أُطلقت اليوم في بيروت أعمال المؤتمر الدولي الخاص بإطلاق حملة “مئة دعوى قضائية في مئة يوم”، بتنظيم من التحالف الدولي لعدم الإفلات من العقاب والتجمع الوطني لحماية حقوق الإنسان، وبمشاركة محامين وخبراء قانونيين وبرلمانيين وممثلين عن مؤسسات حقوق الإنسان من لبنان وعدد من الدول، بهدف تعزيز الجهود القانونية الرامية إلى ملاحقة المسؤولين عن الجرائم الدولية التي يقول المنظمون إنها ارتُكبت في لبنان منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وافتتح المؤتمر، الذي يستمر يومين في فندق سيريناد – الحمرا، بجلسة حملت عنوان “توحيد الجهود الدولية لمحاسبة إسرائيل وإنهاء إفلاتها من العقاب عن جرائمها في لبنان”، تخللها عرض لفيديو وثائقي أعده المجلس الوطني للبحوث العلمية يوثق آثار الحرب، إلى جانب كلمات لكل من رئيسة التحالف الدولي لعدم الإفلات من العقاب الدكتورة لينا الطبال، ورئيس الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب الدكتور فادي جرجس، والنائب الدكتور أشرف بيضون، ورئيس لجنة حقوق الإنسان النيابية النائب الدكتور ميشال موسى، والنائب الدكتور الياس جرادة، رئيس التجمع الوطني لحماية حقوق الإنسان.
وأكد المشاركون أن الحملة تهدف إلى دعم ضحايا الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، من خلال إعداد ملفات قانونية وإقامة دعاوى أمام المحاكم الوطنية والأجنبية المختصة، والاستفادة من مبدأ الولاية القضائية العالمية باعتباره إحدى الآليات القانونية المتاحة لملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية.
وفي كلمته، شدد رئيس الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان الدكتور فادي جرجس على أن مبادرة “مئة دعوى قضائية في مئة يوم” تمثل خطوة عملية لترجمة مبادئ القانون الدولي إلى إجراءات قضائية فعلية، مؤكداً أن العدالة لا تتحقق بالبيانات السياسية، بل عبر مساءلة مرتكبي الجرائم أمام القضاء.
واعتبر جرجس أن ما شهده لبنان منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 يستوجب تحقيقاً قانونياً مستقلاً وفق قواعد القانون الدولي، مؤكداً أن توصيف الوقائع يخضع للمعايير القانونية المنصوص عليها في اتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي وغيرها من الصكوك الدولية ذات الصلة.
وأكد أن حق الضحايا في اللجوء إلى القضاء هو حق أصيل لا يجوز تقييده بأي تفاهمات أو اعتبارات سياسية أو دبلوماسية، مشيراً إلى أن ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لا تمثل عملاً عدائياً أو سياسياً، وإنما تشكل تطبيقاً للالتزامات القانونية الدولية الرامية إلى مكافحة الإفلات من العقاب.
كما دعا إلى الاستفادة من مبدأ الاختصاص القضائي العالمي لتفعيل الملاحقات القضائية، معتبراً أنه يشكل إحدى أهم الأدوات القانونية عندما يتعذر إجراء المحاكمات داخل الدولة المعنية.
وفي الإطار الوطني، جدد جرجس دعوته إلى مجلس النواب اللبناني للإسراع في إقرار مشروع قانون الجرائم الدولية، بما يتيح إدماج جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب في التشريع اللبناني، ويعزز قدرة القضاء اللبناني على ملاحقة هذه الجرائم. كما دعا إلى دراسة الخيارات القانونية المتاحة لتعزيز اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بالنسبة للجرائم المرتكبة على الأراضي اللبنانية.
وأكد رئيس الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان أهمية الالتزام الكامل بالمعايير الدولية في توثيق الانتهاكات، وحفظ الأدلة، وضمان سلامة سلسلة حيازتها، وحماية الضحايا والشهود، بما يكفل إمكانية استخدامها أمام المحاكم الوطنية والدولية.
وأعلن أن الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان ستبقي أبوابها مفتوحة أمام المحامين وعائلات الضحايا ومنظمات المجتمع المدني، وستضع خبراتها وإمكاناتها في خدمة جهود التوثيق والمساءلة، مؤكداً أن ما قامت وتقوم به الهيئة من عمليات رصد وتقصٍ وتوثيق وجمع للمعلومات والأدلة يمكن أن يشكل رصيداً مهماً لدعم الدعاوى القضائية، متى استوفيت الشروط القانونية والإجرائية والمعايير الدولية الخاصة بحفظ الأدلة وحماية الضحايا.
وعلى هامش المؤتمر، وقع التجمع الوطني لحماية حقوق الإنسان والتحالف الدولي لعدم الإفلات من العقاب اتفاقية تعاون تهدف إلى تعزيز التنسيق القانوني الدولي، وتبادل الخبرات، ودعم إعداد الملفات القضائية الخاصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
كما يتضمن المؤتمر جانباً عملياً يهدف إلى مباشرة الإجراءات القضائية مع الضحايا، حيث خُصصت جلسات عمل تمتد طوال اليوم تجمع ثلاثة فرق من المحامين الدوليين واللبنانيين مع ضحايا لبنانيين، ولا سيما من حملة الجنسيات المزدوجة، للاستماع إلى شهاداتهم، وجمع الأدلة، واستكمال الوثائق القانونية اللازمة، وتوقيع وكالات التمثيل القضائي تمهيداً لتقديم دعاوى أمام الجهات القضائية المختصة.
ويعمل الفريق الأول، بإشراف مكتب العدالة في باريس، على إعداد الشكاوى القانونية الفرنسية–اللبنانية لضحايا لبنانيين من حملة الجنسية الفرنسية. ويضم فريق التحقيق المحامين جان-لويس شالانسيه، وبيدرو أندوخار، والدكتورة لينا الطبال، وإبراهيم مرزوق، حيث تُجرى مقابلات سرية مع الضحايا، وتُجمع وثائق الهوية والأدلة الداعمة، وتُوقّع وكالات التمثيل القانوني تمهيداً لتقديم الشكاوى أمام وحدة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التابعة لمكتب المدعي العام في باريس.
ويتولى الفريق الثاني، العامل ضمن مكتب المحكمة الجنائية الدولية والعدالة الدولية، استقبال ضحايا جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية من حملة الجنسيات الأجنبية غير الفرنسية، أو الذين يمكن أن تندرج قضاياهم ضمن آليات الاختصاص القضائي الدولي. ويضم الفريق المحامين أزريل بن محمد أمين، وفهمي بن عبد المعين، ولقمان بن مزلان، ونورليانا بنت ذو الكفل، وتارا أوغرايدي، الذين يتولون إعداد الملفات القانونية، وجمع الشهادات والتوكيلات اللازمة، تمهيداً لتقديمها أمام الجهات القضائية الدولية المختصة، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية متى توافرت الشروط القانونية.
أما الفريق الثالث، فيعمل ضمن مكتب الجرائم البيئية، ويركز على القضايا المتعلقة بالإيكوسايد (الإبادة البيئية)، واستخدام الغليفوسات والأسلحة المحظورة. ويضم الفريق المحامين اللبنانيين بالتعاون مع خبراء ومحامين من ماليزيا وإندونيسيا، وهم دير خيزوان بن عبد الحليم، وأحمد نازرين بن أبو بكر، والبروفيسور رحمة بن محمد، ووان روسيلي بنت مجيد، وفراحة بنت محمد نظري. ويجري الفريق مقابلات تقنية مع مزارعين ومهندسين ومدنيين من جنوب لبنان، ويجمع الأدلة المتعلقة باستخدام الغليفوسات والفوسفور الأبيض والأضرار البيئية، تمهيداً لإجراء تقييم قانوني لهذه الوقائع في ضوء قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي البيئي، دعماً لمسارات المساءلة القضائية.
هذه المقالة متاحة أيضًا بـ:








