بسام القنطار – مفوّض العلاقات الدوليّة والإعلام في الهيئة الوطنيّة لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب
شهدت منظومة الوقاية من التعذيب في لبنان خلال عام 2026 تطوّرات مؤسّسية ومالية وتنظيمية عزّزت الأساس المتاح لعمل لجنة الوقاية من التعذيب. غير أنّ هذه التطوّرات ترافقت مع استمرار مشكلات أساسية داخل أماكن الحرمان من الحرّية، أبرزها الاكتظاظ، وضعف الرعاية الصحّية، والعوائق أمام المساعدة القانونية، والتأخّر في تنفيذ قرارات إخلاء السبيل، والمخاطر المرتبطة بالعزل وقصور الإشراف. وتكشف قراءة منشورات الهيئة الوطنيّة لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب أنّ الانتقال من استكمال البنية المؤسّسية إلى تحقيق حماية يومية ملموسة للمحتجزين ما زال التحدّي المركزي، وأنّ تقييم التقدّم يتطلّب تتبّع التنفيذ والنتائج، إلى جانب رصد الأنظمة والاعتمادات والأنشطة المعلنة.
إطار قانوني قائم وتحدّيات في التفعيل
أُنشئت الهيئة الوطنيّة لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب بموجب القانون رقم 62، الصادر في 27 تشرين الأوّل/أكتوبر 2016. ويمنحها القانون الشخصية المعنوية والاستقلال الإداري والمالي، فيما تتولّى اللجنة وظائفها الوقائية وتصدر تقاريرها باستقلالية. وتعمل اللجنة بصفتها الآلية الوقائية الوطنيّة في لبنان بموجب البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب. ويضع هذا الإطار مهمّة الوقاية ضمن بنية وطنية دائمة، تقوم على زيارة أماكن الحرمان من الحرّية، وفحص المعاملة والظروف، وتحديد المخاطر، وتقديم التوصيات، والحوار مع السلطات بشأن الإصلاح. وتختلف هذه الوظيفة عن الاقتصار على التدخّل بعد وقوع انتهاك أو ورود شكوى محدّدة.
وينصّ القانون على أن تتألّف الهيئة من عشرة أعضاء، يشكّل خمسة منهم لجنة الوقاية من التعذيب. وقد صدر مرسوم تشكيل الهيئة رقم 3267 في 19 حزيران/يونيو 2018، ثمّ مرسوم تعيين أعضاء اللجنة رقم 5147 في 5 تمّوز/يوليو 2019. وشكّل هذان الإجراءان مرحلتين في بناء المؤسّسة، لكنّهما لم ينهيا بمفردهما مشكلات التمويل والتجهيز والأنظمة والموظّفين التي أثّرت لاحقاً في انتظام العمل واتّساعه.
عملت اللجنة فترةً طويلةً على أساس تطوّعي، في ظلّ تأخّر استكمال المقوّمات اللازمة لتفعيل عملها. لذلك، فإنّ مستجدّات عام 2026 تشكّل جزءاً من مسار تراكمي بدأ قبل سنوات، وليست بدايةً منفصلةً عن العمل السابق. فالإنشاء القانوني، وتعيين الأعضاء، والمباشرة بالعمل الميداني، واستكمال الأنظمة، وتحديد تاريخ بدء الولاية الأولى، مسائل متمايزة. ويربط النظام الداخلي بدء الولاية الأولى بصدور جميع المراسيم التطبيقية، ما يجعل تحديد نطاقها الزمني مسألةً تستلزم معالجةً مؤسّسيةً موثّقة. وتساعد هذه الدقّة على تجنّب اختزال تاريخ المؤسّسة في تاريخ تعيين أعضائها، أو افتراض اكتمال مقوّمات عملها منذ ذلك التاريخ.
وتتميّز لجنة الوقاية من التعذيب أيضاً عن اللجان المتخصّصة الأخرى داخل الهيئة، ومنها اللجان المعنيّة بالقانون الدولي الإنساني، والأطفال الضحايا، وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والاتّجار بالبشر. ويمكن لهذه اللجان أن تقدّم خبرات ومعلومات وإحالات مفيدة للعمل الوقائي، لكنّ اختصاصاتها لا تحلّ محلّ ولاية الآلية الوقائية الوطنيّة. ويكتسب تحديد الأدوار أهمّية عملية عند نشر الأخبار والتقارير، لأنّ استخدام الاسم المؤسّسي الكامل للهيئة لا يكفي وحده لبيان ما إذا كان النشاط زيارةً وقائية، أو تحقيقاً في شكوى، أو مساعدةً قانونية، أو عملاً موضوعياً في حماية الحقوق.
صلاحيات الزيارة بين النصّ والممارسة
يمنح الإطار القانوني لجنة الوقاية من التعذيب صلاحيات واسعة للوصول إلى أماكن الحرمان من الحرّية، وإجراء زيارات دورية وغير معلنة، ومقابلة المحتجزين على انفراد، والاطّلاع على المعلومات والسجلّات ذات الصلة. كما يتيح الاستعانة بالفحوص الطبّية عند الحاجة، وتقديم توصيات تتعلّق بالمعاملة وظروف الاحتجاز والوقاية من التعذيب وسوء المعاملة. وتنبع أهمّية هذه الصلاحيات من أنّ المخاطر لا تظهر دائماً في الشكاوى الرسمية، وقد تتّصل بنظام العمل داخل المكان، أو بنقص الموظّفين، أو بحرمان مستمرّ من الخدمات، أو بممارسات يتردّد المحتجزون في الحديث عنها أمام الإدارة.
ويظلّ الوصول الفعلي اختباراً حاسماً لهذه الصلاحيات. فالتنسيق الإداري قد يسهّل ترتيب الزيارة، لكنّه يفقد وظيفته إذا تحوّل إلى شرط للحصول على موافقة تقديرية، أو إلى وسيلة للتحكّم في اختيار المكان والتوقيت والأشخاص الذين يمكن مقابلتهم. كذلك، لا يكفي دخول المبنى لإثبات اكتمال الزيارة إذا تعذّر الوصول إلى بعض الأجنحة أو السجلّات، أو إجراء المقابلات السرّية. وتحتاج التقارير إلى توضيح نطاق كلّ زيارة وحدودها، وبيان ما إذا كانت مكتملة أو جزئية، لأنّ النتائج المستخلصة من جزء من المؤسّسة لا تصف بالضرورة جميع أقسامها.
ويبرز هنا الفرق بين الزيارة الوقائية وترتيبات مساعدة المحتجزين بصورة فردية. فقد تسمح ترتيبات مع جهة قضائية أو أمنية لمحامين بمراجعة ملفّات أو متابعة قرارات إخلاء سبيل، وهي وظيفة حمائية مهمّة. لكنّها لا تعوّض حقّ اللجنة في فحص البيئة العامّة للاحتجاز، واختيار الأشخاص الذين تقابلهم، ومراجعة السجلّات ذات الصلة، والعودة إلى المكان عند الحاجة. ويتيح الفصل الواضح بين المسارين حماية الاستقلال الوقائي، مع استمرار الاستفادة من المساعدة القانونية في معالجة أوضاع عاجلة، دون تقديم أحد النشاطين باعتباره بديلاً عن الآخر.
الموازنة: زيادة في الاعتمادات واختبار توافر الموارد
بلغت الموازنة المعتمدة للهيئة لعام 2026 نحو 50.99 مليار ليرة لبنانية، مقارنةً بنحو 33.515 مليار ليرة في عام 2025. وتوفّر الزيادة أساساً مالياً أوسع لعمل المؤسّسة، بما يشمل ولايتها العامّة والوظيفة الوقائية للجنة. غير أنّ قراءة الأرقام تتطلّب التمييز بين الاعتماد الوارد في الموازنة، والتحويلات التي تصل فعلياً، والنفقات التي يمكن تنفيذها في الوقت المناسب. فالقدرة على القيام بزيارة عاجلة أو الاستعانة بطبيب مستقلّ تتوقّف على إتاحة المال وإمكان استخدامه، وليس على وجود بند مالي في الوثائق وحده.
ويحمي الإطار التنظيمي حصّة لجنة الوقاية من التعذيب بما لا يقلّ عن ربع الموازنة الإجمالية للهيئة. وبالاستناد إلى اعتماد عام 2026، يعادل ذلك حدّاً أدنى قدره 12,747,500,000 ليرة لبنانية، أي نحو 12.75 مليار ليرة. وتمثّل نسبة 25% حدّاً أدنى، ويمكن أن ترتفع تبعاً للحاجات. وتكمن أهمّيتها في تثبيت مورد مخصّص للعمل الوقائي داخل مؤسّسة ذات ولايات متعدّدة، بما يحدّ من احتمال تراجع هذا العمل أمام التزامات أخرى. لكنّ الحماية العملية للحصّة ترتبط أيضاً بوضوح إدارتها، وسرعة توفيرها، وقدرة اللجنة على تحديد أولويات استخدامها.
وتشمل الاحتياجات الوقائية النقل إلى المرافق، وتكرار الزيارات، والاستعانة بخبراء في الطبّ والصحّة النفسية والعمل الاجتماعي، وتوفير الترجمة، وحفظ المعلومات بأمان، ومتابعة التوصيات. وبعض هذه الاحتياجات لا يحتمل انتظار إجراءات طويلة، خصوصاً عند ظهور مخاطر عاجلة أو ورود معلومات عن تدهور صحّي أو احتمال انتقام. لذلك، لا يقتصر الاستقلال المالي على قيمة المخصّصات، بل يشمل إجراءات تسمح بتنفيذ البرنامج الذي تحدّده اللجنة، مع احترام قواعد المحاسبة والرقابة. ويظلّ تقديم بيانات واضحة عن الاعتمادات والتحويلات والالتزامات والنفقات ضرورياً لتقييم مدى تحوّل الضمان المالي إلى قدرة تشغيلية.
وتدعم الشراكات الخارجية بعض الأنشطة والخبرات، لكنّها لا تلغي مسؤولية الدولة عن توفير موارد كافية ومستقرّة للآلية الوقائية الوطنيّة. فالاعتماد المفرط على فرص تمويل متقطّعة قد يحدّ من استمرارية الزيارات والمتابعة، أو يجعل بعض المجالات أكثر حضوراً من غيرها تبعاً للموارد المتاحة. ويعزّز التمويل القابل للتوقّع قدرة اللجنة على تحديد أولوياتها انطلاقاً من المخاطر، بما يشمل العودة إلى أماكن سبق رصدها، ومتابعة ظروف فئات أقلّ ظهوراً في النقاش العامّ. كما يسهّل التخطيط لبرنامج متوازن، بدلاً من الاقتصار على الاستجابة للحوادث الأكثر تداولاً.
المقرّ والموظّفون ومدوّنة الأخلاقيات
أعلنت الهيئة في 12 شباط/فبراير 2026 افتتاح مقرّها الرسمي في مبنى سرحال، في بولفار سامي الصلح ببيروت، برعاية رئيس الجمهورية ممثَّلاً بوزير العدل. ووفّر المقرّ عنواناً ثابتاً للعمل المؤسّسي وتلقّي المراجعات والتنسيق مع الجهات المعنيّة. وتشكّل هذه الخطوة تحسّناً عملياً مقارنةً بظروف العمل السابقة، لكنّ قيمة المقرّ لا تُقاس بوجوده وحده. فوظائفه تتطلّب إمكان استقبال الأشخاص بصورة تحفظ خصوصيتهم، وتيسير وصولهم إليه، وحماية الملفّات والشهادات والمعلومات الطبّية، ولا سيّما عندما يتعلّق الأمر بمحتجزين أو أطفال أو أشخاص يخشون كشف هوياتهم.
وشهد العام أيضاً إجراءات لتوظيف باحثين قانونيين، إلى جانب مبادرة لإنشاء قائمة خبراء متعدّدي الاختصاصات لدعم العمل الوقائي. وتساعد زيادة الكادر القانوني في البحث والتحليل ومراجعة الملفّات والمتابعة، لكنّها لا تغطّي بمفردها جميع حاجات الزيارة. ففحص ظروف الاحتجاز يتطلّب قراءةً طبّية ونفسية واجتماعية وإدارية، وقد يتعلّق بالتغذية أو الأدوية أو التهوية أو إدارة العزل أو إمكان الوصول إلى الخدمات. لذلك، يبقى التمييز ضرورياً بين تعزيز كادر الهيئة بصورة عامّة، واستكمال الجهاز المتخصّص الذي تحتاج إليه اللجنة لتنفيذ برنامج وقائي مستقلّ ومنتظم.
وفي أيلول/سبتمبر 2026، أضاف صدور مدوّنة الأخلاقيات إطاراً لتنظيم السلوك المهني، يتناول الاستقلالية والسرّية وتضارب المصالح والحماية من الاستغلال والإساءة والمساءلة. وتكتسب هذه القواعد أهمّية مباشرة في الزيارات، لأنّ أعضاء الفرق يتعاملون مع أشخاص في أوضاع هشّة ومعلومات قد تؤثّر في سلامتهم. ويتطلّب تطبيقها تدريباً واضحاً، وتحديداً لمسؤوليات المشاركين، وإجراءات للإبلاغ عن المخالفات والنظر فيها بصورة عادلة. كما يقتضي صون استقلال التقدير المهني، بحيث لا يصبح الخلاف مع توصية رقابية سبباً لمعاقبة صاحبها، ما دام قد مارس عمله ضمن الولاية والقواعد المعتمدة.
حصيلة الرصد والحاجة إلى بيانات قابلة للمقارنة
يوفّر التقرير السنوي لعام 2025، المنشور في الجريدة الرسمية في آب/أغسطس 2026، مرجعاً لتقييم التطوّر اللاحق. كما تتيح التقارير السابقة عن النظّارات والسجون ومراكز الاحتجاز المؤقّت متابعة المشكلات عبر الزمن، بدلاً من التعامل مع كلّ زيارة باعتبارها حدثاً منفصلاً. وتظهر أهمّية المقارنة عندما يتكرّر رصد نقص الرعاية أو الاكتظاظ أو العوائق القضائية في مرافق وفترات مختلفة.
وتختلف مؤشّرات العمل المؤسّسي في معناها. فعدد الزيارات لا يبيّن وحده عمقها أو مدّتها أو القيود التي واجهتها، وعدد الملفّات المراجعة لا يساوي عدد الأشخاص الذين تحسّنت أوضاعهم، كما أنّ عدد التوصيات لا يثبت تنفيذها. ومن هنا تبرز الحاجة إلى سجلّ يميّز بين الزيارات المكتملة والجزئية ومحاولات الزيارة التي تعثّرت، ويربط الملاحظات بالإجراءات اللاحقة. ويساعد ذلك على تقديم صورة أدقّ عن القدرة الوقائية، وعلى تحديد ما إذا كانت زيادة الأنشطة قد أدّت إلى توسيع الوصول، أو تحسين الخدمات، أو خفض مخاطر محدّدة داخل المؤسّسات.
ويحتاج تقييم النتائج إلى الجمع بين المعلومات المكتوبة والمشاهدة الميدانية. فقد تفيد إدارة مرفق بأنّ إصلاحاً أُنجز أو دواءً أصبح متاحاً، لكنّ التحقّق قد يتطلّب الاطّلاع على السجلّات، ومقابلة المحتجزين، وفحص استمرار الخدمة. كذلك، قد يثبت الإفراج عن شخص معالجة حالة فردية، بينما تبقى الآلية التي أدّت إلى التأخير قائمة. وتسمح هذه المقاربة بالفصل بين التدخّل العاجل والإصلاح المنهجي، وبقياس أثر كلّ منهما. كما تمنع تضخيم الإنجازات أو التقليل من قيمتها، لأنّها تربط التقييم بما أمكن توثيقه ضمن حدود واضحة.
المساعدة القانونية والضمانات منذ القبض
برز الوصول إلى المحامي وتنفيذ ضمانات الاحتجاز ضمن الاجتماعات التي عقدتها الهيئة مع الجهات القضائية ونقابة المحامين في بيروت. وتناولت المناقشات عوائق تطبيق المادّة 47، وصعوبة معرفة مكان بعض المحتجزين، والاحتجاز لحساب وحدات بعيدة، والتأخّر في تنفيذ قرارات إخلاء السبيل، وضعف الحضور الفعلي لمندوبي الأحداث في مراحل الاستجواب الأوّلي. وتكشف هذه القضايا أنّ الخطر لا يرتبط بظروف السجن وحدها، بل يبدأ في الساعات الأولى بعد القبض، عندما يكون الشخص أكثر اعتماداً على الجهة التي تحتجزه وأقلّ قدرةً على الوصول إلى الدعم الخارجي.
ويشكّل تسجيل الاحتجاز بصورة دقيقة أساساً لبقيّة الضمانات. فمعرفة وقت القبض ومكان وجود الشخص والجهة المسؤولة عنه تتيح للأسرة والمحامي والسلطة القضائية تتبّع وضعه، وتحدّ من فترات الغموض التي قد تزيد قابلية التعرّض للإكراه أو الإهمال. وتزداد أهمّية ذلك عندما يجري نقل المحتجز بين أكثر من وحدة أو مرفق. ويحتاج الرصد الوقائي إلى فحص السجلّات وتسلسلها، ومقارنتها بالإفادات، والتحقّق من أنّ النقل لا يقطع الاتّصال بالمحامي، أو يؤخّر العرض على الجهة القضائية، أو يترك الشخص دون دوائه أو معلوماته الطبّية.
ويتجاوز الحصول على المساعدة القانونية مجرّد وجود اسم محامٍ في الملفّ. فالمعيار العملي يتعلّق بإمكان الاتّصال به في الوقت المناسب، والتشاور معه بسرّية، وفهم الحقوق والإجراءات، والاستفادة من تمثيل فعلي. وتؤثّر العوائق المادّية والإدارية والمالية في هذه القدرة، خصوصاً بالنسبة إلى الأطفال والأشخاص الذين لا تملك أسرهم موارد كافية. ولهذا، تشكّل الشراكات مع نقابة المحامين والجهات الداعمة للمساعدة القانونية مدخلاً مهمّاً، شرط أن تقترن بإجراءات واضحة للإحالة والمتابعة، وأن تُقاس بمدى الوصول الفعلي إلى الخدمة، لا بعدد الاجتماعات أو الاتّفاقات وحدها.
كما يبرز التأخّر في تنفيذ قرارات إخلاء السبيل بوصفه مسألةً تتّصل بحرّية الشخص وبالاكتظاظ في آن واحد. فالقرار القضائي يفقد جزءاً من أثره إذا بقي تنفيذه معلّقاً بسبب إجراءات غير منجزة أو ضعف التنسيق بين الجهات. وتتيح مراجعة الحالات تحديد مواضع التأخير، سواء تعلّقت بالتبليغ أو السجلّات أو انتقال المعلومات أو غيرها من العوائق. وتحتاج المعالجة إلى تتبّع زمني واضح من صدور القرار إلى تنفيذه، وإلى توثيق الأسباب والجهات المسؤولة عن كلّ مرحلة، بما يساعد على إصلاح المسار وتجنّب تكرار المشكلة.
نطاق وقائي يتجاوز السجون التقليدية
وسّعت لجنة الوقاية من التعذيب نطاق حصرها لأماكن الحرمان من الحرّية، بما يشمل مرافق أمنية وعسكرية وقضائية، ومؤسّسات للأحداث، ومؤسّسات نفسية وصحّية واجتماعية، وأماكن أخرى قد لا يستطيع الأشخاص مغادرتها بحرّية. ويستند هذا الفهم إلى واقع الوضع داخل المكان، وإلى علاقة السلطة العامّة به، وليس إلى اسمه الإداري وحده. وتكمن أهمّية هذا النطاق في أنّ بعض الأشخاص قد يعيشون قيوداً شديدة خارج السجون المعروفة، بينما تكون فرصهم في الوصول إلى محامٍ أو آلية شكوى أو رقابة مستقلّة أقلّ وضوحاً.
ولا يعني إدراج فئة ضمن الحصر أنّ اللجنة زارت جميع المؤسّسات التابعة لها، أو أنّ أوضاعها القانونية والفعلية متطابقة. فبعض الأماكن يحتاج إلى استقصاء لتحديد مدى حرّية المغادرة، وأساس الإقامة، وطبيعة القيود، ودور السلطات في الإشراف أو الإذن أو القبول. كما تطرح بعض الفئات مسائل قانونية خاصّة، ومنها المقارّ التي تتمتّع بحمايات دبلوماسية. لذلك، تتطلّب الخريطة الوقائية بيانات عن كلّ مرفق، وسلطته المشرفة، وفئات المقيمين فيه، ومؤشّرات الاحتجاز، مع التمييز بين الحالات المؤكّدة والأماكن التي تحتاج إلى مزيد من الفحص.
ويتيح توسيع نطاق الرصد بناء برنامج يستند إلى المخاطر، بدلاً من التركيز الدائم على المؤسّسات الأكبر أو الأكثر حضوراً إعلامياً. فقد تستدعي مؤسّسة صغيرة زيارةً عاجلةً بسبب عزلة المقيمين أو ضعف الرقابة أو غياب آليات الشكوى. كما قد تحتاج بعض الفئات إلى طرق مقابلة مختلفة أو خبرات متخصّصة. وتساعد مشاركة الأطبّاء والمتخصّصين في الصحّة النفسية والعمل الاجتماعي والإعاقة على فهم هذه البيئات، شرط أن تبقى مهمّة الفريق محدّدة، وأن تُحمى المعلومات، وأن تُربط الملاحظات بتوصيات يمكن للجهات المختصّة تنفيذها ومتابعتها.
الصحّة النفسية والإعاقة وسياسات المخدّرات
تُعدّ مسائل الإدخال غير الطوعي إلى المؤسّسات النفسية، والتقييد، والعزل، والعلاج القسري، واحترام الاستقلالية الشخصية والمشاركة، قضايا أساسية تلتقي مع الولاية الوقائية عندما يكون الأشخاص غير قادرين على المغادرة بحرّية.
ويعزّز التعاون بين لجنة الوقاية من التعذيب ولجنة حماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في الهيئة فهم الحواجز التي يواجهها بعض المحتجزين. فقد تتعلّق المشكلة بطريقة التواصل، أو صعوبة فهم الإجراءات، أو عدم تهيئة المكان، أو الاعتماد الكامل على العاملين لتلبية الاحتياجات الأساسية. وتساعد مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة والمنظّمات التي تمثّلهم في تحديد هذه الحواجز وصياغة توصيات واقعية. ويظلّ لكلّ جهة اختصاصها، فيما يوفّر التنسيق فرصةً لتجنّب إغفال أوضاع لا تظهر عند استخدام أدوات زيارة موحّدة لا تراعي اختلاف الاحتياجات.
وفي مجال سياسات المخدّرات، تطرح الهيئة، من خلال عملية الإعداد والتشاور الواسعة حول «ميثاق حقوق الأشخاص المتأثّرين باستخدام المخدّرات»، نهجاً يقوم على الصحّة العامّة وحقوق الإنسان. وترتبط هذه المناقشات بالوقاية من خلال ظروف الاحتجاز، والوصول إلى العلاج، واستمرارية الأدوية، والتعامل مع أعراض الانسحاب، وطبيعة الإقامة في مراكز التأهيل. ويحتاج الرصد إلى التحقّق من الممارسات داخل المؤسّسات، ومن مدى قدرة المقيمين على المغادرة، ومن صون سرّية معلوماتهم الصحّية.
المساءلة عن التعذيب وحقوق الناجين
ظلّ تنفيذ القانون رقم 65/2017 ومقترحات تطويره ضمن الملفّات التي تتناولها الهيئة. وتثير الهيئة في منشوراتها شواغل تتعلّق بتعريف التعذيب، والعقوبات، ومدد التقادم، والاختصاص القضائي، واستقلال التحقيق، والوصول إلى جبر الضرر. وتشير هذه الشواغل إلى أنّ الوقاية تحتاج إلى بيئة قانونية ومؤسّسية تجعل الادّعاءات قابلةً للفحص الجادّ، وتحدّ من احتمال الإفلات من المساءلة.
وتحتاج التطوّرات القضائية في القضايا الفردية إلى عرض دقيق لمرحلتها الإجرائية. فالقرار الاتّهامي أو الحكم الإداري أو بدء المحاكمة يحمل دلالةً محدّدة، لكنّه لا يساوي حكماً جزائياً نهائياً، ولا يثبت بمفرده أنّ منظومة الانتصاف أصبحت فعّالة لجميع المتضرّرين. وتساعد هذه الدقّة في حماية قيمة التطوّر القضائي من المبالغة، وفي إبقاء الأسئلة المتعلّقة بالتنفيذ والتعويض والتحقيق المستقلّ واضحة. كما تمنع خلط أنواع المسؤولية أو تقديم نتائج لا تزال قابلةً للمراجعة باعتبارها قد حُسمت، وتوفّر أساساً أكثر موثوقية لمتابعة الإصلاح ومناقشة العقبات.
يضمن القانون اللبناني الحظر المطلق للتعذيب، بما يشمل فترات النزاع والضغوط الأمنية وحالات الاشتباه بارتكاب جرائم خطيرة. ويُفترض أن تُترجم هذه القاعدة في العمل الميداني إلى استمرار الضمانات الصحّية والقانونية والرقابية، دون انتقاص منها بسبب طبيعة التهمة أو الظروف المحيطة. كما تقتضي التعامل بجدّية مع مؤشّرات الإكراه، وحفظ الأدلّة، وإتاحة الفحص المستقلّ والإحالة المناسبة. ويظلّ الفصل بين الوقاية والتحقيق ضرورياً، مع إمكان أن تكشف الزيارة عن حاجة عاجلة إلى الحماية، أو عن معلومات تستدعي إحالةً آمنةً إلى الجهة المختصّة، وفق الضمانات الواجبة.
وشكّل نشر ميثاق حقوق ضحايا التعذيب والناجين منه، والمشاركة في طاولة مستديرة وطنية بشأن دعمهم، جزءاً من أجندة العام. وتركّزت المناقشات على الحماية، والمساعدة القانونية، والدعم النفسي والاجتماعي، وإعادة التأهيل، والمشاركة. وتتطلّب المتابعة تحديد مسارات الإحالة المتاحة، وشروط الاستفادة منها، ومدى استمراريتها، وإمكان وصول الأشخاص المعنيّين إليها فعلياً. كما تقتضي احترام خياراتهم، وعدم نقل معلوماتهم أو نشرها أو استخدامها خارج الغرض المتّفق عليه، إلّا بموافقتهم المستنيرة أو استناداً إلى أساس قانوني مشروع، مع مراعاة السرّية وضمانات الحماية.
العدوان الإسرائيلي وعمليات النقل وضمانات الاستمرارية
أضافت الأعمال العدائية التي نفّذتها قوّات الاحتلال الإسرائيلي خلال عام 2026 ضغوطاً على مؤسّسات الاحتجاز، وأثارت مسائل الإخلاء والنقل والطاقة الاستيعابية وسلامة المحتجزين. ففي آذار/مارس، نُقل 86 محتجزاً إلى رومية، ونُقل 40 آخرون من مرافق في الخيام وبنت جبيل وميس الجبل إلى صيدا، فيما بقي نحو 120 شخصاً في سجن النبطية في ذلك الوقت.
وتنشأ مخاطر النقل عندما تنفصل حركة الشخص عن سجلّاته وأدويته ومتابعته القضائية واتّصاله بأسرته ومحاميه. كما قد تؤدّي زيادة الأعداد في المؤسّسة المستقبلة إلى تفاقم الاكتظاظ أو الضغط على الرعاية والمياه والخدمات. لذلك، تتطلّب المتابعة معرفة الوجهة الفعلية، وتاريخ النقل، والجهة المسؤولة، والتحقّق من استمرار العلاج وإبلاغ الأطراف المعنيّة. وتحتاج خطط الطوارئ إلى مراعاة الأطفال والمرضى والأشخاص ذوي الإعاقة وغيرهم ممّن تتطلّب أوضاعهم ترتيبات إضافية. ويظلّ إجراء النقل نفسه خطوةً تحتاج إلى تقييم، ولا يكفي وصفه بأنّه إجراء للحماية لإثبات معالجة جميع آثاره.
التعاون الدولي والشراكات المهنية
استمرّ التواصل مع اللجنة الفرعية للأمم المتّحدة لمنع التعذيب باعتباره جزءاً من الإطار الوقائي، واستند إلى مساهمات وتقارير، منها مساهمة بشأن المادّة 4 من البروتوكول الاختياري، وتقرير قدّمته لجنة الوقاية من التعذيب في عام 2022.
وتناول التعاون مع جمعية الوقاية من التعذيب ومركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن مسائل التدريب، ودعم فرق الزيارة، والمساعدة القانونية، والتطوير المؤسّسي. كما سعت مبادرات أخرى إلى توسيع قاعدة الخبراء وتعزيز العمل المتعدّد الاختصاصات.
وتطرح الاستعانة بالخبراء والشركاء متطلّبات واضحة في اختيار المشاركين، وتحديد أدوارهم، وفحص تضارب المصالح، وضمان السرّية والإشراف. فالخبرة الخارجية تعزّز قدرة اللجنة، لكنّها تحتاج إلى الاندماج في برنامج تقوده اللجنة نفسها وتحدّد أولوياته. كما ينبغي حفظ المعرفة الناتجة عن المهامّ القصيرة داخل المؤسّسة، حتّى لا تضيع بانتهاء التكليف. وتزداد أهمّية ذلك في المتابعة المتكرّرة لمرفق أو ملفّ، حيث يفيد استمرار المنهجية والذاكرة المؤسّسية. ويمكن للتدريب أن يدعم هذه الاستمرارية عندما يقترن بأدوات عملية، وتقييم لتطبيق المهارات، ومراجعة لما تغيّر في جودة الرصد والتوصيات.
الاعتماد المؤسّسي وعلاقة اللجنة بالآليات الدولية
تزامنت هذه التطوّرات مع تقديم الهيئة طلب الاعتماد لدى التحالف العالمي للمؤسّسات الوطنيّة لحقوق الإنسان. ويتعلّق هذا المسار بتقييم الامتثال لمبادئ باريس ومقوّمات الاستقلال والفعّالية المؤسّسية. غير أنّه يظلّ مختلفاً عن تعيين لجنة الوقاية من التعذيب وعملها بموجب البروتوكول الاختياري. فاللجنة الفرعية تقدّم المشورة والمساعدة والتوصيات في المجال الوقائي، ولا تمنح اعتماداً مماثلاً لاعتماد التحالف العالمي. ويمنع توضيح هذا الفرق الخلط بين مسارين متكاملين في غايتهما العامّة، لكنّ لكلّ منهما أساسه ومعاييره وإجراءاته.
وأبرز عرض البنية المؤسّسية في ملفّ الاعتماد خصوصية الولاية الوقائية للجنة، ومواردها وموظّفيها، واستقلالها في وضع برنامجها وإعداد تقاريرها. وتساعد هذه الدقّة في حماية الاستقلال داخل المؤسّسة ذات الولايات المتعدّدة، وفي إظهار كيفية توزيع الوظائف دون إضعاف التكامل. كذلك، تتيح تقييم ما إذا كانت الترتيبات التنظيمية تعمل فعلياً، بدلاً من الاقتصار على وصفها في النصوص، وبيان كيفية معالجة الخلافات أو العوائق التي قد تؤثّر في ممارسة الولاية.
من التوصيات إلى نتائج يمكن التحقّق منها
تحتاج المرحلة المقبلة إلى نظام متابعة يربط كلّ توصية بجهة مسؤولة، وموعد محدّد، وردّ موثّق، ودليل على التنفيذ. ويساعد هذا النظام على التمييز بين توصية قُبلت نظرياً، وإجراء بدأ تنفيذه، وتحسين أمكن التحقّق من استمراره. كما يتيح تحديد العقبات التي تتكرّر، سواء تعلّقت بالموارد أو الإجراءات أو غياب التنسيق.
ويظلّ بناء برنامج زيارات قائم على المخاطر أولويةً عملية، بما يشمل مراحل الاحتجاز الأولى، ومؤسّسات الأحداث، والمؤسّسات النفسية، وغيرها من الأماكن التي قد لا يستطيع الأشخاص مغادرتها. ويحتاج البرنامج إلى مرونة تسمح بالاستجابة للمعلومات العاجلة، وإلى استمرارية تتيح العودة للتحقّق من المعالجة. كما يتطلّب توثيق القيود التي تعترض الزيارات، وتقييم أثرها في النتائج، دون كشف معلومات قد تعرّض الأشخاص للخطر. وتوفّر مراجعة تطبيق الضمانات، بما فيها المساعدة القانونية ومدد الاحتجاز، مجالاً لربط العمل الميداني بالملفّات القضائية، وتحديد أسباب المشكلات بصورة أدقّ.
وتشكّل الحماية من الأعمال الانتقامية شرطاً لسلامة الرصد ومصداقيته. فالمحتجز الذي يخشى العقاب قد يمتنع عن الكلام أو يقدّم روايةً لا تعبّر عن تجربته، كما قد يتردّد الموظّف أو الشاهد في كشف معلومات مهمّة. لذلك، تحتاج المقابلات إلى سرّية فعلية، وإلى شرح حدود استخدام المعلومات، ومراعاة الموافقة المستنيرة، ومتابعة ما قد يطرأ بعد الزيارة. وتشمل الحماية أيضاً أعضاء الفرق والخبراء الذين يمارسون عملهم ضمن الولاية. ويجب أن تتكامل هذه الضمانات مع إدارة آمنة للملفّات والإحالات، حتّى لا تتحوّل محاولة الحماية إلى مصدر إضافي للخطر.
شرعت الهيئة في إعداد التقرير السنوي لعام 2026، الذي سيتضمّن حصيلةً مدقّقةً تفصل بين الرصد والشكاوى والمساعدة القانونية والمناصرة والتدريب، وتعرض النتائج ضمن حدود الأدلّة المتاحة. فالتقدّم المؤسّسي الذي ظهر في المقرّ والموازنة والتوظيف والتنظيم يوفّر قاعدةً مهمّة، لكنّ الاختبار يبقى في حياة الأشخاص داخل أماكن الحرمان من الحرّية: هل يحصلون على الرعاية والمحامي والمراجعة القضائية؟ وهل تنخفض مخاطر العنف والعزل والإهمال؟ وهل تستجيب السلطات للتوصيات وتستمرّ التحسينات؟ وتحدّد الإجابات الموثّقة عن هذه الأسئلة مدى تحوّل البناء المؤسّسي إلى وقاية مستقلّة وفعّالة، قادرة على اكتشاف المخاطر مبكّراً ومتابعة معالجتها بصورة مستدامة.
هذه المقالة متاحة أيضًا بـ:





