spot_img
spot_img

منشورات أخرى

مقابلة الهيئة الوطنية مع اذاعة صوت الشعب: التوثيق أساس العدالة والدعوة لتفعيل المساءلة الدولية

في إطار التفاعل الإعلامي مع تطورات الأوضاع في لبنان، ولا سيما في ظل تصاعد الانتهاكات المرتبطة بالنزاع المسلح، استضاف برنامج “معكن” عبر اذاعة صوت الشعب، بالتعاون مع موقع أوان ومنظمة صحافيون من أجل حقوق الإنسان، مفوض العلاقات الدولية والإعلام في الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، بسام القنطار، في مداخلة مباشرة من جنيف، تناولت دور الهيئة، أولوياتها، والتحديات التي تواجهها في المرحلة الراهنة، وذلك ضمن حلقة أُعدّت وقدّمتها الإعلامية فاتن حموي بتاريخ 02 نيسان 2026.

دور الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في ظل العدوان

سؤال: ماذا يمكن القول عن دور الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في هذه المرحلة؟

جواب:
أوضح القنطار أن اللحظة الراهنة، رغم قسوتها، تُعدّ من أكثر اللحظات التي تُبرز أهمية الدور الذي أنيط بالهيئة الوطنية لحقوق الإنسان بموجب القانون رقم 62/2016. فالهيئة، بحكم ولايتها القانونية، تضطلع بمسؤولية مراقبة النزاع المسلح ورصد وتوثيق الانتهاكات المرتكبة في سياقه، سواء تلك التي تطال المدنيين أو البنية التحتية أو الفئات الأكثر هشاشة.

وأشار إلى أن الهيئة تعمل ضمن ظروف شديدة التعقيد، حيث تتقاطع محدودية الموارد مع اتساع رقعة الانتهاكات وتسارعها. ومع ذلك، فإنها تواصل أداء مهامها من خلال توظيف الإمكانات المتاحة، والتنسيق مع جهات وطنية متعددة، بما فيها مؤسسات رسمية ومنظمات دولية وهيئات بحثية، بما يسمح ببناء قاعدة بيانات موثوقة ومتماسكة حول الانتهاكات.

وأكد أن هذا الدور لا يقتصر على الرصد، بل يتعداه إلى إنتاج معرفة قانونية موثّقة يمكن أن تُستخدم لاحقًا في مسارات المساءلة، سواء على المستوى الوطني أو الدولي.

التوثيق كمدخل أساسي للعدالة

سؤال: ما أهمية التوثيق في ظل الانتهاكات الجارية؟

جواب:
شدد القنطار على أن التوثيق ليس مجرد عملية تقنية، بل هو فعل حقوقي بامتياز، يُعيد للضحايا إنسانيتهم ويمنع اختزالهم في أرقام وإحصاءات. فالضحايا، كما أشار، هم أفراد لهم أسماء وقصص وعائلات، ومن واجب العمل الحقوقي الحفاظ على هذه الذاكرة الإنسانية كجزء من معركة العدالة.

وأوضح أن التوثيق المهني يتطلب معايير دقيقة، تبدأ من جمع الأدلة الميدانية، ولا تنتهي عند تحليلها وربطها بسياقها القانوني. ويشمل ذلك تحديد نوع الأسلحة المستخدمة، بما في ذلك الأسلحة المحظورة، وتوثيق الأرقام التسلسلية، ومصدر التصنيع، ومواقع الإطلاق والسقوط، وعدد الضحايا، إضافة إلى توثيق الأضرار طويلة الأمد، مثل الذخائر غير المنفجرة وتأثيرها على المدنيين والبيئة.

كما أشار إلى أهمية استخدام أدوات متقدمة، مثل تحليل صور الأقمار الصناعية، والتحقق من الفيديوهات المتداولة، والاستعانة بخبراء في الأسلحة والطب الشرعي الرقمي، بما يضمن الوصول إلى خلاصات دقيقة يمكن البناء عليها قانونيًا. وأكد أن هذا المستوى من التوثيق هو ما يسمح بتحويل الوقائع إلى أدلة قابلة للاستخدام أمام الجهات القضائية.

المقرّرون الخاصون وآليات التحقيق الدولية

سؤال: ما أبرز التطورات على صعيد المنظمات الدولية؟

جواب:
لفت القنطار إلى صدور بيان مهم عن عدد من المقررين الخاصين في الأمم المتحدة، ضمن ولايات مختلفة تشمل حرية التعبير، وحماية الصحافيين، ومنع الإعدام خارج القانون. وقد دعا هذا البيان إلى إنشاء لجنة دولية مستقلة لتقصّي الحقائق في الانتهاكات المرتكبة في لبنان.

وأوضح أن أهمية هذه الدعوة تكمن في بعدها المؤسسي، إذ تشكل خطوة نحو توحيد الجهود الدولية في رصد الانتهاكات والتحقيق فيها. إلا أنه شدد في الوقت نفسه على أن فعالية هذه اللجان تبقى مشروطة بتأمين التمويل الكافي لها، إذ أن غياب الموارد يحوّلها في كثير من الأحيان إلى هيئات شكلية غير قادرة على أداء مهامها.

كما أشار إلى أن عمل هذه اللجان، رغم أهميته، يبقى جزءًا من منظومة أوسع، لا يمكن أن تؤدي إلى نتائج ملموسة في غياب مسار قضائي دولي قادر على ترجمة نتائج التحقيق إلى محاسبة فعلية.

المحكمة الجنائية الدولية وإشكالية الاختصاص

سؤال: ما هو السبيل لتحقيق المساءلة الدولية؟

جواب:
أوضح القنطار أن المسار الأكثر فعالية لتحقيق العدالة يتمثل في تمكين المحكمة الجنائية الدولية من النظر في الجرائم المرتكبة على الأراضي اللبنانية. ونظرًا لعدم انضمام لبنان إلى نظام روما الأساسي، فإن السبيل القانوني المتاح هو قبول اختصاص المحكمة بموجب المادة 12 فقرة 3.

وأشار إلى أن هذا الخيار سبق أن طُرح واتُّخذ بشأنه قرار حكومي، إلا أنه لم يُستكمل، نتيجة ضغوط سياسية خارجية، بحسب ما هو متداول. واعتبر أن هذا التراجع يشكّل عائقًا جوهريًا أمام تحقيق العدالة، إذ يحرم الضحايا من إمكانية اللجوء إلى جهة قضائية دولية مستقلة.

وأكد أن التجارب السابقة، رغم محدودية أثرها التنفيذي، أظهرت أن إصدار مذكرات توقيف دولية يشكّل سابقة قانونية مهمة، ويُقيّد حركة المسؤولين المتهمين، ويُبقي الجرائم في دائرة المساءلة الدولية.

متابعة أوضاع السجناء في ظل النزاع

سؤال: ما هي أبرز القضايا التي تعمل عليها الهيئة حاليًا؟

جواب:
بيّن القنطار أن الهيئة تولي اهتمامًا خاصًا بأوضاع السجناء، لا سيما في ظل عمليات النزوح القسري التي طالت مناطق عدة، وأدت إلى نقل عدد من الموقوفين إلى مراكز احتجاز أخرى. وتشمل هذه المتابعة ضمان احترام حقوق السجناء الأساسية، بما في ذلك الحق في التواصل مع ذويهم، والحصول على تمثيل قانوني، والوصول إلى الرعاية الصحية.

وأشار إلى أن الهيئة تعمل بالتعاون مع شبكة من المحامين على متابعة ملفات الموقوفين الذين تنطبق عليهم شروط إخلاء السبيل، وفقًا للمادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، بما يسهم في التخفيف من الاكتظاظ وتحسين ظروف الاحتجاز.

كما شدد على أهمية التركيز على الفئات الأكثر هشاشة داخل السجون، لا سيما النساء، اللواتي يواجهن تحديات إضافية تتعلق بظروف الاحتجاز وإمكانية الوصول إلى الدعم الأسري والقانوني.

تقييم الاستجابة الحكومية لأزمة النزوح

سؤال: كيف تقيّمون استجابة الدولة لأزمة النزوح؟

جواب:
أشار القنطار إلى أن الاستجابة الحكومية تتسم بازدواجية واضحة، حيث تقابل الجهود الكبيرة المبذولة من قبل الجهات المعنية، ثغرات جدّية على مستوى التنسيق والجاهزية. وأوضح أن تعدد الجهات الفاعلة، وغياب آليات واضحة لتوزيع الأدوار، يؤديان إلى تداخل في المسؤوليات، ما ينعكس سلبًا على فعالية الاستجابة.

كما لفت إلى أن المعايير الدولية المتعلقة بإدارة النزوح الداخلي، لا سيما تلك المرتبطة بحماية الحقوق الأساسية للنازحين، لا تُحترم بشكل كامل، وهو ما يستدعي مراجعة شاملة لآليات العمل المعتمدة.

وأكد أن الهيئة توثّق هذه الثغرات بشكل منهجي، بهدف إعداد تقارير تحليلية تُستخدم لاحقًا في تطوير السياسات العامة، وضمان عدم تكرار الأخطاء في أزمات مستقبلية.

حماية الفئات الأكثر هشاشة

سؤال: ما هي أبرز المخاطر التي تواجه الفئات الأكثر ضعفًا؟

جواب:
أكد القنطار أن النزاعات المسلحة تُفاقم هشاشة فئات معينة، مثل النساء، والأطفال، والأشخاص ذوي الإعاقة، وكبار السن، ما يستدعي اعتماد تدابير حماية خاصة تراعي احتياجاتهم.

وأشار إلى تسجيل حالات تتعلق بانتهاك الخصوصية، والاستغلال، وعدم مراعاة الكرامة الإنسانية في بعض مراكز الإيواء، بما في ذلك تصوير الأفراد دون موافقتهم، أو استخدام معاناتهم لأغراض دعائية.

وشدد على ضرورة الالتزام بمبدأ “الموافقة المستنيرة”، وضمان أن أي استخدام للصور أو البيانات الشخصية يتم بموافقة صريحة، وبعد توضيح الغاية منه، بما يحفظ كرامة الأفراد ويمنع استغلالهم.

التطوع ودعم عمل الهيئة

سؤال: هل هناك حاجة لمتطوعين؟ وكيف يمكن المساهمة؟

جواب:
دعا القنطار جميع الراغبين في المساهمة إلى الانخراط في جهود الهيئة، سواء في مجال التوثيق القانوني، أو متابعة أوضاع السجناء، أو دعم الفئات المتضررة من النزاع. وأكد أن العمل الحقوقي يتطلب تكاتفًا مجتمعيًا واسعًا، وأن مساهمة المتطوعين تشكّل عنصرًا أساسيًا في تعزيز قدرات الهيئة.

وأشار إلى إمكانية التواصل عبر الخط الساخن 03/923456، كمدخل للانخراط في هذه الجهود.

اختتم القنطار مداخلته بالتأكيد على أن الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان تعمل في إطار تكاملي مع مختلف الفاعلين، وأن هدفها الأساسي هو حماية حقوق الإنسان وصون كرامة الضحايا. وشدد على أن التوثيق المستقل والمهني يبقى الأداة الأهم في مواجهة الإفلات من العقاب، وفي بناء مسار طويل، لكنه ضروري، نحو العدالة.

“قد تتأخر العدالة، لكن وجود الحقيقة الموثقة هو ما يجعل تحقيقها ممكنًا.”

هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: English (الإنجليزية)

NHRCLB
NHRCLBhttps://nhrclb.org
مؤسسة وطنية مستقلة منشأة بموجب القانون 62/ 2016، تتضمن آلية وقائية وطنية للتعذيب (لجنة الوقاية من التعذيب) عملاً بأحكام القانون رقم 12/ 2008 (المصادقة على البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب). An independent national institution established under Law No. 62/2016, which includes a National Preventive Mechanism against torture (the Committee for the Prevention of Torture), in accordance with the provisions of Law No. 12/2008 (ratifying the Optional Protocol to the Convention against Torture). Une institution nationale indépendante établie en vertu de la loi n° 62/2016, qui comprend un mécanisme national de prévention de la torture (le Comité pour la prévention de la torture), conformément aux dispositions de la loi n° 12/2008 (ratifiant le Protocole facultatif se rapportant à la Convention contre la torture).