spot_img
spot_img

منشورات أخرى

إشكاليات دستورية وضمانات قانونية في اتفاقية نقل المحكوم عليهم بين لبنان وسوريا

يثير إبرام اتفاقية نقل المحكوم عليهم بين لبنان وسوريا...

تدمير جسور الليطاني يثير مخاوف من انتهاكات جسيمة وتمهيد لفرض وقائع احتلال

في تقرير نشرته المفكرة القانونية للكاتب علي سويدان، تتكشف...

هيومن رايتس ووتش تحذّر: تصعيد العمليات الإسرائيلية في لبنان يهدد المدنيين ويرقى إلى جرائم حرب

قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن القوات الإسرائيلية وسّعت...

موجة تضامن شعبي غير مسبوقة في لبنان: أكثر من 100 مبادرة تتكاتف لدعم النازحين

في واحدة من أوسع صور التكافل المجتمعي التي يشهدها...

إشكاليات دستورية وضمانات قانونية في اتفاقية نقل المحكوم عليهم بين لبنان وسوريا

يثير إبرام اتفاقية نقل المحكوم عليهم بين لبنان وسوريا مجموعة من الأسئلة القانونية والدستورية العميقة، تتجاوز البعد الإجرائي المرتبط بتنفيذ العقوبات، لتلامس جوهر مبدأ المشروعية، وتوازن السلطات، وضمانات المحاكمة العادلة، فضلاً عن انعكاساتها على حقوق الأفراد الخاضعين لها. وتندرج هذه الاتفاقية ضمن منظومة قانونية دولية متشابكة، تحكمها قواعد القانون الدولي العام، والممارسات المقارنة في الاتفاقيات الثنائية، إلى جانب الضوابط الدستورية الوطنية.

تتناول الكاتبة غيدة فرنجية،  في تقرير مشنور في “المفكرة القانونية”، الأبعاد القانونية لاتفاقية نقل المحكوم عليهم بين لبنان وسوريا، تبرز مسألة آلية إبرام الاتفاقية، وما إذا كانت قد احترمت الأصول الدستورية المنصوص عليها في النظام القانوني اللبناني. فالمادة 52 من الدستور اللبناني تُنيط برئيس الجمهورية، بالتنسيق مع مجلس الوزراء، صلاحية التفاوض بشأن المعاهدات الدولية وإبرامها، لكنها تشترط عرض بعض أنواع المعاهدات على مجلس النواب للموافقة عليها، ولا سيما تلك التي لا يجوز فسخها سنة فسنة أو التي تنطوي على أعباء مالية أو تمس بحقوق المواطنين.

وما يعزز هذه القراءة هو المقارنة مع آليّات إبرام اتفاقيات مماثلة مع دول أخرى، حيث  يظهر أنّه تم إبرامها بعد موافقة مجلس النوّاب عليها، ومنها الاتفاقيات مع روسيا (القانون رقم 49/2017) وبلغاريا (القانون رقم 467/2002) وقبرص (القانون رقم 481/1995). من جهة أخرى، أُبرمت بموجب المرسوم رقم 8780/2022 “الاتفاقية العربية لنقل نزلاء المؤسسات العقابية والاصلاحية في إطار تنفيذ الأحكام القضائية” التي أقرّت في إطار جامعة الدول العربية ودخلت حيز التنفيذ العام 2013.

أمّا بالنسبة للاتفاقيات الثنائية مع سورية، فقد تمّ إبرام العديد منها أيضًا بعد موافقة مجلس النوّاب، ومنها الاتفاقية الملحقة باتفاق التعاون القضائي لعام 1997 التي تتعلق بحق التقاضي والاعتراف بآليات التحكيم بين البلدين (القانون رقم 630/1997). في المقابل، تمّ إبرام اتفاقية تعاون بين معهدي القضاء في البلدين لتبادل الخبرات بموجب مرسوم من دون موافقة مجلس النواب (المرسوم رقم 11433/2003).

وتجدر الإشارة إلى أنّ الدولتين كانتا قد وقعتا على اتفاق سابق ينظّم آلية مماثلة لنقل المحكوم عليهم بين البلدين يعود للعام 2010، وهو “اتفاق نقل الأشخاص المحكوم عليهم بعقوبات سالبة للحرية” الذي وقّعه وزيرا العدل اللبناني إبراهيم نجار والسوري أحمد حمود يونس في 18/7/2010. ولئن نُشر هذا الاتفاق على موقع المجلس الأعلى اللبناني والسوري، لم نتمكّن من إيجاد أثرٍ لإبرامه وفقًا للأصول، إن كان بموجب مرسوم أو بموجب قانون، مما يشير إلى عدم دخوله حيز التنفيذ.

وبالاستناد إلى هذا المعيار، يُطرح التساؤل حول تصنيف اتفاقية نقل المحكوم عليهم، باعتبارها اتفاقية غير محددة المدة بطبيعتها، إذ تستمر إلى حين إنهائها بإرادة أحد الطرفين، ما يرجّح خضوعها لوجوب موافقة السلطة التشريعية. وفي حال تم إبرامها بموجب مرسوم صادر عن السلطة التنفيذية دون المرور بمجلس النواب، فإن ذلك قد يثير شبهة مخالفة دستورية، تتعلق بتجاوز الصلاحيات المحددة لكل سلطة، ويطرح إشكالية جدية في ما يتصل بمبدأ الفصل بين السلطات.

ولا يقتصر النقاش القانوني على مسألة الإبرام، بل يمتد إلى طبيعة النظام القانوني الذي تنشئه الاتفاقية. فهي لا تُفضي إلى إسقاط العقوبة أو إنهائها، بل إلى نقل تنفيذها من دولة إلى أخرى، وهو ما يُعرف في القانون الدولي بمبدأ “استمرارية تنفيذ العقوبة”. ويعني ذلك أن الحكم الصادر عن القضاء في الدولة الأولى يظل قائماً من حيث الأساس القانوني، بينما تتولى الدولة الثانية تنفيذ العقوبة وفقاً لقوانينها الداخلية، مع الالتزام بعدم الإخلال بطبيعة الحكم أو تشديده.

ويُعدّ هذا المبدأ من المبادئ المستقرة في الاتفاقيات الدولية الخاصة بنقل المحكوم عليهم، إذ يوازن بين سيادة الدولة التي أصدرت الحكم، واعتبارات إنسانية وإجرائية تتعلق بالمحكوم عليه، مثل تمكينه من قضاء عقوبته في بيئة اجتماعية وثقافية أقرب إليه. غير أن هذا التوازن يظل رهناً بمدى وضوح الضوابط القانونية التي تنظّم العلاقة بين الحكم الأصلي وآليات التنفيذ في الدولة المستقبلة.

وفي هذا الإطار، تبرز مسألة الشروط الواجب توافرها لنقل المحكوم عليه، والتي تشكّل حجر الأساس في حماية حقوقه وضمان عدم تعسف الدولتين في استخدام هذا النظام. ومن أبرز هذه الشروط، مبدأ ازدواجية التجريم، الذي يقتضي أن تكون الأفعال التي أدين بها الشخص مجرّمة في كلا النظامين القانونيين، إضافة إلى شرط موافقة المحكوم عليه على نقله، بما يعكس احترام إرادته الحرة، ويمنع تحويل النقل إلى إجراء قسري قد يرقى إلى مستوى المعاملة غير الإنسانية أو المهينة.

كما تشترط الاتفاقيات المماثلة، في الغالب، موافقة الدولتين المعنيتين، وهو ما يكرّس الطابع السيادي لهذا النوع من التعاون القضائي. إلا أن هذه الموافقة قد تُستخدم أحياناً كأداة لرفض النقل استناداً إلى مفاهيم واسعة وغير محددة، مثل “الأمن القومي” أو “النظام العام”، وهو ما يثير مخاوف من إمكانية توسيع نطاق السلطة التقديرية للدول على حساب حقوق الأفراد.

ومن بين الإشكاليات القانونية البارزة أيضاً، مسألة التمييز بين فئات السجناء، ولا سيّما بين المحكوم عليهم والموقوفين. فالأولون صدرت بحقهم أحكام نهائية أو قابلة للتنفيذ، ويخضعون لنظام تنفيذ العقوبات، ما يتيح للسلطة التنفيذية هامشاً لتنظيم كيفية تنفيذ العقوبة، بما في ذلك نقلها إلى دولة أخرى. أما الموقوفون، فهم لا يزالون قيد المحاكمة ويتمتعون بقرينة البراءة، وبالتالي فإن أي إجراء يتعلق بمصيرهم، بما في ذلك نقلهم، يظل خاضعاً حصراً لسلطة القضاء.

ويُعدّ هذا التمييز تجسيداً عملياً لمبدأ فصل السلطات، الذي يمنع السلطة التنفيذية من التدخل في عمل القضاء أو التأثير على مسار العدالة. ومن ثم، فإن أي محاولة لتوسيع نطاق تطبيق الاتفاقية ليشمل الموقوفين، دون ضمانات قضائية كافية، قد تشكّل انتهاكاً لهذا المبدأ، وتعرّض حقوق الأفراد للخطر.

