انطلاقاً من أحكام القانون رقم 62/2016، ولا سيّما المادة 15 منه، تتمتّع الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان بصلاحية إبداء الرأي في مشاريع القوانين والمراسيم والقرارات ذات الصلة بحقوق الإنسان، سواء بناءً على طلب الجهات المختصة أو بمبادرة منها. وقد أناط القانون بالهيئة أيضاً مهمة متابعة التشريعات الوطنية وتقييمها في ضوء المعايير الدستورية والالتزامات الدولية التي تعهّد بها لبنان في مجال حقوق الإنسان.
وفي هذا الإطار، وبمبادرة منها، تبدي الهيئة رأيها في مشروع القانون الوارد بالمرسوم رقم 1627 تاريخ 23/10/2025، الرامي إلى تعديل بعض أحكام القانون رقم 112 تاريخ 2/4/1993 المتعلق بإحداث وزارة الشؤون الاجتماعية، والذي يقتصر أساساً على تعديل تسمية الوزارة لتصبح “وزارة التنمية الاجتماعية”، إضافة إلى تعديل تسمية بعض المراكز الإدارية المرتبطة بها.
وترى الهيئة أنّ تقييم هذا المشروع يقتضي مقاربته من ثلاث زوايا رئيسية:
أولاً: تقييم المقاربة التشريعية العامة للاقتراح المعدِّل.
ثانياً: مسألة حصر التعديل بتغيير اسم الوزارة.
ثالثاً: مدى انسجام المشروع مع التزامات لبنان الدولية، ولا سيما الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
أولاً: في تقييم المقاربة التشريعية العامة للاقتراح المعدِّل
تلاحظ الهيئة في المقام الأول أنّ المشروع المطروح يندرج ضمن فئة التعديلات التشريعية الجزئية التي تهدف إلى إدخال تعديل محدود على قانون قائم، دون أن يترافق ذلك مع مراجعة شاملة للإطار القانوني أو المؤسسي الذي ينظم عمل الوزارة المعنية.
ومن حيث المبدأ، لا تعترض الهيئة على اعتماد هذه المقاربة التشريعية عندما يكون التعديل المقترح تقنياً أو محدود الأثر. غير أنّ هذه المقاربة تصبح موضع تساؤل عندما يتعلق الأمر بإدارة عامة مركزية تضطلع بدور محوري في رسم وتنفيذ السياسات الاجتماعية للدولة، كما هو الحال بالنسبة لوزارة الشؤون الاجتماعية.
فالوزارة المعنية تشكّل إحدى الركائز الأساسية في منظومة الحماية الاجتماعية في لبنان، إذ تضطلع بمهام واسعة تشمل رعاية الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع، وإدارة برامج الدعم الاجتماعي، والإشراف على مراكز الخدمات الاجتماعية، والتنسيق مع المنظمات الدولية والهيئات الأهلية العاملة في المجال الاجتماعي، إضافة إلى دورها في رسم السياسات الوطنية في مجالات الطفولة والإعاقة وكبار السن والحماية الاجتماعية والتنمية المجتمعية.
ومن هذا المنطلق، ترى الهيئة أنّ أي تعديل تشريعي يطال هذه الوزارة ينبغي أن يكون جزءاً من رؤية إصلاحية شاملة تأخذ في الاعتبار التحولات العميقة التي شهدها لبنان خلال العقود الأخيرة، سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي أو المؤسسي. وقد ازدادت الحاجة إلى مثل هذا الإصلاح في ظل الأزمات المتراكمة التي عرفها لبنان منذ عام 2019، والتي كشفت بوضوح حدود النموذج التقليدي لإدارة السياسات الاجتماعية في البلاد.
كما أنّ التطور الذي شهدته المعايير الدولية في مجال حقوق الإنسان، ولا سيما في ما يتعلق بمفاهيم الحماية الاجتماعية والتنمية القائمة على الحقوق، يفرض إعادة النظر في الدور التقليدي الذي أُنيط بوزارة الشؤون الاجتماعية عند إنشائها في أوائل التسعينيات.
وفي هذا السياق، ترى الهيئة أنّ المشروع المعروض، بصيغته الحالية، يعكس مقاربة تشريعية محدودة تقتصر على تعديل الاسم وبعض التسميات الإدارية، دون أن يترافق ذلك مع إصلاح مؤسساتي أوسع يعيد تعريف دور الوزارة في ضوء التحولات الراهنة.
