spot_img
spot_img

منشورات أخرى

دليل البروتوكول الاختياري لاتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب – الدليل التنفيذي

يشكّل هذا الكتيّب المعنون “دليل البروتوكول الاختياري لاتفاقية الأمم...

دليل إرشادي لأفضل الممارسات والتجارب في التربية على حقوق الإنسان في المدارس في المنطقة العربية لعام 2026

أطلقت الشبكة العربية للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، بالشراكة مع...

الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان تطالب بالإفراج عن الرابر اللبناني جعفر إسكندر

تحديث: أُطلق سراح جعفر إسكندر عند الساعة الحادية عشرة...

نحو إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان: 2025 عام التحوّل من الواقع العملي إلى المسار التشريعي

شهد عام 2025 تطوّرًا نوعيًا في مسار التعامل مع عقوبة الإعدام في لبنان، حيث انتقل النقاش من كونه جدلًا حقوقيًا طويل الأمد إلى مسار تشريعي واضح ومؤسساتي، تمثّل في تقديم اقتراح قانون بتاريخ 25 أيلول 2025 يرمي إلى إلغاء هذه العقوبة من المنظومة الجزائية بشكل كامل. ويأتي هذا التطور في سياق واقع لبناني فريد، يتمثل في وقف فعلي لتنفيذ أحكام الإعدام منذ عام 2004، رغم استمرار وجودها في النصوص القانونية، ما خلق حالة من الازدواجية بين التشريع والممارسة.

ويُظهر اقتراح القانون، الذي قُدّم إلى مجلس النواب، توجّهًا صريحًا نحو إلغاء عقوبة الإعدام أينما وردت في القوانين اللبنانية، واستبدالها بالعقوبات القصوى التي تليها. كما نصّ على تمكين المحكومين بالإعدام من الاستفادة من أحكام القانون الجديد، بما يعكس مقاربة إصلاحية تهدف إلى معالجة أوضاع قائمة، وليس فقط تعديل نصوص قانونية مستقبلية. وقد استند الاقتراح إلى أسباب موجبة متعددة، ركّزت على التحوّل العالمي نحو الإلغاء، وعلى خصوصية الحالة اللبنانية التي لم تشهد أي تنفيذ منذ أكثر من عقدين.

ولا تقتصر الإشكاليات المرتبطة بعقوبة الإعدام في لبنان على بعدها القانوني، بل تمتد إلى ظروف الاحتجاز المرتبطة بها. إذ تشير المعطيات إلى أن السجون اللبنانية تعاني من اكتظاظ شديد، حيث يبلغ معدل الإشغال نحو 194%، ما يجعلها من بين الأكثر اكتظاظًا في المنطقة. كما سُجّلت حالات من المعاملة التي قد ترقى إلى سوء المعاملة، إلى جانب تدهور الحالة الصحية والنفسية للمحكومين، مع إفادات عن محاولات انتحار متكررة بين بعضهم، ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى توافق هذه الأوضاع مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

لا يزال لبنان يُبقي على عقوبة الإعدام ضمن إطاره التشريعي. إذ تنصّ عليها أحكام قانون العقوبات وتشريعات أخرى، بما في ذلك قانون القضاء العسكري وبعض القوانين الخاصة. ووفقًا للمعطيات، يورد قانون العقوبات 19 جريمة معاقبًا عليها بالإعدام، بينما يتضمّن الإطار القانوني الأوسع أكثر من 41 نصًا تشريعيًا يجيز تطبيق هذه العقوبة على نحو عشرين جريمة، موزّعة بين قانون العقوبات وقانون القضاء العسكري، مع عدد محدود في القوانين الخاصة، من بينها نص واحد في القانون رقم 673 تاريخ 16 آذار/مارس 1998 المتعلّق بالمخدّرات والمؤثّرات العقلية والسلائف الكيميائية، ونصّان في القانون رقم 64 تاريخ 12 آب/أغسطس 1988 المتعلّق بحماية البيئة من التلوّث الناجم عن النفايات الخطرة والمواد الضارّة.

وقد بلغ هذا المسار التشريعي ذروته في عام 2025 مع مناقشة اقتراح القانون في مجلس الوزراء 20 تشرين الثاني 2025، الذي أصدر رأيًا خطيًا مفصلًا يؤيد الإلغاء بشكل كامل، في خطوة غير مسبوقة على مستوى السلطة التنفيذية. وقد استند هذا الموقف إلى مطالعتين صادرتين عن وزارة العدل ووزارة الشؤون الاجتماعية، أكدتا أن إلغاء العقوبة ينسجم مع التزامات لبنان الدولية ومع تطور مفاهيم العدالة الجنائية نحو مقاربة إصلاحية قائمة على إعادة التأهيل.

