الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان تدعو إلى إقرار إطار قانوني متكامل لحماية النازحين داخليًا وضمان حلول آمنة وكريمة لهم

نظّمت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب، في مقرّها في بيروت، الندوة التدريبية الثانية المتخصصة بعنوان «مراكز الإيواء: الحقوق والإنسانية»، في إطار مشروع تعزيز وحماية حقوق النازحين داخليًا في لبنان، المموّل من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
وهدفت الندوة إلى تعزيز قدرات العاملين والعاملات في مراكز الإيواء على فهم حقوق النازحين وآليات حمايتها، وتحويل القانون الدولي والوطني والمعايير ذات الصلة إلى أدوات عملية قابلة للاستخدام في إدارة المراكز، وتقديم الخدمات، ورصد المخاطر، واتخاذ القرارات اليومية التي تمس كرامة النازحين وسلامتهم وحقوقهم.
وشارك في الندوة ممثلات وممثلون عن وزارة الشؤون الاجتماعية ومراكزها في عدد من المناطق اللبنانية، إلى جانب عاملين اجتماعيين ومنسقين ومديري مشاريع وممثلين عن مؤسسات وجمعيات محلية ودولية عاملة في إدارة مراكز الإيواء وتقديم الخدمات الإنسانية والاجتماعية، من بينها مؤسستا أوكسفام وصامدون.
وتولى فريق المشروع في الهيئة، الذي ضم منسقة المشروع نيكول غانم، وأعضاء الفريق البحثي باليك طاسلاقيان، وعائدة المحمود، وستيفاني أبو الحسن، وميشال القواق، وفانيسا كلاّس، وزين أيوب، وأحمد السيد مرتضى، ولين حنينة، عرض منهجية الرصد والنتائج الميدانية، ومناقشة دلالاتها القانونية والحقوقية مع المشاركين والمشاركات.
رصد 122 مركزًا تؤوي 3,547 أسرة
استندت المناقشات إلى نتائج برنامج رصد مراكز الإيواء الذي تنفّذه الهيئة، والذي شمل تقييم 122 مركز إيواء جماعي في عدد من المحافظات من 15 حزيران حتى 31 تموز 2026. وغطّى التقييم إدارة المراكز وظروف المأوى والمياه والإصحاح والنظافة، والأمن الغذائي، والصحة، والحماية، وحقوق الإنسان، ومسارات الإحالة، والمخاطر السكنية المستقبلية، والاحتياجات ذات الأولوية.
واستوعبت المراكز التي شملها التقييم 3,547 أسرة، وسجّلت فرق الرصد بين المقيمين فيها وجود 2,302 طفلًا، و609 أشخاص من كبار السن، و141 شخصًا من ذوي الإعاقة، بما يؤكد ضرورة اعتماد استجابة تراعي اختلاف الاحتياجات والمخاطر المرتبطة بالعمر والنوع الاجتماعي والإعاقة.
وأظهرت النتائج وجود ممارسات إيجابية ينبغي البناء عليها ومأسستها. وفي المقابل، وثّق الرصد ثغرات متكررة تستوجب معالجة عاجلة، من بينها الغياب شبه التام لمخارج الطوارئ في نحو ثلثي مراكز الإيواء، ونقص معدات مكافحة الحرائق، وعدم توافر تصاميم وتجهيزات ميسّرة للأشخاص ذوي الإعاقة في أكثر من نصف المراكز، فضلًا عن محدودية تدابير الوقاية من الاستغلال والانتهاك الجنسيين وضعف تدريب الموظفين على الحماية.
كما كشفت النتائج عن فجوة بين توافر بعض الخدمات رسميًا واستفادة النازحين منها فعليًا. فعلى الرغم من توثيق مسارات للإحالة الطبية في 86.5% من المراكز، لم يحصل 41.8% من الأشخاص الذين حُددت حاجتهم إلى الإحالة على الخدمة المطلوبة، ولم يُوثق الاستكمال الناجح إلا لنسبة محدودة من الإحالات. كذلك، توافرت المساعدات الغذائية المنتظمة في 68.7% من المراكز، بينما سُجل انعدام الأمن الغذائي على مستوى الأسر في 49.3% منها، وعدم كفاية التنوع الغذائي في 44.6%.
وشددت الهيئة على أن وجود الخدمة في حد ذاته لا يكفي لاعتبار الحق محققًا، ما لم تكن الخدمة ملائمة ومتاحة فعليًا، ويمكن لجميع النازحين الاستفادة منها بأمان وكرامة ومن دون تمييز.
من توثيق الوقائع إلى الإصلاح المؤسسي

انتظم المحتوى التدريبي ضمن ثلاث جلسات مترابطة. تناولت الجلسة الأولى، بعنوان «نتائج رصد مراكز الإيواء: الواقع الحقوقي والتحديات الميدانية»، منهجية الرصد التي اعتمدتها الهيئة، وأبرز النتائج المستخلصة من الزيارات الميدانية، والتحديات التي تواجه النازحين والعاملين في مراكز الإيواء.
وخُصصت الجلسة الثانية لموضوع «الإطار القانوني لحماية حقوق النازحين: قراءة في نتائج الرصد في ضوء المعايير الدولية والوطنية»، وركزت على تحليل الوقائع الميدانية استنادًا إلى القانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، والمبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن النزوح الداخلي، والدستور والتشريعات اللبنانية.
أما الجلسة الثالثة، التي عُقدت بعنوان «من الرصد إلى التأثير: التوصيات، والإصلاح المؤسسي، وتعزيز الاستجابة القائمة على حقوق الإنسان»، فناقشت التدابير العملية اللازمة لمعالجة الفجوات، وتحديد المسؤوليات، وتعزيز التنسيق، وتحويل نتائج الرصد إلى توصيات وسياسات وإجراءات قابلة للتنفيذ.
وعكس هذا التسلسل منهجية الهيئة في الانتقال من توثيق الوقائع والظروف الميدانية، إلى تحديد الحقوق المتأثرة وتحليل مدى امتثال الممارسات للالتزامات القانونية، وصولًا إلى صياغة مخرجات تستهدف الإصلاح المؤسسي وبناء استجابة أكثر فاعلية واستدامة.
جرجس: المطلوب قانون وطني متكامل للنزوح الداخلي

وافتتح رئيس الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، الدكتور فادي جرجس، الندوة بالتأكيد أن الهيئة تولي اهتمامًا خاصًا لضمان تضمين أي قانون وطني يُعنى بالنزوح والنازحين المعايير الدولية ذات الصلة، وفي مقدّمها المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن النزوح الداخلي.
وأوضح أن هذه المبادئ تعرّف النازحين داخليًا بأنهم الأشخاص أو جماعات الأشخاص الذين أُكرهوا على الهرب أو ترك منازلهم أو أماكن إقامتهم المعتادة، أو اضطروا إلى ذلك، ولا سيما نتيجة نزاع مسلح أو حالات عنف عام أو انتهاكات لحقوق الإنسان أو كوارث طبيعية أو من صنع الإنسان، أو سعيًا إلى تفادي آثارها، ولم يعبروا الحدود الدولية المعترف بها للدولة.
وقال جرجس إن التشريع الوطني المنشود ينبغي ألا يقتصر على تعريف النازحين أو تنظيم الاستجابة الطارئة، بل أن يؤسس لإطار متكامل يشمل الوقاية من النزوح التعسفي، وحماية النازحين ومساعدتهم خلال جميع مراحل النزوح، وضمان وصولهم، من دون تمييز، إلى المأوى الملائم والغذاء والمياه والرعاية الصحية والتعليم والعمل والحماية الاجتماعية والوثائق الشخصية.
وأضاف أن القانون يجب أن يحدد بوضوح مسؤوليات الوزارات والإدارات العامة والبلديات والجهات الإنسانية، وأن ينشئ آليات فعالة للتنسيق والمساءلة، ويكفل للنازحين الوصول إلى المعلومات، والمشاركة في القرارات التي تمس حياتهم، واستخدام آليات شكاوى سرية وميسّرة، والحصول على الانتصاف الفعّال.
وشدد على ضرورة إيلاء عناية خاصة للأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والمفقودين وأفراد أسرهم، وحماية حقوق النازحين في السكن والأرض والملكية، وعدم ربط حصولهم على الحقوق والخدمات الأساسية بمكان تسجيلهم أو جنسيتهم أو انتمائهم أو وضعهم الاجتماعي.
مسؤولية الدولة تستمر إلى حين التوصل إلى حلول دائمة
وأكد جرجس أن مسؤولية الدولة لا تنتهي بانحسار حالة الطوارئ أو إغلاق مراكز الإيواء، بل تستمر إلى حين التوصل إلى حلول دائمة وآمنة وكريمة، سواء من خلال العودة الطوعية إلى مناطق الأصل، أو الاندماج المحلي في مناطق النزوح، أو الاستقرار في منطقة أخرى من البلاد.
وشدد على أن هذه الخيارات يجب أن تستند إلى إرادة النازحين الحرة والمستنيرة، وأن تُنفذ في ظروف تكفل السلامة والكرامة والاستدامة، من دون إكراه أو تمييز أو دفع الأشخاص إلى العودة إلى مناطق لا تزال غير آمنة أو لا تتوافر فيها مقومات العيش الأساسية.
وخلصت الندوة إلى ضرورة إقرار إطار قانوني وطني للنزوح الداخلي كأولوية تشريعية، ووضع معايير ملزمة لإدارة مراكز الإيواء وسلامتها، وضمان تيسيرها للأشخاص ذوي الإعاقة، وتعزيز آليات الإحالة الصحية ومتابعتها حتى حصول المستفيدين على الرعاية، وتفعيل تدابير الوقاية من الاستغلال والانتهاك الجنسيين، وإنشاء آليات شكاوى سرية وآمنة، وتوسيع خدمات الصحة العقلية والدعم النفسي والاجتماعي، وضمان استمرارية تعليم الأطفال النازحين.
وأكدت الهيئة أن المطلوب ليس إنشاء استجابة جديدة من الصفر، بل توسيع الممارسات الجيدة القائمة وتوحيدها وتحويلها إلى معايير وطنية ملزمة، مدعومة بالتشريع والموارد والتنسيق والمساءلة، بما يضمن أن تكون حماية النازحين قائمة على الحقوق لا على المساعدات المؤقتة وحدها.
كما جدّدت التزامها بمواصلة الرصد المستقل لأوضاع النازحين، ولا سيما الفئات الأكثر عرضة للمخاطر، خلال تشغيل مراكز الإيواء وعند دمجها أو إغلاقها، والعمل مع السلطات العامة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والشركاء الدوليين والمجتمع المدني لتحويل نتائج الرصد إلى إصلاحات وسياسات عامة تضمن لكل نازح الحق في الحماية والكرامة والحصول على حل دائم وآمن.
هذه المقالة متاحة أيضًا بـ:




