اعداد بسام القنطار عضو الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان
يُعرّف القانون الدولي الإنساني بوصفه منظومة من القواعد الدولية الرامية – لاعتبارات إنسانية صرفة – إلى الحد من تداعيات النزاعات المسلحة؛ وذلك عبر كفالة الحماية للأشخاص غير المنخرطين في الأعمال العدائية، أو أولئك الذين كفّوا عن المشاركة فيها، فضلاً عن وضع ضوابط صارمة تقيّد وسائل الحرب وأساليبها.
وفي السياق اللبناني، حيث تتلاحق النزاعات المسلحة وتلقي بظلالها على الاستقرار الوطني، تبرز مأسسة هذا القانون وتفعيل آلياته وطنياً كضرورة استراتيجية لا مجرد إجراء إداري تكميلي؛ فهي الضمانة الأساسية لتحصين الأعيان المدنية وحماية السكان، والركيزة التي تكفل مواءمة أداء مؤسسات الدولة مع الالتزامات الأخلاقية والمعايير القانونية الدولية.
مرّ تنظيم هذا الملف في لبنان بمحطتين تشريعيتين بارزتين، خلقتا مسارين متكاملين، إلا أن التداخل في الفهم الوظيفي بينهما استدعى تدخلاً حاسماً من السلطة التنفيذية عبر قرار مجلس الوزراء رقم 3-4 تاريخ 2026/04/02، الذي جاء لينهي حالة من الغموض المؤسساتي ويضع النقاط على الحروف لجهة تمايز المهام وتكاملها:
المسار الحكومي التنفيذي: “اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني”
تأسست هذه اللجنة بموجب المرسوم رقم 4382 تاريخ 2010/06/21، وهي تمثل الذراع الاستشارية والتنسيقية للحكومة اللبنانية.
المرجعية التشريعية: مرسوم إنشاء اللجنة رقم 4382/2010.
تكوينها: يرأسها نائب رئيس مجلس الوزراء وتضم ممثلين رسميين عن وزارات الدفاع، الخارجية، العدل، والداخلية، مما يمنحها صبغة حكومية تمثيلية بامتياز.
المهام الأساسية: تنحصر مهامها وفق المادة /2/ من مرسوم إنشائها في “متابعة برنامج وخطة تنفيذ القانون الدولي الإنساني”، وإعداد النصوص التشريعية لمواءمة القوانين اللبنانية مع الاتفاقيات الدولية، ووضع خطط عمل سنوية لتعميم الثقافة الإنسانية داخل أجهزة الدولة (خاصة الجيش والقوى الأمنية)، والتنسيق الرسمي مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر والجهات الدولية المماثلة. هي باختصار “المُنفذ والمخطط” للسياسات الحكومية الإنسانية.
المسار الرقابي المستقل: “لجنة القانون الدولي الإنساني في الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان”
تأسست الهيئة الوطنية بموجب القانون رقم 62 تاريخ 2016/10/27، لتكون مؤسسة وطنية مستقلة تتماشى مع “مبادئ باريس”، ولقد نص نظامها الداخلي الصادر بالمرسوم رقم 1762 تاريخ 7 تشرين الثاني 2025 على انشاء لجنة دائمة مستقلة تسمى لجنة القانون الدولي الإنساني.
المرجعية التشريعية: القانون رقم 62/ 2016، والمرسوم رقم 1762/ 2025 (النظام الداخلي للهيئة).
تكوينها: بموجب المادة /14/ من نظامها الداخلي، أنشأت الهيئة لجنة دائمة للقانون الدولي الإنساني تتألف من أعضاء الهيئة أنفسهم (خبراء، قضاة، ومحامون) بصفتهم المستقلة، ولا يمثلون أي جهة حكومية.
المهام الأساسية: تتمحور مهامها حول “الرقابة والرصد”. فهي المنوط بها مراقبة مدى احترام مختلف أطراف النزاع لقواعد القانون الدولي الإنساني، سواء كان النزاع مسلحاً دولياً، أو نزاعاً مسلحاً غير دولي، أو نزاعاً ذو أبعاد عابرة للحدود. وتتولى رصد الانتهاكات عبر وحدة متخصصة لتوثيق الانتهاكات الجسيمة المرتكبة على الأراضي اللبنانية، وإنشاء سجل وطني شامل لعمليات القتل والإصابات وسائر الأضرار اللاحقة بالمدنيين والأعيان المدنية. كما تعمل على توفير الدعم اللازم للتحقيقات القضائية الوطنية لضمان استقلاليتها وفعاليتها، مما يجعلها بمثابة لجنة تقصي حقائق وطنية تمهد الطريق أمام ملاحقة الجناة المحتملين جزائياً، سواء أمام القضاء الوطني، أو القضاء الدولي، أو المحاكم التي تتمتع بالاختصاص القضائي العالمي.”
لقد جاء قرار مجلس الوزراء الأخير ليؤكد أن بقاء “اللجنة الوطنية” (المنشأة عام 2010) هو ضرورة لضمان وجود “مخاطب رسمي” يمثل الدولة، بينما وجود “لجنة الهيئة” (المنشأة عام 2016) هو ضمانة لعدم إفلات أي منتهك من العقاب. هذا القرار لم يكن مجرد تعديل إجرائي لشطب أسطر من قرار سابق، بل هو إعلان مبادئ سيادي يكرس استقلالية الرقابة دون المساس بفعالية التمثيل الحكومي، محققاً بذلك التوازن المطلوب للامتثال الأمثل للالتزامات الدولية.
الأهمية السيادية والتمثيلية
تُعتبر اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني، المنشأة بالمرسوم رقم 4382، الذراع الاستشاري للحكومة اللبنانية. وتُعد “حجر الزاوية” في علاقة الدولة بالالتزامات الدولية، وتكتسب أهميتها السيادية من الاعتبارات التالية:
الصفة الرسمية والتركيبة الوزارية: كما تؤكد إرشادات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فإن فعالية هذه اللجان تعتمد كلياً على تكوينها. بضمها ممثلين عن وزارات الدفاع، الخارجية، العدل، والداخلية، فإنها تمتلك “سلطة القرار” داخل مؤسسات الدولة. تنفيذ القانون الدولي الإنساني ليس مجرد تنظير حقوقي، بل يتطلب قرارات سيادية مثل:
تعديل العقيدة العسكرية وقواعد الاشتباك للجيش.
إقرار الموازنات اللازمة لتدريب القوات المسلحة.
اتخاذ قرارات الانضمام إلى المعاهدات الدولية (مثل البروتوكولات الإضافية أو اتفاقيات حظر أسلحة معينة).
تمثيل الدولة ووحدة الموقف الخارجي: الهيئات الرقابية المستقلة (كالهيئة الوطنية لحقوق الإنسان) تراقب الأداء لكنها لا تصنع “السياسة الخارجية”. لذا، فإن اللجنة الحكومية هي نقطة الارتكاز الوطنية (National Reference Point) التي تمثل لبنان في:
الاجتماعات الإقليمية تحت مظلة جامعة الدول العربية.
المؤتمرات الدولية لخبراء القانون الدولي الإنساني في جنيف.
التفاوض مع المنظمات الدولية بصفة “شريك حكومي” وليس كجهة مراقبة.
الدور الاستشاري والتشريعي
تعمل اللجنة كخبير فني (Technical Expert) لدى الحكومة لضمان مواءمة القوانين الوطنية مع الالتزامات الدولية:
المواءمة التشريعية وتقييم القوانين: وفقاً للمبادئ المرجعية التي وضعتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، يجب على اللجان الوطنية تقييم التشريعات القائمة في ضوء اتفاقيات جنيف. في لبنان، تتولى هذه اللجنة دراسة وإعداد مشاريع القوانين التي تضمن:
تجريم جرائم الحرب في قانون العقوبات العسكري والمدني.
حماية الشارات الدولية (الصليب الأحمر والهلال الأحمر) ومنع إساءة استخدامها: من خلال توضيح آليات حماية هذه الرموز، والقضايا التشغيلية والتجارية وغير التشغيلية المرتبطة بها. ولتعزيز هذه الحماية على المستوى الوطني، العمل على اعتماد قانون نموذجي يوجه التشريعات المحلية نحو صياغة نصوص قانونية صارمة تحمي الشعار، مع دمج توصيف جرائم الحرب المتعلقة به ضمن قوانين العقوبات العسكرية والمدنية، بما يضمن صون هيبة هذه الشارات الدولية وتأمين الحصانة اللازمة للعاملين تحت لوائها.
تطوير تشريعات تحمي الفئات الضعيفة (الأسرى، الجرحى، المدنيين) بما يتوافق مع التطور المستمر لطبيعة النزاعات المسلحة، وضمان الاستثناءات الإنسانية في تشريعات مكافحة الإرهاب المحلية.
تفسير القواعد الإنسانية: توفر اللجنة إرشادات للحكومة حول كيفية تفسير النصوص الإنسانية المعقدة وتطبيقها في السياق الوطني، مما يمنع الاجتهادات الخاطئة التي قد تضع الدولة في مواجهة مع المجتمع الدولي.
الحماية القانونية والتقنية للممتلكات الثقافية في منظومة متكاملة من المراجع الدولية والوطنية، والتي تستهلها اتفاقية عام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح. وضمان تفعيل هذه الحماية محلياً، عبر اعتماد قانون نموذجي يرشد لبنان في صياغة تشريعاته الوطنية، مدعوماً بـ إرشادات عملية توفر نصائح تقنية للميدان، وتقرير دوري يستعرض واقع حماية هذه الممتلكات والتحديات التي تواجهها أثناء النزاعات.
حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة: من خلال الالتزام بالمعايير القانونية الدولية، وعلى رأسها اتفاقية عام 1976 بشأن حظر استخدام تقنيات تعديل البيئة لأغراض عسكرية أو عدائية (ENMOD)، التي تضع قيود الصارمة على استغلال الطبيعة كسلاح. وتكتمل هذه الصلاحيات بتبني المبادئ التوجيهية لحماية البيئة الطبيعية في النزاعات المسلحة، والتي تفرض واجبات محددة على الأطراف المتنازعة للحد من الأضرار البيئية الواسعة الطويل الأمد، بما يضمن صون الموارد الطبيعية كجزء لا يتجزأ من منظومة الحقوق الإنسانية والقانون الدولي.
دور “الميسّر” للامتثال الوطني
تلعب اللجنة الحكومية أدواراً تنفيذية لا تملك الهيئات الرقابية صلاحية القيام بها مباشرة:
التدريب والتعليم: تلعب اللجنة دوراً محورياً في نشر المعرفة بالقانون الدولي الإنساني، ليس فقط في المدارس والجامعات، بل والأهم من ذلك، المشاركة المباشرة في تدريب القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والدفاع المدني. هذا الدور يتطلب ثقة متبادلة وتنسيقاً وثيقاً مع المؤسسة العسكرية، وهو ما يوفره الطابع الحكومي للجنة.
التعاون مع الجمعية الوطنية (الصليب الأحمر اللبناني): تعمل اللجنة كجسر تواصل بين الحكومة والصليب الأحمر اللبناني (بصفته جهازاً مساعداً للسلطات العامة في المجال الإنساني)، مما يضمن استجابة وطنية منسقة أثناء الأزمات والنزاعات.
الاستجابة لتطور النزاعات: يعترف القانون الدولي الإنساني بأن النزاعات تتطور (مثل الحروب السيبرانية أو النزاعات غير الدولية). اللجنة الحكومية تضمن بقاء الدولة اللبنانية في حالة استجابة دائمة لهذه التغيرات عبر تحديث التدابير الإدارية والوقائية بشكل مستمر، لا سيما لجهة التنفيذ المحلي لنظام شامل لحماية الأطفال المرتبطين بالقوات المسلحة أو الجماعات المسلحة.
لجنة القانون الدولي الإنساني داخل الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان (القانون رقم 62/ 2016، والمرسوم رقم 1762/ 2025)
الاستقلالية المؤسسية والتمايز عن السلطة التنفيذية
تُشكل لجنة القانون الدولي الإنساني المنبثقة عن الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، والمؤسسة بموجب القانون رقم 62 تاريخ 2016/10/27، الركيزة الرقابية المستقلة للدولة اللبنانية، وهي تختلف جوهرياً عن اللجنة الحكومية من حيث الطبيعة والوظيفة. فبينما تُمثل اللجنة الحكومية السلطة التنفيذية، تُعد الهيئة مؤسسة مستقلة ذات صبغة “شبه قضائية” تتألف من خبراء وقضاة ومحامين لا يمثلون الوزارات أو الإدارات الرسمية، مما يمنحها الحصانة اللازمة لممارسة دورها الرقابي دون تضارب في المصالح. وقد جاء قرار مجلس الوزراء رقم 3-4 لعام 2026 ليحسم هذا التمايز، مؤكداً أن الهيئة تقوم بدور مستقل ورقابي يضمن انسجام السياسات العامة مع المعايير الحقوقية الدولية، ولا يمكن اعتبار أي لجنة حكومية بديلاً عنها في هذا المضمار السيادي.
توثيق الانتهاكات وضمان المساءلة الجنائية
يتجلى الجوهر الرقابي لهذه اللجنة في قدرتها على رصد وتوثيق انتهاكات القانون الدولي الإنساني أثناء النزاعات المسلحة وبعدها بحياد تام. ففي حالات النزاع، قد يواجه الممثلون الحكوميون حرجاً أو قيوداً في توثيق الانتهاكات التي قد تُنسب لأجهزة الدولة أو أطراف النزاع المرتبطة بها، وهنا تبرز أهمية الهيئة المستقلة كجهة وحيدة قادرة على إجراء تحقيقات ميدانية وتوثيق الخروقات الجسيمة والانتهاكات المرتكبة على الأراضي اللبنانية. إن هذا الدور يتكامل مع مهام “اللجنة الدولية لتقصي الحقائق” المنصوص عليها في المادة 90 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، حيث تهدف الهيئة من خلال وحداتها المتخصصة وسجلاتها الوطنية إلى ضمان عدم الإفلات من العقاب وتمهيد الطريق أمام المساءلة الجنائية للجناة.
الوقاية من التعذيب وتكريس نظام الضوابط والتوازنات
تتمتع الهيئة الوطنية باختصاص حصري ومقدس قانوناً في مجال الوقاية من التعذيب، وهو ما يعزز دورها في مراقبة معاملة الأسرى والمحتجزين أثناء النزاعات المسلحة. فبموجب القانون رقم 62/ 2016، تضم الهيئة “لجنة الوقاية من التعذيب” التي تملك صلاحية الدخول إلى مراكز الاحتجاز دون عوائق، وهو دور رقابي بحت لا يمكن للجان الحكومية (التي تدير وزاراتها تلك المراكز أصلاً) أن تضطلع به بفعالية أو موضوعية. وبذلك، يضمن هذا التوزيع الوظيفي الذي أقره مجلس الوزراء وجود نظام “ضوابط وتوازنات”؛ حيث تعمل اللجنة الحكومية على التنفيذ والمواءمة التشريعية، بينما تظل الهيئة الوطنية هي العين الرقابية التي تحمي كرامة الإنسان وتراقب مدى احترام جميع أطراف النزاع للقواعد الإنسانية الآمرة.
تعزيز الاستقلالية الرقابية: حماية “مبادئ باريس” وفصل السلطات
يُعد استنتاج مجلس الوزراء بأن اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني (الحكومية) لا يمكن استبدالها بلجنة الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، قراراً استراتيجياً عالج إشكالية التبعية التي كانت ستعصف باستقلالية الهيئة الرقابية؛ فلو أُنيطت مهام اللجنة الحكومية بالهيئة، لتحولت الأخيرة حكماً إلى جهة استشارية ملزمة بتقديم الدفع القانوني والسياسي للحكومة، وهو ما يتناقض جذرياً مع طبيعتها كجهة رقابية مستقلة. إن هذا الفصل يضمن للهيئة ممارسة دورها في توثيق الانتهاكات ورصد أداء السلطة التنفيذية بحياد تام، دون أن تكون مقيدة بضرورات الدفاع عن سياسات الحكومة أو تمثيلها في المحافل الدولية، وهو ما يحمي “مبادئ باريس” المنظمة لعمل الهيئات الوطنية لحقوق الإنسان ويحول دون ذوبان الرقيب في صلب الجهة المنفذة.
الفعالية الإدارية: التكامل الوظيفي بين الأدوات التنفيذية والهيكلية الرقابية
حسم القرار إشكالية الفعالية الإدارية والتنفيذية؛ إذ إن الهيئة الوطنية، وبحكم استقلاليتها، لا تملك سلطة إصدار تعليمات مباشرة للوزارات أو إلزامها بخطط عمل معينة، في حين أن اللجنة الوطنية المنشأة بالمرسوم رقم 4382/2010 تكتسب فعاليتها من رئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء وعضوية ممثلي الوزارات السيادية. هذه الهيكلية تمنح اللجنة الحكومية القدرة على التنسيق المباشر والنافذ بين مختلف الإدارات لتنفيذ الاتفاقيات الدولية، وتعديل العقيدة العسكرية، ومواءمة القوانين الوطنية، وهي مهام تنفيذية تتطلب أدوات سلطوية لا تمتلكها الهيئات الرقابية بطبيعتها.
موائمة النموذج اللبناني مع ممارسات الصليب الأحمر الدولي
أما على صعيد إشكالية الممارسة الدولية، فقد أعاد هذا القرار تصحيح المسار اللبناني ليتوافق مع المعايير العالمية التي تتبناها اللجنة الدولية للصليب الأحمر؛ حيث تمتلك 101 دولة لجانًا وطنية حكومية متخصصة. لقد أدرك مجلس الوزراء أن وجود لجنة حكومية تمثيلية هو الممارسة الفضلى لضمان الامتثال الفني لاتفاقيات جنيف، كونه يوفر قناة رسمية وحيدة تعبّر عن موقف الدولة اللبنانية في المحافل العربية والدولية. وبذلك، نجح لبنان في خلق نموذج يجمع بين الالتزام بالنماذج الدولية للجان الحكومية، وبين الحفاظ على خصوصية واستقلالية الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، مما يعزز من مصداقية الدولة في احترام التزاماتها الإنسانية والرقابية على حد سواء.
الهيئة كمرجعية دائمة لتقصي الحقائق والمساءلة
وتبرز في صلب هذا التحليل حسم النقاش لجهة الدور الحصري للهيئة لجهة توثيق الانتهاكات وجمع الأدلة تمهيداً للمساءلة؛ إذ إن إسناد مهمة الرصد والتوثيق للهيئة دون غيرها يمنح عملية جمع الأدلة مصداقية قانونية أمام المحاكم الوطنية والدولية. فالهيئة، بصفتها كياناً مستقلاً، هي الجهة الوحيدة القادرة على إنشاء سجلات وطنية شاملة للضحايا وتوثيق الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني بعيداً عن أي ضغوط سياسية قد تواجهها اللجان الحكومية. إن هذا الاختصاص الحصري يحول الهيئة إلى “لجنة تقصي حقائق دائمة” تمهد الطريق قانونياً لملاحقة الجناة وضمان حقوق الضحايا، مما يعزز من قدرة لبنان على الوفاء بالتزاماته الدولية بموجب البروتوكول الأول لاتفاقيات جنيف، خاصة فيما يتعلق بالتحقيق في الخروقات الجسيمة وضمان المساءلة الجزائية الفردية.
مأسسة المحاسبة وتعزيز الاستجابة الوطنية للتحديات الدولية
يؤدي تثبيت دور لجنة القانون الدولي الإنساني داخل الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان إلى تعزيز آليات المحاسبة والشفافية بشكل غير مسبوق؛ إذ أصبح لدى لبنان “مرصد” دائم ومستقل يمتلك الصلاحية القانونية لتوثيق انتهاكات النزاعات المسلحة فور وقوعها. هذا الوجود الدائم يمنح الدولة اللبنانية قدرة متقدمة على تقديم تقارير دورية وشفافة أمام الآليات الدولية لحقوق الإنسان، مثل الاستعراض الدوري الشامل ولجان المعاهدات، مستندة إلى بيانات ميدانية موثقة بمهنية عالية. إن توثيق الانتهاكات من قبل جهة مستقلة لا يخدم العدالة فحسب، بل يحمي سمعة الدولة دولياً من خلال إظهار جديتها في مراقبة الالتزامات الإنسانية وملاحقة الجناة المحتملين، مما يمهد الطريق أمام تحقيقات قضائية وطنية ودولية ناجزة.وعلى صعيد مواكبة الاستجابة للتطورات الدولية المتسارعة، يضمن التوزيع الجديد للمهام بقاء لبنان في قلب الحراك القانوني العالمي؛ فبينما يتطور القانون الدولي الإنساني ليشمل قضايا معقدة مثل الأسلحة ذاتية التشغيل، والحروب السيبرانية، وحماية البيئة أثناء النزاعات، تتولى “اللجنة الحكومية” مسؤولية مواءمة هذه التطورات تشريعياً وإدماجها في العقيدة العسكرية والسياسات العامة. وفي الوقت نفسه، يضمن وجود “الهيئة الوطنية” مراقبة أثر هذه التكنولوجيات والأساليب الحديثة على حقوق الإنسان وحماية المدنيين على أرض الواقع. هذا التوازن يقي لبنان من الفجوات التشريعية أو الرقابية، ويجعل من استجابته للنزاعات استجابة قانونية متكاملة تواكب أرقى المعايير الدولية المعاصرة.أخيراً، أرسى هذا القرار نموذج “التنسيق لا الإلغاء” كقاعدة ذهبية للحوكمة الرشيدة، محطماً المفهوم الخاطئ حول تعارض الأدوار بين الأجهزة الحكومية والهيئات المستقلة؛ فالقرار كرس مبدأ التكامل الوظيفي حيث لا يوجد أي تعارض بين جهة حكومية تُنفذ وتضع السياسات (اللجنة الحكومية) وجهة مستقلة تُراقب وتُقيّم الأداء (الهيئة الوطنية). إن “التنسيق الفني” المشار إليه في المادة 16 من النظام الداخلي للهيئة لا يعني بأي حال من الأحوال “تبعية إدارية”، بل هو آلية لتبادل المعلومات والخبرات تهدف إلى تعزيز التطبيق الشامل للقانون الدولي الإنساني. هذا النموذج يمنح لبنان هيكلية مؤسساتية رصينة تمنع تضارب المصالح، وتضمن في الوقت ذاته أن الملاحظات الرقابية للهيئة تُؤخذ بعين الاعتبار عند رسم السياسات الحكومية، مما يعزز من فاعلية الدولة في حماية ضحايا النزاعات المسلحة والوفاء بالتزاماتها تجاه المجتمع الدولي.
خارطة طريق وتوصيات
إن قرار مجلس الوزراء رقم 3-4/2026 يمثل انتصاراً للفكر القانوني المؤسساتي في لبنان؛ حيث أدركت الدولة أن الالتزام بالقانون الدولي الإنساني يتطلب وجود “محرك” تنفيذي داخل الحكومة (اللجنة الوطنية) و”مرآة” رقابية مستقلة خارجها (الهيئة الوطنية). ولضمان نجاح هذا النموذج، نضع التوصيات التالية:
أولاً: إلى الحكومة اللبنانية واللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني:
مأسسة التنسيق الفني: الإسراع في صياغة “بروتوكول تعاون” (MOU) يحدد آليات تبادل البيانات والتقارير بين اللجنة الحكومية والهيئة الوطنية، خاصة في حالات النزاع المسلح القائم، مع احترام استقلالية الهيئة الرقابية.
توفير الدعم المالي المستدام: رصد اعتمادات مالية مستقلة وكافية في الموازنة العامة لكلتا الجهتين، لضمان استمرارية الدور التنفيذي والرقابي بعيداً عن أي ضغوط مالية قد تقيد حركتهما الميدانية.
تحديث التشريعات: تكليف اللجنة الوطنية الحكومية، بصفتها الذراع الاستشارية للحكومة، بوضع اقتراح قانون متكامل حول جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. بالتشاور مع خبراء الهيئة الوطنية.
ثانياً: إلى الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان (الجهة الرقابية):
تفعيل “السجل الوطني للانتهاكات”: المباشرة في بناء قاعدة بيانات شاملة ومستقلة لتوثيق الانتهاكات الجسيمة والأضرار اللاحقة بالمدنيين، لتكون مرجعاً موثوقاً أمام القضاء الوطني والدولي.
تعزيز دور “تقصي الحقائق”: استخدام الصلاحيات الرقابية الحصرية لإجراء تحقيقات ميدانية مستقلة في أماكن الاحتجاز ومناطق النزاع، وضمان تقديم تقارير دورية شفافة للبرلمان والمجتمع الدولي.
ثالثاً: إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر:
تقديم الدعم التقني التخصصي: توفير الخبرات الفنية اللازمة لتدريب أعضاء اللجنة الحكومية على “آليات التنفيذ” وأعضاء الهيئة الوطنية على “تقنيات الرصد والتوثيق الجنائي”.
دعم برامج النشر والتعليم: المساهمة في تمويل وتنفيذ برامج مشتركة لنشر ثقافة القانون الدولي الإنساني في الجامعات ولدى القوات المسلحة، لتعزيز الامتثال المجتمعي والمؤسساتي.
رابعاً: إلى الأمم المتحدة (مفوضية حقوق الإنسان والآليات التعاقدية وغير التعاقدية):
الاعتراف بالنموذج اللبناني ودعمه: ومجلس حقوق الإنسان ولجان المعاهدات والإجراءات التعاقدية والإجراءات الخاصة غير التعاقدية للاعتراف بهذا الفصل المؤسساتي كنموذج رائد.
تسهيل الوصول للخبرات الدولية: اتاحة وصول الهيئة الوطنية واللجنة الحكومية إلى الخبرات المتعلقة بلجان التحقيق وبعثات تقصي الحقائق التابعة للمفوضية السامية لحقوق الإنسان، لتعزيز جودة التقارير الوطنية وضمان توافقها مع المعايير الدولية.

