spot_img
spot_img
spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

منشورات أخرى

اليوم الدولي للاعنف: لماذا يحتاج لبنان إلى ثقافة الحقوق والعدالة والسلام؟

يشكّل اليوم الدولي للاعنف، الذي يُحتفل به في الثاني...

تعميم رقم 76: ضمان حق مستخدمي المخدرات بالعلاج واحترام خصوصيتهم في حالات الإدمان والجرعة المفرطة

الجمهورية اللبنانية وزارة الصحة العامة الوزير بيروت في: 22 آب 2019 تعميم رقم...

اليوم الدولي للاعنف: لماذا يحتاج لبنان إلى ثقافة الحقوق والعدالة والسلام؟

يشكّل اليوم الدولي للاعنف، الذي يُحتفل به في الثاني من تشرين الأول من كل عام، مناسبة للبنان للتفكير في سبل حماية الكرامة الإنسانية، ومواجهة الظلم، وتسوية الخلافات بالوسائل السلمية. وفي بلد عانى الحروب المتعاقبة والنزوح والانقسامات الاجتماعية، يتطلّب تعزيز اللاعنف إجراءات ملموسة تشمل حماية المدنيين، والوقاية من التعذيب، وصون حرية التعبير السلمي، ودعم الناجين، وضمان المساءلة.

تحيي الأمم المتحدة اليوم الدولي للاعنف في الثاني من تشرين الأول، بالتزامن مع ذكرى ميلاد المهاتما غاندي. وقد أقرت الجمعية العامة هذه المناسبة بموجب القرار A/RES/61/271، المعتمد في 15 حزيران 2007، بهدف نشر رسالة اللاعنف من خلال التعليم وتوعية الجمهور، وتعزيز ثقافة السلام والتسامح والتفاهم.

بالنسبة إلى الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب، تتيح هذه المناسبة تأكيد العلاقة الوثيقة بين السلام وحقوق الإنسان. فالالتزام باللاعنف يجب أن ينعكس في كيفية ممارسة المؤسسات لسلطتها، وفي طريقة معالجة المجتمعات لخلافاتها، وفي فعالية القوانين والآليات التي تحمي الأفراد من الانتهاكات.

وتكتسب هذه المسائل أهمية خاصة في لبنان. فالمعاناة الناجمة عن النزاعات المسلحة، وتداعيات النزوح، والضغوط التي تواجهها الأسر والمؤسسات العامة، تجعل حماية الحياة والكرامة الإنسانية أولوية وطنية. ويتيح اليوم الدولي للاعنف مناقشة كيفية كسر أنماط الأذى المتكررة، وتعزيز الثقة بالوسائل السلمية والقانونية للمطالبة بالحقوق وصونها.

اللاعنف وسيلة لمواجهة الظلم

تعرّف الأمم المتحدة اللاعنف بأنه رفض استخدام العنف الجسدي لتحقيق تغيير اجتماعي أو سياسي. وتشير إلى ثلاث فئات رئيسية للعمل اللاعنفي: الاحتجاج والإقناع، وعدم التعاون، والتدخل اللاعنفي. ويؤكد هذا المفهوم قدرة الأفراد والمجتمعات على مواجهة الظلم من خلال تحركات سلمية منظّمة.

ويتطلّب اللاعنف وجود مساحة يستطيع فيها الناس التعبير والتنظيم والاحتجاج والمطالبة بالتغيير. كما يحتاج إلى مؤسسات تستمع إلى الشكاوى وتوفّر سبل إنصاف موثوقة. وتكتسب الدعوة إلى حلّ الخلافات سلمياً معناها حين يتمكّن الأفراد من الوصول إلى العدالة، والإبلاغ عن الانتهاكات دون خوف، والمشاركة في القرارات التي تؤثر في حياتهم.

في لبنان، ينبغي أن يعزّز الالتزام باللاعنف أصوات الضحايا والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحافيين والعمال والشباب والمجتمعات التي تواجه الإقصاء، وأن يدعم قدرتهم على المطالبة بحقوقهم بأمان وفعالية.

وتشكّل المساءلة ركناً أساسياً في هذا المسار. فالتحقيق في الانتهاكات، وتحديد المسؤوليات، وتوفير سبل الانتصاف، تساعد على منع تكرارها. وترسيخ ثقافة سلام مستدامة يتطلّب الاعتراف بالأذى ومعالجة أسبابه.

حماية المدنيين واحترام القانون الدولي

تتجلّى أهمية هذه المناسبة بوضوح في ضوء أعمال العنف التي شهدها لبنان. ففي نيسان 2026، نشر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تقريراً تناول الوفيات والنزوح خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من التصعيد الذي بدأ في آذار. ويؤكد هذا التوثيق ضرورة وضع حماية المدنيين والتحقيق في الانتهاكات المحتملة في صلب الاستجابة للنزاع.

وتشمل الأولويات العملية للبنان حماية المدنيين، وضمان الوصول إلى الخدمات الأساسية، ودعم الأسر النازحة، والتحقيق المستقل في الانتهاكات المزعومة. وينبغي أن توجّه احتياجات الناجين وحقوقهم جهود التعافي، بما يشمل الرعاية الصحية والدعم النفسي والاجتماعي والتعليم وسبل الانتصاف الفعّالة.

كما يجب أن تعيد عملية الإعمار توفير الظروف التي تسمح للمجتمعات بالعيش بأمان وكرامة. فالأسر تحتاج إلى ضمانات تتيح لها العودة إلى منازلها، وتمكّن الأطفال من الالتحاق بالمدارس، وتؤكد أن المؤسسات ستستجيب حين تكون حقوقهم مهدّدة.

ويتيح اليوم الدولي للاعنف إعادة تأكيد أهمية الدبلوماسية والتسوية السلمية للنزاعات، مع التشديد على وجوب احترام القانون الدولي ومساءلة المسؤولين عن انتهاكه.

حماية المشاركة المدنية السلمية

يعتمد مستقبل لبنان على قدرة الناس على المشاركة في الحياة العامة دون ترهيب. فالتظاهرات السلمية والنقاش العام والصحافة والمناصرة والتنظيم المدني توفّر قنوات أساسية للتعبير عن المظالم والمطالبة بالإصلاح.

وتوضح اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، في تعليقها العام رقم 37، أن القيود المفروضة على التجمع السلمي يجب أن تستوفي شروط المشروعية والضرورة والتناسب. وتقع على السلطات مسؤولية تبرير هذه القيود، ولا يجوز الاستناد إلى مفهوم فضفاض للنظام العام لتقييد الحق بصورة مفرطة.

وتزداد أهمية هذه المبادئ حين يتنامى الإحباط تجاه المؤسسات العامة. فحماية المشاركة السلمية تسمح بإيصال الشكاوى ومعالجتها من خلال المسارات الديمقراطية. وعلى السلطات تيسير التجمعات السلمية وحماية المشاركين فيها، وضمان احترام حقوق الإنسان في تعاملها معها.

كما تقع على القيادات السياسية والمجتمعية مسؤولية تشجيع نقاش يحفظ كرامة المختلفين في الرأي. فالاختلاف جزء من الحياة العامة، بينما تقوّض التهديدات والترهيب والتحريض الشروط اللازمة للمشاركة السلمية.

الوقاية من التعذيب والعنف في أماكن الاحتجاز

يجب أن يمتد الالتزام باللاعنف إلى الأماكن التي يُحرم فيها الأفراد من حريتهم. فالسجون ومراكز الشرطة وغيرها من أماكن الاحتجاز تضع الأشخاص تحت سلطة الدولة وسيطرتها، ما يجعل الضمانات الفعّالة والرقابة المستقلة ضرورة أساسية.

ويحظر القانون الدولي التعذيب في كل الأوقات والأماكن، بما في ذلك أثناء النزاعات المسلحة أو حالات الطوارئ العامة، دون أي استثناء.

وفي لبنان، تتطلّب الوقاية من التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة اهتماماً مستمراً بظروف الاحتجاز، والرعاية الصحية، والضمانات القانونية، وآليات الشكاوى، والتحقيق في مزاعم الانتهاكات. ويجب صون كرامة الأشخاص المحتجزين وحماية المبلّغين عن الانتهاكات من الانتقام.

وتربط ولاية الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب بين تعزيز الحقوق والوقاية من الانتهاكات. فالهيئة، المنشأة بموجب القانون رقم 62/2016، تشكّل إطاراً مؤسسياً مستقلاً لحماية حقوق الإنسان وتعزيزها في لبنان، بما يشمل المهام الخاصة بالوقاية من التعذيب.

ومن هنا، تمثّل هذه المناسبة فرصة لتأكيد أن ممارسة السلطة العامة بصورة مشروعة تستوجب احترام السلامة الجسدية والنفسية لكل إنسان.

إتاحة الفرصة للأطفال للنمو بعيداً عن العنف

تستحق حماية الأطفال اهتماماً خاصاً. فقد يتعرّض الأطفال للعنف نتيجة النزاعات المسلحة، أو الإساءة داخل المنزل، أو التنمّر، أو الممارسات التأديبية المؤذية، أو البيئات غير الآمنة. وتُعدّ الوقاية من هذه الأضرار أساسية لنموهم ولتماسك المجتمع اللبناني على المدى الطويل.

ويتناول موجز اليونيسف الصادر في أيلول 2026 حول نظام التعليم في لبنان آثار الأعمال العدائية منذ الثاني من آذار 2026، ويحدّد أولويات للتعافي تجمع بين تأهيل المدارس، وتعويض فاقد التعلّم، وتعزيز الرفاه النفسي والاجتماعي، وحماية الأطفال والعاملين في التعليم.

وتبيّن هذه الأولويات أهمية الاستثمار في الحياة اليومية للأطفال ضمن جهود بناء السلام. فإعادة تأهيل الصفوف يجب أن تترافق مع مساعدة الأطفال على الشعور بالأمان واستعادة الاستقرار والحصول على الدعم بعد التجارب المؤلمة.

وتشير اليونيسف في لبنان أيضاً إلى أن التأديب العنيف داخل المنزل يشكّل مصدر قلق رئيسياً في مجال حماية الطفل، وأن العنف قد يقع كذلك في المدارس والبيئات المجتمعية.

وعلى الأسر والمربّين والمؤسسات العامة اعتماد أساليب تربوية وتسوية للخلافات تحترم كرامة الطفل. فالاستماع إلى الأطفال، وتوفير الدعم المناسب، والاستجابة السريعة للإساءة، تساعد على منع الأذى وتعليم طرق عملية للتعامل مع الاختلاف.

ويتعلّم الأطفال من سلوك البالغين والمؤسسات. وحين يشاهدون معالجة المشكلات بالإنصاف والحوار والمساءلة، تتعزّز ثقتهم بهذه الوسائل.

مواجهة التمييز والعنف في الحياة اليومية

تمتد أهمية اللاعنف إلى العلاقات اليومية والخطاب العام. فالتنوّع الثقافي والديني والاجتماعي في لبنان يجعل المساواة في الكرامة والاحترام المتبادل أساسين للعيش المشترك.

وتتطلّب ثقافة اللاعنف إيلاء اهتمام خاص للأشخاص الأكثر عرضة للإقصاء أو الإساءة، بمن فيهم النساء والفتيات، والأشخاص ذوو الإعاقة، واللاجئون، والعمال المهاجرون، والأشخاص الذين يعيشون في الفقر. ويجب أن تكون الحماية متاحة للجميع، بصرف النظر عن الجنسية أو الوضع القانوني أو الخلفية الاجتماعية أو غيرها من الخصائص الشخصية.

وللخطاب العام أثر مباشر أيضاً. فالخطاب السياسي والتغطية الإعلامية والتواصل عبر الإنترنت يمكن أن تؤثر في نظرة الناس إلى بعضهم البعض وفي طريقة تعاملهم. وينبغي أن يرفض التواصل المسؤول تجريد الآخرين من إنسانيتهم وتحميل الجماعات مسؤولية جماعية، مع صون الحق في مساءلة السياسات وانتقاد المسؤولين ومناقشة قضايا الشأن العام.

ويمكن للحوار المجتمعي أن يساعد على معالجة التوترات، على أن يترافق مع حماية فعلية ومعاملة عادلة. فالناس يحتاجون إلى الثقة بأن المؤسسات ستستجيب للعنف والتمييز، وأن المساعدة ستُقدّم وفقاً للاحتياجات.

بناء الثقة من خلال العدالة والمؤسسات المستجيبة

يصبح الالتزام باللاعنف أكثر استدامة حين يثق الناس بقدرة المؤسسات العامة على الاستجابة لمخاوفهم بإنصاف.

وفي لبنان، يستوجب ذلك تعزيز الوصول إلى العدالة، وتحسين آليات الشكاوى، وزيادة شفافية الخدمات العامة واستجابتها للاحتياجات. كما يستوجب الاستماع إلى المجتمعات التي كثيراً ما تغيب تجاربها عن النقاشات المتعلقة بالسياسات العامة.

وفي رسالته بمناسبة اليوم الدولي للاعنف لعام 2026، شدّد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش على المخاطر الناجمة عن تنامي الانقسامات والنزاعات والفقر واللامساواة. وحذّر من تجاهل أسس السلام والتنمية، بما فيها حقوق الإنسان والقانون الدولي والدبلوماسية والحوار، داعياً إلى جهود متجدّدة لرأب الانقسامات وإنهاء المعاناة وبناء السلام باللاعنف.

وتعزّز هذه الرسالة، بالنسبة إلى لبنان، ضرورة ربط بناء السلام بعدالة المؤسسات والحماية الاجتماعية. فالضائقة المالية والإقصاء يتطلّبان استجابات جدية على مستوى السياسات. وتنمو الثقة العامة حين يرى الناس أن مخاوفهم مسموعة وأن حقوقهم تحظى بحماية متساوية.

تحويل المناسبة إلى خطوات عملية في لبنان

ينبغي أن يشجّع اليوم الدولي للاعنف عملاً مستمراً يتجاوز إحياء المناسبة السنوية. ومن الأولويات ذات الصلة بلبنان:

  • حماية المدنيين ودعم الناجين: ضمان استجابة الحماية والخدمات الأساسية وجهود التعافي لاحتياجات الناس وصون كرامتهم.
  • تعزيز المساءلة: التحقيق المستقل في الانتهاكات المزعومة وتوفير سبل انتصاف يسهل الوصول إليها.
  • صون الفضاء المدني: حماية التجمع السلمي وحرية التعبير والعمل الصحافي والدفاع عن حقوق الإنسان.
  • الوقاية من التعذيب وسوء المعاملة: تعزيز الضمانات والرقابة المستقلة والاستجابة الفعّالة للشكاوى في أماكن الاحتجاز.
  • حماية الأطفال: توفير مدارس آمنة وتربية خالية من العنف ودعم نفسي واجتماعي وآليات إبلاغ متاحة.
  • مواجهة التمييز: ضمان الحماية المتساوية والوصول إلى الخدمات، خصوصاً للأشخاص الذين يواجهون الإقصاء.
  • الاستثمار في التربية على حقوق الإنسان: تمكين المدارس والجامعات والمؤسسات العامة والمجتمعات من تطوير المعارف والمهارات اللازمة للمشاركة السلمية.
  • دعم الحوار الشامل: إتاحة الفرص لمناقشة المخاوف المشتركة والمساهمة في القرارات التي تؤثر في حياة الناس.

وتتطلّب هذه الأولويات تعاوناً بين السلطات العامة والمؤسسات المستقلة والمجتمع المدني والمربّين ووسائل الإعلام والمجتمعات المحلية. كما تحتاج إلى موارد وآليات لتقييم مدى تحوّل الالتزامات إلى تحسينات فعلية.

بالنسبة إلى الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب، تكمن أهمية هذه المناسبة في ارتباطها بالعمل اليومي لحماية الحقوق وتعزيزها. فرصد الانتهاكات، وتلقّي الشكاوى، ونشر ثقافة حقوق الإنسان، وتشجيع الإصلاح المؤسسي، تسهم في توفير الظروف التي تجعل العمل السلمي فعّالاً.

وفي الثاني من تشرين الأول، تتاح للبنان فرصة لتجديد التزام عملي: أن يتمكّن كل إنسان من العيش بكرامة، وطلب العدالة، والتعبير عن مخاوفه، والمشاركة في الحياة العامة دون عنف أو خوف. وتحقيق ذلك يتطلّب حماية مستمرة، ومؤسسات خاضعة للمساءلة، وإرادة ثابتة لتسوية الخلافات بالوسائل السلمية.

هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية)

NHRCLB
NHRCLBhttps://nhrclb.org
مؤسسة وطنية مستقلة منشأة بموجب القانون 62/ 2016، تتضمن آلية وقائية وطنية للتعذيب (لجنة الوقاية من التعذيب) عملاً بأحكام القانون رقم 12/ 2008 (المصادقة على البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب). An independent national institution established under Law No. 62/2016, which includes a National Preventive Mechanism against torture (the Committee for the Prevention of Torture), in accordance with the provisions of Law No. 12/2008 (ratifying the Optional Protocol to the Convention against Torture). Une institution nationale indépendante établie en vertu de la loi n° 62/2016, qui comprend un mécanisme national de prévention de la torture (le Comité pour la prévention de la torture), conformément aux dispositions de la loi n° 12/2008 (ratifiant le Protocole facultatif se rapportant à la Convention contre la torture).