يقف لبنان في صميم أزمة إقليمية متسارعة تتجاوز تداعياتها حدود المواجهة العسكرية المباشرة. وكما أبرز تقييم المكتب الإقليمي للدول العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الصادر في آذار/مارس 2026، فقد كشفت موجة التصعيد العسكري المستمرة في الشرق الأوسط عن هشاشات بنيوية عميقة في مختلف أنحاء المنطقة، غير أنّ هذه الهشاشات تتجلى بأشدّ صورها في لبنان. فبعد أن أُنهك أصلًا بفعل سنوات من الانهيار الاقتصادي، والشلل السياسي، وهشاشة المؤسسات، يواجه لبنان اليوم صدمة متعددة الأبعاد تجمع بين الدمار، والنزوح، والانكماش الاقتصادي، والانهيار المنهجي.
بلد على حافة الانهيار
قبل التصعيد، كان لبنان يمرّ بالفعل بإحدى أسوأ الأزمات الاقتصادية في التاريخ الحديث. فقد انهار النظام المالي في البلاد، وفقدت العملة الوطنية معظم قيمتها، فيما ارتفعت مستويات الفقر بشكل حاد. كما تدهورت الخدمات العامة، بما في ذلك الكهرباء والرعاية الصحية والتعليم، بشكل كبير، في حين كادت القدرة المالية للدولة أن تستنفد بالكامل. وفي هذا السياق، لا يشكّل التصعيد أزمة منفصلة بحدّ ذاته، بل يعمل كعامل مُضاعِف يُسرّع من وتيرة التدهور القائم.
ويؤكد تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن آثار الصدمات الإقليمية تتحدد إلى حدّ كبير وفقًا للهشاشات القائمة مسبقًا، بما في ذلك الاعتماد على الاستيراد، وضعف الحيّز المالي، وهشاشة أسواق العمل. ويجسّد لبنان جميع هذه الهشاشات في آنٍ واحد. فباعتباره اقتصادًا يعتمد بشكل كبير على الاستيراد، لا سيما في الغذاء والوقود، فإنه يبقى شديد التأثر بأي اضطرابات في سلاسل الإمداد أو تقلبات الأسعار العالمية.
الدمار والنزوح
يُعدّ الدمار المادي والنزوح الجماعي من أبرز الآثار المباشرة للتصعيد في لبنان. فقد أدّت الغارات الجوية المستمرة وأوامر الإخلاء إلى أضرار واسعة النطاق في المناطق السكنية، والبنية التحتية للنقل، والخدمات العامة الأساسية. واقتُلعت مجتمعات بأكملها من جذورها، حيث نزح نحو 900,000 شخص خلال أيام قليلة، فيما تشير التقديرات إلى أنّ أكثر من مليون شخص قد أُجبروا على مغادرة منازلهم.
ويتميّز النزوح في لبنان بتعقيد خاص نظرًا للتركيبة الديموغرافية في البلاد ووجود أعداد كبيرة من اللاجئين أصلًا. إذ يستضيف لبنان بالفعل عددًا كبيرًا من اللاجئين السوريين، يعيش الكثير منهم في ظروف هشّة. وقد أدّى التصعيد إلى أنماط جديدة من الحركة، من بينها تسارع عودة اللاجئين السوريين إلى سوريا تحت ضغط انعدام الأمن وتدهور الأوضاع المعيشية. وتشير التقارير إلى أنّ أكثر من 65,000 سوري عادوا خلال أسبوع واحد فقط من بدء التصعيد، ما يعكس كيف أنّ النزاع في لبنان يُنتج تداعيات إنسانية عابرة للحدود.
تتّسم الأوضاع في مواقع النزوح بالقسوة الشديدة. فقد جرى تحويل المدارس والمباني العامة إلى مراكز إيواء، وغالبًا ما تعاني هذه المراكز من الاكتظاظ ونقص خدمات الصرف الصحي والإمدادات المائية والرعاية الصحية. وتؤدي هذه الظروف إلى زيادة مخاطر تفشّي الأمراض، وتعزيز هشاشة الفئات الأكثر ضعفًا، لا سيما النساء والأطفال وكبار السن.
انهيار الخدمات الأساسية
تتعرض أنظمة الخدمات العامة الهشّة أصلًا في لبنان لضغوط هائلة. فقد تأثرت البنية التحتية للرعاية الصحية بشكل مباشر، حيث أُجبر العشرات من مراكز الرعاية الصحية الأولية والمستشفيات على الإغلاق نتيجة تدهور الوضع الأمني، ما أدى إلى تقليص كبير في إمكانية الوصول إلى الخدمات الطبية لكل من النازحين والمجتمعات المضيفة.
ويمتد هذا التعطيل إلى سلاسل الإمداد الإنسانية، إذ أدّت القيود الإقليمية على النقل الجوي والبحري إلى إبطاء وصول الأدوية والمعدات الطبية والمساعدات الإنسانية. وفي الوقت نفسه، واجهت مراكز الإمداد العالمية، مثل مركز الخدمات اللوجستية التابع لمنظمة الصحة العالمية في دبي، اضطرابات تشغيلية، مما زاد من صعوبة تدفّق الإمدادات الأساسية إلى لبنان والمنطقة ككل.
كما تعرّض قطاع التعليم لتأثيرات شديدة، إذ قرّرت الحكومة اللبنانية تعليق العام الدراسي إلى أجل غير مسمّى، في حين تم تحويل أكثر من 325 مدرسة إلى مراكز إيواء للعائلات النازحة. ولا يؤدي ذلك فقط إلى تعطيل التعليم الرسمي، بل يحرم الأطفال أيضًا من بيئة حماية أساسية. ومن المرجّح أن يخلّف هذا الانقطاع الطويل الأمد آثارًا سلبية عميقة على تنمية رأس المال البشري والتماسك الاجتماعي.
الانتقال الاقتصادي وصدمة التضخّم
إلى جانب الأزمة الإنسانية المباشرة، يشهد لبنان تداعيات اقتصادية عميقة ناتجة عن التصعيد الإقليمي. ويُحدّد التقرير اضطرابات التجارة البحرية وتدفّقات الطاقة كقنوات رئيسية لانتقال هذه الآثار. فقد تراجع نشاط الشحن عبر الممرات الحيوية بشكل حاد، في حين ارتفعت تكاليف النقل نتيجة زيادة أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب.
وتنعكس هذه الاضطرابات مباشرةً على الأسعار المحلية في لبنان. وباعتباره اقتصادًا يعتمد على الاستيراد، يبقى لبنان شديد التأثّر بارتفاع أسعار الطاقة والغذاء عالميًا. إذ تؤدي زيادة كلفة الوقود والأسمدة والنقل إلى تغذية التضخم، مما يضعف القدرة الشرائية ويعمّق مستويات الفقر.
ويُعدّ الأمن الغذائي مصدر قلق بالغ. إذ يشير التقرير إلى أن أسعار الأسمدة قد ارتفعت بالفعل بشكل ملحوظ، فيما أدّت اضطرابات الشحن إلى تقييد المدخلات الزراعية وسلاسل الإمداد. وفي لبنان، حيث يواجه نحو 17 في المئة من السكان أصلًا مستويات جوع تُصنّف ضمن حالات الأزمات، فإن هذه الضغوط قد تدفع أعدادًا أكبر من الأسر إلى دائرة انعدام الأمن الغذائي.
كما تُفاقم اضطرابات قطاع الطاقة من حدّة الأزمة. إذ يعتمد لبنان بشكل كبير على الوقود المستورد لتوليد الكهرباء وتشغيل وسائل النقل. وتؤدي الزيادات في أسعار الطاقة عالميًا، إلى جانب اضطرابات الإمدادات، إلى رفع التكاليف في مختلف قطاعات الاقتصاد، مما يعزّز التضخم ويقيّد النشاط الاقتصادي.
الهشاشة المالية والنقدية
يواجه النظام المالي في لبنان، والذي يعاني أصلًا من ضعف شديد، ضغوطًا إضافية في ظل الظروف الراهنة. ويشير التقرير إلى مخاطر تدهور سعر الصرف، وخروج رؤوس الأموال، وارتفاع كلفة الاقتراض على مستوى المنطقة. وفي لبنان، تتفاقم هذه المخاطر نتيجة غياب أدوات فعّالة للسياسة النقدية واستنزاف الاحتياطيات بالعملات الأجنبية.
كما يشكّل اعتماد البلاد الكبير على التحويلات المالية، التي تمثّل نحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي، طبقة إضافية من الهشاشة. إذ إن أي اضطرابات اقتصادية في دول الخليج، حيث يعمل عدد كبير من اللبنانيين، قد تؤدي إلى تراجع تدفّقات التحويلات، مما يفاقم الضغوط على دخل الأسر وتوافر العملات الأجنبية.
