في ظلّ التصعيد الإسرائيلي الخطير وغير المسبوق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني في لبنان منذ تاريخ 2 آذار/مارس 2026، وما رافقه من عمليات عسكرية واسعة النطاق، وغارات جوية مكثفة، وإنذارات إخلاء قسرية، ونزوح جماعي طال مئات آلاف المدنيين، تؤكد الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، أنّ هذه الوقائع تشكّل مؤشرات جدّية على ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وجرائم بموجب القانون الدولي. وانطلاقًا من ولايتها القانونية بموجب القانون رقم 62/2016، وعملاً بمسؤولياتها في رصد وتوثيق الانتهاكات والدفاع عن حقوق الإنسان، ترى الهيئة ضرورة إبداء الملاحظات والتوصيات الآتية:
أولًا: في الإطار القانوني العام
إنّ قواعد القانون الدولي الإنساني تُعدّ ملزمة لجميع أطراف النزاعات المسلحة، سواء كانت أطرافًا متعاقدة على الاتفاقيات الدولية ذات الصلة أم لا، وذلك بالنظر إلى طابعها العرفي الآمر، الذي يكرّس مجموعة من المبادئ الأساسية الهادفة إلى حماية الإنسان أثناء النزاعات المسلحة، وصون كرامته، والحدّ من آثار العمليات العدائية.
وتستند هذه القواعد إلى منظومة قانونية راسخة تشمل اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية، إلى جانب قواعد القانون الدولي العرفي، التي تفرض التزامات واضحة على أطراف النزاع، وفي مقدمتها احترام مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وحظر استهداف الأعيان المدنية، والالتزام بمبدأ التناسب، واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنيب السكان المدنيين ويلات الأعمال القتالية.
كما تندرج العديد من هذه القواعد ضمن نطاق القواعد الآمرة في القانون الدولي (jus cogens)، التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها أو الانتقاص منها تحت أي ظرف، بما في ذلك في حالات النزاع المسلح. ويؤدي انتهاك هذه القواعد إلى قيام مسؤولية دولية، فضلًا عن المسؤولية الجنائية الفردية عن الجرائم الدولية، ولا سيما جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، كما هي معرّفة في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
وتؤكد الهيئة أن احترام هذه القواعد لا يُعدّ خيارًا أو التزامًا سياسيًا، بل هو واجب قانوني ملزم يهدف إلى حماية السلم والأمن الدوليين، وأن أي إخلال بها، ولا سيما عندما يكون واسع النطاق أو منهجيًا، يعرّض مرتكبيه للمساءلة أمام العدالة الدولية.
ثانيًا: في توصيف الانتهاكات المرتكبة منذ 2 آذار/مارس 2026
تؤكد المعطيات الميدانية الموثقة، بما في ذلك أنماط الاستهداف، واتساع رقعة العمليات، واستخدام أسلحة ذات آثار واسعة، أن الانتهاكات المرتكبة تشكّل جرائم دولية، ويمكن توصيفها على النحو الآتي:
- التهجير القسري والنزوح الجماعي
شهدت مناطق واسعة في جنوب لبنان والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، منذ 2 آذار/مارس 2026، موجات متتالية من التهجير القسري والنزوح الجماعي، نتيجة الإنذارات العسكرية المتكررة، والغارات الجوية المكثفة، واتساع رقعة العمليات العسكرية. وقد أُجبر مئات آلاف المدنيين على مغادرة منازلهم في ظروف طارئة، غالبًا خلال مهلات زمنية قصيرة للغاية، ومن دون توفير ممرات آمنة كافية أو ضمانات فعلية لحمايتهم أثناء النزوح أو في أماكن اللجوء المؤقت.
وتشير المعطيات إلى أن العديد من هذه الإنذارات اتسمت بطابع واسع أو غير دقيق جغرافيًا، وشملت أحيانًا مناطق سكنية كاملة، ما أدى إلى إفراغ أحياء وبلدات بأكملها من سكانها، وفاقم من حجم النزوح الداخلي، وأدى إلى ضغط شديد على المجتمعات المضيفة والبنى التحتية والخدمات الأساسية. كما واجه عدد كبير من النازحين أوضاعًا إنسانية صعبة، بما في ذلك الاكتظاظ، ونقص الخدمات الصحية والمياه والغذاء، وغياب الحد الأدنى من شروط الكرامة الإنسانية.
