في خطوة تهدف إلى تطوير نظام عدالة الأحداث في لبنان وتعزيز المقاربة الإصلاحية بدل العقابية، قام خبراء الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب بزيارة تفقدية إلى مركز تأهيل الأحداث المخالفين للقانون في منطقة الوروار بتاريخ 24 تموز 2025. الزيارة التي تُعد الأولى من نوعها للمركز منذ افتتاحه، هدفت إلى الاطلاع على بنيته التحتية، وظروفه التشغيلية، ومدى جهوزيته لاستقبال الأحداث.

المركز افتُتح رسمياً في 28 أيار 2025 ضمن تعاون مشترك بين وزارة الداخلية والبلديات، وقوى الأمن الداخلي، وبعثة الاتحاد الأوروبي لدى لبنان، ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC). ويأتي إنشاؤه في إطار جهود تحديث مقاربة لبنان لعدالة الأحداث، من خلال توفير بيئة إصلاحية تراعي حقوق الطفل والمعايير الدولية في إعادة التأهيل والإدماج الاجتماعي.

ويستند المشروع إلى مبادرة أقدم تعود إلى عام 2003 حين دعم مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إنشاء مركز لتأهيل القاصرات قرب مستشفى ضهر الباشق، في خطوة شكلت آنذاك محطة أساسية نحو نظام عدالة أحداث أكثر مراعاة للنوع الاجتماعي وأكثر تمحوراً حول حقوق الطفل.
مركز جديد… لكنه لم يبدأ العمل بعد
عند وصول فريق الهيئة إلى المركز، استُقبل الوفد من قبل العناصر المكلفين بالخدمة، حيث عُقد لقاء أولي مع رتيب الخدمة والعناصر الموجودين. وأفاد المسؤولون بأن العناصر العاملين يخدمون في المركز منذ نحو ستة أشهر، إلا أن المركز لم يبدأ بعد باستقبال الأحداث أو تشغيله بصورة فعلية رغم افتتاحه قبل نحو شهرين، وذلك لأسباب تنظيمية وإدارية.
ويتألف المركز من مبنيين رئيسيين:
الأول مبنى قديم كان سابقاً تابعاً لمركز مكافحة الإرهاب وتم تجديده ليستخدم للأغراض الإدارية، فيما المبنى الثاني حديث الإنشاء ويُخصص لإقامة الأحداث وتأهيلهم.
أما على صعيد الموارد البشرية، فقد تبين أن عدد العناصر المكلفين بالخدمة يبلغ 25 عنصراً فقط، بينهم عنصر نسائي واحد يتولى مهام إدارية إضافة إلى تفتيش الزائرات. ورأى فريق الزيارة أن هذا العدد محدود نسبياً قياساً بحجم المركز ونظام الخدمة بالمداورة، ما يعني أن العدد الفعلي للعناصر الموجودين في أي وقت سيكون أقل بكثير.

غرف الاستقبال الأولى… إرث من مرحلة الاحتجاز
خلال الجولة التفقدية، زار فريق الهيئة المبنى الأول الذي يضم المكاتب الإدارية وعدداً من الغرف المخصصة لاستقبال الأحداث في الأيام الأولى من إيداعهم في المركز، وهي فترة قد تمتد إلى نحو خمسة عشر يوماً.
لكن الفريق لاحظ أن هذه الغرف كانت سابقاً نظارات احتجاز للموقوفين عندما كان المبنى تابعاً للشرطة القضائية، ولم تخضع لتعديلات جوهرية تتلاءم مع طبيعتها الجديدة كمكان مخصص للأحداث.
ومن أبرز الملاحظات التي سجلها الفريق:
-
وجود أسرة حديدية غير مثبتة بالأرض، ما قد يثير مخاوف تتعلق بالسلامة.
-
ضعف التهوية داخل الغرف.
-
غياب بعض المرافق الأساسية مثل أجهزة التلفاز أو المطابخ الصغيرة الموجودة في غرف الإقامة الطويلة.
-
افتقار غرف العزل إلى مرافق للاستحمام، وهو أمر يثير القلق خصوصاً في الحالات الصحية أو الأمراض المعدية.
ورأى الفريق أن استمرار استخدام هذه الغرف بالشكل الحالي قد يعزز الشعور بالاحتجاز العقابي بدلاً من الإحساس ببيئة إصلاحية وتأهيلية.

مرافق تعليمية ومهنية… خطوة نحو إعادة الإدماج
في المقابل، كشف المبنى الثاني الحديث عن تصور مختلف يقوم على التعليم والتدريب المهني كمدخل لإعادة إدماج الأحداث في المجتمع.
ويضم هذا المبنى جناحين رئيسيين وعدداً من المرافق المتخصصة، منها:
-
غرف إقامة للأحداث
-
مكتبة
-
غرفة لمحو الأمية
-
غرف للحاسوب والإبداع
-
مطبخ تدريبي
-
غرفة لتعليم الموسيقى
-
مجموعة من المشاغل المهنية
-
مساحة للتدريب الزراعي
-
ثلاثة ملاعب رياضية
غير أن الفريق لاحظ أن المكتبة تفتقر إلى كتب باللغة العربية، إذ إن معظم الكتب متوافرة بلغات أجنبية أو موجهة لفئات عمرية أصغر من الفئة المستهدفة في المركز.
ورش التدريب… معدات قديمة وتهوية ضعيفة
في الطابق السفلي من المبنى، توجد مجموعة من المشاغل المهنية تشمل:
-
مشغل الحدادة
-
مشغل النجارة
-
مشغل الطاقة الشمسية والتبريد والتدفئة
-
مشغل التمديدات الكهربائية والصحية
-
مشغل الحلاقة
-
غرفة تعليم الموسيقى
-
مطبخ تدريبي
لكن الفريق لاحظ أن العديد من المعدات قديمة نسبياً، إذ تم نقلها من سجن رومية، باستثناء بعض الأدوات والطاولات الجديدة. كما تفتقر هذه الورش إلى أنظمة تهوية أو شفاطات هواء وأجهزة تبريد، ما قد يخلق ظروف عمل غير مريحة وربما غير صحية.
وفي غرفة الموسيقى تحديداً، بدت بعض الآلات متضررة أو متآكلة بفعل الصدأ، فضلاً عن ضعف التهوية داخل الغرفة.

مساحات الرياضة والزراعة… فرص تحتاج إلى تطوير
تضم باحة المركز مساحة صغيرة مخصصة للتدريب الزراعي، إلا أن الفريق طرح تساؤلات حول مدى قدرتها على استيعاب تدريب عدد كبير من الأحداث في حال وصل عددهم إلى الطاقة الاستيعابية المتوقعة التي تبلغ نحو 120 حدثاً.
كما يضم المركز ثلاثة ملاعب رياضية موزعة على الطوابق المختلفة، أحدها في الطابق الأرضي، وآخر في الطابق الأول مجهز بمعدات تمارين، فيما يقع الثالث في الطابق الأخير ويستخدم لكرة القدم وكرة السلة.
لكن الفريق لاحظ أن السياج المحيط بالملاعب غير مرتفع وغير متين بما يكفي، ما قد يثير مخاوف أمنية.
غرف الإقامة… تجهيزات مقبولة وملاحظات تقنية
تضم غرف إقامة الأحداث:
-
أسرة حديدية
-
طاولة صغيرة لتناول الطعام
-
جهاز تلفاز
-
مطبخاً صغيراً يحتوي على براد وموقد كهربائي
-
حماماً خاصاً بكل غرفة
إلا أن الفريق سجل ملاحظات تقنية عدة، أبرزها:
-
ضعف التهوية وعدم وجود أجهزة تبريد كافية.
-
وضع مصارف المياه بطريقة قد تعيق تنظيف الحمام.
-
ضعف متانة أقفال الأبواب.
-
عدم متانة السياج الحديدي على بعض النوافذ وقربها من السور الخارجي.
-
غياب كاميرات المراقبة في الممرات بين الغرف.
-
ظهور التمديدات الصحية في سقوف الحمامات رغم حداثة البناء.
نظام المراقبة… تغطية غير مكتملة
يضم المركز غرفة للقاءات المباشرة بين الأحداث وعائلاتهم، إضافة إلى غرفة مخصصة للاتصال عبر الفيديو ولحضور الجلسات القضائية عن بعد.
لكن الفريق لاحظ أن نظام الكاميرات يعاني من خلل في التوزيع، إذ لا تغطي بعض الكاميرات المساحات المطلوبة، كما لا توجد كاميرات في الممرات أو في عدد من المرافق الأساسية.
كذلك لا توجد غرفة عمليات مركزية مزودة بشاشة كبيرة لمراقبة جميع الكاميرات على مدار الساعة.
تحديات تقنية وتشغيلية
على الرغم من الكلفة المرتفعة نسبياً للمشروع، لاحظ الفريق ظهور بعض مظاهر الصيانة المتكررة وتسربات الرطوبة في أجزاء من المركز. كما تبين أن المركز يحتاج إلى:
-
مولد كهربائي لدعم نظام الطاقة الشمسية
-
تجهيز الغرفة الطبية بالمعدات اللازمة
-
نظام مناسب لإدارة النفايات داخل المركز
كما لوحظ عدم وجود مكان مخصص لتجميع النفايات، ما قد يؤدي إلى وضعها قرب المدخل وتسببها بروائح كريهة وتكاثر الحشرات.
توصيات لتحسين بيئة الإصلاح
في ختام الزيارة، قدم فريق الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان مجموعة من التوصيات الهادفة إلى تحسين البيئة الإصلاحية في المركز وتعزيز معايير السلامة والكرامة الإنسانية، أبرزها:
-
تجهيز الغرف والمشاغل بأنظمة تبريد وتهوية مناسبة
-
إنشاء غرفة عمليات مركزية لمراقبة الكاميرات
-
إعادة توزيع الكاميرات لتشمل الممرات والمشاغل
-
تعزيز متانة الأسوار والسياجات ورفع ارتفاعها
-
إجراء صيانة شاملة للأبواب والأقفال ومعالجة الرطوبة
-
تجهيز الغرفة الطبية بالمعدات اللازمة
-
توفير كتب باللغة العربية للفئات العمرية المناسبة
-
تحديث المعدات المهنية والآلات الموسيقية
-
تجهيز غرف العزل بمرافق استحمام
-
إنشاء نظام فعال لإدارة النفايات
-
زيادة عدد العناصر العاملين، خصوصاً العناصر النسائية
-
تجهيز غرف الإقامة بخزائن لحفظ الأمتعة الشخصية
منشأة واعدة تحتاج إلى استكمال الجهوزية
رغم الملاحظات التقنية والتشغيلية، رأى الفريق أن مركز الوروار يشكل خطوة مهمة نحو تطوير نظام عدالة الأحداث في لبنان، شرط استكمال جهوزيته التشغيلية ومعالجة الثغرات القائمة.
فنجاح المركز لن يقاس فقط بجودة مبانيه، بل بقدرته على تحويل تجربة الاحتجاز إلى مسار إصلاحي حقيقي يعيد دمج الأحداث في المجتمع ويمنحهم فرصة ثانية للحياة.
هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية)
اكتشاف المزيد من الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان - لبنان
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.