وبذلك تكون الحكومة قد أضاعت فرصة تشريعية مهمّة لإطلاق مسار إصلاحي متكامل يعيد تنظيم وزارة الشؤون الاجتماعية ويعزّز قدرتها على أداء دورها المحوري في إدارة السياسات الاجتماعية الوطنية.
ثانياً: في مسألة حصر التعديل باسم الوزارة
تلاحظ الهيئة أنّ التعديل الأساسي الذي يقترحه مشروع القانون يتمثل في تغيير تسمية “وزارة الشؤون الاجتماعية” لتصبح “وزارة التنمية الاجتماعية”.
وترى الهيئة أنّ هذا التعديل، من حيث المبدأ، يعكس توجهاً إيجابياً على المستوى المفاهيمي، إذ يشير إلى انتقال في فلسفة السياسات الاجتماعية من منطق الرعاية الاجتماعية التقليدية إلى منطق التنمية الاجتماعية الشاملة.
فالتسمية الجديدة تنسجم مع التطورات التي شهدتها السياسات الاجتماعية على الصعيد الدولي، حيث انتقل التركيز خلال العقود الأخيرة من المقاربة الرعائية التي تقوم على تقديم المساعدات للفئات المحتاجة، إلى مقاربة تنموية قائمة على تمكين الأفراد والمجتمعات وتعزيز قدرتهم على المشاركة الكاملة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
غير أنّ الهيئة ترى في الوقت ذاته أنّ الاكتفاء بتعديل التسمية دون إجراء مراجعة حقيقية للهيكلية التنظيمية للوزارة وصلاحياتها لا يحقق التحول المنشود في السياسات الاجتماعية.
فالتغيير المفاهيمي في التسمية يفترض أن يقترن بتغيير مؤسساتي يعكس هذا التحول على مستوى السياسات العامة والهياكل الإدارية والبرامج التنفيذية. أما في حال اقتصار التعديل على تغيير الاسم دون تعديل جوهري في البنية التنظيمية للوزارة، فإن ذلك قد يؤدي إلى إفراغ التعديل من مضمونه العملي.
وفي هذا الإطار، ترى الهيئة أنّ إعادة تسمية الوزارة كان ينبغي أن تترافق مع مراجعة شاملة لهيكليتها الإدارية، بما يسمح بتعزيز دورها في مجالات التخطيط الاجتماعي، وجمع البيانات الاجتماعية، وتنسيق السياسات بين مختلف الوزارات المعنية بالحماية الاجتماعية، ولا سيما وزارات الصحة والتربية والعمل والداخلية.
كما ترى الهيئة أنّ هذه المناسبة التشريعية كانت تتيح للحكومة اقتراح إصلاحات مؤسساتية مهمة، من بينها إنشاء وحدة وطنية متكاملة للاستجابة الاجتماعية في حالات الطوارئ والكوارث، تكون مهمتها تنسيق جهود الإغاثة الاجتماعية وإدارة الأزمات الإنسانية.
وقد أظهرت التجارب التي مرّ بها لبنان خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد انفجار مرفأ بيروت، العدوان الإسرائيلي عام 2024، والأزمات الاقتصادية والإنسانية المتلاحقة، الحاجة الملحة إلى وجود جهاز مركزي قادر على تنسيق الاستجابة الاجتماعية للطوارئ، وتوحيد المبادرات التي تقوم بها الإدارات العامة والبلديات والمنظمات الدولية والهيئات الأهلية ضمن إطار مؤسساتي واحد.
وترى الهيئة أنّ وزارة الشؤون الاجتماعية، بحكم طبيعة مهامها، تشكّل الجهة الأنسب لاحتضان مثل هذه الوحدة الوطنية للطوارئ الاجتماعية، بما يسمح بتعزيز فعالية الدولة في إدارة الأزمات الاجتماعية والإنسانية.
ثالثاً: في احترام الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة
يكتسب هذا المشروع أهمية خاصة في ضوء التطور التشريعي الذي شهدته المنظومة القانونية اللبنانية مؤخراً، ولا سيما بعد صدور القانون رقم 291 تاريخ 12/4/2022 الذي أجاز للحكومة إبرام اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة والبروتوكول الاختياري الملحق بها.
وتُعدّ هذه الاتفاقية من أهم الصكوك الدولية المعاصرة في مجال حقوق الإنسان، إذ تمثل تحولاً جوهرياً في النظرة إلى الإعاقة، من المقاربة الطبية أو الرعائية إلى المقاربة الحقوقية التي تنظر إلى الأشخاص ذوي الإعاقة بوصفهم أصحاب حقوق كاملة يجب ضمان مشاركتهم المتساوية في المجتمع.
وبموجب هذه الاتفاقية، تلتزم الدول الأطراف باتخاذ التدابير التشريعية والإدارية والمؤسساتية اللازمة لضمان احترام حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، بما في ذلك مراجعة القوانين الوطنية وإلغاء أو تعديل أي نصوص أو سياسات تتعارض مع مبادئ الاتفاقية.
وفي هذا السياق، ترى الهيئة أنّ مشروع القانون الحالي كان يمكن أن يشكّل مناسبة تشريعية مهمة لإعادة النظر في الإطار المؤسساتي الذي ينظّم سياسات الإعاقة في لبنان، ولا سيما في ما يتعلّق بدور وزارة الشؤون الاجتماعية ومصلحة شؤون المعوقين التابعة لمديرية الخدمات الاجتماعية، وكذلك الهيئة الوطنية لشؤون المعوقين.
وسبق للهيئة أن أبدت رأيها عام 2020 في القانون رقم 171 تاريخ 08 أيار 2020، الذي يرمي إلى استبدال كلمة «المعوقين» بعبارة «ذوي الاحتياجات الإضافية» أينما وردت. وقد اعتبرت الهيئة في حينه أن هذا القانون يخالف أحكام الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وطلبت توحيد المصطلح بما ينسجم مع أحكام الاتفاقية، أي اعتماد عبارة «الأشخاص ذوي الإعاقة»، باعتبارها المصطلح المعتمد دولياً والذي يعكس التحول نحو المقاربة الحقوقية للإعاقة.
أما اليوم، وبعد صدور القانون رقم 291 تاريخ 12 نيسان 2022 الذي أجاز للحكومة إبرام اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة والبروتوكول الاختياري العائد لها، فقد بات الأجدر الالتزام الكامل بأحكام هذه الاتفاقية وبجميع مندرجاتها، ولا سيما بالمصطلحات والتعريفات الواردة فيها.
كما ترى الهيئة أنّ الالتزام الكامل بمضامين الاتفاقية الدولية يقتضي مراجعة الهيكلية الإدارية للوزارة، بما يسمح بإنشاء مديرية متخصصة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة تعتمد المقاربة الحقوقية بدلاً من المقاربة الرعائية التقليدية.
وفي السياق ذاته، ترى الهيئة ضرورة إعادة النظر في دور الهيئة الوطنية لشؤون المعوقين وطريقة تشكيلها، وفصل هذه الهيئة التمثيلية بشكل كامل عن الوزارة، ودمجها ضمن الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، وتحديداً ضمن اللجنة الدائمة لحماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (المادة 18 من المرسوم رقم 1762 تاريخ 7 تشرين الثاني 2025، النظام الداخلي للهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب). كما ترى الهيئة ضرورة قصر عضوية هذه الهيئة على جمعيات الأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم، وليس على الجمعيات التي تقدم خدمات لهم، بما يضمن مشاركتهم الفعلية في رسم السياسات الوطنية المتعلقة بالإعاقة، انسجاماً مع مبدأ المشاركة الذي يشكّل أحد الركائز الأساسية للاتفاقية الدولية.
رابعاً: في مواكبة التطور الدولي المتعلق بحقوق كبار السن وضرورة تعزيز البنية المؤسسية الوطنية
تلاحظ الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان أنّ النقاش التشريعي المتعلق بتنظيم وزارة الشؤون الاجتماعية لا يمكن فصله عن التطورات المتسارعة التي يشهدها القانون الدولي لحقوق الإنسان في مجال حماية الفئات الهشة، ولا سيما كبار السن. فقد شهد النظام الدولي خلال السنوات الأخيرة تحوّلاً نوعياً في مقاربة حقوق كبار السن، انتقل من اعتبارها حقوقاً مشتتة ضمن معاهدات حقوق الإنسان العامة إلى اتجاه متزايد نحو صياغة صك دولي متخصص ومُلزم قانوناً يعالج بصورة شاملة التحديات المرتبطة بالشيخوخة والتمييز القائم على السن.
وفي هذا السياق، انعقد في آذار/مارس 2026 في قصر الأمم بجنيف الاجتماع التنظيمي الأول للفريق العامل الحكومي الدولي المفتوح العضوية المعني بحقوق الإنسان لكبار السن، وهو الفريق الذي أنشئ بموجب قرار مجلس حقوق الإنسان رقم 58/13 الصادر في نيسان/أبريل 2025. ويُعدّ هذا القرار محطة مفصلية في مسار الاعتراف الدولي بحقوق كبار السن، إذ أطلق رسمياً العملية التفاوضية الهادفة إلى إعداد صك دولي ملزم قانوناً يعنى بحماية وتعزيز حقوق هذه الفئة من السكان.
وتكتسب هذه العملية الدولية أهمية خاصة بالنظر إلى التحولات الديموغرافية التي يشهدها العالم، حيث تتزايد نسبة كبار السن في العديد من الدول، الأمر الذي يطرح تحديات متزايدة في مجالات الحماية الاجتماعية والرعاية الصحية والوصول إلى العدالة والمشاركة في الحياة العامة. وقد كشفت العديد من الدراسات والتقارير الدولية عن استمرار وجود فجوات كبيرة في الحماية القانونية لكبار السن، إضافة إلى انتشار مظاهر التمييز القائم على السن والإقصاء الاجتماعي وضعف الضمانات القانونية التي تكفل استقلاليتهم وكرامتهم.
وترى الهيئة أنّ هذه التطورات الدولية ينبغي أن تنعكس على النقاش الوطني المتعلق بإصلاح السياسات الاجتماعية في لبنان، ولا سيما في ما يتعلق بدور وزارة الشؤون الاجتماعية في رسم وتنفيذ السياسات المتعلقة بكبار السن. إذ إن النظام المؤسسي القائم حالياً لا يزال يعاني من محدودية في البنية الإدارية المتخصصة في هذا المجال، ولا يتضمن جهازاً مؤسساتياً متكاملاً يعنى بوضع السياسات الخاصة بكبار السن ومتابعة تنفيذها.
كما تشير الهيئة إلى أن لبنان كان قد أنشأ هيئة وطنية تُعنى بشؤون المسنين، غير أنّ الإطار المؤسسي الذي تعمل ضمنه هذه الهيئة لا يزال بحاجة إلى مراجعة وتطوير بما يسمح بتعزيز دورها في رسم السياسات العامة المتعلقة بالشيخوخة، وتنسيق البرامج الوطنية في مجالات الحماية الاجتماعية والرعاية الصحية والمشاركة المجتمعية لكبار السن.
وترى الهيئة أنّ التحولات الديموغرافية والاجتماعية التي يشهدها لبنان، إضافة إلى التوجه الدولي المتزايد نحو إقرار اتفاقية دولية متخصصة بحقوق كبار السن، يفرضان على السلطات اللبنانية إعادة النظر في الهيكلية التنظيمية للوزارة المعنية بالسياسات الاجتماعية، بما يسمح بإدماج قضايا الشيخوخة ضمن مقاربة حقوقية وتنموية شاملة.
وفي هذا السياق، كان من الممكن أن يشكّل مشروع القانون المعروض مناسبة مناسبة لإدراج إصلاحات مؤسساتية تعزز حضور سياسات الشيخوخة ضمن هيكلية وزارة التنمية الاجتماعية المقترحة، سواء من خلال إنشاء مديرية متخصصة بحقوق كبار السن أو من خلال تعزيز التنسيق المؤسسي مع الهيئة الوطنية لشؤون المسنين.
كما ترى الهيئة أنّ إدماج حقوق كبار السن ضمن السياسات الاجتماعية الوطنية ينبغي أن يتم في إطار مقاربة شاملة تقوم على مبادئ الكرامة والاستقلالية وعدم التمييز والمشاركة، وهي المبادئ التي تشكل الأساس الذي تقوم عليه المبادرات الدولية الجارية حالياً لإعداد الصك الدولي الجديد.
ومن هذا المنطلق، توصي الهيئة بأن يأخذ أي إصلاح تشريعي مستقبلي لوزارة التنمية الاجتماعية في الاعتبار التطورات الدولية الجارية في مجال حقوق كبار السن، وأن يسعى إلى مواءمة البنية المؤسسية الوطنية مع هذه التطورات، بما يسمح للبنان بالمشاركة الفاعلة في المسار الدولي الرامي إلى اعتماد اتفاقية دولية ملزمة بشأن حقوق كبار السن.
كما تدعو الهيئة إلى تعزيز الدور الوطني للمؤسسات المعنية بقضايا الشيخوخة، وإدماجها بصورة أكثر فعالية في منظومة السياسات الاجتماعية، بما يضمن الانتقال من مقاربة الرعاية المحدودة إلى مقاربة حقوقية شاملة تعترف بكبار السن بوصفهم أصحاب حقوق كاملة ومشاركين فاعلين في المجتمع.
خامساً: الخلاصات والتوصيات
في ضوء ما تقدّم من تحليل للمقاربة التشريعية التي اعتمدها مشروع القانون الرامي إلى تعديل بعض أحكام القانون رقم 112 تاريخ 2/4/1993، ترى الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان أنّ المشروع يتضمّن خطوة إيجابية من حيث المبدأ تتمثّل في الانتقال من تسمية “وزارة الشؤون الاجتماعية” إلى “وزارة التنمية الاجتماعية”، بما يعكس توجهاً مفاهيمياً نحو اعتماد مقاربة تنموية أوسع في السياسات الاجتماعية.
إلا أنّ الهيئة ترى في المقابل أنّ المشروع، بصيغته الحالية، يقتصر على تعديل شكلي في التسمية دون أن يترافق مع إصلاح مؤسساتي يعكس التحول الحقيقي في فلسفة السياسات الاجتماعية أو يأخذ في الاعتبار التزامات لبنان الدولية المتزايدة في مجالات حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وحقوق الطفل وحقوق كبار السن.
وترى الهيئة أنّ هذا التعديل المحدود لا يواكب التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي لحقوق الإنسان ولا التحديات الاجتماعية التي يواجهها لبنان في المرحلة الراهنة، الأمر الذي يجعل من الضروري توسيع نطاق الإصلاح التشريعي ليشمل مراجعة أشمل لدور الوزارة وهيكليتها وصلاحياتها.
وانطلاقاً من ذلك، تقترح الهيئة مجموعة من التدابير العملية التي يمكن أن تشكّل إطاراً إصلاحياً متكاملاً لتعزيز دور الوزارة في مجال السياسات الاجتماعية ومواءمة عملها مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
أولاً: على المستوى التشريعي
- توسيع نطاق التعديل التشريعي بحيث لا يقتصر على تغيير تسمية الوزارة، بل يشمل إعادة النظر في القانون رقم 112/1993 ما يسمح بتحديث مهام الوزارة وصلاحياتها في ضوء التطورات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدها لبنان خلال العقود الثلاثة الماضية، الأمر الذي يستتبع أو يترافق مع تعديل المرسوم رقم 5734 تاريخ 29/ايلول/1994 (تنظيم وزارة الشؤون الاجتماعية وتحديد ملاكها وشروط التعيين الخاصة ببعض وظائفها)
- إدراج مبدأ التنمية الاجتماعية القائمة على حقوق الإنسان ضمن أهداف الوزارة، بحيث يُنص صراحةً على دورها في تعزيز الإدماج الاجتماعي ومكافحة التمييز وضمان حماية الفئات الأكثر هشاشة.
- مواءمة التشريعات الوطنية مع الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي أجاز لبنان إبرامها بموجب القانون رقم 291/2022، بما يستدعي مراجعة المصطلحات المعتمدة في التشريعات الوطنية واستبدال المقاربة الرعائية التقليدية بمقاربة حقوقية تقوم على المساواة وعدم التمييز. الأمر الذي يوجب تعديل القانون رقم 171 تاريخ 08 أيار 2020، بحيث تستبدل عبارة «ذوي الاحتياجات الإضافية» بعبارة «الأشخاص ذوي الإعاقة» أينما وردت.
- إعادة النظر في الإطار التشريعي المتعلق بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة بما يسمح بتحديث المصطلحات القانونية المعتمدة وإلغاء أو تعديل النصوص التي لم تعد منسجمة مع المفاهيم الحديثة المعتمدة في القانون الدولي لحقوق الإنسان. وذلك من خلال تحديث الإطار التشريعي لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة عبر ملاءمة القانون 220/2000 مع الاتفاقية الدولية التي أبرمها عام 2022، بهدف الانتقال من النهج الرعائي إلى نهج حقوقي دامج. وتفعيل الاستراتيجية الوطنية 2026-2030، تشديد عقوبات الاستغلال، وتعزيز الوصول الشامل للتعليم والعمل.
ثانياً: على مستوى الهيكلية المؤسسية للوزارة
استناداً إلى التوجهات التي أبرزتها الاستراتيجية القطاعية للوزارة، توصي الهيئة بما يلي:
- إعادة تنظيم الهيكلية الإدارية للوزارة بحيث تعكس المحاور الأساسية للسياسات الاجتماعية الحديثة، ولا سيما عبر استحداث أو تطوير مديريات متخصصة في المجالات التالية:
- الحماية الاجتماعية
- حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة
- حماية الطفولة
- حقوق كبار السن
- التنمية المجتمعية المحلية
- تحويل مراكز الخدمات الإنمائية إلى منصات متكاملة للتنمية الاجتماعية المحلية، بحيث تصبح هذه المراكز نقطة الارتكاز الأساسية لتنفيذ السياسات الاجتماعية على المستوى المحلي، وفق ما تطرحه الاستراتيجية القطاعية من تعزيز للدور الإنمائي لهذه المراكز.
- تطوير دور المجلس الأعلى للطفولة بما يسمح له بالاضطلاع بدور تنسيقي فعال بين مختلف الوزارات والإدارات العامة المعنية بسياسات الطفولة.
- إعادة تنظيم الهيئة الوطنية لشؤون المسنين وتعزيز ارتباطها المؤسسي بالوزارة، بما يسمح بتطوير سياسات وطنية متكاملة في مجال الشيخوخة النشطة والحماية الاجتماعية لكبار السن.
ثالثاً: على مستوى السياسات الاجتماعية والتنموية
استناداً إلى الأولويات الواردة في الاستراتيجية القطاعية للوزارة، ترى الهيئة ضرورة اتخاذ التدابير التالية:
- تطوير نظام وطني متكامل للحماية الاجتماعية يربط بين برامج الدعم الاجتماعي والخدمات الاجتماعية والتنمية المجتمعية، بما يسمح بالانتقال من المقاربة الجزئية إلى المقاربة الشاملة للحماية الاجتماعية.
- تعزيز دور الوزارة في التخطيط الاجتماعي الوطني عبر إنشاء وحدة متخصصة لجمع وتحليل البيانات الاجتماعية، بما يسمح بإعداد سياسات مبنية على الأدلة والمعطيات الميدانية.
- تعزيز الشراكة المؤسسية مع المجتمع المدني والمنظمات الدولية بما ينسجم مع الدور الذي تؤديه هذه الجهات حالياً في تنفيذ العديد من البرامج الاجتماعية في لبنان.
رابعاً: في إنشاء منظومة وطنية للاستجابة الاجتماعية للطوارئ
تبيّن التجارب التي مرّ بها لبنان خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما في ظل الأزمات الاقتصادية والانفجارات والكوارث الإنسانية، الحاجة إلى وجود إطار مؤسسي واضح لإدارة الاستجابة الاجتماعية للطوارئ.
وعليه، توصي الهيئة بما يلي:
- إنشاء وحدة وطنية متكاملة للإغاثة والطوارئ الاجتماعية داخل وزارة التنمية الاجتماعية، تكون مهمتها:
- تنسيق الاستجابة الاجتماعية للأزمات والكوارث
- إدارة برامج الدعم الاجتماعي الطارئ
- توحيد المبادرات القائمة لدى الإدارات العامة والمنظمات الدولية والمجتمع المدني
- تطوير خطط وطنية للاستجابة الاجتماعية في حالات الطوارئ
- تعزيز دور مراكز الخدمات الإنمائية في الاستجابة المحلية للأزمات بما يسمح بتحويلها إلى نقاط ارتكاز للاستجابة المجتمعية السريعة في حالات الطوارئ.
خامساً: في مواكبة التطورات الدولية في مجال حقوق كبار السن
في ضوء المسار الأممي الجاري نحو إعداد اتفاقية دولية ملزمة بشأن حقوق كبار السن، ترى الهيئة ضرورة أن يأخذ الإصلاح التشريعي المرتبط بوزارة التنمية الاجتماعية في الاعتبار هذه التطورات.
وعليه، توصي الهيئة بما يلي:
- إدماج قضايا الشيخوخة ضمن السياسات الاجتماعية الوطنية من خلال إنشاء وحدة أو مديرية متخصصة بحقوق كبار السن داخل الوزارة.
- مواءمة السياسات الوطنية مع المعايير الدولية الناشئة في مجال حقوق كبار السن بما يسمح للبنان بالمشاركة الفاعلة في المسار الدولي الجاري لإعداد الاتفاقية الدولية الجديدة.
- التوقيع على الاتفاقية الجديدة بعد إعلان فتح باب التوقيع والتعجيل في صدور مرسوم الانضمام وقانون المصادقة ومرسوم الابرام.
اكتشاف المزيد من الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان - لبنان
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