على صعيد آخر، تثير الاتفاقية تساؤلات تتعلق بالضمانات اللاحقة لعملية النقل، ولا سيّما في ما يتصل بتنفيذ العقوبة في الدولة المستقبلة. فبينما يُفترض أن تستمر العقوبة وفقاً للحكم الأصلي، فإن تطبيقها يخضع لقوانين الدولة المنفذة، وهو ما قد يؤدي إلى اختلافات في كيفية احتساب مدة العقوبة، أو في شروط الإفراج المبكر، أو حتى في إمكانية منح العفو.

وتكمن الإشكالية هنا في غياب نصوص واضحة تنظم العلاقة بين هذين النظامين القانونيين، وتحدد بدقة حدود سلطة الدولة المنفذة في تعديل العقوبة أو التخفيف منها. ففي بعض الاتفاقيات، يُنص صراحة على عدم جواز تشديد العقوبة، وعلى ضرورة احترام طبيعتها ومدتها، مع السماح بتكييفها بما يتلاءم مع القانون الداخلي للدولة المنفذة. أما في حال غياب مثل هذه الضوابط، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام تفسيرات متباينة، تؤثر على مبدأ اليقين القانوني، وتخلق حالة من عدم الاستقرار بالنسبة للمحكوم عليهم.

ومن المسائل ذات الصلة أيضاً، موضوع العفو أو تخفيف العقوبة بعد النقل، والذي يُعدّ من أكثر الجوانب حساسية في هذا النوع من الاتفاقيات. ففي حين تُجيز بعض الأنظمة القانونية للدولة المنفذة منح العفو أو تخفيف العقوبة، فإن ذلك قد يتعارض مع إرادة الدولة التي أصدرت الحكم، ويثير تساؤلات حول مدى احترام سيادتها القضائية. وفي غياب تنظيم صريح لهذه المسألة، يصبح من الضروري الرجوع إلى المبادئ العامة للقانون الدولي، وإلى الممارسات المقارنة، لتحديد القواعد الواجبة التطبيق.

ولا يمكن إغفال البعد الحقوقي في هذا السياق، إذ إن نقل المحكوم عليهم يجب أن يتم في إطار احترام كامل للمعايير الدولية لحقوق الإنسان، بما في ذلك الحق في محاكمة عادلة، وحظر التعذيب والمعاملة اللاإنسانية، وضمان الكرامة الإنسانية للمحتجزين. ويقتضي ذلك التأكد من أن الدولة التي سينقل إليها المحكوم عليه توفر ظروف احتجاز تتوافق مع هذه المعايير، وأنه لن يتعرض لأي شكل من أشكال الانتهاك أو التمييز.

كما يفرض هذا البعد ضرورة التحقق من موافقة المحكوم عليه بشكل حر ومستنير، ومنحه الفرصة لفهم الآثار القانونية المترتبة على نقله، بما في ذلك اختلاف نظام تنفيذ العقوبة، وإمكانية تأثر حقوقه الإجرائية. ويُعدّ هذا الإجراء من الضمانات الأساسية التي تحول دون استخدام نظام النقل كأداة للضغط أو الإكراه.

في المحصلة، تكشف اتفاقية نقل المحكوم عليهم عن تداخل معقد بين اعتبارات السيادة، ومتطلبات التعاون القضائي، وضمانات حقوق الإنسان، في إطار قانوني يتطلب دقة في الصياغة، ووضوحاً في الضوابط، واحتراماً صارماً للمبادئ الدستورية. كما تبرز الحاجة إلى إخضاع مثل هذه الاتفاقيات لنقاش عام ومؤسسي، يشارك فيه مختلف الفاعلين القانونيين، لضمان توافقها مع المعايير الوطنية والدولية.


اكتشاف المزيد من الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان - لبنان

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

NHRCLB
NHRCLBhttps://nhrclb.org
تعمل الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب، على حماية حقوق الإنسان وتعزيزها في لبنان وفق المعايير الواردة في الدستور اللّبناني والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتفاقيات والمعاهدات الدولية والقوانين اللّبنانية المتفقة مع هذه المعايير. وهي مؤسسة وطنية مستقلة منشأة بموجب القانون 62/ 2016، سنداً لقرار الجمعية العامة للامم المتحدة (مبادئ باريس) التي ترعى آليات إنشاء وعمل المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان. كما تتضمن آلية وقائية وطنية للتعذيب (لجنة الوقاية من التعذيب) عملاً بأحكام البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية او اللاانسانية او المهينة الذي انضم اليه لبنان بموجب القانون رقم 12/ 2008.

اكتشاف المزيد من الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان - لبنان

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading