الذكاء الاصطناعي ليس مساحة خارج القانون: حقوق الطفل يجب أن تحكم تصميم الأنظمة الرقمية وتطويرها واستخدامها
دعت مجموعة واسعة من هيئات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والجهات المعنية بحماية الأطفال إلى اعتماد مقاربة قائمة على حقوق الطفل في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي وتطويرها ونشرها واستخدامها وحوكمتها، مؤكدة أن الأطفال ليسوا مجرد مستخدمين للتكنولوجيا أو فئة تحتاج إلى الحماية، بل أصحاب حقوق مستقلون يجب أن تؤخذ مصالحهم الفضلى وآراؤهم وقدراتهم المتطورة في الاعتبار في جميع القرارات المتصلة بالذكاء الاصطناعي.
وجاءت هذه الدعوة في «البيان المشترك بشأن الذكاء الاصطناعي وحقوق الطفل»، الصادر في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، بمشاركة الاتحاد الدولي للاتصالات، ولجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، ومنظمة العمل الدولية، والاتحاد البرلماني الدولي، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، ومعهد الأمم المتحدة الإقليمي لبحوث الجريمة والعدالة، ومكتب الأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح، ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، والممثلين الخاصين للأمين العام للأمم المتحدة المعنيين بالأطفال والنزاعات المسلحة وبالعنف ضد الأطفال، والمقررة الخاصة المعنية ببيع الأطفال واستغلالهم والاعتداء عليهم جنسيًا، ومبادرة «Safe Online».
ويطرح البيان إطارًا دوليًا متكاملًا للتعامل مع تأثيرات الذكاء الاصطناعي في الأطفال، جامعًا بين حماية الخصوصية والسلامة، ومنع الاستغلال والعنف، ومواجهة التمييز والتحيز الخوارزمي، وضمان الحق في التعليم والمشاركة والوصول إلى المعلومات والعدالة وسبل الانتصاف الفعالة.
ويكتسب هذا الإطار أهمية خاصة في ظل الانتشار السريع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وأنظمة التوصية، والمساعدات الرقمية وروبوتات المحادثة، وتقنيات التعرّف البيومتري، والأدوات التعليمية المؤتمتة، والأنظمة المستخدمة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالأطفال أو تقييمهم وتصنيفهم.
فرص واسعة تقابلها مخاطر عميقة
يقرّ البيان بأن التطورات المتسارعة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، بما فيها الذكاء الاصطناعي، تغيّر بصورة جذرية العالم الذي يعيش فيه الأطفال، وتوفر فرصًا غير مسبوقة لتعزيز حقوقهم.
يمكن للذكاء الاصطناعي، عند تصميمه واستخدامه بمسؤولية، أن يوسّع إمكانات التعلم، ويتيح أدوات مساعدة للأطفال ذوي الإعاقة، ويحسن الوصول إلى المعلومات والخدمات، ويدعم الكشف المبكر عن المخاطر، ويساعد في مواجهة تغير المناخ، ويطور أساليب الوقاية من العنف والاستغلال.
لكن هذه الفرص تترافق مع تحديات كبيرة تمس حقوق الطفل مباشرة أو بصورة غير مباشرة. فالطفل قد يتفاعل بنفسه مع نظام للذكاء الاصطناعي، وقد يتأثر أيضًا بقرار اتخذته خوارزمية من دون أن يعلم بوجودها أو يفهم طريقة عملها. وقد تشمل هذه القرارات القبول في مؤسسة تعليمية، أو تقييم التحصيل الدراسي، أو تحديد المحتوى المعروض عليه، أو تصنيفه وفق بياناته وسلوكه الرقمي، أو تقدير حاجته إلى خدمات اجتماعية أو صحية.
ويشير البيان إلى أن معظم الأدوات والتطبيقات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والنماذج والأنظمة التي تقوم عليها، لم تُصمم أساسًا مع مراعاة الأطفال ورفاههم وحقوقهم. كما أن نقص المعرفة بالذكاء الاصطناعي لا يقتصر على الأطفال، بل يشمل المعلمين والأهل ومقدمي الرعاية والمسؤولين الحكوميين وصانعي السياسات وغيرهم من المعنيين.
ومن هنا، فإن الاستجابة لا يمكن أن تقتصر على مطالبة الأطفال باستخدام الإنترنت بحذر، بل تستوجب توزيع المسؤوليات بوضوح بين الدولة والمؤسسات التعليمية وشركات التكنولوجيا ومطوري الأنظمة والأهل والمجتمع المدني والجهات الرقابية.
اتفاقية حقوق الطفل مرجعية ملزمة في البيئة الرقمية
يؤكد البيان أن اتفاقية حقوق الطفل وبروتوكولاتها الاختيارية تشكل الإطار القانوني الأساسي لحماية حقوق الأطفال، بصرف النظر عن نوع التكنولوجيا المستخدمة.
وبموجب الاتفاقية، يُقصد بالطفل كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره. ويجب النظر إلى الأطفال بوصفهم فئة متميزة من أصحاب الحقوق، مع مراعاة نموهم الجسدي والاجتماعي والعاطفي والإدراكي، وقدراتهم التي تتطور تدريجيًا بما يمكّنهم من ممارسة حقوقهم باستقلالية متزايدة.
كما يستند البيان إلى التعليق العام رقم 25 الصادر عن لجنة حقوق الطفل عام 2021 بشأن حقوق الأطفال في البيئة الرقمية. ويؤكد هذا التعليق أن الحقوق المقررة للأطفال لا تتوقف عند الحدود الفاصلة بين العالمين المادي والرقمي، بل تمتد إلى جميع المنصات والخدمات والتقنيات التي تؤثر في حياتهم.
ولا يعني ذلك أن حماية الأطفال تبرر فرض رقابة مطلقة أو حرمانهم من المعلومات والمشاركة. فالقيود المفروضة على حرية التعبير والوصول إلى المعلومات يجب أن تكون قانونية وضرورية ومتناسبة، وأن تراعي عمر الطفل وقدراته المتطورة، وألا تتحول الحماية إلى ذريعة لإقصائه من المجال الرقمي.
أولًا: حوكمة وطنية قائمة على حقوق الطفل
يدعو البيان الدول إلى اتخاذ تدابير تشريعية وإدارية ومالية وسياساتية تضمن حوكمة الذكاء الاصطناعي بما يحترم حقوق الطفل ويحميها ويعززها.
ويشمل ذلك تحديد الجهات الحكومية المسؤولة بوضوح، وتمكينها من الصلاحيات والموارد اللازمة، وتعزيز التنسيق بين الوزارات والمؤسسات المستقلة والبرلمان والسلطات القضائية والمؤسسات التعليمية والقطاع الخاص والمجتمع المدني والأطفال أنفسهم.
كما يدعو إلى إدماج حقوق الطفل في كامل دورة حياة نظام الذكاء الاصطناعي، بدءًا من جمع البيانات وبناء النموذج وتصميم المنتج، مرورًا باختباره وتسويقه ونشره، وصولًا إلى مراقبته وتحديثه أو وقف استخدامه.
ومن التدابير الأساسية التي يوصي بها البيان:
- إجراء تقييمات دورية لمخاطر أنظمة الذكاء الاصطناعي وتأثيراتها في حقوق الطفل.
- نشر نتائج التقييمات وإتاحتها للأطفال بلغة واضحة ومناسبة لأعمارهم.
- تخصيص موازنات كافية لحماية حقوق الأطفال في سياق الذكاء الاصطناعي.
- مراجعة السياسات والمعايير التقنية بصورة منتظمة لمواكبة التطورات السريعة.
- ضمان الوصول إلى عدالة صديقة للطفل وسبل انتصاف فعالة عند وقوع الانتهاكات.
- إشراك البرلمانات في التشريع والرقابة وإقرار الموازنات ومساءلة الجهات العامة والخاصة.
ولا ينبغي السماح باستخدام أي نظام مؤتمت في اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بالأطفال من دون وجود رقابة بشرية فعلية، وإمكان الاعتراض على القرار، والحصول على تفسير مفهوم للأسس التي بُني عليها.
ثانيًا: المسؤولية والشفافية والمساءلة
يحمّل البيان الدول مسؤولية حماية الأطفال من الانتهاكات التي قد ترتكبها أطراف ثالثة، بما فيها الشركات التي تصمم أنظمة الذكاء الاصطناعي أو تطورها أو تنشرها أو تديرها.
وتُدعى الدول إلى وضع أطر قانونية تحدد المسؤولية المدنية والإدارية والجزائية للأشخاص الطبيعيين والمعنويين، بما يتناسب مع طبيعة الأفعال أو أوجه الإهمال وخطورتها والضرر الناتج منها.
ولا يجوز أن تتحول الطبيعة التقنية المعقدة للذكاء الاصطناعي إلى وسيلة للتهرب من المسؤولية. فإذا أدى نظام خوارزمي إلى التمييز ضد طفل، أو كشف بياناته، أو تعريضه لمحتوى ضار، أو تسهيل استغلاله، فيجب تحديد المسؤول عن الضرر وضمان التحقيق الفعال والمحاسبة والتعويض.
كذلك، يتعين على الشركات توفير معلومات واضحة عن طريقة عمل أنظمتها، والبيانات التي تجمعها، وكيفية استخدامها، والمعايير التي تعتمدها في ترتيب المحتوى أو اتخاذ القرارات.
ويشدد البيان على ضرورة إنشاء آليات ميسرة وآمنة تمكّن الأطفال والأهل ومقدمي الرعاية من الإبلاغ عن المشكلات، مع ضمان التعامل الجدي والسريع معها. كما يطالب الشركات بإجراء عمليات تدقيق دورية وتقييمات لتأثير منتجاتها في حقوق الطفل، بما يشمل اختبار قدرة الأنظمة على منع إنتاج المحتوى المؤذي أو التمييزي أو غير الملائم للأطفال.
ثالثًا: حماية الأطفال من العنف والاستغلال
يفرد البيان حيزًا واسعًا للسلامة، ويدعو إلى منع جميع أشكال العنف والاستغلال التي تُرتكب بواسطة أنظمة الذكاء الاصطناعي أو بدعم منها.
وتشمل المخاطر المحتملة:
- العنف النفسي والجنسي والقائم على النوع الاجتماعي.
- التنمر الإلكتروني والتحرش والاستدراج الجنسي.
- إنتاج مواد الاعتداء أو الاستغلال الجنسي للأطفال أو تعديلها بواسطة الذكاء الاصطناعي.
- الصور والمقاطع المزيفة بعمق «Deepfakes».
- المحتوى الذي يحرض على الكراهية أو العنف أو إيذاء النفس.
- المحتوى الذي يروّج لاضطرابات الأكل أو المخدرات أو المقامرة.
- المعلومات المضللة الموجهة إلى الأطفال.
- الاستغلال الاقتصادي وعمل الأطفال والاتجار بهم والتسول القسري.
- تجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاعات المسلحة.
ويطالب البيان الدول بالتجريم الصريح والتحقيق والملاحقة والمعاقبة في حالات الاستغلال الجنسي للأطفال المرتكبة بواسطة الذكاء الاصطناعي، بما يشمل المواد المنشأة أو المعدلة تقنيًا، والاستدراج بهدف ارتكاب اعتداء جنسي.
كما يدعو المنصات الرقمية وشركات الألعاب والبث المرئي والتكنولوجيا التعليمية ووسائل التواصل الاجتماعي إلى اعتماد آليات مناسبة للتحقق من العمر عندما تكون هذه الآليات ضرورية ومتناسبة، شرط احترام الخصوصية وعدم جمع بيانات إضافية غير لازمة.
ويحذر البيان من مخاطر أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تحاكي التفاعل البشري، داعيًا إلى تضمينها ضمانات تمنع تكوين ارتباط عاطفي غير صحي لدى الأطفال. فالأطفال قد يتعاملون مع روبوت المحادثة على أنه صديق أو مرشد أو شخص حقيقي، بينما تكون ردوده ناتجة من نموذج آلي لا يمتلك فهمًا إنسانيًا أو مسؤولية أخلاقية.
رابعًا: الخصوصية وحماية البيانات
يشدد البيان على أن خصوصية الطفل حق أصيل، وليست مجرد خيار تقني أو شرط مدرج في سياسة استخدام طويلة ومعقدة.
ويجب اعتماد تشريعات وسياسات تضمن حماية بيانات الأطفال منذ مرحلة التصميم، مع رقابة مستقلة وسبل انتصاف متاحة. كما ينبغي عرض سياسات الخصوصية بلغة يفهمها الأطفال والأهل، وتوضيح طبيعة البيانات التي يجري جمعها والغرض من استخدامها والجهات التي يمكن أن تحصل عليها وفترة الاحتفاظ بها.
ويؤكد البيان ضرورة الالتزام بمبدأ تقليل البيانات، أي جمع الحد الأدنى الضروري فقط، وعدم تخزين معلومات لا تحتاج إليها الخدمة. ويجب حماية البيانات الشخصية والبيومترية بواسطة التشفير والتخزين الآمن والتدقيق المنتظم.
ومن المخاطر التي تستوجب معالجة عاجلة استخدام صور الأطفال وأصواتهم ونشاطهم الرقمي ومحادثاتهم وواجباتهم المدرسية لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي من دون علمهم أو موافقتهم المستنيرة.
كما يدعو البيان إلى حماية الأطفال من النموذج التجاري الذي يحوّل بياناتهم وانتباههم ونشاطهم الرقمي إلى موارد قابلة للاستثمار، ويستخدمها لبناء ملفات تفصيلية عن ميولهم وعاداتهم ونقاط ضعفهم وتوجيه الإعلانات والمحتوى إليهم.
خامسًا: المصلحة الفضلى للطفل معيارًا أساسيًا
يؤكد البيان أن المصلحة الفضلى للطفل يجب أن تكون اعتبارًا أساسيًا في جميع القرارات والإجراءات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، سواء في القطاع العام أو الخاص.
ولا يجوز اختزال المصلحة الفضلى في مفهوم السلامة التقنية فقط، بل يجب أن تشمل النمو الجسدي والعقلي والنفسي والأخلاقي والاجتماعي للطفل، وتمتعه الفعلي بجميع الحقوق المعترف بها في اتفاقية حقوق الطفل.
ويتعين أن تكون الأدوات الموجهة إلى الأطفال مناسبة لأعمارهم، وأن تقدم المعلومات بلغة يفهمها الأطفال والأهل، وأن يجري تطويرها من خلال تعاون متعدد الاختصاصات يضم خبراء التكنولوجيا والتربية وعلم النفس والعمل الاجتماعي والقانون وحقوق الطفل.
كما يجب عدم افتراض وجود نموذج واحد يناسب جميع الأطفال. فما يكون ملائمًا لطفل في السادسة قد لا يناسب مراهقًا في السادسة عشرة، وما يكون متاحًا لطفل لا يعاني من إعاقة قد يكون غير قابل للاستخدام من طفل ذي إعاقة بصرية أو سمعية أو ذهنية.
سادسًا: عدم التمييز والشمول
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعيد إنتاج أشكال التمييز الموجودة في المجتمع، بل أن يوسعها ويضفي عليها مظهرًا تقنيًا محايدًا.
فإذا دُرّب النظام على بيانات منحازة أو ناقصة، قد يميز على أساس الجنس أو الإعاقة أو الأصل أو العرق أو اللغة أو الدين أو الوضع الاجتماعي والاقتصادي أو مكان الإقامة.
ولهذا، يدعو البيان إلى إجراء العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان لمنع التحيزات الخوارزمية، وإلى توفير الأنظمة والخدمات بلغات متعددة وفي سياقات ثقافية متنوعة.
كما يطالب بإتاحة فوائد الذكاء الاصطناعي لجميع الأطفال، بما في ذلك الأطفال ذوو الإعاقة، والفتيات، والأطفال في المناطق الريفية والنائية، والأطفال الموجودون في أوضاع هشّة أو محرومة.
ويقتضي ذلك معالجة الفجوة الرقمية، ليس فقط عبر توفير الاتصال بالإنترنت والأجهزة، بل أيضًا من خلال ضمان اتصال ذي جودة وتكلفة مقبولة، ومهارات رقمية، ومحتوى مناسب، وحماية فعالة من المخاطر.
سابعًا: حق الأطفال في المشاركة
لا يجوز وضع السياسات المتعلقة بالأطفال من دون الاستماع إليهم.
يدعو البيان إلى ضمان المشاركة الآمنة والهادفة لمجموعات متنوعة من الأطفال في جميع مراحل وضع سياسات الذكاء الاصطناعي، وكذلك في تصميم النماذج والمنتجات وتطويرها ونشرها ومراجعتها.
ويجب ألا تكون هذه المشاركة شكلية، بل ينبغي تزويد الأطفال بالمعلومات اللازمة، وتوفير بيئة آمنة للتعبير، وإعطاء آرائهم الوزن المناسب وفق أعمارهم وقدراتهم المتطورة.
فالأطفال هم الأكثر قدرة على وصف تجاربهم الفعلية مع المنصات والألعاب والروبوتات التعليمية وأنظمة التوصية. وقد تكشف مشاركتهم مخاطر لا تظهر خلال الاختبارات التقنية التقليدية.
ثامنًا: التعليم ومحو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي
يرى البيان أن حظر أدوات الذكاء الاصطناعي أو تجاهل وجودها لا يشكل سياسة تعليمية كافية. المطلوب هو إدماجها بصورة مسؤولة، عندما يكون ذلك مناسبًا وقائمًا على الأدلة، مع تمكين الأطفال من المهارات التقنية والنقدية اللازمة لفهمها واستخدامها.
ويجب أن تشمل المعرفة بالذكاء الاصطناعي قدرة الطفل على:
- فهم المبادئ العامة لعمل الأنظمة الخوارزمية.
- التمييز بين المحتوى البشري والمحتوى المولّد آليًا.
- التحقق من المعلومات وعدم التعامل مع مخرجات الذكاء الاصطناعي على أنها صحيحة تلقائيًا.
- معرفة كيفية حماية البيانات الشخصية.
- التعرف إلى المحتوى المضلل والصور المزيفة.
- فهم أثر الخوارزميات في الخيارات والمعلومات المعروضة عليه.
- معرفة حقوقه وطرق الإبلاغ والاعتراض والحصول على المساعدة.
ويدعو البيان إلى إدماج هذه المعارف في المناهج المدرسية، وإقامة برامج تعليم غير نظامي، مع إيلاء اهتمام خاص للأطفال المهمشين لمنع نشوء فجوة جديدة بين من يمتلكون مهارات الذكاء الاصطناعي ومن يُحرمون منها.
كما يشدد على تدريب المعلمين والعاملين الاجتماعيين وعلماء النفس والشرطة والمدعين العامين والقضاة وجميع العاملين مع الأطفال أو من أجلهم. ويجب أيضًا تدريب المسؤولين الحكوميين والبرلمانيين، وكذلك مصممي أنظمة الذكاء الاصطناعي ومطوريها ومديري الشركات.
تاسعًا: الذكاء الاصطناعي والبيئة
يربط البيان بين الذكاء الاصطناعي وحق الطفل في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة.
فمن جهة، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين النماذج المناخية وكفاءة الطاقة وإدارة الموارد وتعزيز القدرة على مواجهة الكوارث.
ومن جهة أخرى، تستهلك بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي كميات كبيرة من الكهرباء والمياه، وتتطلب بنيتها التحتية استخراج مواد خام وتصنيع أجهزة ومراكز بيانات ذات آثار بيئية قد تتحمل الأجيال الجديدة نتائجها.
لذلك، يجب تقييم البصمة الكربونية واستهلاك الطاقة والموارد والآثار الناتجة من استخراج المواد الخام، والتأكد من أن تطوير الذكاء الاصطناعي لا يقوّض حقوق الأطفال الحاليين والأجيال المقبلة.
عاشرًا: حماية الأطفال في النزاعات المسلحة
يتناول البيان استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، ويدعو إلى وضع ضمانات تحول دون إلحاق الأذى بالأطفال، بما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
ويشدد على ضرورة إخضاع الأنظمة المستخدمة في القرارات المتعلقة بالأعمال العدائية أو استخدام القوة لرقابة وسيطرة بشريتين صارمتين، وإبقاء الحكم البشري في صلب عملية اتخاذ القرار.
كما يحذر من تسليح تقنيات الذكاء الاصطناعي أو إساءة استخدامها بصورة تؤثر بشكل غير متناسب في الأطفال، وخصوصًا في مناطق النزاع وفي الحالات التي تُستخدم فيها أنظمة ذاتية التشغيل أو أدوات مؤتمتة لتحديد الأهداف.
أولويات مطلوبة في لبنان
في ضوء المبادئ الواردة في البيان، تبرز الحاجة إلى تطوير إطار وطني لحماية حقوق الأطفال في سياق الذكاء الاصطناعي والبيئة الرقمية، على أن يشارك في وضعه الأطفال والأهل والمؤسسات الرسمية والمجتمع المدني والخبراء والقطاع التعليمي وشركات التكنولوجيا والاتصالات.
ومن بين الأولويات التي ينبغي العمل عليها:
- إدماج حقوق الطفل في أي استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي، وعدم حصر النقاش في الابتكار والاستثمار والأمن السيبراني.
- مراجعة التشريعات المتعلقة بحماية البيانات والخصوصية والجرائم الإلكترونية وحماية الأحداث بما يضمن استجابتها للمخاطر المستجدة.
- إلزام الجهات العامة والخاصة بإجراء تقييمات لتأثير أنظمة الذكاء الاصطناعي في حقوق الطفل قبل اعتمادها في التعليم أو الصحة أو الخدمات الاجتماعية أو العدالة.
- وضع قواعد واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المدارس تشمل حماية بيانات التلامذة، وضمان النزاهة الأكاديمية، وتدريب المعلمين، ومنع الاعتماد الكامل على القرارات المؤتمتة.
- إنشاء آليات سرية وصديقة للطفل للإبلاغ عن الأضرار الرقمية، وتأمين الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني للضحايا.
- تعزيز قدرات القضاء والأجهزة المختصة على التحقيق في الجرائم المرتكبة بواسطة الذكاء الاصطناعي، ولا سيما الاستغلال الجنسي والتزييف العميق والابتزاز وانتهاك الخصوصية.
- ضمان وصول الأطفال ذوي الإعاقة والأطفال في المناطق المحرومة إلى التكنولوجيا الآمنة والمناسبة، وفق مبادئ التصميم الشامل.
- إشراك الأطفال بصورة منهجية في وضع السياسات وتقييم الخدمات والمنصات الموجهة إليهم.
- إطلاق برامج وطنية لمحو الأمية الرقمية وفي مجال الذكاء الاصطناعي تستهدف الأطفال والأهل والمعلمين والعاملين الاجتماعيين.
- تعزيز الرقابة المستقلة والمساءلة العامة ومنع ترك حماية الأطفال لسياسات الاستخدام التي تضعها الشركات وحدها.
نحو تكنولوجيا تخدم حقوق الطفل
إن السؤال الأساسي ليس ما إذا كان الأطفال سيستخدمون الذكاء الاصطناعي، فقد أصبح جزءًا من بيئتهم التعليمية والاجتماعية والثقافية. السؤال هو: تحت أي شروط سيستخدمونه، ومن يصمم هذه الشروط، ومن يتحمل المسؤولية عند وقوع الضرر؟
يقدم البيان المشترك بشأن الذكاء الاصطناعي وحقوق الطفل خريطة طريق واضحة: التكنولوجيا يجب أن تكون في خدمة الإنسان، وأن يبدأ تقييم نجاحها من أثرها في الفئات الأكثر عرضة للمخاطر، وفي مقدمتها الأطفال.
ولا يمكن ضمان ذلك من خلال الحلول التقنية وحدها، بل يتطلب تشريعات فعالة، ومؤسسات مستقلة، ورقابة بشرية، ومساءلة الشركات، وتعليمًا نقديًا، ومشاركة حقيقية للأطفال، وإتاحة العدالة وسبل الانتصاف.
إن حماية الطفل في عصر الذكاء الاصطناعي لا تعني عزله عن التكنولوجيا، بل تمكينه من الاستفادة منها بأمان وكرامة وعلى قدم المساواة، مع احترام خصوصيته وصوته ومصلحته الفضلى وجميع حقوقه المكرسة في القانون الدولي.
فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، لا يمكن أن يحل محل المسؤولية الإنسانية. وتبقى الدول والشركات والمؤسسات والمجتمعات مسؤولة عن ضمان ألا يتحول التقدم التقني إلى مصدر جديد للتمييز أو الاستغلال أو الإقصاء، بل إلى أداة تعزز حقوق كل طفل وتحمي مستقبله.
هذه المقالة متاحة أيضًا بـ:




