انطلاقاً من أحكام القانون رقم 62/ 2016، ولا سيّما المادة 15 منه، تتمتّع الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان بصلاحية أصيلة في إبداء الرأي، إمّا بناءً على استشارة من المراجع المختصة، وإمّا بمبادرة منها، في جميع التشريعات والمراسيم والقرارات ومشاريعها، كلّما اتصلت باحترام معايير حقوق الإنسان. كما أناط القانون بالهيئة مهمة متابعة وتقييم القوانين والمراسيم والقرارات الإدارية وقياسها وفق معايير حقوق الإنسان، بما يجعل من إبداء الرأي في مشاريع واقتراحات القوانين وظيفة قانونية ورقابية تدخل في صميم ولايتها المؤسسية، ولا تُعدّ تدخلاً في العمل التشريعي بقدر ما تشكّل مساهمة مستقلة ومتخصصة ترمي إلى مواءمة التشريع الوطني مع الدستور اللبناني والمعايير الدولية ذات الصلة. وقد سبق للهيئة أن مارست هذه الصلاحية في آراء قانونية منشورة بشأن اقتراحات قوانين مختلفة ذات صلة مباشرة بالحقوق والحريات الأساسية.
سُجِّل اقتراح القانون الرامي إلى تجريم التنمر من قبل النائب هاغوب ترزيان بتاريخ 20 آب 2025، وهو وما زال حتى تاريخه قيد الدرس في اللجان النيابية المختصة، من دون أن يُسجَّل انعقاد أي اجتماع لمناقشته في اللجان النيابية وكان الاقتراح قد أُحيل بتاريخ 03 أيلول 2025 إلى الحكومة لإبداء الرأي بشأنه، من دون أن يرد حتى الآن أي جواب رسمي منها.
تؤكد الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان أنّ التصدّي لظاهرة التنمّر يشكّل التزاماً حقوقياً وتشريعياً وأخلاقياً على عاتق الدولة اللبنانية، بالنظر إلى ما ينطوي عليه هذا السلوك من مساس بكرامة الإنسان، وسلامته النفسية، وأمنه الاجتماعي، وحقّه في العيش في بيئة خالية من العنف والتمييز والإقصاء. كما ترى الهيئة أنّ خطورة التنمّر لا تنحصر في آثاره الفردية المباشرة على الضحية، بل تمتدّ إلى الإخلال بالمناخ التربوي والمهني والاجتماعي، وإلى تكريس علاقات القوّة غير المتكافئة، وتطبيع العنف اللفظي والمعنوي والرقمي في الفضاءين الواقعي والإلكتروني.
ومن هذه الزاوية، تنظر الهيئة بإيجابية إلى أي مبادرة تشريعية ترمي إلى الاعتراف بخطورة التنمّر وإلى توفير حماية قانونية للضحايا، ولا سيّما الأطفال، والأشخاص ذوي الإعاقة، والنساء، وسائر الفئات الأكثر عرضة للهشاشة أو التمييز. غير أنّ الهيئة ترى، في المقابل، أنّ فعالية النصوص الجزائية لا تُقاس بمجرد استحداث جرم جديد أو تشديد العقوبات، بل بمدى اندراجها ضمن سياسة عامة متكاملة، وقائية وحمائية وإنصافية، تراعي المعايير الدستورية والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وتوفّر آليات واضحة للتبليغ والحماية والمعالجة والإنصاف.
وانطلاقاً من ذلك، وبعد الاطلاع على اقتراح القانون الرامي إلى تجريم التنمّر، وعلى النقاشات الحقوقية المثارة بشأنه، ترى الهيئة أنّ الاقتراح بصيغته الراهنة، وإن عكس توجهاً مشروعاً نحو معالجة ظاهرة متنامية، ما زال يعاني من اختلالات بنيوية ومفاهيمية وتشريعية تحدّ من فعاليته، وتجعله أقرب إلى معالجة جزئية ومجزّأة لمشكلة اجتماعية وتربوية ومهنية ورقمية مركّبة، يفترض التصدي لها بمنهج شامل لا بمنطق التجريم الجزائي الحصري.
أولا: في الإطار الحقوقي الناظم لمكافحة التنمّر
ترى الهيئة أنّ معالجة التنمّر يجب أن تنطلق من التزامات لبنان الدولية في مجال حقوق الإنسان، وفي مقدّمها اتفاقية حقوق الطفل، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، فضلاً عن المبادئ العامة المتصلة بحماية الكرامة الإنسانية والمساواة وعدم التمييز والحق في السلامة الجسدية والنفسية.