ويشكّل هذا النمط من التهجير، عندما يتم دون ضرورة عسكرية قاهرة، أو عندما لا تُتخذ التدابير اللازمة لضمان سلامة المدنيين وكرامتهم، انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني، الذي يحظر النقل القسري الجماعي أو الفردي للسكان المدنيين. كما يندرج ضمن الجرائم ضد الإنسانية وفقًا للمادة 7 من نظام روما الأساسي، لا سيما في ما يتعلق بالإبعاد أو النقل القسري للسكان، وقد يشكّل أيضًا جريمة حرب بموجب المادة 8 من النظام ذاته.
وتؤكد الهيئة أن إصدار إنذارات بالإخلاء، حتى في حال حصوله، لا يعفي أطراف النزاع من التزاماتها القانونية بحماية المدنيين، ولا يبرر استهداف المناطق المدنية أو تدميرها، كما لا يفقد المدنيون الذين لم يتمكنوا من النزوح، لأي سبب كان، الحماية المقررة لهم بموجب القانون الدولي.
وفي هذا السياق، تشدد الهيئة على أن التهجير القسري لا يقتصر أثره على فقدان المأوى، بل يمتد ليطال النسيج الاجتماعي والاقتصادي، ويهدد الحقوق الأساسية للسكان، بما في ذلك الحق في السكن، والصحة، والتعليم، والأمن، ما يستوجب تحركًا عاجلًا لضمان حمايتهم وتأمين عودتهم الآمنة والكريمة، ومساءلة المسؤولين عن هذه الانتهاكات.
2 القتل واسع النطاق واستهداف المدنيين
تشير المعطيات الميدانية الموثقة منذ 2 آذار/مارس 2026 إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، بمن فيهم نساء وأطفال وكبار في السن، نتيجة الغارات الجوية والعمليات العسكرية التي استهدفت مناطق مأهولة بالسكان أو وقعت في محيطها المباشر. ويُظهر نمط هذه الهجمات، من حيث الكثافة والتزامن واتساع نطاقها الجغرافي، استخدام وسائل وأساليب قتال ذات آثار واسعة في بيئات مدنية، ما يزيد بشكل كبير من احتمالات وقوع خسائر بشرية جسيمة في صفوف المدنيين.
وتشير هذه الوقائع إلى إخفاق واضح في احترام مبدأ التمييز، الذي يوجب على أطراف النزاع التفريق في جميع الأوقات بين المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، كما تثير شبهات جدية حول انتهاك مبدأ التناسب، الذي يحظر شن هجمات قد يُتوقع أن تُحدث خسائر في الأرواح أو أضرارًا بالمدنيين تكون مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة.
كما أن عدم اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتقليل الأذى اللاحق بالمدنيين، بما في ذلك اختيار وسائل وأساليب القتال المناسبة، وتوقيت الهجمات، وإصدار إنذارات فعالة ومجدية عند الإمكان، يشكّل خرقًا إضافيًا لالتزامات القانون الدولي الإنساني.
وفي هذا السياق، تؤكد الهيئة أن توجيه هجمات ضد المدنيين بصفتهم هذه، أو شن هجمات عشوائية أو غير متناسبة، أو تنفيذ هجمات مع العلم بأنها ستؤدي إلى خسائر مفرطة في صفوف المدنيين، قد يرقى إلى جرائم حرب بموجب المادة 8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. كما أن ارتكاب هذه الأفعال في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد السكان المدنيين قد يشكّل جرائم ضد الإنسانية وفقًا للمادة 7 من النظام نفسه.
وتشدد الهيئة على أن استمرار هذا النمط من العمليات، في ظل ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين، يفرض ضرورة فتح تحقيقات مستقلة وفعالة، وضمان المساءلة الجنائية الفردية، بما يضع حدًا للإفلات من العقاب ويكفل إنصاف الضحايا.
