نشرت اللجنة الوطنية للوقاية من التعذيب، وثيقة مؤسساتية موجّهة إلى اللجنة الفرعية لمنع التعذيب التابعة للأمم المتحدة (SPT)، وذلك في إطار المساهمة في إعداد تعليق عام حول تفسير المادة الرابعة من البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب (OPCAT)، التي تُعد من أهم المواد الناظمة لعمل آليات الوقاية من التعذيب على المستوى الدولي.
وجاءت هذه المساهمة في رسالة رسمية تحمل الرقم المرجعي 9/71 – الأرشيف 119، وُجّهت إلى السيدة سوزان جبور، رئيسة اللجنة الفرعية لمنع التعذيب، مع نسخة إلى السيد نيكا كفاراتسخيليا، رئيس الفريق الإقليمي لآسيا والمحيط الهادئ في اللجنة الفرعية.
وقد قدّمت هذه الرسالة باسم اللجنة الوطنية للوقاية من التعذيب (CPT) بصفتها الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب في لبنان (NPM)، وذلك استناداً إلى المادة 20 الفقرة (و) من البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وإلى المادة 27 (ب) من القانون رقم 62 الصادر بتاريخ 27 تشرين الأول 2016 المتعلق بإنشاء الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب.
المادة الرابعة من البروتوكول الاختياري: حجر الأساس في نظام الوقاية من التعذيب
تُعد المادة الرابعة من البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب إحدى الركائز الأساسية للنظام الدولي الوقائي ضد التعذيب، إذ تحدّد نطاق وصلاحيات كل من اللجنة الفرعية لمنع التعذيب والآليات الوطنية للوقاية من التعذيب في ما يتعلق بالأماكن التي يجوز لها زيارتها لمراقبة أوضاع الأشخاص المحرومين من حريتهم.
وأكدت الهيئة في وثيقتها أن التفسير الصحيح للمادة الرابعة وتطبيقها بصورة متسقة يمثلان شرطاً أساسياً لضمان امتثال الدول الأطراف لالتزاماتها الدولية بموجب البروتوكول الاختياري. فالنظام الوقائي الذي أنشأه البروتوكول يقوم على فكرة أن الزيارات الدورية والمستقلة لأماكن الاحتجاز تشكّل أداة أساسية لمنع التعذيب وسوء المعاملة قبل وقوعهما.
نطاق واسع لمفهوم الحرمان من الحرية
تشير المادة 4(1) من البروتوكول الاختياري إلى أن الدول الأطراف ملزمة بالسماح للآليات الوطنية للوقاية من التعذيب واللجنة الفرعية بزيارة أي مكان يقع تحت ولايتها أو سيطرتها حيث يوجد أشخاص محرومون أو قد يُحرمون من حريتهم، سواء كان ذلك بموجب قرار صادر عن سلطة عامة، أو بتحريض منها، أو بموافقتها أو سكوتها.
ويمثّل هذا التعريف الواسع تطوراً مهماً في القانون الدولي لحقوق الإنسان، إذ يوسّع نطاق الرقابة الوقائية ليشمل مجموعة واسعة من الأماكن التي قد يُقيّد فيها الأشخاص في حريتهم، وليس فقط السجون أو أماكن التوقيف التقليدية.
وبموجب هذا التفسير، فإن الأماكن التي قد تدخل ضمن مفهوم أماكن الحرمان من الحرية تشمل، بالإضافة إلى السجون ومراكز التوقيف، المستشفيات الخاصة، والمؤسسات النفسية، ودور رعاية المسنين، ومراكز رعاية الأطفال، ومراكز إعادة التأهيل، متى كان الأشخاص الموجودون فيها غير قادرين على مغادرتها بحرية، حتى وإن كانت الجهة المشرفة عليها غير حكومية، طالما أن ذلك يتم بعلم السلطات العامة أو بموافقتها.