وفي هذا السياق، تكتسب اتفاقية حقوق الطفل أهمية خاصة، لا سيّما المادة 19 منها التي تُلزم الدول باتخاذ جميع التدابير التشريعية والإدارية والاجتماعية والتعليمية المناسبة لحماية الطفل من كافة أشكال العنف أو الضرر أو الإساءة البدنية أو العقلية. كما أنّ اللجنة المعنية بحقوق الطفل اعتبرت، في تعليقها العام رقم 13 لسنة 2011، أنّ الحماية من العنف تشمل أيضاً التنمّر بأشكاله المختلفة، بما في ذلك التنمّر الممارس من قبل الأطفال ضد أقرانهم، والتنمر عبر الإنترنت وتكنولوجيات المعلومات والاتصال. وعليه، فإنّ أي مقاربة تشريعية وطنية جادّة لا بد أن تولي المؤسسات التربوية مكانة محورية في الوقاية والرصد والتدخل المبكر، لا أن تكتفي بعقاب لاحق قد يأتي بعد تفاقم الضرر.
كذلك، ترى الهيئة أنّ من المفيد الاسترشاد باتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 190 لعام 2019 بشأن القضاء على العنف والتحرّش في عالم العمل، وإن لم ينضم إليها لبنان بعد. فهذه الاتفاقية تعتمد مفهوماً واسعاً للعنف والتحرّش يشمل السلوكيات والممارسات غير المقبولة، سواء وقعت مرة واحدة أو تكررت، متى كان من شأنها أن تُلحق ضرراً جسدياً أو نفسياً أو جنسياً أو اقتصادياً. وتتميّز هذه المقاربة بكونها لا تختزل المشكلة في العقوبة، بل تربطها بموجبات وقائية على أصحاب العمل، وبواجبات تدريب وتوعية وتفتيش وتحقيق فعّالة، وبمقاربة تراعي التمييز المتقاطع وعلاقات القوّة غير المتكافئة.
وتشير الهيئة كذلك إلى ما كرّسته المنظومة الأممية الحديثة من اهتمام متزايد بظاهرة التنمّر الإلكتروني، ولا سيّما ضد الأطفال، بالنظر إلى ما قد يخلّفه من قلق واضطرابات نفسية وانقطاع عن الدراسة وعزلة اجتماعية، وصولاً في بعض الحالات إلى إيذاء النفس أو التفكير بالانتحار. وهو ما يفرض على المشرّع اللبناني أن يتعامل مع التنمّر باعتباره ظاهرة متحوّلة عابرة للأمكنة التقليدية، تشمل المدرسة، ومكان العمل، والفضاء العام، والمنصات الرقمية، والبثّ المباشر، والتطبيقات التفاعلية.
ثانياً: في الملاحظات الجوهرية على الاقتراح
1. غياب المقاربة الشاملة وهيمنة المنحى الجزائي
ترى الهيئة أنّ المأخذ الأساسي على الاقتراح يتمثّل في كونه يعتمد معالجة جزائية شبه حصرية لظاهرة لا يمكن اختزالها في بعدها العقابي. فالتنمّر ليس فقط فعلاً فردياً معزولاً، بل هو أيضاً ممارسة اجتماعية قد تتغذى من بيئات مدرسية متساهلة مع العنف، أو من ثقافة مؤسساتية في أماكن العمل، أو من منصات رقمية تفتقر إلى وسائل ردع وحماية فعّالة.
ومن ثمّ، فإن الاقتصار على تعريف الجرم وتحديد العقوبة وأسباب التشديد، من دون إدراج تدابير وقائية، أو آليات حماية، أو موجبات على المؤسسات التربوية وأصحاب العمل والمنصات الرقمية، يجعل الاقتراح قاصراً عن بلوغ غايته المعلنة. فالحماية الفعلية للضحايا تستوجب، إلى جانب أي نص جزائي، وجود سياسات داخلية، وآليات تبليغ آمنة وسرية، وإجراءات فورية لوقف الضرر، وتدابير لعدم الانتقام من المبلّغين والشهود، وخطط للتوعية والتدريب والرصد.
وعليه، ترى الهيئة أنّ أي تشريع في هذا المجال يجب أن يتجاوز منطق “تجريم السلوك” إلى منطق “منع الظاهرة والاستجابة لها وحماية المتضرّرين منها”.
