spot_img
spot_img

منشورات أخرى

موجة تضامن شعبي غير مسبوقة في لبنان: أكثر من 100 مبادرة تتكاتف لدعم النازحين

في واحدة من أوسع صور التكافل المجتمعي التي يشهدها...

المبادئ التوجيهية بشأن النزوح الداخلي

المبادئ التوجيهية بشأن النزوح الداخلي (E/CN.4/1998/53/Add.2)، والتي تشكل المعيار...

بناء مجتمعات حقوق الإنسان: دليل للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان

أطلق منتدى آسيا والمحيط الهادئ للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان...

موجة تضامن شعبي غير مسبوقة في لبنان: أكثر من 100 مبادرة تتكاتف لدعم النازحين

في واحدة من أوسع صور التكافل المجتمعي التي يشهدها لبنان في تاريخه الحديث، تكشف المعطيات الميدانية عن شبكة معقّدة ومتكاملة من المبادرات التي تجاوز عددها مئة مبادرة، حيث لم يعد العمل الإنساني مقتصراً على المؤسسات التقليدية، بل تحوّل إلى حراك شعبي شامل تقوده جمعيات، مجموعات شبابية، مبادرات محلية، ومساحات ثقافية، إضافة إلى أفراد تحوّلوا إلى جهات فاعلة على الأرض.
وتتجلى قوة هذه الشبكة في طبيعة الخدمات التي تقدمها، والتي تغطي تقريباً كل جوانب الحياة الأساسية، من تأمين الغذاء عبر الوجبات الجاهزة والمونة والمطابخ المجتمعية، إلى توزيع الملابس والبطانيات والفرش، وتأمين مواد النظافة الشخصية والمنزلية، إضافة إلى تقديم الأدوية والرعاية الصحية الأولية، وتوفير مستلزمات الأطفال من حليب وحفاضات، فضلاً عن مبادرات تؤمّن النقل أو تساعد في إيجاد مأوى للنازحين. هذا التنوع في الخدمات يعكس فهماً دقيقاً للاحتياجات الميدانية، وقدرة على الاستجابة الفورية والمتكيّفة مع تطور الأزمة.
كما يظهر الانتشار الجغرافي لهذه المبادرات مدى شمولية هذا التضامن، إذ لا يقتصر على العاصمة بيروت، رغم كونها مركزاً أساسياً للتجميع والتوزيع، بل يمتد إلى الجنوب، والبقاع، والشمال، وعكار، وصولاً إلى مناطق مثل صيدا وطرابلس والشوف وبرج البراجنة والضاحية، حيث تعمل مبادرات محلية على سدّ الفجوات وتلبية احتياجات محددة وفق خصوصية كل منطقة. هذا الامتداد الجغرافي يساهم في تقليل الفوارق في الوصول إلى المساعدات، ويعزّز من فعالية الاستجابة على المستوى الوطني.
وتعتمد هذه الشبكة على آليات دعم متعددة، تتراوح بين التبرعات المالية عبر وسائل تحويل محلية ودولية، والتبرعات العينية التي تشمل مواد غذائية ومستلزمات أساسية، إضافة إلى العمل التطوعي الذي يشكّل العمود الفقري لهذه المبادرات. كما تُظهر البيانات أن العديد من هذه الجهات طوّرت نماذج عمل مرنة، مثل المطابخ المجتمعية ونقاط التوزيع المتنقلة، أو حتى استخدام منصات التواصل الاجتماعي لتنسيق الطلبات وتوجيه المساعدات، ما يساهم في تسريع الاستجابة وتقليل الهدر.
ولا يقلّ أهمية عن ذلك طبيعة الفئات المستفيدة، حيث تستهدف هذه المبادرات جميع النازحين دون تمييز، إلى جانب تركيز خاص على الفئات الأكثر هشاشة، مثل الأطفال والنساء، واللاجئين الفلسطينيين والسوريين، والعمال المهاجرين، والمجتمعات المهمّشة، ما يعكس التزاماً واضحاً بمبادئ العدالة الاجتماعية والإنسانية في توزيع الدعم. هذا التوجّه يضمن وصول المساعدات إلى من هم في أمسّ الحاجة إليها، ويحدّ من حالات التهميش أو الإقصاء.