الإشكالية التفسيرية بين الفقرتين 4(1) و4(2)
تناولت الوثيقة أيضاً مسألة التباين الظاهري بين الفقرتين 4(1) و4(2) من البروتوكول الاختياري. ففي حين تعتمد الفقرة الأولى تعريفاً واسعاً يشمل الحالات التي تتم بموافقة أو سكوت السلطات العامة، فإن الفقرة الثانية تعرّف الحرمان من الحرية على أنه أي شكل من أشكال التوقيف أو الاحتجاز أو الإيداع في مكان لا يُسمح فيه للشخص بالمغادرة بإرادته بموجب قرار قضائي أو إداري أو صادر عن سلطة عامة.
وقد يؤدي هذا التعريف الضيق ظاهرياً إلى استبعاد بعض الحالات التي قد يكون فيها الحرمان من الحرية قائماً فعلياً ولكن من دون قرار رسمي مباشر من سلطة عامة.
وترى لجنة الوقاية من التعذيب في لبنان أن التفسير السليم للنص يجب أن يتم بصورة منهجية ومتكاملة، بما ينسجم مع الهدف والغرض من البروتوكول الاختياري، ما يقتضي تفسير الفقرة 4(2) في ضوء التعريف الأوسع الوارد في الفقرة 4(1)، بما يضمن شمول جميع الأماكن التي قد يكون الأشخاص فيها عرضة لخطر التعذيب أو سوء المعاملة.
التفاعل مع الإطار القانوني اللبناني
تطرقت الوثيقة كذلك إلى العلاقة بين أحكام البروتوكول الاختياري والإطار التشريعي اللبناني، ولا سيما القانون رقم 62 الصادر عام 2016 المتعلق بإنشاء الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب، والذي جرى تعديله لاحقاً بالقانون رقم 6 الصادر عام 2020.
وقد تبنّى القانون اللبناني تعريف الحرمان من الحرية الوارد في المادة 4(2) من البروتوكول الاختياري. وتنص المادة 22 (ب) من القانون على أن الحرمان من الحرية يعني أي شكل من أشكال التوقيف أو الاحتجاز أو وضع شخص في مكان احتجاز عام أو خاص لا يُسمح له بمغادرته بإرادته بموجب قرار صادر عن سلطة قضائية أو إدارية أو غيرها من السلطات العامة.
كما يورد القانون أمثلة على أماكن الحرمان من الحرية، مثل السجون، وأماكن التوقيف، ومراكز الشرطة، ومراكز الأحداث، والمرافئ والمطارات، والمستشفيات، والمؤسسات النفسية.
غير أن الوثيقة تشير إلى أن هذا التعريف لا يتضمن بصورة صريحة الحالات التي يتم فيها الحرمان من الحرية بموافقة أو سكوت السلطات العامة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تضييق نطاق الرقابة الوقائية في بعض الحالات العملية.
وفي هذا السياق، أعلنت لجنة الوقاية من التعذيب نيتها العمل بالتعاون مع الجهات المختصة، ولا سيما وزارة الصحة العامة، على تطوير إطار قانوني يتعلّق بضمانات الحرمان من الحرية للأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية أو كبار السن المصابين بالخرف، بما يضمن احترام حقوقهم وحمايتهم من أي معاملة قاسية أو مهينة.
تحديات عملية في سياق جائحة كوفيد-19
كما عرضت الوثيقة مجموعة من التحديات العملية التي واجهتها لجنة الوقاية من التعذيب في لبنان خلال جائحة كوفيد-19، والتي أظهرت أهمية وجود تعريف واضح وشامل لأماكن الحرمان من الحرية.
ففي 22 آذار 2020، وجّهت اللجنة كتاباً إلى رئيس مجلس الوزراء تطلب فيه توفير الحد الأدنى من الدعم والقدرات اللوجستية لضمان تمكّن أعضاء الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب من القيام بزيارات إلى أماكن الحجر الصحي التي قد تُستخدم لإيواء أشخاص في ظروف تقيّد حريتهم.
وقد أفادت وزارة الصحة العامة في حينه بأن أماكن الحجر التي أعدّتها لم تكن قد استُخدمت بعد، غير أن محاولات اللجنة لاحقاً لزيارة بعض المستشفيات التي استُخدمت للحجر الصحي تعثّرت بسبب عدم توفير معدات الوقاية الشخصية اللازمة (PPE) لأعضاء الفريق.
وفي كانون الثاني 2021، شاركت اللجنة في اجتماعات لجنة حكومية أنشأتها وزارة الداخلية لمتابعة أوضاع السجون ومراكز التوقيف خلال الجائحة. وأظهرت التقارير المقدّمة في تلك الاجتماعات أن تعريف أماكن الحرمان من الحرية كان يُستخدم عملياً بصورة ضيقة ليقتصر على السجون ومراكز التوقيف فقط.
أهمية تمكين الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب
أكدت لجنة الوقاية من التعذيب في لبنان في وثيقتها أن لبنان، الذي صادق على البروتوكول الاختياري في 22 كانون الأول 2008، ملزم بتنفيذ التزاماته الدولية بصورة كاملة، بما في ذلك ضمان استقلالية وفعالية الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب.
وأشارت اللجنة إلى عدد من التحديات التي تؤثر في قدرة الآلية الوطنية على أداء مهامها، من بينها:
-
عدم تخصيص موارد مالية كافية للهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب ضمن الموازنة العامة للدولة،
-
التأخر في إصدار ونشر المراسيم التطبيقية اللازمة لتنفيذ القانون رقم 62/2016 بصورة كاملة،
-
الحاجة إلى تعديل بعض أحكام القانون بما يضمن التوافق الكامل مع المادة 18 من البروتوكول الاختياري ومع مبادئ باريس المتعلقة بوضع المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان.
خريطة أماكن الحرمان من الحرية في لبنان
وقد تضمّنت الوثيقة أيضاً عرضاً تفصيلياً لفئات الأماكن التي تدخل ضمن نطاق ولاية لجنة الوقاية من التعذيب في لبنان، وتشمل مؤسسات خاضعة لعدد من السلطات الرسمية وغير الرسمية.
ومن بين هذه الأماكن:
-
المؤسسات التابعة لقوى الأمن الداخلي، بما فيها السجون ومراكز التوقيف ومخافر الشرطة ونقاط الحدود.
-
مرافق الاحتجاز التابعة للأمن العام، بما في ذلك مراكز احتجاز اللاجئين.
-
مرافق التحقيق والتوقيف التابعة لأمن الدولة.
-
مرافق الاحتجاز التابعة للجيش اللبناني والشرطة العسكرية.
-
مرافق الاحتجاز التابعة لإدارة الجمارك في المرافئ والمطارات والمعابر الحدودية.
كما يشمل نطاق الرقابة أيضاً مؤسسات تقع تحت إشراف وزارات أخرى، مثل:
-
المستشفيات والمؤسسات النفسية ومراكز علاج الإدمان الخاضعة لإشراف وزارة الصحة العامة،
-
دور الأيتام ومراكز الرعاية الاجتماعية والملاجئ الخاضعة لإشراف وزارة الشؤون الاجتماعية،
-
المدارس الداخلية وبعض المؤسسات التعليمية الخاضعة لإشراف وزارة التربية والتعليم العالي،
-
مراكز تأهيل الأحداث والمؤسسات المرتبطة بمنظومة عدالة الأحداث بإشراف وزارة العدل.
التزام مستمر بمنع التعذيب وتعزيز الكرامة الإنسانية
واختتمت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان بيانها بالتأكيد على أن الوقاية من التعذيب تتطلب نظاماً مؤسسياً قوياً يقوم على الرقابة المستقلة والشفافة لجميع أماكن الحرمان من الحرية.
وأكدت الهيئة أن مساهمتها في النقاش الدولي حول تفسير المادة الرابعة من البروتوكول الاختياري تأتي في إطار تعزيز النظام الوقائي العالمي ضد التعذيب، ودعم الجهود الدولية الرامية إلى ضمان أن تكون جميع أماكن الاحتجاز، مهما كان نوعها أو الجهة المشرفة عليها، خاضعة للرقابة المستقلة.
وشددت الهيئة على أن حماية الكرامة الإنسانية ومنع التعذيب وسوء المعاملة مسؤولية مشتركة تتطلب التزاماً قانونياً ومؤسساتياً دائماً من الدولة والمجتمع على حد سواء.
هذه المقالة متاحة أيضًا بـ:
اكتشاف المزيد من الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان - لبنان
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