2. تجاهل دور المدارس والمؤسسات التربوية
تسجّل الهيئة أنّ الاقتراح، رغم استناده في أسبابه الموجبة إلى اتفاقية حقوق الطفل، لم يترجم هذا الاستناد إلى التزامات عملية واضحة على المؤسسات التربوية. فهو لا يفرض على المدارس، الرسمية والخاصة، اعتماد سياسات داخلية لمكافحة التنمّر، ولا إنشاء آليات تظلّم مبسطة وملائمة للأطفال، ولا تدريب الإدارات والمعلمين والمرشدين الاجتماعيين، ولا اعتماد برامج تثقيفية تعزّز ثقافة الاحترام والتنوع واللاعنف.
وترى الهيئة أنّ هذا الإغفال يُضعف النص بصورة جوهرية، لأنّ المدرسة هي من أبرز البيئات التي يظهر فيها التنمّر ويتكرّر وتتفاقم فيها آثاره على التحصيل العلمي والصحة النفسية والشعور بالانتماء. كما أنّ اللجوء المباشر إلى القضاء الجزائي في النزاعات المدرسية، ولا سيّما بين القاصرين، من دون مسارات تربوية وحمائية سابقة، قد يؤدّي إلى نتائج عكسية، منها الوصم، والتصعيد، وصعوبة إعادة بناء البيئة التعليمية على أسس سليمة.
لذلك، توصي الهيئة بربط أي نص خاص بالتنمّر بإلزام المؤسسات التربوية باعتماد مدونات سلوك وسياسات مكتوبة وآليات تدخّل ومتابعة، تحت إشراف وزارة التربية والتعليم العالي، وبما يراعي مصلحة الطفل الفضلى وسنّه وخصوصيته.
3. إغفال عالم العمل ومسؤولية أصحاب العمل
ترى الهيئة أنّ الاقتراح أهمل بعداً أساسياً آخر، هو التنمّر في بيئة العمل. فرغم أنّ النص يشدّد العقوبة إذا كان للفاعل سلطة مادية أو معنوية أو وظيفية على الضحية، إلا أنّه لا يفرض أي التزام وقائي أو تنظيمي على صاحب العمل، ولا يحدّد مسؤوليته عند الامتناع عن حماية الأجراء أو التغاضي عن بيئة عمل عدائية أو مهينة.
والحال أنّ المقاربات الحديثة في هذا المجال لا تكتفي بمعاقبة الفاعل الفرد، بل ترتّب موجبات واضحة على المؤسسة، من قبيل اعتماد سياسة داخلية معلنة، وتخصيص آلية للشكاوى، وتوفير الحماية من الأعمال الانتقامية، واتخاذ تدابير تأديبية وإدارية متناسبة، وإدراج التوعية والتدريب ضمن نظام العمل الداخلي.
وعليه، ترى الهيئة أنّ أي تشريع فعّال ينبغي أن ينسّق مع قانون العمل، وأن يحمّل أصحاب العمل مسؤوليات واضحة في الوقاية والرصد والتدخّل، وأن يتيح سلوك مسارات إدارية ومدنية وتحكيمية إلى جانب المسار الجزائي، بحسب طبيعة النزاع ودرجة الخطورة.
4. قصور تعريف التنمّر وعدم دقّته
تسجّل الهيئة أنّ تعريف التنمّر الوارد في الاقتراح يتضمّن عبارات مثل “سلوك عدائي” و“استعراض للقوة” و“وضع خاص”، من دون أن يحدّد المقصود بها بصورة دقيقة. وهذا الأمر يثير إشكالية جدية من زاوية مبدأ الشرعية الجزائية، الذي يفرض أن تكون النصوص العقابية واضحة ومحددة ودقيقة، بحيث يمكن للأفراد توقّع ما هو محظور، وللقضاء تطبيق النص من دون توسّع أو تعسّف.
كما ترى الهيئة أنّ التعريف لا يميّز بما يكفي بين السلوك المؤذي فعلاً والممارسات التي قد تكون غير لائقة أو مسيئة ولكنها لا ترقى بالضرورة إلى مستوى الجرم الجزائي. فالتوسّع غير المنضبط في التجريم قد يؤدي إلى ملاحقات غير متناسبة، فيما الغموض قد يفضي، على العكس، إلى تضييق التفسير وإفلات حالات خطيرة من المساءلة.
لذلك، ترى الهيئة أنّ من الأجدى اعتماد تعريف يركّز على العنف أو الإيذاء أو السلوك المهين المتكرر أو الجسيم الذي من شأنه، أو قد يترتّب عليه، إلحاق ضرر نفسي أو اجتماعي أو تعليمي أو مهني أو صحي بالضحية، مع مراعاة طبيعة العلاقة بين الطرفين والسياق الذي وقع فيه الفعل.
5. حصرية تعداد أسباب التمييز أو الاستهداف
تلاحظ الهيئة أنّ الاقتراح يورد أسباباً محددة للتنمّر، مثل الجنس والعرق والدين والخصائص البدنية والحالة الصحية أو العقلية والمستوى الاجتماعي، على سبيل الحصر. وترى أنّ هذا التعداد المغلق لا ينسجم مع تطور المعايير الحقوقية، لأنّه قد يستبعد حالات استهداف أخرى لا تقل خطورة، كالتنمّر بسبب السن، أو الجنسية، أو اللغة، أو الانتماء الاجتماعي، أو الإعاقة، أو بسبب الميل الجنسي او أي وضع شخصي آخر.
ترى الهيئة أنّ الصياغة المقترحة للنص القانوني، وإن كانت تسعى إلى تحديد بعض الحالات التي قد ينطوي عليها السلوك المجرَّم، إلا أنّ حصر الأسباب أو الدوافع ضمن تعداد محدّد قد يؤدي عملياً إلى تضييق نطاق الحماية القانونية وإلى استبعاد حالات واقعية أخرى قد تشكّل في جوهرها أفعالاً قائمة على التمييز أو الإقصاء أو المساس بالكرامة الإنسانية. إذ إنّ التجربة التشريعية المقارنة، وكذلك المعايير الدولية لحقوق الإنسان، تميل إلى اعتماد صيغ مرنة وشاملة تتيح للقضاء تقدير مختلف الحالات التي قد تنطوي على ممارسات تمييزية أو مهينة، من دون حصرها ضمن لائحة مغلقة من الأسباب.
وفي هذا السياق، تؤكد الهيئة أنّ مبدأ عدم التمييز يُعدّ من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام الدولي لحقوق الإنسان، وهو مكرّس في عدد كبير من الصكوك الدولية التي انضم إليها لبنان، وفي مقدّمها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية حقوق الطفل وغيرها من الاتفاقيات ذات الصلة. وقد درجت هذه الصكوك على ذكر بعض أسباب التمييز على سبيل المثال لا الحصر، مع إلحاقها بعبارة عامة تسمح بتوسيع نطاق الحماية لتشمل أيّ سبب آخر يمكن أن يؤدي إلى الإقصاء أو التمييز أو الانتقاص من الكرامة الإنسانية.
وانطلاقاً من ذلك، ترى الهيئة أنّ من الأفضل تجنّب اعتماد صياغة حصريّة قد تفضي إلى ثغرات تشريعية أو إلى صعوبات في تطبيق النص، ولا سيما في ظلّ تطوّر أنماط السلوك الاجتماعي وظهور أشكال جديدة من الممارسات التي قد تنطوي على التنمّر أو الإهانة أو الإقصاء. فالتشريع الجزائي، وإن كان يتطلب قدراً من الدقّة والوضوح، ينبغي أن يظلّ قادراً على استيعاب مختلف الحالات التي قد تمسّ الحقوق الأساسية للأفراد، وفي مقدّمها الحق في الكرامة والمساواة أمام القانون.
وعليه، توصي الهيئة باعتماد صياغة أكثر شمولاً واتساعاً، بحيث تُذكر بعض الأسباب المحتملة على سبيل المثال لا الحصر، على أن تُختتم بعبارة جامعة من قبيل: “أو لأي سبب آخر من شأنه أن يشكّل أساساً للتمييز أو الإقصاء أو الإذلال”، بما ينسجم مع منطق الحماية الحقوقية، ويعزّز فعالية النص في مواجهة مختلف أشكال السلوك التي تمسّ بكرامة الإنسان أو تقوم على التمييز بين الأفراد. كما من شأن هذه الصياغة أن توفّر للقضاء هامشاً تفسيرياً معقولاً يسمح بتطبيق النص بما يتلاءم مع مقاصده الحمائية، ويضمن في الوقت ذاته تحقيق التوازن بين مبدأ الشرعية الجزائية ومتطلبات حماية الكرامة الإنسانية وعدم التمييز.
6. غياب المعالجة الواضحة للتنمّر الإلكتروني
تؤكد الهيئة أنّ من أبرز أوجه القصور في الاقتراح عدم التمييز الواضح بين التنمّر المباشر والتنمر الإلكتروني، وعدم معالجة خصوصية هذا الأخير من حيث الانتشار والسرعة والديمومة وإعادة النشر وتعدد الفاعلين وصعوبة إزالة الأثر. كما لا يلحظ النص حالات البث المباشر، أو تداول المحتوى المهين أو المحرّض، أو استخدام الحسابات الوهمية، أو المنصات التي تسمح بإعادة إنتاج الإيذاء على نطاق واسع وفي أزمنة متلاحقة.
وترى الهيئة أنّ التنمّر الإلكتروني لا يجوز اعتباره مجرد ظرف مشدّد وحسب، بل يجب أن يُدمج في بنية النص عبر تعريف واضح، وتدابير خاصة للحماية والإزالة السريعة للمحتوى، والحفاظ على الأدلة الرقمية، والتنسيق مع الجهات المختصة ومزودي الخدمات والمنصات، وخصوصاً حين يكون الضحايا من الأطفال.
7. إشكالية عبء الإثبات والنية الجرمية
تلاحظ الهيئة أنّ الاقتراح، بصياغته الحالية، يحمّل الضحية عبئاً ثقيلاً في الإثبات، إذ يربط الجرم بسلوك “يهدف إلى” التخويف أو السخرية أو الإقصاء أو الحطّ من الكرامة، بما قد يُفهم منه ضرورة إثبات القصد الخاص أو النية الجرمية المباشرة. وهذا الشرط يصعب إثباته عملياً في كثير من القضايا، ولا سيّما تلك التي تتخذ شكل تراكمات سلوكية أو إيذاء نفسي غير مباشر أو ممارسات رقمية متشعبة.
وعليه، ترى الهيئة أنّ الصياغة الأنسب هي التي تربط الجرم بالسلوك الذي يؤدي أو من شأنه أن يؤدي إلى التخويف أو الإقصاء أو الإذلال أو الإضرار النفسي أو الاجتماعي، من دون اشتراط إثبات نية خاصة تتجاوز القصد العام. كما توصي الهيئة بتخفيف عبء الإثبات عن الضحية في بعض السياقات، ولا سيّما في العمل والتعليم، متى قدّمت معطيات جدية ترجّح وقوع التنمّر، فينتقل عندها عبء دحض القرائن إلى الجهة المدعى عليها أو المؤسسة المعنية وفقاً لطبيعة الدعوى.
ثالثاً: التوصيات
بناءً على ما تقدّم، ترى الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان أنّ اقتراح قانون تجريم التنمّر، بصيغته الراهنة، يحتاج إلى إعادة نظر جوهرية قبل السير به تشريعياً، وذلك بما يضمن اتساقه مع المعايير الحقوقية والدستورية ومع مقتضيات الفعالية التشريعية. وتوصي الهيئة بما يأتي:
أولاً، اعتماد مقاربة شاملة للتنمّر تجمع بين الوقاية والحماية والمساءلة والإنصاف، وعدم حصر المعالجة بالشق الجزائي.
ثانياً، إعادة صياغة تعريف التنمّر بصورة أدق وأكثر انضباطاً، بما يراعي مبدأ الشرعية الجزائية ويمنع الغموض أو التوسّع غير المبرر في التجريم.
ثالثاً، النص صراحة على التنمّر الإلكتروني، بما يشمل الأفعال المرتكبة عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل والبث المباشر ونشر أو إعادة نشر المحتوى المؤذي.
رابعاً، فرض التزامات واضحة على المؤسسات التربوية، وعلى أصحاب العمل، لاعتماد سياسات مكتوبة، وآليات شكاوى آمنة وسرية، وتدابير حماية وعدم انتقام، وبرامج تدريب وتوعية.
خامساً، استحداث مسارات غير جزائية موازية، تربوية وإدارية ومدنية وتصالحية حيث يلزم، ولا سيّما في السياقات المدرسية والمهنية، مع حفظ الحق في اللجوء إلى القضاء عند الاقتضاء.
سادساً، تضمين النص ضمانات لحماية الضحايا والشهود والمبلّغين، ولا سيّما القاصرين، من أي أعمال انتقامية أو وصم أو كشف للهوية.
سابعاً، اعتماد صياغة غير حصرية لأسباب الاستهداف أو التمييز، بما يضمن شمول الحماية لمختلف الفئات والأوضاع الشخصية.
ثامناً، مراجعة قواعد الإثبات بما يخفّف العبء عن الضحية، ويجعل معيار الضرر الفعلي أو المحتمل أساساً أوضح للمساءلة.
تاسعاً، مواءمة أي تشريع مقترح مع التزامات لبنان الدولية، والعمل على الاسترشاد باتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 190، وبالمعايير الصادرة عن لجنة حقوق الطفل، وبالنهج الأممي الداعي إلى حماية الأطفال من العنف والتنمر في البيئات المدرسية والرقمية.
اكتشاف المزيد من الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان - لبنان
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

