أصدر رئيس الجمهورية في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 المرسوم رقم 1713 المتعلّق بتحديد الهيئات الأكثر تمثيلًا للقطاعات التي يتألف منها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وذلك تمهيدًا لتشكيل هيئة عامة جديدة للمجلس بعد انتهاء ولاية المجلس السابق واستمراره في تصريف الأعمال منذ عام 2020. ويأتي هذا المرسوم تنفيذًا للتعديلات التي أدخلها القانون رقم 288 الصادر في 12 نيسان/أبريل 2022 على قانون إنشاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي رقم 389 الصادر عام 1995، والتي وسّعت نطاق تمثيل المجلس ليشمل قطاعات جديدة أبرزها قطاع البيئة وقطاع المجتمع المدني.
وقد نصّ المرسوم في الفقرة التاسعة من المادة الثانية على اعتبار عدد من المنظمات من الجهات الأكثر تمثيلًا لقطاع المجتمع المدني، من بينها “المفكرة القانونية”، إلى جانب “المركز اللبناني للدراسات”، و“مبادرة سياسات الغد”، و“الجمعية اللبنانية لحقوق المكلّفين”، و“الشبكة العربية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية”. ويترتب على هذه الهيئات، استنادًا إلى المادة الثامنة المعدلة من قانون إنشاء المجلس، أن تتقدّم بلوائح ترشيح تضم ثلاثة أضعاف عدد المقاعد المخصصة لها على الأقل، على أن يختار مجلس الوزراء من بينها العدد النهائي من الأعضاء الذين سيمثلون هذه القطاعات في المجلس.
ويُعدّ المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي هيئة استشارية تمثيلية مستقلة تُعنى بإبداء الرأي في السياسات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للدولة. وقد نصّ القانون المعدل عام 2022 على توسيع صلاحياته لتشمل إبداء الرأي في مشاريع القوانين والخطط والبرامج الحكومية المتعلقة بالقطاعات الممثلة فيه، إضافة إلى تنظيم مشاورات عامة وإمكانية تلقي عرائض شعبية موقعة من خمسة آلاف مواطن على الأقل. إلا أن رأي المجلس يبقى ذا طبيعة استشارية، إذ تلتزم الحكومة باستشارته من دون أن تكون ملزمة بالأخذ برأيه.
ويتألف المجلس من ثمانين عضوًا يمثلون تسعة قطاعات رئيسية تشمل أصحاب العمل، والنقابات العمالية، والمهن الحرة، والجمعيات التعاونية والمؤسسات الاجتماعية، وقطاع البيئة، وقطاع المجتمع المدني، إضافة إلى ممثلين عن المغتربين اللبنانيين وعدد من أصحاب الاختصاص والخبرة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية. وتبلغ مدة ولاية المجلس أربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة.
ويعود إنشاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي إلى “وثيقة الوفاق الوطني” (اتفاق الطائف) لعام 1989، التي نصّت على ضرورة إشراك ممثلي القطاعات الإنتاجية والاجتماعية في صياغة السياسات الاقتصادية والاجتماعية للدولة. وقد استلهم النموذج اللبناني في تنظيمه التجربة الفرنسية للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الذي يلعب دورًا استشاريًا في السياسات العامة.
غير أنّ توسيع صلاحيات المجلس بموجب قانون 2022 أثار نقاشًا قانونيًا حول الإطار الدستوري لعمله، ولا سيما في ما يتعلّق بإمكانية إحالة مجلس النواب بعض اقتراحات القوانين إليه لإبداء الرأي. فبينما ينص الدستور الفرنسي صراحة على المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ويحدد صلاحياته، لا يتمتع المجلس في لبنان بمرجعية دستورية مماثلة، إذ أنشئ بموجب قانون عادي. ويطرح ذلك تساؤلات حول مدى انسجام بعض الصلاحيات الممنوحة له مع آليات العمل الدستورية للسلطة التشريعية.
كما يثير واقع المجلس خلال السنوات الماضية تساؤلات حول فعالية دوره في التأثير في السياسات العامة. فالمجلس الذي عايش بداية الأزمة الاقتصادية منذ عام 2019 اكتفى إلى حدّ كبير بعقد اجتماعات ومشاورات من دون أن ينعكس ذلك بصورة واضحة على القرارات الحكومية أو التشريعية، رغم توسيع صلاحياته القانونية.
ومع صدور المرسوم رقم 1713، يُتوقّع أن تُستأنف عملية تشكيل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بهيئة جديدة تضم ممثلين عن مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، بما في ذلك منظمات المجتمع المدني، في خطوة يُفترض أن تعزز دور المجلس كمنصة للحوار بين القطاعات المختلفة في المجتمع اللبناني والمساهمة في صياغة السياسات العامة في ظل الأزمات المتعددة التي يمر بها البلد.
هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية)
اكتشاف المزيد من الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان - لبنان
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

