رأي قانوني بمبادرة من الهيئة بشأن مشاريع المراسيم المتعلقة بإقرار خرائط إحدى عشرة محمية طبيعية
سنداً للمادة 15، الفقرة «ب»، البند 3، من القانون رقم 62 تاريخ 27 تشرين الأول/أكتوبر 2016
الموجّه إلى: رئاسة مجلس الوزراء ووزارة البيئة
أولاً: في اختصاص الهيئة بإبداء الرأي عفواً
عملاً بالمادة 15، الفقرة «ب»، البند 3، من القانون رقم 62/2016، التي تمنح الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب صلاحية إبداء الرأي، من تلقاء نفسها، في التشريعات والمراسيم والقرارات ومشاريعها والسياسات المتّبعة، لناحية احترام معايير حقوق الإنسان، تبادر الهيئة إلى إبداء رأيها بشأن مشاريع المراسيم المتعلقة بإقرار خرائط المحميات الطبيعية الواردة في جدول أعمال مجلس الوزراء.
ويندرج هذا الرأي ضمن اختصاص الهيئة بحماية حقوق الإنسان وتعزيزها، نظراً إلى ارتباط حماية المحميات بالحق في بيئة سليمة، وبالحقوق في الحياة والصحة والمياه والغذاء، وبحقوق المجتمعات المحلية وأصحاب الملكيات الخاصة والأجيال المقبلة.
كما تستند الهيئة إلى المادة 16 من القانون نفسه، التي تخوّلها متابعة وتقييم القوانين والمراسيم والقرارات الإدارية وأعمال السلطات العامة وفق معايير حقوق الإنسان، وإلى المادة 14 التي تجيز لها طلب المستندات والمعلومات اللازمة لممارسة مهامها، وتوجب على السلطات والأجهزة اللبنانية المعنية الاستجابة دون إبطاء.
ثانياً: في موضوع الرأي وحدود المراجعة
يتناول هذا الرأي مشاريع المراسيم المتعلقة بإقرار خرائط محميات حرج إهدن، وجزر النخل وسنني ورامكين، وأرز الشوف، وشاطئ صور، وغابة أرز تنورين، واليمونة، وبنتاعل، ومشاع شننعير، وكفرا، ورامية، وبيت ليف، بحسب البند الوارد في جدول الأعمال.
ويُبنى الرأي على قوانين إنشاء المحميات والنصوص القانونية ذات الصلة. ولعدم توافر النصوص الكاملة لمشاريع المراسيم وخرائطها وملاحقها الفنية ضمن المستندات التي استندت إليها هذه المراجعة، فإنه يحدّد الضوابط القانونية الواجبة، ولا يجزم بحصول تقليص في محمية بعينها قبل إجراء المقارنة العقارية والجغرافية اللازمة.
وتلاحظ الهيئة أن عنوان البند يتعلّق بـ«إقرار خرائط». وهذه التسمية لا تكفي لتحديد الطبيعة القانونية للإجراء؛ إذ ينبغي التحقق مما إذا كانت الخرائط تثبت النطاق الذي أقرّه القانون، أم تُحدث تغييراً في الأراضي المشمولة بالحماية.
ثالثاً: في خضوع المراسيم لقوانين إنشاء المحميات
تُنيط المادة 16 من الدستور السلطة المشترعة بمجلس النواب، فيما تُنيط المادة 65 بمجلس الوزراء وضع مشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية والسهر على تنفيذ القوانين والأنظمة. ويترتب على ذلك، وفق مبدأ تدرّج القواعد القانونية، خضوع المراسيم لأحكام القوانين التي تنفّذها.
وعليه، ترى الهيئة أن المرسوم المتعلق بخريطة محمية أُنشئت بقانون يجب أن يعكس النطاق الذي حدّده هذا القانون، ولا يجوز أن يُستخدم لاستبعاد عقارات أو مشاعات أو أجزاء من الأراضي المشمولة به، أو لتعطيل الحماية المقرّرة عليها.
ويظلّ هذا القيد قائماً سواء حدّد القانون النطاق المحمي بأرقام العقارات، أم بأوصاف الحدود والمعالم الجغرافية والمشاعات، أم بخريطة اعتمدها جزءاً لا يتجزأ منه. وعدم ذكر مساحة إجمالية رقمية لا يجعل تحديد النطاق متروكاً لتقدير السلطة التنفيذية.
أما إذا اعتمد القانون خريطة مرفقة جزءاً منه، فإن تغيير مضمونها بما يمسّ النطاق المحمي يُعدّ تغييراً في مضمون الحكم التشريعي، ولا يجوز إجراؤه بمرسوم تنفيذي، ما لم يستند إلى تفويض تشريعي صريح ومحدد، وفي حدود شروطه.
وتؤكد الهيئة أن الصلاحية العامة لإصدار دقائق تطبيق القانون لا تشكّل، بذاتها، تفويضاً بتعديل نطاق الحماية الذي أقرّه المشرّع.
ويعزّز هذا الاستنتاج قانونُ المناطق المحمية رقم 130 تاريخ 30 نيسان/أبريل 2019، الذي تنص مادته الرابعة على إنشاء المحمية الطبيعية الواقعة على أملاك الأشخاص العامين بموجب قانون يحدّد نطاقها الجغرافي والمنطقة الحزامية المحيطة بها والقواعد الخاصة لحمايتها. كما توجب المادة الثالثة مراعاة التصاميم والأنظمة التوجيهية والتفصيلية للأحكام المقرّرة للمناطق المحمية. ولا يجوز التوسع في تفسير الصلاحيات المتعلقة بالإدارة أو بالمناطق الحزامية لتبرير تغيير النطاق الذي حدّده قانون الإنشاء.
رابعاً: في المرجع القانوني لتحديد نطاق كل محمية
تقتضي مراجعة مشاريع المراسيم مطابقة كل خريطة مع قانون إنشاء المحمية المعنية والسجلات والخرائط العقارية ذات الصلة، وفق الآتي:
| المحمية | قانون الإنشاء | التحديد القانوني الواجب مراعاته |
|---|---|---|
| حرج إهدن | 121 تاريخ 9/3/1992 | يحدّد النص المتاح مشاع حرج إهدن بالحدود الأربع والمعالم الجغرافية، دون مساحة إجمالية رقمية. ويجب أن تعكس الخريطة كامل هذا النطاق. |
| جزر النخل وسنني ورامكين | 121 تاريخ 9/3/1992 | يشمل النص المتاح إعلان الحماية للجزيرة المعروفة بتسمية «العصافير والأرانب» قبالة طرابلس. ويلزم إبراز النسخة الرسمية الكاملة وأي نصوص لاحقة لتحديد السند القانوني لكل جزيرة وللنطاق البحري المشمول بالحماية. |
| أرز الشوف | 532 تاريخ 24/7/1996 | يشمل القانون مشاعات نيحا وجباع ومرستي والخريبة والمعاصر والباروك وبمهريه وعين داره وعين زحلتا، إضافة إلى ملك الجمهورية اللبنانية في الجانب الشرقي من جبل الباروك، ويحدّد الحدود الأربع، دون مساحة إجمالية رقمية. |
| شاطئ صور | 708 تاريخ 5/11/1998 | تعدّد المادة الأولى العقارات المشمولة، وتذكر مساحة 3,883,253 م²، أي نحو 388.33 هكتاراً لهذه العقارات، وتضيف إليها الشاطئ الرملي المقابل والمياه الإقليمية الموازية للشاطئ. ولا يجوز اعتبار الرقم المذكور مساحة كامل النطاق البري والبحري مجتمعاً. |
| غابة أرز تنورين | 9 تاريخ 20/2/1999 | تحدّد المادة الأولى غابة أرز تنورين التابعة لمشاع البلدة بواسطة الحدود والمعالم الطبيعية والطرق والينابيع، دون مساحة إجمالية رقمية في مادة تحديد النطاق. |
| اليمونة | 10 تاريخ 20/2/1999 | تشمل المادة الأولى مشاعات قرية اليمونة ملك الدولة اللبنانية، وتقسمها إلى قسمين وتحدّد حدود كل منهما، دون مساحة إجمالية رقمية في مادة تحديد النطاق. |
| بنتاعل | 11 تاريخ 20/2/1999 | تنشئ المادة الأولى المحمية على العقارين 713 و714، وتحدّد حدود كل منهما، دون مساحة إجمالية رقمية. |
| مشاع شننعير | 122 تاريخ 23/7/2010 | تشمل المادة الأولى أراضي المشاع المحدّدة والممسوحة والمسجّلة، الواقعة على العقارين 104 و681 من منطقة شننعير العقارية، دون مساحة إجمالية رقمية. |
| كفرا | 198 تاريخ 18/11/2011 | تحدّد المادة الأولى الأرض المسماة «خلّة عبيد» بمساحة 339,582 م²، أي نحو 33.96 هكتاراً، والمحاطة بأراضٍ تابعة لبلدة كفرا من الجهات كافة. |
| رامية | 199 تاريخ 18/11/2011 | تحدّد المادة الأولى العقار المسمّى «جبل النقعة»، من أراضي مشاع البلدة المحدّدة والممسوحة، والمحاط بأراضي رامية من الجهات الأربع، دون مساحة إجمالية رقمية. |
| بيت ليف | 201 تاريخ 18/11/2011 | تشمل المادة الأولى أراضي مشاع البلدة المحدّدة والممسوحة، التي تحدّها أراضي بيت ليف من الجهات كافة، دون مساحة إجمالية رقمية. |
خامساً: في التمييز بين التصحيح الفني وتعديل النطاق القانوني
ترى الهيئة أن اعتماد أدوات مسح أحدث، أو رقمنة الحدود، أو تحسين دقة الإحداثيات، يمكن أن يخدم إنفاذ الحماية، شرط المحافظة على النطاق القانوني نفسه وتوثيق المطابقة.
ويجب التمييز بين:
- تصحيح احتساب المساحة ضمن الحدود القانونية ذاتها، وهو إجراء فني لا يغيّر الأراضي المشمولة بالحماية.
- تغيير الحدود أو استبعاد أراضٍ مشمولة بالقانون، وهو إجراء يمسّ مضمون الحماية التشريعية، ولا يجوز إجراؤه تحت عنوان التصحيح الفني دون سند قانوني يجيزه.
كما أن اختلاف الرقم المحسوب عن مساحة منشورة سابقاً لا يثبت، بمفرده، حصول تقليص. ويتطلّب الحسم مقارنةً تُظهر حدود القانون والعقارات والمشاعات المشمولة، وحدود الخريطة المقترحة، ومنهجية القياس، وأسباب كل اختلاف.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة بالنسبة إلى محمية شاطئ صور، حيث يحدّد القانون مساحة العقارات ويضيف إليها نطاقاً شاطئياً وبحرياً، وبالنسبة إلى محمية كفرا التي يذكر قانونها المساحة صراحةً، وسائر المحميات التي يستند تحديدها إلى العقارات أو المشاعات والمعالم الجغرافية.
سادساً: في مقتضيات حماية الحقوق البيئية والشفافية والمشاركة
تكرّس المادة الثالثة من قانون حماية البيئة رقم 444 تاريخ 29 تموز/يوليو 2002 الحق في بيئة سليمة ومستقرة، وتربط تأمين حاجات الأجيال الحالية بعدم المساس بحقوق الأجيال المقبلة. كما تلزم المادة الرابعة الأشخاص العامين والخاصين بمبدأ الاحتراس للوقاية من تهديدات الضرر البيئي المحتمل وغير القابل للتصحيح.
وبناءً عليه، ترى الهيئة أن مراجعة الخرائط يجب أن تتناول آثار أي تغيير محتمل في نطاق الحماية على الموائل والتنوع البيولوجي والموارد المائية والغابات واتصال النظم الإيكولوجية، وعلى الحقوق المرتبطة بهذه الموارد.
وتقتضي أحكام قانون حماية البيئة بشأن المعلومات البيئية ومشاركة المواطنين إتاحة المعلومات اللازمة وإشراك الجهات المعنية بصورة فعّالة. وتوصي الهيئة، لهذه الغاية، بنشر مشاريع الخرائط وأسبابها ومنهجيتها، وتمكين لجان المحميات والبلديات والمجتمعات المحلية وأصحاب الملكيات الخاصة والخبراء والجمعيات المعنية من تقديم ملاحظاتهم قبل البتّ النهائي.
أما مسائل الملكية الخاصة، فينبغي معالجتها وفق الآليات القانونية المناسبة لكل حالة، ولا يجوز اعتبار وجود ملكيات خاصة سبباً كافياً، بذاته، لاستبعاد أراضٍ من نطاق حماية حدّده قانون.
سابعاً:في مقتضيات مساهمة لبنان في تحقيق هدف «30×30» لحماية التنوع البيولوجي
تذكّر الهيئة بأن لبنان، بوصفه دولة طرفاً في اتفاقية التنوع البيولوجي، معنيّ بتنفيذ إطار كونمينغ–مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي، الذي اعتمده مؤتمر الأطراف في كانون الأول/ديسمبر 2022. ويحدّد الهدف الثالث منه، المعروف بـ«30×30»، غاية عالمية تتمثل في صون وإدارة ما لا يقل عن 30% من المناطق البرية والمياه الداخلية، و30% من المناطق البحرية والساحلية، بحلول سنة 2030، من خلال مناطق محمية وتدابير حفظ فعّالة أخرى قائمة على المساحة، مع ضمان التمثيل الإيكولوجي والترابط بين المناطق والحوكمة المنصفة واحترام حقوق المجتمعات المحلية.
وترى الهيئة أن مقتضيات مساهمة لبنان في تحقيق هذا الهدف تستدعي مواءمة أهدافه وخططه الوطنية مع الإطار العالمي، وصون المناطق المحمية القائمة وتوسيع الحماية الفعّالة وتحسين إدارتها وتمويلها. ويجب، لهذه الغاية، تقييم مشاريع مراسيم الخرائط من حيث أثرها على المساحات المحمية وجودة حمايتها واتصال موائلها، وتجنّب أي انتقاص غير مسوّغ من الحماية القائمة. ولا يقتصر تحقيق الهدف على زيادة المساحات المعلنة اسمياً، بل يتطلّب نتائج فعلية ومستدامة لصون التنوع البيولوجي ومشاركة المجتمعات المعنية. وتؤكد الهيئة أن نسبة 30% هي هدف عالمي تُترجم المساهمة فيه عبر الأهداف والتدابير الوطنية، وليست بذاتها حكماً تشريعياً داخلياً يفرض تلقائياً النسبة نفسها على كل دولة؛ كما أنها لا تمنح أي صلاحية لتعديل الحدود التي كرّستها قوانين إنشاء المحميات.
ثامناً: في النتيجة والتوصيات
لكل ما تقدّم، تبدي الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب الرأي الآتي:
1. إن إقرار خرائط المحميات جائز في حدود تثبيت النطاق القانوني القائم وإظهاره بصورة دقيقة، وبالاستناد إلى الصلاحية والإجراءات التي يحدّدها القانون.
2. لا يجوز أن يتضمّن مرسوم إقرار خريطة استبعاداً لأراضٍ أو عقارات أو مشاعات أو نطاقات مشمولة بقانون إنشاء المحمية، ما لم يستند ذلك إلى نص تشريعي صريح يجيزه ضمن شروطه وحدوده. وفي غياب هذا السند، يقتضي أي تعديل للنطاق التشريعي سلوك الطريق التشريعي.
3. توصي الهيئة بتأجيل البتّ بمشاريع المراسيم إلى حين استكمال ملفاتها بما يتيح التحقق من المطابقة القانونية والعقارية والفنية لكل خريطة.
4. تطلب الهيئة، سنداً للمادة 14 من القانون رقم 62/2016، تزويدها دون إبطاء بالمستندات الآتية:
- النصوص الكاملة لمشاريع المراسيم وأسبابها الموجبة.
- الخرائط المقترحة وإحداثياتها وملاحقها الفنية.
- النسخ الرسمية لقوانين الإنشاء بكامل مرفقاتها.
- السجلات والخرائط العقارية المعتمدة في إعداد المشاريع.
- جداول مقارنة تُظهر العقارات والمشاعات والحدود والمساحات وأسباب الفروقات.
- الدراسات البيئية والآراء القانونية والفنية ومحاضر المشاورات المتوافرة.
5. توصي الهيئة بإخضاع كل مشروع لمراجعة مستقلة بحسب قانون إنشاء المحمية المعنية، وعدم الاكتفاء بمقارنة المساحات الإجمالية أو بالتوصيف العام للإجراء بأنه تقني.
6. توصي الهيئة بضمان نشر المعلومات وإتاحة المشاركة الفعّالة، واستكمال الاستشارات القانونية الواجبة بحسب طبيعة كل مشروع، قبل اتخاذ القرار النهائي.
7. تحتفظ الهيئة بحق استكمال هذا الرأي وإبداء ملاحظات تفصيلية على كل مشروع مرسوم بعد تسلّم نصوصه وخرائطه ومستنداته.
ويُبلّغ هذا الرأي إلى رئاسة مجلس الوزراء ووزارة البيئة، بوصفه رأياً صادراً بمبادرة من الهيئة ضمن اختصاصها القانوني بحماية حقوق الإنسان وتعزيزها، لضمان احترام النطاق القانوني للمحميات والحقوق البيئية المرتبطة به.