يقدّم  المطبخ الشعبي في صيدا ووجبات طبخ بيتي ساخنة يومياً للنازحين. وهو مبادرة تكافلية رائدة أطلقها متطوعون بالتعاون مع مستوصف الشهيد رشيد بروم ومؤسسة التضامن الشعبي منذ عام 2020، وقد تحوّل هذا المطبخ إلى مساحة إنسانية جامعة تعكس قيم التضامن والعمل التطوعي، حيث يشارك فيه متطوعون من مختلف الفئات، في أعمال الطبخ والتوزيع ضمن برامج الخدمة المجتمعية. وعلى مدى خمس سنوات، نجح المطبخ في ترسيخ حضوره كشبكة دعم مجتمعي حيوية، إذ قدّم أكثر من 400,000 وجبة ساخنة من تأسيسه، مساهمًا في تعزيز صمود الأسر خلال الأزمات الاقتصادية والمعيشية، ومؤكدًا أن المبادرات المحلية قادرة على إحداث أثر عميق ومستدام في حياة الناس.

تؤمن بسمة وزيتونة التي تؤمّن سلالاً غذائية (مونة)، وجبات جاهزة، مواد نظافة شخصية، فوط صحية، مواد تنظيف، ومستلزمات للأطفال تشمل الحليب والحفاضات، وتعمل عبر مختلف المناطق اللبنانية  في دعم العائلات المتضرّرة من الحرب، بتمويل من عدة جهات منها منظمة Choose Love و منظمة 11.11.11، و منظمة آكشن إيد. وتندرج هذه الجهود ضمن استجابة متواصلة تسعى إلى تلبية الاحتياجات الأساسية وتعزيز صمود المجتمعات المتأثرة. فعّلت مؤسسة عامل الدولية استجابة طارئة على مستوى وطني عبر شبكة تضم 40 مركزًا ووحدات طبية متنقلة. وقد شملت تدخلاتها تشغيل 12 مركزًا صحيًا، وتقديم خدمات طبية ونفسية واجتماعية، إضافة إلى أنشطة دعم استفاد منها 2,617 طفلًا، والوصول إلى 259 مسنًا بخدمات متخصصة، إلى جانب توزيع آلاف الحصص الغذائية ومستلزمات النظافة. أما مبادرة دعم مخيمات اللاجئين الفلسطينيين فتستهدف المخيمات الفلسطينية تحديداً، حيث تؤمّن النقل، الغذاء، مواد النظافة، والمأوى، مع تركيز واضح على اللاجئين الفلسطينيين، فيما تعمل الحركة الزراعية اللبنانية على مبادرة الدعم المجتمعي للمزارعين في لبنان. 

تعمل منظمة “فيمال” مع فريقها ومتطوعاتها للوصول إلى النساء والفتيات في مختلف المناطق اللبنانية، حيث تتركّز تدخلاتها في عاليه، الشوف، صيدا والإقليم، طرابلس، وبيروت. ونجحت هذه المبادرات في الوصول إلى نحو 800 عائلة و2,500 امرأة وفتاة. وتبرز مبادرة Deep Sleep العاملة من مركز بيروت للفن، والتي توفّر الوسائد للنازحين في مختلف المناطق، في استجابة لحاجات غالباً ما تُهمَل في العمل الإنساني. فيما تقدّم Jeyetna مواد النظافة الشخصية والفوط الصحية، مركّزة على الكرامة الإنسانية والصحة العامة. وتعمل QMA ضمن نموذج تضامن مجتمعي خاص لدعم المجموعات الكويرية، عبر تأمين المأوى والمواصلات، مع اعتماد نظام دعم قائم على الثقة والشبكات المجتمعية. أما اتحاد الشباب الديمقراطي فيؤمّن الملابس، الغذاء، مواد التنظيف، الفرش، البطانيات، ومستلزمات الأطفال، معتمداً بشكل كبير على العمل التطوعي والتبرعات العينية. في حين تقدّم جمعية زاير استجابة شاملة تشمل الغذاء، الملابس، الفرش، البطانيات، الوسائد، ومستلزمات الأطفال، عبر تغطية وطنية واسعة. كما يشارك الأفراد بشكل مباشر عبر توفير الخيم للنازحين، ما يعكس انخراطاً فردياً لافتاً في العمل الإنساني. وتعمل جمعية مساواة-وردة بطرس للعمل النسائي على جمع التبرعات لدعم النازحين.

