شاركت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب في الاجتماع الأول للجنة الوزارية المكلّفة بإعداد الخطة الوطنية الشاملة لترشيد استخدام الأطفال للإنترنت وتطبيقاته، والذي عُقد في مقر وزارة الإعلام يوم الخميس 23 تموز/يوليو 2026، بمشاركة ممثلين عن وزارة الإعلام، ووزارة البيئة، ووزارة الداخلية والبلديات – المديرية العامة للأمن العام، ووزارة الداخلية والبلديات – المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، ووزارة التربية والتعليم العالي، ومكتب وزير الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ووزارة الشؤون الاجتماعية، إضافةً إلى الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية، والأمانة العامة للمجلس الأعلى للدفاع (الفريق الوطني لوضع خطة لمواجهة مخاطر جرائم المعلوماتية)، وهيئة أوجيرو، والهيئة المنظمة للاتصالات، فضلاً عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، ومنظمة سمكس، ومؤسسة رينيه معوض.
وافتتح وزير الإعلام، المحامي الدكتور بول مرقص، الاجتماع، مؤكداً أن إعداد خطة وطنية متكاملة لحماية الأطفال في البيئة الرقمية يشكل أولوية وطنية في ظل التوسع المتسارع في استخدام التكنولوجيا وما يرافقه من تحديات، أبرزها التعرض للمحتوى الضار، والتنمر الإلكتروني، والاستغلال الرقمي، والإدمان على الشاشات. وشدد على ضرورة توفير بيئة رقمية آمنة تحقق التوازن بين حماية الأطفال وتمكينهم من الاستفادة من الفرص التي تتيحها التكنولوجيا.
وقدّمت منظمة سمكس رؤية استراتيجية موحّدة لتطوير الخطة الوطنية، شددت فيها على ضرورة اعتماد مقاربة منسقة ومتعددة الأطراف تجمع المؤسسات العامة، ومنظمات المجتمع المدني، والخبراء التقنيين، ومقدمي الخدمات المعنيين.
كما استعرض ممثلو الوزارات والهيئات والمنظمات المشاركة المبادرات والتدابير التي نفذتها مؤسساتهم في مجال حماية الأطفال على الإنترنت والسلامة الرقمية، وناقشوا فرص التعاون المستقبلي، وآليات التنسيق المؤسسي، وتوزيع المسؤوليات، ووضع آليات فعالة للتنفيذ والرصد والمتابعة.
ومثّل الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان مفوض العلاقات الدولية والإعلام والمعلوماتية، بسام القنطار، الذي عرض الدراسة التي أعدتها الهيئة بعنوان: «حماية الأطفال في البيئة الرقمية: قيود وسائل التواصل الاجتماعي، مساءلة المنصات، وانعكاسات حقوق الإنسان في لبنان»، والتي تقدّم إطاراً حقوقياً متكاملاً لمعالجة قضايا حماية الأطفال في البيئة الرقمية، استناداً إلى اتفاقية حقوق الطفل والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
وأكدت الهيئة في دراستها أن حماية الأطفال في البيئة الرقمية لا تتحقق من خلال إجراءات تقنية أو أمنية متفرقة، وإنما عبر استراتيجية وطنية شاملة تضع حقوق الطفل في صلب السياسات العامة، وتسترشد بمبادئ المصلحة الفضلى للطفل، والشرعية، والضرورة، والتناسب، بما يضمن حماية الأطفال مع صون حقوقهم في حرية التعبير، والوصول إلى المعلومات، والتعليم، والمشاركة، والخصوصية.
ودعت الهيئة إلى أن تعمل اللجنة الوزارية المشتركة بأقصى درجات الشفافية، وأن تعتمد مشاورات فعلية مع الأطفال، وأولياء الأمور، والمعلمين، وخبراء حماية الطفل، وخبراء الحقوق الرقمية، ومنظمات المجتمع المدني، بما يفضي إلى اعتماد استراتيجية وطنية معلنة تتضمن أهدافاً واضحة، وجداول زمنية محددة، وتوزيعاً دقيقاً للمسؤوليات المؤسسية، مع ضمان اضطلاع الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان بدورها الرقابي المستقل في متابعة تنفيذها.
كما شددت الهيئة على ضرورة الامتناع عن فرض قيود رقمية شاملة على الأطفال ما لم يثبت، بصورة صارمة، أنها ضرورية ومتناسبة ومستندة إلى أدلة واضحة، مؤكدة أن الأولوية ينبغي أن تُمنح لمعالجة الأسباب البنيوية للمخاطر الرقمية، بما يشمل مساءلة منصات التواصل الاجتماعي عن التصاميم غير الآمنة، وتعزيز شفافية الخوارزميات، وحماية البيانات الشخصية، وتطوير آليات فعالة للشكاوى والانتصاف.
وأوصت الدراسة كذلك بتسريع انضمام لبنان إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجرائم الإلكترونية، مع ضمان توافق التشريعات الوطنية مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، إلى جانب تحديث الإطار القانوني للتحقيقات الرقمية، والأدلة الإلكترونية العابرة للحدود، والضمانات الإجرائية الرقمية، واستكمال تنفيذ وإصلاح القانون رقم 81/2018 المتعلق بالمعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي، من خلال إنشاء آليات مستقلة وفعالة لحماية البيانات، ولا سيما بيانات الأطفال.
وفيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، دعت الهيئة إلى إنشاء إطار وطني مستقل لحوكمة تقنيات الذكاء الاصطناعي، يقوم على مبادئ الاستقلالية، والشفافية، والمساءلة، والامتثال لمعايير حقوق الإنسان، ويتضمن ضمانات ملزمة لمنع التمييز، والمراقبة غير القانونية، وانتهاكات الخصوصية، والتصدي للمخاطر المستجدة، بما فيها المحتوى الاصطناعي المضلل وتقنيات «التزييف العميق (Deepfake)» التي تستهدف الأطفال أو تُنتج من دون موافقتهم.
وقال مفوض العلاقات الدولية والإعلام والمعلوماتية في الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، بسام القنطار:
«إن حماية الأطفال في البيئة الرقمية لم تعد قضية تقنية أو تربوية فحسب، بل أصبحت التزاماً وطنياً في مجال حقوق الإنسان. فالأطفال يستحقون فضاءً رقمياً آمناً يحميهم من الاستغلال والعنف الرقمي، وفي الوقت نفسه يصون حقهم في التعلم والابتكار والتعبير والوصول إلى المعرفة.»
وأضاف:
«إن أي استراتيجية وطنية ناجحة يجب أن تنتقل من منطق فرض القيود إلى منطق بناء بيئة رقمية آمنة ومسؤولة، تقوم على مساءلة المنصات الرقمية، وتعزيز الثقافة الرقمية، وحماية البيانات الشخصية، وتمكين الأطفال وأسرهم ومعلميهم من الاستخدام الآمن للتكنولوجيا، مع احترام كامل للمعايير الدولية لحقوق الإنسان.»
وختم القنطار بالتأكيد أن الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان ستواصل تقديم خبراتها القانونية والحقوقية دعماً لإعداد الخطة الوطنية، بما يضمن أن تصبح حماية الأطفال في البيئة الرقمية جزءاً أساسياً من منظومة حماية حقوق الإنسان في لبنان، وأن تشكل الاستراتيجية المرتقبة نموذجاً وطنياً متوازناً يجمع بين حماية الأطفال وصون الحقوق والحريات الأساسية في العصر الرقمي.
هذه المقالة متاحة أيضًا بـ:




