تُعدّ السجون في لبنان من أكثر المؤسسات التي تبقى بعيدة عن الأنظار العامة. خلف الجدران العالية والإجراءات الأمنية المشددة، يعيش آلاف الموقوفين والسجناء في ظروف نادراً ما يتم توثيقها بشكل مفصّل. وقد أتاحت دراسة تقييم الاحتياجات الخاصة بالسجون في لبنان إلقاء الضوء على هذا الواقع المغلق، كاشفةً عن نظام سجني يواجه ضغوطاً كبيرة نتيجة الاكتظاظ والأزمة الاقتصادية وتراجع الإمكانات المؤسسية.
وقد أُنجزت هذه الدراسة من قبل منظمة ARCS Arci Culture Solidali، وهي منظمة إيطالية غير حكومية تعمل في لبنان منذ ثمانينيات القرن الماضي، وتركّز في برامجها على دعم الفئات الأكثر هشاشة وتعزيز الحماية الاجتماعية. وتناولت الدراسة أوضاع ثلاثة سجون رئيسية في لبنان، هي سجن رومية المركزي، وسجن طرابلس، وسجن بربر الخازن للنساء في بيروت، بهدف تقييم الاحتياجات الأساسية للسجناء والبنية التحتية والخدمات داخل هذه المؤسسات.
نظام سجني يعاني من ضغوط متزايدة
تشير الدراسة إلى أن الاكتظاظ يشكّل أحد أبرز التحديات التي تواجه السجون اللبنانية، خصوصاً في سجن رومية وسجن طرابلس. فقد تجاوز عدد السجناء في بعض هذه السجون القدرة الاستيعابية بكثير، ما أدى إلى ضغط شديد على البنية التحتية والخدمات الأساسية داخل أماكن الاحتجاز.
وفي بعض الأقسام، تضم الزنازين عدداً كبيراً من السجناء يفوق بكثير ما صُمّمت له أساساً، فيما تستوعب القاعات الكبيرة أحياناً أكثر من مئة سجين. ويؤدي هذا الواقع إلى صعوبات كبيرة في إدارة السجن وتأمين الخدمات الصحية والمعيشية للنزلاء.
انعكاسات الاكتظاظ على صحة السجناء
تبيّن الدراسة أن الاكتظاظ يؤثر مباشرة في صحة السجناء وظروف حياتهم اليومية. فضعف التهوية، وارتفاع نسبة الرطوبة، وقلة التعرض لأشعة الشمس، كلها عوامل تسهم في انتشار الأمراض التنفسية والجلدية بين السجناء.
كما تعاني السجون من نقص في الأسرّة والأغطية والوسائد، ما يضطر العديد من السجناء إلى النوم على فرش بسيطة أو مواد بديلة. وغالباً ما تكون المفروشات غير مغسولة بشكل منتظم، الأمر الذي يفاقم المشكلات الصحية داخل السجون.
تحديات النظافة والصحة العامة
الحفاظ على النظافة داخل السجون يشكّل تحدياً كبيراً، خصوصاً في ظل نقص مواد التنظيف والمطهّرات. وقد أدّت الأزمة الاقتصادية وارتفاع أسعار المواد الأساسية إلى تقليص قدرة إدارات السجون على توفير مستلزمات النظافة الأساسية، بما في ذلك الصابون.
كما تعاني بعض مرافق الاستحمام ودورات المياه من ضغط كبير بسبب العدد المرتفع للسجناء، فضلاً عن مشكلات تتعلق بصيانة البنية التحتية.
المياه والغذاء في ظل الأزمة الاقتصادية
تُظهر الدراسة أن الأزمة الاقتصادية التي يمر بها لبنان انعكست بشكل واضح على الخدمات الأساسية داخل السجون. ففي بعض الحالات لا تتوافر المياه الصالحة للشرب بسهولة، خصوصاً عندما تحتاج أنظمة الترشيح أو الخزانات إلى صيانة.
أما الغذاء، فقد تأثر أيضاً بارتفاع أسعار المواد الغذائية وتراجع الموازنات المخصصة للسجون. وغالباً ما تكون الوجبات محدودة التنوع من حيث القيمة الغذائية، مع انخفاض في كميات اللحوم وقلة توفر الخضار ومنتجات الألبان.
فجوات في الرعاية الصحية
تشير الدراسة إلى وجود نقص ملحوظ في الكادر الطبي داخل السجون، سواء من الأطباء العامين أو الممرضين أو الأطباء المتخصصين مثل الأطباء النفسيين وأطباء الأسنان. كما قد يواجه السجناء تأخيراً في الحصول على استشارات طبية متخصصة.
وفي بعض الحالات تعتمد السجون على تبرعات المنظمات الإنسانية لتأمين الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية.
تفاوت في ظروف الاحتجاز
تختلف ظروف الاحتجاز بين سجن وآخر. ففي حين تعاني السجون الكبيرة المخصصة للرجال من اكتظاظ شديد وضغط كبير على الخدمات، تبدو بعض السجون الأصغر، ولا سيما سجون النساء، أفضل نسبياً من حيث النظافة والصيانة.
ومع ذلك، لا تزال هناك شكاوى تتعلق بنقص بعض الاحتياجات الأساسية، خصوصاً المستلزمات الصحية الخاصة بالنساء.
نحو معالجة الاحتياجات الأساسية
تسلّط الدراسة الضوء على مجموعة من الاحتياجات الملحّة التي يمكن أن تسهم في تحسين ظروف الاحتجاز، من بينها توفير الفرش والأغطية والملابس، وتعزيز مواد التنظيف، وتحسين البنية التحتية للمياه، إضافة إلى دعم الخدمات الصحية وزيادة عدد الكوادر الطبية.
كرامة الإنسان في صلب النقاش
في نهاية المطاف، تذكّر هذه الدراسة بأن قضية السجون لا تتعلق فقط بالبنية التحتية أو الإدارة، بل ترتبط أيضاً بكرامة الإنسان واحترام حقوقه الأساسية. فظروف الاحتجاز تعكس إلى حد كبير مدى التزام المجتمعات بمبادئ العدالة وسيادة القانون.
وإبراز هذه الحقائق يشكّل خطوة أساسية نحو فتح نقاش أوسع حول إصلاح نظام السجون في لبنان وضمان معاملة إنسانية لجميع المحتجزين.
هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية)
اكتشاف المزيد من الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان - لبنان
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