وعلى الصعيد المالي، تكاد قدرة الدولة على الاستجابة تكون معدومة. فارتفاع تكاليف الدفاع وإعادة الإعمار يتزامن مع تراجع حاد في الإيرادات، ما يترك الحكومة عاجزة عن توفير الحماية الاجتماعية الكافية أو الاستثمار في جهود التعافي. ويشير التقرير إلى أنّ احتياجات إعادة الإعمار في لبنان باتت هائلة ومتزايدة، وذلك في ظل إطار مالي منهار أصلًا.
المخاطر البيئية والصحية
يُولّد التصعيد أيضًا آثارًا بيئية كبيرة في لبنان. إذ تؤدي الغارات الجوية والحرائق إلى إطلاق ملوّثات، بما في ذلك الجسيمات الدقيقة والمواد السامة، مما يفاقم تدهور جودة الهواء ويشكّل مخاطر صحية طويلة الأمد. ويمكن لهذه الملوّثات أن تنتقل إلى ما هو أبعد من مناطق النزاع المباشرة، لتؤثر على مناطق أوسع.
كما تتقاطع هذه الأضرار البيئية مع التحديات الصحية العامة، لا سيما في مواقع النزوح حيث تفتقر الظروف إلى خدمات الصرف الصحي الملائمة ويكون الوصول إلى الرعاية الصحية محدودًا. ويؤدي هذا التداخل إلى زيادة عبء الأمراض وارتفاع احتمالات حدوث آثار صحية طويلة الأمد على السكان المتضررين.
تراجع التنمية البشرية
لعلّ الجانب الأكثر إثارة للقلق في هذه الأزمة يتمثل في تأثيرها على التنمية البشرية. إذ يقدّر تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن التنمية البشرية على مستوى المنطقة قد تنخفض بنسبة تتراوح بين 0.2 و0.4 في المئة، وهو ما يعادل خسارة تصل إلى عام كامل من التقدّم. وفي منطقة المشرق، بما فيها لبنان، تكون هذه الانتكاسات أكثر حدّة، حيث قد تصل إلى خسارة سنة ونصف من مكاسب التنمية.
بالنسبة إلى لبنان، يمثّل ذلك استمرارًا لمسار التراجع الذي بدأ مع الأزمة المالية. فالتآكل في قطاعات التعليم والرعاية الصحية وسبل العيش يقوّض آفاق التنمية على المدى الطويل، ويهدّد بترسيخ الفقر وعدم المساواة.
الهشاشة البنيوية والمخاطر النظامية
ما يميّز وضع لبنان لا يقتصر على حجم الأزمة الراهنة فحسب، بل على طابعها النظامي أيضًا. إذ يتفاعل التصعيد مع نقاط الضعف البنيوية القائمة مسبقًا، مما يخلق حلقة مفرغة من التدهور. فالانكماش الاقتصادي يقلّص القدرة المالية للدولة، ما يضعف الخدمات العامة، الأمر الذي يزيد بدوره من الهشاشة الاجتماعية وعدم الاستقرار.
ويُظهر نموذج التقرير كيف تنتقل الصدمات عبر أنظمة مترابطة تشمل التجارة والطاقة والقطاع المالي واللوجستيات. وفي لبنان، تكون قنوات انتقال هذه الآثار أكثر حدّة نظرًا لانفتاح الاقتصاد واعتماده الكبير على المدخلات الخارجية. وحتى في حال كان النزاع قصير الأمد، إذ يفترض النموذج مدة أربعة أسابيع، فإن تأثيراته قد تكون طويلة الأمد بسبب هذه الخصائص البنيوية.
أزمة داخل أزمة
تُبرز تجربة لبنان مع التصعيد الإقليمي كيف يمكن للنزاعات أن تحوّل الصدمات المحلية إلى أزمات نظامية شاملة. إذ يواجه البلد تحديات متزامنة على المستويات الإنسانية والاقتصادية والبيئية والمؤسساتية، بحيث يعزّز كل منها الآخر.
تبدو الأولويات الفورية واضحة: حماية المدنيين، وضمان الوصول الإنساني، واستقرار الخدمات الأساسية. غير أنّ حجم الأزمة يفرض أيضًا استجابة أوسع تعالج مكامن الضعف البنيوية وتدعم التعافي على المدى الطويل.
ومن دون مثل هذه التدخلات، يواجه لبنان خطر الانزلاق إلى مرحلة طويلة من التدهور، تتّسم بترسّخ الفقر، وضعف المؤسسات، وتراجع آفاق التنمية. إن التصعيد الحالي ليس مجرّد اضطراب مؤقت، بل يشكّل لحظة مفصلية قد ترسم مسار البلاد لسنوات قادمة.
هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية)