ويُعدّ كتاب رئيس مجلس الوزراء القاضي نواف سلام إلى مجلس النواب محطة مفصلية في هذا المسار، حيث قدّم مقاربة متكاملة للإلغاء، معتبرًا أن المسألة تتجاوز مجرد تعديل قانوني، لتشكّل خيارًا حضاريًا يعكس التزام الدولة بحماية الحق في الحياة. كما شدّد على أن استمرار وجود العقوبة في النصوص، رغم عدم تنفيذها منذ سنوات طويلة، يكرّس تناقضًا قانونيًا يجب معالجته من خلال إلغاء صريح وشامل.

وأشار الكتاب أيضًا إلى أن الإلغاء لا يعني التساهل مع الجرائم الخطيرة، بل يستدعي تطوير سياسات جنائية بديلة تعالج الأسباب الجذرية للجريمة، مثل الفقر والتهميش والعوامل الاجتماعية. كما أكد على أن العقوبة القصوى البديلة يجب أن تضمن تحقيق العدالة وحماية المجتمع، دون اللجوء إلى عقوبة نهائية لا رجعة فيها.

وفي موازاة ذلك، يعكس هذا المسار تحوّلًا في موقع لبنان ضمن النقاش الدولي حول عقوبة الإعدام. فقد صوّت لبنان في السنوات الأخيرة لصالح قرارات الأمم المتحدة الداعية إلى وقف تنفيذ الإعدام، ما يعكس انسجامًا تدريجيًا مع الاتجاه العالمي نحو الإلغاء. غير أن هذا الانسجام ظلّ حتى عام 2025 محصورًا في الممارسة السياسية والدبلوماسية، دون أن يُترجم إلى نصوص قانونية ملزمة.

تُظهر المعطيات المتوافرة حول عقوبة الإعدام في لبنان استمرار حالة التناقض البنيوي بين الإبقاء على العقوبة في التشريعات الجزائية وتعليق تنفيذها فعلياً منذ أكثر من عقدين. فمنذ آخر تنفيذ لعقوبة الإعدام عام 2004، يعيش لبنان في ظل وقف غير معلن، ما يضعه في موقع انتقالي بين الدول المُبقية على العقوبة والدول التي تتجه نحو إلغائها.

يشير تقرير “توزيع السجناء الحاليين حسب مدة الحكم والفئة ونوع الجرم”، الصادرة عن مديرية السجون في وزارة العدل، وجود 85 سجينًا محكومين بالإعدام حتى نهاية العام 2025. ووفق البيانات الحديثة الصادر عن تحالف معًا ضد عقوبة الإعدام (ECPM) بالتعاون مع الجمعية اللبنانية للحقوق المدنية (LACR)  وجمعية عدل ورحمة (AJEM)، بلغ عدد الأشخاص المحكومين بالإعدام في لبنان 84 شخصاً حتى نهاية عام 2024، بينهم امرأة واحدة على الأقل، في حين سُجّلت حالات تشير إلى تعرّض بعض المحكومين لأوضاع قد ترقى إلى سوء المعاملة، بما في ذلك تدهور حالتهم الصحية النفسية والجسدية ومحاولات انتحار متكررة . وتعكس هذه المعطيات الطبيعة المركّبة لعقوبة الإعدام، ليس فقط كعقوبة قصوى، بل كحالة احتجاز طويلة الأمد في ظروف قاسية.

لا يزال لبنان يُبقي على عقوبة الإعدام ضمن إطاره التشريعي. إذ تنصّ عليها أحكام قانون العقوبات وتشريعات أخرى، بما في ذلك قانون القضاء العسكري وبعض القوانين الخاصة. ووفقًا للمعطيات، يورد قانون العقوبات 19 جريمة معاقبًا عليها بالإعدام، بينما يتضمّن الإطار القانوني الأوسع أكثر من 41 نصًا تشريعيًا يجيز تطبيق هذه العقوبة على نحو عشرين جريمة، موزّعة بين قانون العقوبات وقانون القضاء العسكري، مع عدد محدود في القوانين الخاصة، من بينها نص واحد في القانون رقم 673 تاريخ 16 آذار/مارس 1998 المتعلّق بالمخدّرات والمؤثّرات العقلية والسلائف الكيميائية، ونصّان في القانون رقم 64 تاريخ 12 آب/أغسطس 1988 المتعلّق بحماية البيئة من التلوّث الناجم عن النفايات الخطرة والمواد الضارّة.

أما على مستوى الاتجاهات القضائية، فيُظهر تطور عدد الأحكام الصادرة خلال السنوات العشر الأخيرة تراجعاً ملحوظاً. فقد انخفض عدد أحكام الإعدام من 28 حكماً عام 2015 إلى حكمين فقط في عام 2024 ، ما يعكس توجهاً قضائياً أكثر تحفظاً في اللجوء إلى هذه العقوبة. ويُستدل من هذا المنحى، إلى جانب المعطيات المتوافرة لعام 2025، أن عدد الأحكام الجديدة بلغ صفر حكم في عام 2025، ما يعزز الاتجاه نحو تقليص استخدام العقوبة وصولاً إلى شبه تعطيلها عملياً.

في موازاة ذلك، ترتبط عقوبة الإعدام في لبنان بسياق أوسع من التحديات المرتبطة بظروف الاحتجاز. إذ تشير البيانات إلى أن السجون اللبنانية تُعد من بين الأكثر اكتظاظاً في الشرق الأوسط، مع نسبة إشغال تصل إلى 194% ، ما يؤدي إلى أوضاع معيشية قاسية تشمل ضعف النظافة، نقص الرعاية الصحية، وسوء التغذية. وتؤثر هذه الظروف بشكل خاص على المحكومين بالإعدام الذين يقضون فترات طويلة في حالة انتظار غير محددة، ما يفاقم معاناتهم النفسية ويثير تساؤلات جدية حول مدى توافق هذه الأوضاع مع المعايير الدولية لمعاملة السجناء.

وعلى المستوى الدولي، يواصل لبنان الانخراط جزئياً في الاتجاه العالمي نحو تعليق عقوبة الإعدام، حيث صوّت لصالح قرارات الأمم المتحدة الداعية إلى وقف تنفيذها منذ عام 2020، كما قبل جزئياً توصيات متعلقة بها في إطار الاستعراض الدوري الشامل . غير أن هذا الانخراط لا يزال غير مكتمل في ظل غياب خطوة تشريعية واضحة لإلغاء العقوبة.

اليوم، ومع طرح اقتراح قانون الإلغاء ومناقشته على أعلى المستويات، يبدو أن لبنان يقف أمام لحظة حاسمة في هذا المسار. فإقرار القانون من شأنه أن ينقل البلاد من حالة “الوقف الفعلي” إلى “الإلغاء القانوني”، ما يعزّز اتساق المنظومة القانونية ويكرّس حماية الحق في الحياة كحق أساسي غير قابل للانتقاص.

وفي المحصلة، يمكن اعتبار عام 2025 نقطة تحوّل في مسار عقوبة الإعدام في لبنان، حيث تلاقت الإرادة التشريعية والتنفيذية مع المعطيات الواقعية والالتزامات الدولية، لفتح الباب أمام إلغاء هذه العقوبة بشكل نهائي. ويبقى الرهان اليوم على استكمال هذا المسار في مجلس النواب، وتحويل هذا التوجّه إلى قاعدة قانونية راسخة تعكس تطور النظام القانوني اللبناني وتقدّمه في مجال حقوق الإنسان.

هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية)


اكتشاف المزيد من الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان - لبنان

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

NHRCLB
NHRCLBhttps://nhrclb.org
تعمل الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب، على حماية حقوق الإنسان وتعزيزها في لبنان وفق المعايير الواردة في الدستور اللّبناني والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتفاقيات والمعاهدات الدولية والقوانين اللّبنانية المتفقة مع هذه المعايير. وهي مؤسسة وطنية مستقلة منشأة بموجب القانون 62/ 2016، سنداً لقرار الجمعية العامة للامم المتحدة (مبادئ باريس) التي ترعى آليات إنشاء وعمل المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان. كما تتضمن آلية وقائية وطنية للتعذيب (لجنة الوقاية من التعذيب) عملاً بأحكام البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية او اللاانسانية او المهينة الذي انضم اليه لبنان بموجب القانون رقم 12/ 2008.