في بيروت وضواحيها، تتكثّف المبادرات بشكل ملحوظ، حيث تؤمّن Reyhan Beirut وجبات جاهزة يومية. وتعمل مع بعض شبكة التضامن مع لبنان على تشغيل مطابخ مجتمعية وتوفير مواد غذائية ونظافة، إضافة إلى خدمات لوجستية مثل الغسالات. أما النادي الثقافي الفلسطيني فيقدّم استجابة شاملة داخل مخيم مار الياس تشمل الغذاء، النقل، المأوى، والأدوية، مخصصاً خدماته للاجئين الفلسطينيين.

تؤمّن التنسيقية الشعبية دعماً متنوعاً يشمل الملابس، الغذاء، الفوط الصحية، الفرش، البطانيات، والأدوية، مع اعتماد كبير على التطوع. فيما تركّز ولاد البلد على مواد النظافة والبطانيات والغذاء. وتقدّم مبادرة Juliette & Omar خدمات  تشمل الغذاء، الأدوية، الفرش، والمواد الصحية. كما تساهم شيري شقير ونادين سامي في توفير حزم دعم شاملة تشمل الملابس، الغذاء، الأدوية، ومستلزمات الأطفال، مع فتح المجال للتبرعات العينية والمالية. ويركّز جاد عسيلي على توفير المأوى للنازحين في جميع المناطق.

وتبرز مبادرات شبابية مثل ملتقى الطلاب الذي يوفّر أيضاً المدافئ إلى جانب الاحتياجات الأساسية، ومطبخ الحمرا المجتمعي التي تؤمّن وجبات جاهزة يومية، وHaven for Artists التي تجمع بين الفن والعمل الإنساني عبر توزيع الغذاء والبطانيات. كما تعمل إلى الناس على توفير الأدوية والمدافئ، فيما يشكّل بيت عام Beit Aam نقطة توزيع مركزية للمساعدات في بيروت.

وتستمر المبادرات الغذائية مثل Souk El Tayeb، barzakh ، bake atelier، وJibal في تأمين وجبات يومية، بينما تقدّم ahla fawda نموذجاً متكاملاً يشمل كل أنواع الدعم من الغذاء إلى النقل ومستلزمات الأطفال. وتؤمّن Humans of Dahieh استجابة واسعة تشمل المأوى والفرش والبطانيات والغذاء، مع شبكة تواصل مباشرة مع المستفيدين.

وتبرز مبادرات متخصصة مثل Migrant Workers Action، Egna Legna Besidet، Reman Org، وDoWan التي تركّز على دعم العمال المهاجرين، فيما تستهدف Syrian Eyes اللاجئين السوريين بخدمات شاملة. كما تقدّم Tres Marias، raseef، وNationStation وجبات جاهزة، بينما تجمع Tota & Radio Karantina التبرعات لتوزيعها عبر شبكات متعددة.

وتساهم مبادرات مثل شيلد، و فرح العطاء، جمعية شبابيك، ومبادرة سقف واحد في توفير دعم متنوع يشمل الغذاء، الفرش، والمأوى. وتلعب Lebanese Food Bank دوراً محورياً في توزيع الغذاء على نطاق واسع، خصوصاً في الجنوب. كما تقدّم Maan وMan wa Salwa وDada Community Art Space وTruth be Told خدمات متعددة تشمل الغذاء، الملابس، والدعم الصحي، بينما تواصل مبادرات مثل food and more by farah وLive Love Bourj El Barajneh دعم المجتمعات المحلية بالغذاء.

في الجنوب،  تنشط مبادرات مثل Lebanon Southern + Sanad + Eye on Lebanon وHumans of South وBenaa Association وWadi el Zeineh Initiative في تقديم مساعدات متنوعة تشمل الغذاء، الأدوية، والمواد الأساسية. كما تبرز مبادرات محلية مثل مبادرة سندك ، Nordisk Hjälp ، وLighter Style، إضافة إلى أفراد مثل Darine Saleh، ومؤسسات مثل Rotaract التي تعمل على صيانة أنظمة المياه في مراكز الإيواء.

في الشمال، تؤمّن مبادرة أهالي المدينة مواد غذائية ونظافة داخل مراكز الإيواء، بينما تقدّم hunna وجبات وبطانيات، ، في بُعد إنساني إضافي. كما تؤمّن Tripoli Volunteers دعماً شاملاً يشمل المأوى والغذاء والملابس.

وفي الشوف، تواصل مبادرات مثل مع بعض وإلى الناس تقديم الدعم الغذائي والخدمات الأساسية، في امتداد جغرافي يعكس شمولية هذا الحراك.

في إطار برنامج إيواء وانقاذ الطيور والحيوانات في لبنان، استقبلت الجمعية اللبنانية للطيور المهاجرة عددًا من الحيوانات الأليفة، بينها حصان وأرانب، كما تعمل Rescuing Souls على دعم الحيوانات الأليفة. في حين تتصدر جمعية حيوانات لبنان موقع الريادة في عملية اجلاء وانقاذ الحيوانات الاليفة والبرية المتروكة في حدائق الحيوانات.  اضافة الى مبادرة حملة انقاذ حيوانات لبنان ، واباف وبيتا.

إن ما يكشفه هذا الحراك الواسع هو أن المجتمع اللبناني، رغم الأزمات المتراكمة، لا يزال يمتلك قدرة عالية على التضامن والتنظيم، حيث تتحوّل المبادرات الصغيرة إلى شبكات دعم فعّالة، ويتحوّل الأفراد إلى فاعلين أساسيين في عملية الإغاثة. كما أن وجود أكثر من مئة فاعل يعملون بشكل متزامن، وإن كان غير مركزي، يخلق نوعاً من التكامل الأفقي الذي يعوّض جزئياً غياب التنسيق الرسمي الشامل، ويمنح الاستجابة طابعاً سريعاً ومرناً.

وفي المحصلة، لا يمكن النظر إلى هذه المبادرات كمجرد استجابة ظرفية، بل كتعبيـر عن ثقافة مجتمعية راسخة تقوم على التضامن والتكافل، حيث يتحوّل العمل الإنساني إلى مسؤولية جماعية، ويصبح دعم الآخر جزءاً من الهوية الوطنية. هذه الشبكة الواسعة من الفاعلين لا تقدّم فقط مساعدات مادية، بل تساهم أيضاً في حماية الكرامة الإنسانية، وتعزيز الصمود، وإبقاء الأمل حيّاً في مواجهة واقع شديد القسوة.

إن هذا المشهد المتكامل، الذي يجمع بين الغذاء، المأوى، الصحة، النقل، والدعم النفسي والاجتماعي، يعكس قدرة المجتمع اللبناني على إنتاج منظومة تضامن متكاملة، حيث تتحول المبادرات الفردية والجماعية إلى شبكة أمان حقيقية، تتجاوز حدود الجغرافيا والانتماءات، وتضع الإنسان في صلب الأولويات.

هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية)


اكتشاف المزيد من الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان - لبنان

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

NHRCLB
NHRCLBhttps://nhrclb.org
تعمل الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب، على حماية حقوق الإنسان وتعزيزها في لبنان وفق المعايير الواردة في الدستور اللّبناني والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتفاقيات والمعاهدات الدولية والقوانين اللّبنانية المتفقة مع هذه المعايير. وهي مؤسسة وطنية مستقلة منشأة بموجب القانون 62/ 2016، سنداً لقرار الجمعية العامة للامم المتحدة (مبادئ باريس) التي ترعى آليات إنشاء وعمل المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان. كما تتضمن آلية وقائية وطنية للتعذيب (لجنة الوقاية من التعذيب) عملاً بأحكام البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية او اللاانسانية او المهينة الذي انضم اليه لبنان بموجب القانون رقم 12/ 2008.