتدارك بتفسير القانون وفقًا للفقرة «ب» من مقدمة الدستور، من دون حاجة إلى إبطال المادتين الأولى والثانية،

وحيث يقتضي اعتبار القانون المطعون فيه غير مخالف للدستور، شرط التقيّد بالتحفظ التفسيري الملزم الآتي، إضافةً إلى التحفظ المتعلق بجرائم الفساد المبيّن أعلاه:

«يُعتبر كل فعل يشكّل جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية أو تعذيبًا أو إخفاءً قسريًا خارجًا عن نطاق العفو».

لهذه الأسباب،

يقرّر بالإجماع:

أولًا- في الشكل: قبول المراجعة شكلًا.

ثانيًا- في الأساس: ردّ المراجعة بالنسبة إلى طلب إبطال القانون المطعون فيه رقم 2026/70 كليًا، وإبطاله جزئيًا، وقبول المراجعة بالنسبة لتحصينه بتحفظات تفسيرية ملزمة وفق ما يلي:

1- تحصين القانون بالتحفظات التفسيرية الملزمة التالية:

في المادة الأولى:

«تُحصر عبارة “القرارات بما فيها الإدارية” الواردة في الفقرة الثانية من المادة الأولى بالتدابير التي هي نتيجة مباشرة للملاحقة أو الإدانة الجزائية المعفى عنها، دون العقوبات التأديبية المستقلة، ومع صون حقوق الغير».

في المادة الثانية:

أ- تفسير «التكرار» في البند 5 من المادة الثانية وفق مفهومه القانوني في قانون العقوبات؛

ب- اعتبار استثناء «جميع جرائم المخدرات المرتكبة من قبل العسكريين وعناصر المؤسسات الأمنية» شاملًا جرائم الزراعة المرتكبة من قبلهم؛

ت- تفسير عبارة «الخاضعة للملاحقة» الواردة في البند 6 من المادة الثانية بأنها تشمل جميع أنواع التعدّي القابلة للملاحقة وتلك التي هي قيد الملاحقة؛

ث- اعتبار استثناء «جرائم التزوير» الوارد في البند 8 من المادة الثانية يشمل جميع جرائم التزوير المنصوص عليها في قانون العقوبات؛

ج- عدم حصر جرائم الفساد المستثناة من العفو بما ورد في البندين 9 و10 من المادة الثانية، بل اعتبارها تشمل جميع جرائم الفساد المنصوص عليها في القوانين المرعية الإجراء والاتفاقيات الدولية الملتزم بها لبنان، في القطاعين العام والخاص، وجميع المتورطين فيها، أيًا كانت مكانتهم وصفتهم ودورهم. ولا يحول العفو دون تحصيل حقوق الدولة بوصفها متضررةً، ولا دون إجراءات المصادرة واسترداد الأموال المتأتية من جرائم الفساد؛

ح- اعتبار كل فعل يشكّل جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية أو تعذيبًا أو إخفاءً قسريًا خارجًا عن نطاق العفو.

في المادة الثالثة:

أ- اعتبار أن البند 1 منها لا يعيد إحياء عقوبة الإعدام الملغاة بموجب القانون رقم 2026/68 بأي وجه، ويتناول الجرائم التي كانت معاقبًا عليها بالإعدام قبل نفاذ القانون المذكور، والمحكومين الذين استُبدلت عقوبة الإعدام بحقهم بالأشغال الشاقة المؤبدة بموجب المادتين الثالثة والخامسة (أ) منه، فتصبح عقوبتهم 28 سنة سجنية، ولا يسري عليهم البند 2 من المادة الثالثة.

ب- اعتبار الاستثناء المتعلق بجرائم القتل العمدي أو القصدي المقترنة أو المصاحبة بالظروف المشدّدة، الوارد في الفقرة ما قبل الأخيرة، يشمل أيضًا كل جرائم القتل القصدي أو العمدي الواردة في المواد 547 و548 و549 — عقوبات.

2- إبطال القانون جزئيًا وفق ما يلي:

أ- إبطال عبارة «والمرتكبة قبل صدور هذا القانون» من الفقرة الثانية من البند الخامس من المادة الثانية، وعبارة «في حال كانت مرتكبة قبل صدور هذا القانون» من الفقرة الثالثة من البند إياه، بحيث يُعتمد تاريخ 2026/3/1 حدًّا زمنيًا موحدًا لجميع الجرائم المشمولة بالعفو، بما فيها جرائم المخدرات وزراعتها.

ب- شطب عبارة «قبل 2026/3/1» من الفقرة الأخيرة من المادة الثالثة.

ثالثًا- إبلاغ هذا القرار من رئيس الجمهورية، رئيس مجلس النواب، رئيس مجلس الوزراء، ونشره في الجريدة الرسمية.

قرار صدر في الحدث بتاريخ 2026/10/12.

ميراي نجم — إلياس مشرقاني — فوزات فرحات
ميشال طرزي — رياض أبو غيدا — ألبرت سرحان

أمين السر: عوني رمضان
الرئيس: طنوس مشلب

NHRCLB
NHRCLBhttps://nhrclb.org
مؤسسة وطنية مستقلة منشأة بموجب القانون 62/ 2016، تتضمن آلية وقائية وطنية للتعذيب (لجنة الوقاية من التعذيب) عملاً بأحكام القانون رقم 12/ 2008 (المصادقة على البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب). An independent national institution established under Law No. 62/2016, which includes a National Preventive Mechanism against torture (the Committee for the Prevention of Torture), in accordance with the provisions of Law No. 12/2008 (ratifying the Optional Protocol to the Convention against Torture). Une institution nationale indépendante établie en vertu de la loi n° 62/2016, qui comprend un mécanisme national de prévention de la torture (le Comité pour la prévention de la torture), conformément aux dispositions de la loi n° 12/2008 (ratifiant le Protocole facultatif se rapportant à la Convention contre la torture).