- التدمير الواسع للبنى التحتية والأعيان المدنية
طالت الغارات الجوية منذ 2 آذار/مارس 2026 مناطق سكنية مكتظة بالسكان في مختلف المناطق اللبنانية، إضافة إلى مرافق حيوية وأساسية، بما في ذلك شبكات المياه والكهرباء، والطرق والجسور، ومراكز الخدمات العامة، ومرافق الإيواء، والمؤسسات التعليمية والاستشفائية، ما أدى إلى تدمير واسع النطاق للبنية التحتية المدنية وتعطيل سبل العيش الأساسية للسكان.
ويُظهر نمط الاستهداف، من حيث الكثافة والتزامن واتساع الرقعة الجغرافية، مؤشرات مقلقة على استخدام وسائل وأساليب قتال ذات آثار واسعة في بيئات مدنية، الأمر الذي يزيد من احتمالات وقوع أضرار عشوائية أو غير متناسبة. كما أن تدمير هذه المرافق الحيوية، التي يعتمد عليها المدنيون في الحصول على المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية، ويهدد بشكل مباشر الحقوق الأساسية، ولا سيما الحق في الحياة والصحة والكرامة الإنسانية.
ويؤكد القانون الدولي الإنساني على مبدأ التمييز بين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، وعلى حظر استهداف الأعيان المدنية ما لم تُستخدم لأغراض عسكرية، كما يفرض مبدأ التناسب الذي يمنع شن هجمات قد يُتوقع أن تُحدث أضرارًا مفرطة بالمدنيين مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة. كما يفرض مبدأ الاحتياطات اتخاذ جميع التدابير الممكنة لتقليل الأذى اللاحق بالمدنيين والبنى التحتية المدنية.
وعليه، فإن هذا النمط من التدمير، في حال عدم توافر ضرورة عسكرية قاهرة تبرّره، أو في حال عدم احترام مبادئ التمييز والتناسب والاحتياطات، يُعدّ انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني، وقد يرقى إلى جريمة حرب بموجب المادة 8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ولا سيما في ما يتعلق بتعمد توجيه هجمات ضد الأعيان المدنية أو شن هجمات مع العلم بأنها ستسبب أضرارًا مفرطة.
كما تذكّر الهيئة بأن استهداف البنى التحتية الأساسية ذات الطابع الحيوي، حتى في سياق النزاعات المسلحة، يخضع لقيود مشددة نظرًا لآثاره طويلة الأمد على السكان المدنيين، ما يستوجب تحقيقًا مستقلًا ومساءلة فعالة لضمان عدم الإفلات من العقاب.
- استهداف العاملين في المجالين الصحي والإنساني
وثّقت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان حالات متكررة ومقلقة لاستهداف طواقم الإسعاف والعاملين في المجالين الصحي والإنساني أثناء تأديتهم مهامهم، بما في ذلك تعرضهم للقصف المباشر أو غير المباشر أثناء عمليات الإجلاء والإسعاف، واستهداف محيط المراكز الصحية ونقاط التجمع الإنسانية، إضافة إلى عرقلة وصولهم إلى المصابين والجرحى في بعض المناطق المتضررة.
ويشكّل هذا النمط من الاستهداف انتهاكًا جسيمًا للقواعد الآمرة في القانون الدولي الإنساني، التي تمنح حماية خاصة للطواقم الطبية والإنسانية، باعتبارها جهات محايدة تؤدي مهام إنقاذية بحتة. وتؤكد اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية على وجوب احترام وحماية العاملين في المجال الطبي ووسائل النقل الطبي والمنشآت الصحية في جميع الأوقات، وعدم تعريضهم لأي هجوم أو عرقلة.
كما أن استهداف هؤلاء العاملين أو تعطيل عملهم لا يقتصر أثره على الأفراد المعنيين فحسب، بل ينعكس بشكل مباشر على قدرة النظام الصحي والاستجابة الإنسانية ككل، ويؤدي إلى تفاقم الخسائر في الأرواح نتيجة تأخير تقديم الرعاية الطبية العاجلة، خصوصًا في ظل الظروف الميدانية الخطرة والنقص الحاد في الموارد.
وتشير الهيئة إلى أن أي هجوم متعمد ضد العاملين في المجال الطبي أو الإنساني، أو ضد وسائل النقل أو المنشآت الطبية، قد يرقى إلى جريمة حرب بموجب المادة 8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ولا سيما عندما يتم في سياق هجمات واسعة النطاق أو منهجية ضد السكان المدنيين.
وفي هذا الإطار، تؤكد الهيئة أن احترام وحماية العاملين في المجالين الصحي والإنساني يُعدّ من الركائز الأساسية للقانون الدولي الإنساني، وأي انتهاك لهذه الحماية يستوجب المساءلة الفورية وضمان عدم الإفلات من العقاب.
- استهداف الصحافيين والعاملين في المجال الإعلامي
وثّقت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان منذ 2 آذار/مارس 2026 حالات متكررة ومقلقة لاستهداف صحافيين وعاملين في وسائل الإعلام أثناء تأديتهم مهامهم المهنية في تغطية الأحداث، سواء عبر القصف المباشر أو غير المباشر لمواقع تواجدهم، أو من خلال استهداف محيط العمليات الإعلامية، بما في ذلك مناطق البثّ الميداني ونقاط التغطية الإخبارية. كما سُجّلت حالات تعرّض فيها صحافيون للخطر أثناء توثيقهم للغارات أو تغطيتهم لعمليات الإنقاذ، ما يعكس بيئة عمل شديدة الخطورة تقوّض الدور الحيوي للإعلام في نقل الوقائع.
ويشكّل هذا النمط من الاستهداف انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني، الذي يكفل حماية الصحافيين باعتبارهم مدنيين، طالما أنهم لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية. كما تؤكد القواعد العرفية ذات الصلة على وجوب احترام وحماية الصحافيين أثناء النزاعات المسلحة، وعدم تعريضهم لأي هجوم أو تهديد أو مضايقة بسبب طبيعة عملهم.
ولا يقتصر أثر هذه الانتهاكات على الأفراد المستهدفين فحسب، بل يمتد ليطال حق المجتمع ككل في الوصول إلى المعلومات، ويقوّض حرية التعبير والإعلام، ويحدّ من توثيق الانتهاكات ونقل الحقيقة، ما يثير مخاوف جدية بشأن محاولات طمس الأدلة، والتأثير على مسارات العدالة، وإعاقة جهود المساءلة الدولية.
كما أن استهداف الصحافيين في سياق هجمات واسعة النطاق أو منهجية ضد السكان المدنيين، أو تعمّد توجيه هجمات ضدهم بصفتهم مدنيين، قد يرقى إلى جريمة حرب بموجب المادة 8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وقد يندرج ضمن الجرائم ضد الإنسانية إذا تم في إطار هجوم واسع أو منهجي موجّه ضد السكان المدنيين.
وتشدد الهيئة على أن حماية الصحافيين ليست فقط التزامًا قانونيًا، بل شرطًا أساسيًا لضمان الشفافية والمساءلة، وأن أي اعتداء عليهم يستوجب تحقيقًا مستقلًا وفوريًا، ومحاسبة المسؤولين عنه بما يضع حدًا للإفلات من العقاب.
- تدمير الممتلكات الثقافية والتراثية
تعرّضت ممتلكات ثقافية وتراثية ودينية في لبنان، ولا سيما في مدينة صور المدرجة على قائمة التراث العالمي لدى UNESCO، لأضرار مباشرة وغير مباشرة نتيجة العمليات العسكرية خلال شهري آذار ونيسان 2026. وقد شملت هذه الأضرار مناطق قريبة من مواقع أثرية حساسة، بما في ذلك موقع البص الأثري، ما يهدد سلامة النسيج التاريخي والمعماري ويقوّض القيمة العالمية الاستثنائية لهذه المواقع. وتُظهر المعطيات المتوفرة أن بعض هذه الأضرار ناتج عن ضربات وقعت في محيط مواقع محمية، الأمر الذي يثير مخاوف جدية بشأن احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبدأي التمييز والتناسب، وواجب اتخاذ الاحتياطات لحماية الأعيان المدنية، بما فيها الممتلكات الثقافية.
ويُعدّ استهداف الممتلكات الثقافية، أو تعريضها لأضرار جسيمة سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، انتهاكًا لاتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح وبروتوكولاتها، كما يمكن أن يرقى إلى جريمة حرب وفقًا لاجتهاد المحكمة الجنائية الدولية، خاصة عندما يتم توجيه الهجمات عمداً ضد مواقع ذات طابع ديني أو تاريخي لا تشكّل أهدافًا عسكرية.
وفي هذا السياق، فإن توثيق هذه الأضرار، وحفظ الأدلة المتعلقة بها، يشكّل خطوة أساسية نحو ضمان المساءلة وعدم الإفلات من العقاب، فضلًا عن ضرورة اتخاذ تدابير عاجلة لحماية ما تبقى من التراث الثقافي اللبناني، الذي يشكّل إرثًا إنسانيًا جامعًا لا يخص لبنان وحده بل البشرية جمعاء.
- استخدام أسلحة ذات آثار عشوائية أو مفرطة
تشير المعطيات الميدانية والتقارير المتوفرة منذ 2 آذار/مارس 2026 إلى استخدام وسائل وأساليب قتال يُحتمل أن تكون ذات آثار عشوائية أو مفرطة، لا سيما في مناطق مأهولة بالسكان، حيث يصعب بطبيعتها حصر تأثيرها ضمن أهداف عسكرية محددة. ويؤدي استخدام هذا النوع من الأسلحة في بيئات مدنية إلى ارتفاع كبير في أعداد الضحايا المدنيين، وإلى أضرار جسيمة في الأعيان المدنية والبنى التحتية الحيوية.
ويحظر القانون الدولي الإنساني استخدام الأسلحة التي لا يمكن توجيهها بدقة نحو هدف عسكري محدد، أو التي لا يمكن حصر آثارها وفقًا لما تقتضيه قواعد التمييز والتناسب، كما يحظر استخدام وسائل قتال من شأنها التسبب بآلام مفرطة أو أضرار غير ضرورية. وتكتسب هذه القواعد طابعًا عرفيًا ملزمًا لجميع أطراف النزاع، بصرف النظر عن انضمامها إلى الاتفاقيات ذات الصلة.
كما أن استخدام أسلحة أو وسائل قتال في ظروف يُعلم فيها مسبقًا أنها ستؤدي إلى خسائر مفرطة في صفوف المدنيين، أو إلى أضرار واسعة النطاق في البيئة المدنية، قد يشكّل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني، ويرقى إلى جريمة حرب بموجب المادة 8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ولا سيما في ما يتعلق بشن هجمات عشوائية أو غير متناسبة.
وتؤكد الهيئة أن تقييم مشروعية استخدام هذه الوسائل والأسلحة يجب أن يتم في ضوء طبيعتها التقنية، ونطاق تأثيرها، والسياق الذي تُستخدم فيه، ولا سيما في المناطق الحضرية المكتظة، حيث تزداد مخاطر الأذى اللاحق بالمدنيين. كما تشدد على ضرورة إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في هذه الادعاءات، وضمان المساءلة عن أي استخدام غير مشروع لوسائل وأساليب القتال، بما ينسجم مع التزامات القانون الدولي ويحدّ من تكرار هذه الانتهاكات.
ثالثاً: في مبدأ الولاية القضائية العالمية
تذكّر الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان بأن الجرائم الدولية الخطيرة، بما في ذلك جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، تخضع لمبدأ الولاية القضائية العالمية (compétence universelle)، الذي يتيح للسلطات القضائية في عدد من الدول ملاحقة مرتكبي هذه الجرائم، بصرف النظر عن مكان ارتكابها أو جنسية مرتكبيها أو ضحاياها، نظرًا لطبيعتها التي تمسّ المجتمع الدولي بأسره.
وقد كرّست اتفاقيات جنيف لعام 1949 هذا المبدأ، من خلال التزام الدول بملاحقة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة، كما تعزّز هذا التوجه في الممارسات القضائية الوطنية، لا سيما في الدول الأوروبية التي اعتمدت تشريعات تتيح ملاحقة الجرائم الدولية أمام محاكمها الوطنية.
وفي هذا السياق، تشير الهيئة إلى الدعوى المدنية المقدّمة أمام وحدة جرائم الحرب في فرنسا من قبل الفنان والمخرج الفرنسي–اللبناني علي شرّي، بالتعاون مع الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، والتي تتعلّق بالغارة الجوية التي استهدفت مبنىً سكنيًا في حي النويري في بيروت بتاريخ 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2024. وقد أسفرت هذه الغارة عن مقتل مدنيين، بينهم والدا المدّعي، في ظروف تشير، وفق المعطيات الموثقة، إلى غياب أي هدف عسكري مشروع وعدم توجيه إنذار فعّال قبل الهجوم.
وتكتسب هذه الدعوى أهمية خاصة لكونها تُجسّد استخدامًا فعليًا لمبدأ الولاية القضائية العالمية، حيث لجأ أحد الضحايا المباشرين إلى القضاء الوطني في دولة أجنبية لطلب العدالة، في ظل غياب مسارات فعّالة للمساءلة على المستويين الوطني والدولي. كما تعكس هذه المبادرة الدور المحوري الذي يمكن أن يضطلع به الضحايا في تحريك العدالة، وتحويل الانتهاكات من وقائع موثّقة إلى قضايا قضائية قابلة للملاحقة.
وترى الهيئة أن هذه القضية تشكّل سابقة بالغة الأهمية في ما يتعلّق بإمكانية ملاحقة الجرائم المرتكبة في لبنان أمام محاكم أجنبية، وتفتح الباب أمام ضحايا آخرين للجوء إلى آليات مماثلة، بما يعزّز فرص كسر حلقة الإفلات من العقاب.
وبناءً عليه، تدعو الهيئة إلى دعم هذا المسار القضائي وتوثيق الجرائم المرتكبة وفق أعلى المعايير القانونية، بما يتيح استخدامها أمام المحاكم الوطنية التي تعتمد الولاية القضائية العالمية، إلى جانب تفعيل المساءلة أمام المحكمة الجنائية الدولية، بما يضمن ملاحقة المسؤولين عن هذه الجرائم وتحقيق العدالة للضحايا.
رابعاً: في مسؤوليات الدولة اللبنانية والتوصيات
إزاء ما تقدّم، تدعو الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان الحكومة اللبنانية إلى الاضطلاع بمسؤولياتها الدستورية والدولية، واتخاذ التدابير العاجلة الآتية:
- تفعيل المساءلة أمام المحكمة الجنائية الدولية
اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لتفعيل المساءلة الدولية، من خلال قبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، وذلك بموجب الفقرة (3) من المادة 12 من نظام روما الأساسي، تمهيدًا لملاحقة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة على الأراضي اللبنانية، وضمان عدم الإفلات من العقاب.
وفي هذا السياق، طالبت الهيئة مجلس الوزراء باتخاذ قرار واضح وصريح يقضي بتكليف وزارة الخارجية والمغتربين بتقديم إعلان رسمي (Declaration) إلى مسجّل المحكمة الجنائية الدولية بقبول اختصاصها، بما يتيح فتح تحقيقات ومباشرة الملاحقات القضائية في جميع الجرائم التي تدخل ضمن ولاية المحكمة، والمرتكبة على الأراضي اللبنانية منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، بما في ذلك الجرائم التي استهدفت الصحافيين، والمسعفين، ومتطوعي الدفاع المدني.
كما شددت الهيئة على وجوب التزام الحكومة اللبنانية بالتعاون الكامل مع المحكمة، وفقًا لأحكام الفصل التاسع من نظام روما الأساسي، ولا سيما ما يتعلق بتسليم الأشخاص، وتقديم الأدلة، وتيسير إجراءات التحقيق.
وأشارت الهيئة إلى أن الحكومة اللبنانية كانت قد اتخذت خطوة مماثلة بتاريخ 24 نيسان/أبريل 2024، عقب مقتل الصحافي عصام عبدالله أثناء تأديته لواجبه المهني في 13 تشرين الأول/أكتوبر 2023، غير أنها عادت وتراجعت عن هذا القرار لاحقًا من دون تقديم أي مبررات أو توضيح رسمي للأسباب التي أدت إلى هذا التراجع، وهو ما تعتبره الهيئة أمرًا مريبًا ومرفوضًا، ويقوّض فرص تحقيق العدالة والمساءلة الدولية.
- إنشاء لجنة تحقيق دولية مستقلة بشأن لبنان
الدعوة إلى تفعيل آليات المساءلة الدولية، بما في ذلك إنشاء آليات تحقيق مستقلة، وضمان إدراج الانتهاكات ضمن أولويات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف.، عبر الدعوة إلى عقد جلسة طارئة للمجلس، وتكليف البعثة الدائمة للجمهورية اللبنانية لدى الأمم المتحدة في جنيف بالتحرّك الدبلوماسي العاجل، والعمل على حشد الدعم الدولي لعقد جلسة استثنائية والعمل على تبنّي مشروعَي قرار خلال هذه الجلسة الطارئة، يشكّلان إطاراً متكاملاً للمساءلة والحماية:
- القرار الأول: إنشاء لجنة تحقيق دولية مستقلة بشأن لبنان، تتولى التحقيق في جميع الانتهاكات والتجاوزات المزعومة لحقوق الإنسان، وانتهاكات القانون الدولي الإنساني، والجرائم بموجب القانون الدولي، المرتكبة من قبل جميع الأطراف منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، بما في ذلك تصاعد الأعمال العدائية الأخيرة، وذلك بهدف توثيق الوقائع وتحديد المسؤوليات وضمان عدم الإفلات من العقاب.
وينصّ المشروع على أن تكون هذه الآلية مستقلة ومحايدة ومزوّدة بالموارد الكافية، وأن تتولى جمع الأدلة وتحليلها وتحديد المسؤوليات الفردية حيثما أمكن، مع حفظها وفق أعلى المعايير الدولية بما يتيح استخدامها أمام القضاء الوطني أو الدولي. كما يشدّد على إنشاء مستودع مركزي لحفظ الأدلة لدى مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، وتقديم تقارير دورية إلى مجلس حقوق الإنسان. - القرار الثاني: المطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المعتقلين اللبنانيين المحتجزين تعسفاً، والكشف عن مصير ومكان وجود جميع الأشخاص اللبنانيين المفقودين، والدعوة إلى اتخاذ تدابير عاجلة لضمان احترام اتفاقيات جنيف والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
- تفعيل الآليات الخاصة غير التعاقدية في الأمم المتحدة عبر المقرّرين الخواص
تدعو الهيئة إلى تفعيل الآليات الخاصة غير التعاقدية في منظومة الأمم المتحدة، ولا سيما نظام الإجراءات الخاصة التابع لـ مجلس حقوق الإنسان، من خلال مخاطبة المقرّرين الخواص المعنيين بالانتهاكات الجسيمة المرتكبة في لبنان.
وفي هذا الإطار، باشرت الهيئة بتوجيه بلاغات عاجلة (Urgent Appeals) ورسائل ادعاء (Allegation Letters) إلى عدد من المقرّرين الخواص، من بينهم المقرر الخاص المعني بحالات الإعدام خارج القضاء أو بإجراءات موجزة أو تعسفاً، والمقرر الخاص المعني بالتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، والمقرر الخاص المعني بحماية حقوق الإنسان في سياق مكافحة الإرهاب، والمقرر الخاص المعني بحرية الرأي والتعبير، والمقرر الخاص المعني بحالة المدافعين عن حقوق الإنسان، فضلاً عن الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي، والفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي.
كما تشدّد الهيئة على أهمية طلب الحكومة اللبنانية إجراء زيارات قطرية عاجلة إلى لبنان من قبل هؤلاء المقرّرين، بهدف تقييم الأوضاع على الأرض، والاطلاع المباشر على حجم الانتهاكات، وإصدار تقارير علنية تتضمن توصيات واضحة للمجتمع الدولي وللدولة اللبنانية.
وتؤكد الهيئة أن تفعيل هذه الآليات يتيح إدراج الانتهاكات ضمن السجلات الرسمية للأمم المتحدة، ويعزّز الضغط الدولي من خلال نشر تقارير موثوقة، وإثارة القضايا على مستوى مجلس حقوق الإنسان، بما يسهم في بناء ملفات قانونية يمكن الاستناد إليها في مسارات المساءلة الدولية، سواء أمام القضاء الوطني أو الهيئات الدولية المختصة.
كما تبرز أهمية التنسيق بين الدولة اللبنانية والمؤسسات الوطنية، بما فيها الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، لتزويد المقرّرين الخواص بالمعلومات الموثقة والأدلة، وضمان متابعة التوصيات الصادرة عنهم، بما يعزّز حماية الضحايا ويحدّ من تكرار الانتهاكات.
هذه المقالة متاحة أيضًا بـ:

