انطلاقاً من أحكام القانون رقم 62/ 2016، ولا سيّما المادة 15 منه، تتمتّع الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان بصلاحية أصيلة في إبداء الرأي، إمّا بناءً على استشارة من المراجع المختصة، وإمّا بمبادرة منها، في جميع التشريعات والمراسيم والقرارات ومشاريعها، كلّما اتصلت باحترام معايير حقوق الإنسان. كما أناط القانون بالهيئة مهمة متابعة وتقييم القوانين والمراسيم والقرارات الإدارية وقياسها وفق معايير حقوق الإنسان، بما يجعل من إبداء الرأي في مشاريع واقتراحات القوانين وظيفة قانونية ورقابية تدخل في صميم ولايتها المؤسسية، ولا تُعدّ تدخلاً في العمل التشريعي بقدر ما تشكّل مساهمة مستقلة ومتخصصة ترمي إلى مواءمة التشريع الوطني مع الدستور اللبناني والمعايير الدولية ذات الصلة. وقد سبق للهيئة أن مارست هذه الصلاحية في آراء قانونية منشورة بشأن اقتراحات قوانين مختلفة ذات صلة مباشرة بالحقوق والحريات الأساسية.
سُجِّل اقتراح القانون الرامي إلى تعديل القانون رقم 205/2020 من قبل النائبة بولا يعقوبيان بتاريخ 16 تشرين الأول 2025، وهو وما زال حتى تاريخه قيد الدرس في اللجان النيابية المختصة، من دون أن يُسجَّل انعقاد أي اجتماع لمناقشته في اللجان النيابية وكان الاقتراح قد أُحيل بتاريخ 21 تشرين الأول/أكتوبر 2025 إلى لجنتَي الإدارة والعدل والمرأة والطفل لدراسته، كما أُحيل في التاريخ نفسه إلى الحكومة لإبداء الرأي بشأنه، من دون أن يرد حتى الآن أي جواب رسمي منها.
شكّل القانون رقم 205 تاريخ 30 كانون الأول/ديسمبر 2020 المتعلق بـتجريم التحرّش الجنسي وتأهيل ضحاياه، عند صدوره خطوة تشريعية مهمّة باتجاه الاعتراف القانوني بجريمة التحرّش الجنسي ووضع إطار أولي لتجريمها وتأهيل ضحاياها. غير أنّ التطبيق العملي لهذا القانون أظهر منذ وقت مبكر جملة من الإشكاليات البنيوية، سواء لجهة تعريف بعض الأفعال، أو لجهة حصر المعالجة ضمن المنطق الجزائي، أو لجهة محدودية آليات الحماية الوقائية والمؤسساتية، أو كذلك لجهة الوسائل العملية الداعمة للضحايا. ويؤكد ذلك، من بين مؤشرات أخرى، أنّ أحد أبرز المكوّنات التنفيذية في هذا القانون، أي الصندوق الخاص المنصوص عليه في المادة السادسة، ظلّ غير مُفعّل لعدم صدور النظام التنظيمي اللازم له، وفق ما أظهرته وثيقة مجلس النواب المتعلقة بالقوانين التي لم تصدر لها مراسيم وقرارات تطبيقية.
وعليه، فإنّ الهيئة، وهي تمارس اختصاصها القانوني في تقييم التشريعات من منظور حقوق الإنسان، تنظر إلى اقتراح التعديل الراهن ليس بوصفه مجرّد مبادرة لتشديد العقاب أو توسيع التجريم، بل باعتباره مناسبة تشريعية لإعادة تقييم القانون رقم 205/2020 برمّته، على ضوء ما أفرزه التطبيق من ثغرات، وما تفرضه المعايير الحقوقية الحديثة من ضرورة اعتماد مقاربة شاملة، وقائية، وإنصافية، تحترم إرادة الضحية، وتوفّر لها سبل حماية آمنة وفعالة، وتحمّل الدولة وأصحاب العمل والمؤسسات العامة والخاصة مسؤوليات واضحة في المنع والحماية والمساءلة.
أولاً: في تقييم المقاربة التشريعية العامة للاقتراح المعدِّل
ترى الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان أنّ تقييم أي اقتراح تشريعي يرمي إلى تعديل القانون رقم 205 تاريخ 30 كانون الأول/ديسمبر 2020 المتعلّق بتجريم التحرّش الجنسي وتأهيل ضحاياه يجب أن ينطلق من فلسفة القانون ذاته، أي من الغاية التي أراد المشرّع تحقيقها عند إقراره، والمتمثّلة في حماية الكرامة الإنسانية وصون السلامة الجسدية والنفسية للأفراد، ولا سيما النساء والفئات الأكثر عرضة للعنف والتحرّش. غير أنّ القراءة الأولية للاقتراح المعدّل تظهر أنّ المقاربة المعتمدة فيه لا تزال محكومة إلى حدّ كبير بمنطق التجريم والعقاب، بحيث يجري التعامل مع ظاهرة التحرّش أساساً بوصفها مسألة جزائية بحتة، تُعالج عبر توسيع دائرة الأفعال المجرَّمة وتشديد العقوبات، من دون أن تقترن هذه المقاربة بإطار متكامل للوقاية والحماية والإنصاف.
وترى الهيئة أنّ هذه المقاربة الجزائية الحصرية لا تنسجم مع التطوّر الذي عرفته التشريعات المقارنة والمعايير الدولية في مجال مكافحة العنف والتحرّش القائمين على النوع الاجتماعي، حيث أصبح من المسلم به أنّ المعالجة الفعّالة لهذه الظاهرة تقتضي اعتماد مقاربة متعددة الأبعاد تجمع بين التدابير الوقائية، وآليات التبليغ الآمنة، والحماية من الانتقام، ووسائل الانتصاف المدنية والإدارية، إلى جانب المساءلة الجزائية عند الاقتضاء.
لا يقتصر التحرّش، في جوهره، على كونه فعلاً جرمياً معزولاً، بل يرتبط غالباً ببنية علاقات اجتماعية ومهنية غير متكافئة، وباختلالات في موازين السلطة أو التبعية الاقتصادية أو الوظيفية. ومن ثمّ، فإن الاقتصار على المعالجة الجزائية قد يؤدي إلى اختزال الظاهرة في بعدها العقابي، متجاهلاً أسبابها البنيوية والعوامل التي تسمح باستمرارها1.
وفي هذا السياق، تلاحظ الهيئة أنّ الاقتراح المعدِّل، رغم ما يتضمنه من بعض التحسينات الجزئية، لا يبدو أنه يستجيب بصورة كافية للحاجة إلى بناء منظومة متكاملة لمكافحة التحرّش. فالنص المقترح يركّز بصورة أساسية على توسيع نطاق التجريم وعلى تشديد المسؤولية الجزائية، من دون أن يوازي ذلك بإقرار التزامات وقائية واضحة تقع على عاتق الدولة والمؤسسات العامة والخاصة، ولا سيما في أماكن العمل والمؤسسات التعليمية، حيث تتكرّر حالات التحرّش في كثير من الأحيان ضمن علاقات تبعية أو سلطة.
كما ترى الهيئة أنّ اعتماد هذه المقاربة التشريعية قد يؤدي، عملياً، إلى نتائج عكسية بالنسبة للضحايا. فاللجوء المباشر إلى المسار الجزائي، بما يتضمّنه من تحقيقات علنية وإجراءات قضائية قد تكون طويلة ومعقّدة، قد يشكّل في بعض الحالات عاملاً رادعاً أمام الضحايا عن التبليغ، خصوصاً عندما تكون الوقائع مرتبطة ببيئة عمل أو بعلاقات اجتماعية مستمرة. ومن هنا، فإن الاقتصار على هذا المسار من دون توفير بدائل إجرائية أو مؤسساتية أخرى، كآليات التظلّم المهنية أو الوساطة أو المسؤولية المدنية والتعويض، قد يحدّ من فعالية القانون ويقلّل من قدرته على تحقيق الحماية المنشودة.
وعليه، ترى الهيئة أنّ أي تعديل تشريعي للقانون رقم 205/2020 ينبغي أن ينطلق من مقاربة حقوقية شاملة، لا تقتصر على توسيع التجريم، بل تؤسس أيضاً لمنظومة وقائية ومؤسساتية فعّالة، تُعزّز حماية الضحايا، وتضمن مساءلة مرتكبي الأفعال، وتوفّر في الوقت نفسه بيئة قانونية واجتماعية تشجّع على التبليغ، وتحول دون استمرار أنماط العنف والتحرّش في المجتمع.
ثانياً: في مسألة حصر معالجة التحرّش في المنطق الجزائي وآثاره على فعالية الحماية
ترى الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان أنّ من أبرز الإشكاليات التي يثيرها الاقتراح المعدِّل استمرار حصر معالجة ظاهرة التحرّش ضمن الإطار الجزائي البحت، من خلال التركيز على توسيع نطاق التجريم وتشديد العقوبات، من دون إرساء منظومة متكاملة لآليات الوقاية والحماية والإنصاف خارج المجال العقابي. فالمقاربة الجزائية، وإن كانت تشكّل أداة ضرورية لمساءلة مرتكبي الأفعال الخطيرة وردعها، لا يمكن أن تكون الوسيلة الوحيدة لمعالجة ظاهرة اجتماعية مركّبة مثل التحرّش، والتي غالباً ما تنشأ في سياق علاقات تبعية أو سلطة أو اعتماد اقتصادي أو وظيفي.
وتلاحظ الهيئة أنّ التشريعات الحديثة في هذا المجال تتجه إلى اعتماد مقاربة متعددة المستويات، تقوم على الدمج بين المساءلة الجزائية من جهة، وآليات الانتصاف المدنية والإدارية والمهنية من جهة أخرى. فالممارسات المقارنة، وكذلك المعايير الدولية، تبيّن أنّ التصدي الفعّال للتحرّش يتطلّب توفير مسارات متعدّدة للتظلّم، بما في ذلك آليات الشكاوى الداخلية في أماكن العمل، وإجراءات التحقيق الإداري، والتدابير الوقائية المؤقتة، والتعويض المدني، إلى جانب إمكانية اللجوء إلى القضاء الجزائي عند الاقتضاء. أمّا الاقتصار على المنطق الجزائي، فقد يؤدي إلى تضييق الخيارات المتاحة أمام الضحية، ويجعل من الإبلاغ عن الفعل خطوة محفوفة بمخاطر قانونية واجتماعية ومهنية قد تثني الضحايا عن التقدم بشكاواهم.
كما ترى الهيئة أنّ الطابع العلني والإجرائي المعقّد للدعوى الجزائية قد يشكّل عبئاً إضافياً على الضحية، لا سيما في الحالات التي تكون فيها العلاقة بين الضحية والفاعل علاقة مهنية أو تعليمية مستمرة. ففي مثل هذه الحالات، قد يفضّل العديد من الضحايا سلوك مسارات بديلة تتيح معالجة النزاع بسرعة وبدرجة أكبر من السرية والحماية، وهو ما لا يوفّره النظام الجزائي في كثير من الأحيان. ومن هنا، فإن غياب هذه المسارات في الاقتراح المعدّل قد يحدّ من فعالية النص ويجعله أقل قدرة على تحقيق الغاية الوقائية والحمائية التي يفترض أن يحققها.
كذلك تلاحظ الهيئة أنّ التركيز المفرط على العقوبة قد يؤدي إلى إغفال الأبعاد البنيوية للظاهرة، ولا سيما اختلال موازين القوة داخل أماكن العمل أو المؤسسات التعليمية أو العلاقات الاجتماعية. فغالباً ما يقع التحرّش في سياقات تتسم بعدم التكافؤ في السلطة أو الموارد أو الموقع الوظيفي، الأمر الذي يجعل الضحية في وضعية تبعية أو هشاشة تحول دون قدرتها على التبليغ أو المواجهة. وفي ظل هذه الظروف، فإن الاقتصار على العقوبة الجزائية بعد وقوع الفعل لا يكفي لمعالجة الأسباب التي تسمح بوقوعه أو تكراره.
وعليه، ترى الهيئة أنّ أي تعديل تشريعي للقانون رقم 205/2020 ينبغي أن يعيد التوازن بين مختلف أدوات الحماية القانونية، بحيث يُدرج ضمن الإطار التشريعي آليات واضحة للوقاية والتظلّم والمعالجة المؤسسية، إلى جانب المساءلة الجزائية. ويشمل ذلك، على وجه الخصوص، تعزيز دور المؤسسات المهنية والإدارية في معالجة الشكاوى، وتوفير ضمانات الحماية من الانتقام، وتمكين الضحايا من اللجوء إلى التعويض المدني أو إلى الهيئات المختصة في نزاعات العمل، بما يتيح اعتماد مقاربة أكثر شمولاً وفعالية في مكافحة التحرّش وحماية الضحايا.
ثالثاً: في موقع الضحية
ترى الهيئة أنّ من المبادئ الأساسية التي ينبغي أن تحكم التشريعات المتعلّقة بالعنف والتحرّش القائمين على النوع الاجتماعي اعتماد مقاربة متمحورة حول الضحية، بحيث توضع مصلحة الضحية وكرامتها وسلامتها في صلب النص القانوني. غير أنّ قراءة الاقتراح المعدّل تُظهر أنّ هذه المقاربة لا تزال غير متبلورة بصورة كافية، ولا سيما في ما يتعلق بمسألة تحريك الدعوى العامة وإدارة مسار الملاحقة.
فالمبدأ العام في الجرائم التي تمسّ الحياة الخاصة أو الكرامة الشخصية يقضي غالباً بربط الملاحقة بشكوى الضحية أو المتضرّر، وذلك احتراماً لخصوصية هذه الجرائم ولحساسية آثارها الاجتماعية والنفسية. ويهدف هذا المبدأ إلى تمكين الضحية من التحكم بمسار الدعوى، بما يسمح لها بتقدير المصلحة في الملاحقة أو العدول عنها، وفقاً لظروفها الشخصية والمهنية والاجتماعية. أمّا التوسع في تحريك الملاحقة عفواً، بمعزل عن إرادة الضحية، فقد يؤدي في بعض الحالات إلى إقصاء الضحية عن إدارة قضيتها، وإلى إخضاعها لمسار قضائي قد لا يتلاءم مع مصلحتها أو مع قدرتها على تحمّل تبعاته.
وترى الهيئة أنّ هذه المسألة تكتسب أهمية خاصة في قضايا التحرّش، حيث قد تكون الضحية مرتبطة بالفاعل بعلاقة عمل أو دراسة أو اعتماد اقتصادي. ففي مثل هذه الحالات، قد تخشى الضحية من تبعات الملاحقة الجزائية، سواء لجهة فقدان العمل أو التعرض للوصم الاجتماعي أو الدخول في نزاع قضائي طويل ومعقّد. وإذا كان من واجب الدولة حماية المصلحة العامة ومكافحة الإفلات من العقاب، فإن ذلك ينبغي أن يتمّ بطريقة تراعي في الوقت نفسه إرادة الضحية وحقها في اختيار المسار الذي تراه الأنسب لحمايتها وإنصافها.
كما تلاحظ الهيئة أنّ المقاربة المتمحورة حول الضحية تقتضي أيضاً توفير ضمانات إجرائية واضحة لحمايتها خلال مراحل التحقيق والمحاكمة، بما في ذلك ضمان السرية، ومنع أي شكل من أشكال الانتقام أو الضغط، وتأمين الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني اللازم. غير أنّ فعالية هذه الضمانات تبقى محدودة ما لم تُنظّم بصورة دقيقة ضمن النص التشريعي نفسه، بحيث لا تبقى مجرد مبادئ عامة يصعب تطبيقها عملياً.
وعليه، ترى الهيئة أنّ تعزيز موقع الضحية يقتضي إعادة النظر في بعض الأحكام الإجرائية الواردة في الاقتراح المعدّل، بما يضمن تحقيق التوازن بين مقتضيات الحق العام من جهة، وحق الضحية في الكرامة والحماية والتحكم بمسار الدعوى من جهة أخرى. كما يقتضي ذلك إدراج آليات واضحة لحماية الضحايا والشهود، وتوفير الدعم المؤسسي اللازم لهم، بما يعزّز الثقة بالقانون ويشجّع الضحايا على اللجوء إلى العدالة.
رابعاً: في مسؤولية أصحاب العمل والمؤسسات
ترى الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان أنّ أي مقاربة تشريعية فعّالة لمكافحة التحرّش لا يمكن أن تقتصر على مساءلة الفاعل الفردي فحسب، بل ينبغي أن تتناول أيضاً مسؤولية البيئة المؤسسية التي قد تسمح بوقوع هذه الأفعال أو تكرارها. فالتجربة المقارنة والمعايير الدولية الحديثة تشير إلى أنّ الوقاية من التحرّش في أماكن العمل والمؤسسات التعليمية والإدارية تتطلب فرض التزامات قانونية واضحة على أصحاب العمل والإدارات العامة والخاصة، بما يضمن توفير بيئة عمل آمنة وخالية من العنف والتحرّش.
وفي هذا السياق، تلاحظ الهيئة أنّ الاقتراح المعدِّل، وإن كان قد أدخل بعض الأحكام التي تلزم أصحاب العمل بوضع سياسات مكتوبة للوقاية من التحرّش، إلا أنّ هذه الأحكام تبقى محدودة في نطاقها وغير كافية لضمان التطبيق الفعلي. فالنص المقترح لا يحدّد بصورة دقيقة طبيعة هذه السياسات، ولا يضع آليات واضحة للرقابة على تنفيذها، كما لا يبيّن بصورة صريحة النتائج القانونية المترتبة على إخلال صاحب العمل بهذه الالتزامات.
وترى الهيئة أنّ مسؤولية صاحب العمل في هذا المجال ينبغي أن تقوم على مبدأ واجب الحماية، أي التزام صاحب العمل باتخاذ التدابير اللازمة لمنع التحرّش داخل المؤسسة ومعالجة الشكاوى بصورة فعّالة. ويشمل ذلك اعتماد سياسات واضحة ومعلنة للوقاية من التحرّش، وإنشاء قنوات آمنة وسرية لتقديم الشكاوى، وتوفير إجراءات تحقيق مستقلة ومحايدة، واتخاذ تدابير مؤقتة لحماية المشتكي أو المشتكية أثناء التحقيق، وضمان عدم تعرض الضحية أو الشهود لأي شكل من أشكال الانتقام أو التمييز بسبب الإبلاغ عن التحرّش.
كما ترى الهيئة أنّ النص التشريعي ينبغي أن يميّز بوضوح بين الحالات التي يكون فيها الفاعل أجيراً والحالات التي يكون فيها صاحب العمل نفسه أو أحد ممثليه، نظراً لاختلال موازين القوة في علاقات العمل. فالمساواة الشكلية بين الطرفين في مثل هذه الحالات قد تؤدي إلى إغفال واقع التبعية المهنية والاقتصادية الذي يميز هذه العلاقات، وهو ما قد يضعف الحماية التي يفترض أن يوفرها القانون للأجراء والعاملين.
وعليه، ترى الهيئة أنّ تعزيز فعالية القانون في هذا المجال يقتضي إدراج قواعد واضحة بشأن مسؤولية أصحاب العمل والمؤسسات، بما في ذلك ترتيب جزاءات إدارية أو مدنية عند الإخلال بواجب الوقاية أو عند التستر على أفعال التحرّش، إضافة إلى تمكين الضحايا من المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي تلحق بهم نتيجة تقاعس المؤسسة عن اتخاذ التدابير اللازمة لحمايتهم.
خامساً: في مسألة عبء الإثبات
ترى الهيئة أنّ من أهم التحديات التي تواجه الضحايا في قضايا التحرّش مسألة الإثبات، نظراً لطبيعة هذه الجرائم التي تقع في الغالب بعيداً عن أعين الشهود أو في ظروف يغلب عليها الطابع الخاص أو المهني المغلق. ولذلك فإن الصياغة التشريعية لأركان الجريمة يجب أن تراعي هذه الخصوصية، وأن تتجنب تحميل الضحية عبئاً إثباتياً مفرطاً قد يجعل من الصعب عملياً إثبات الفعل المجرَّم.
وفي هذا الإطار، تلاحظ الهيئة أنّ الاقتراح المعدِّل لا يعالج بصورة كافية مسألة عبء الإثبات، إذ إن تعريف الفعل المجرَّم لا يزال يرتبط، في بعض الحالات، بإثبات حصول نتيجة محددة أو ضرر فعلي لكرامة الضحية أو سلامتها النفسية. وترى الهيئة أنّ هذا النهج قد يفرض على الضحية إثبات تداعيات نفسية أو اجتماعية يصعب في كثير من الأحيان إثباتها بصورة مباشرة، ما قد يؤدي إلى إضعاف إمكانية تطبيق النص.
ومن ثمّ، ترى الهيئة أنّ المقاربة التشريعية الأكثر ملاءمة تقتضي اعتماد صياغات قانونية تأخذ بعين الاعتبار احتمال وقوع الضرر أو طبيعته المحتملة، بدلاً من اشتراط تحقق نتيجة محددة بصورة قاطعة. كما ينبغي أن تُفسَّر قواعد الإثبات في هذه القضايا بطريقة تراعي طبيعة الأفعال موضوعها، بما يسمح للمحاكم بالاستناد إلى القرائن والأدلة غير المباشرة وتقدير الوقائع في ضوء ظروفها الواقعية.
كما ترى الهيئة أنّ تعزيز حماية الضحايا في هذا المجال يقتضي أيضاً اعتماد ضمانات إجرائية إضافية، مثل حماية سرية الهوية، وتوفير إمكانية الاستماع إلى الضحية في ظروف تراعي سلامتها النفسية، واعتماد تدابير تمنع إعادة إيذائها أثناء التحقيق أو المحاكمة. فهذه التدابير لا تقتصر على كونها إجراءات تقنية، بل تشكل جزءاً أساسياً من ضمان الوصول الفعّال إلى العدالة في قضايا التحرّش.
سادساً: في فعالية الآليات المؤسسية المقترحة لدعم الضحايا
تلاحظ الهيئة أنّ الاقتراح المعدِّل ينص على إنشاء صندوق خاص لدعم ضحايا التحرّش وتمويل برامج الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني، وهو توجه يمكن اعتباره خطوة إيجابية من حيث المبدأ، نظراً للحاجة إلى توفير خدمات متخصصة تساعد الضحايا على تجاوز الآثار النفسية والاجتماعية للعنف والتحرّش.
غير أنّ الهيئة ترى أنّ فعالية هذه الآلية تبقى مرتبطة بمدى وضوح الإطار القانوني والتنظيمي الذي يحكمها. فالتجربة التشريعية في لبنان تظهر أنّ العديد من القوانين أنشأت صناديق أو آليات دعم مماثلة من دون أن يتم تفعيلها عملياً، بسبب تأخر صدور المراسيم التطبيقية أو غياب الموارد المالية اللازمة لتشغيلها. وفي مثل هذه الحالات، قد يتحول النص القانوني إلى إعلان مبدئي غير قابل للتطبيق الفعلي.
ومن ثمّ، ترى الهيئة أنّ إنشاء صندوق لدعم الضحايا ينبغي أن يقترن بتحديد واضح لمصادر التمويل، وآليات الإدارة، والجهة الرقابية، ومعايير الاستفادة من الخدمات التي يقدمها، وذلك ضمن مهلة زمنية محددة لإصدار الأنظمة التطبيقية اللازمة. كما ينبغي أن يُربط عمل هذا الصندوق بسياسات وطنية أشمل لمكافحة العنف والتحرّش، بما يضمن التكامل بين الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني وبين التدابير الوقائية والتشريعية الأخرى.
سابعاً: في مراعاة واقع المؤسسات الصغيرة في لبنان
ترى الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان أنّ أي تنظيم تشريعي يفرض التزامات على أصحاب العمل في مجال الوقاية من التحرّش يجب أن يأخذ في الاعتبار الخصائص البنيوية للاقتصاد اللبناني، ولا سيما هيمنة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على سوق العمل. فالغالبية الساحقة من المؤسسات الاقتصادية في لبنان تندرج ضمن فئة المؤسسات الصغيرة جداً أو الصغيرة، وغالباً ما يكون عدد العاملين فيها محدوداً للغاية، كما أنّ قدراتها الإدارية والمؤسسية والمالية تبقى محدودة مقارنة بالمؤسسات الكبرى. ومن ثمّ، فإن فرض التزامات تنظيمية معقّدة أو متشعّبة على جميع المؤسسات بصورة موحّدة، من دون تمييز بين أحجامها وقدراتها، قد يؤدي عملياً إلى صعوبات كبيرة في التطبيق، وقد يفضي إلى تجاهل هذه الأحكام أو إلى بقائها حبراً على ورق.
وفي هذا الإطار، ترى الهيئة أنّ المقاربة التشريعية الأكثر فعالية تقتضي اعتماد مبدأ التدرّج والملاءمة المؤسسية في تحديد التزامات أصحاب العمل. فالمؤسسات الكبرى أو المتوسطة التي يتجاوز عدد العاملين فيها حداً معيناً يمكن أن تُلزم بوضع سياسات مكتوبة مفصلة، وإنشاء آليات داخلية لتلقي الشكاوى والتحقيق فيها، وتعيين أشخاص أو وحدات مختصة بمتابعة هذه المسائل. أما المؤسسات الصغيرة جداً، التي قد لا يتجاوز عدد العاملين فيها بضعة أشخاص، فقد يكون من الأنسب إخضاعها لنموذج مبسط من الالتزامات الوقائية، يركز على التوعية وتحديد قنوات واضحة للإبلاغ، بدلاً من فرض بنى إدارية معقدة تفوق قدراتها التنظيمية.
ثامناًُ: دور وزارة العمل في وضع الإطار التنظيمي والإرشادي
ترى الهيئة أنّ أي تعديل تشريعي في هذا المجال ينبغي أن يكرّس دوراً محورياً لوزارة العمل بوصفها الجهة المختصة بتنظيم علاقات العمل والإشراف على تطبيق التشريعات العمالية. وفي هذا الإطار، يمكن للوزارة أن تضطلع بدور أساسي في إعداد أدلة إرشادية ونماذج معيارية للسياسات الداخلية الخاصة بالوقاية من التحرّش، بما يتيح للمؤسسات، ولا سيما الصغيرة منها، اعتماد صيغ مبسطة وقابلة للتطبيق من دون الحاجة إلى موارد قانونية أو إدارية كبيرة. ويمكن أن تتضمن هذه الأدلة نماذج مختصرة لسياسات العمل الداخلية، وآليات واضحة وميسّرة لتلقي الشكاوى ومعالجتها، وتدابير أولية لحماية الضحايا، إضافة إلى برامج توعية وتدريب يمكن تعميمها من خلال الوزارة أو بالتعاون مع الجهات المتخصصة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الاسترشاد بالمبادئ التوجيهية التي وضعتها منظمة العمل الدولية في مجال مكافحة العنف والتحرّش في عالم العمل، والتي تؤكد ضرورة اعتماد مقاربة مرنة تراعي حجم المؤسسة وطبيعة نشاطها وقدراتها التنظيمية، مع ضمان الحد الأدنى من التدابير الوقائية في جميع أماكن العمل. كما تشدد هذه المبادئ على الدور التنظيمي للدولة في توفير التوجيه والإشراف، بدلاً من الاكتفاء بفرض التزامات قانونية مجردة قد يصعب تطبيقها عملياً، ولا سيما في البيئات الاقتصادية التي يغلب عليها الطابع المؤسسي المحدود.
وانطلاقاً من ذلك، ترى الهيئة أنّ المقاربة التشريعية الأنسب تقتضي إدماج مسألة الوقاية من التحرّش ضمن إطار أوسع لتنظيم علاقات العمل، بما يستدعي إدخال تعديلات على التشريعات العمالية ذات الصلة، سواء لجهة حقوق الأجراء أو موجبات أصحاب العمل، وصولاً إلى إدراج التحرّش ضمن الأحكام المتصلة بسلامة العمل وظروفه، على نحو يتقاطع مع المبادئ التي كرّستها اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 190 بشأن القضاء على العنف والتحرّش في عالم العمل، ولا سيما ما يتصل بمسؤولية أصحاب العمل في اعتماد تدابير وقائية فعّالة داخل بيئة العمل.
وعليه، ترى الهيئة أنّ تعديل القانون رقم 205/2020 ينبغي أن يقترن بإقرار دور واضح لوزارة العمل في إعداد الأدلة الإرشادية والنماذج التنظيمية المتعلقة بالوقاية من التحرّش، وتقديم الدعم التقني للمؤسسات، ولا سيما الصغيرة منها، بما يضمن التطبيق الفعلي لهذه التدابير، ويعزز في الوقت نفسه تطوير الإطار القانوني الناظم لعلاقات العمل بما يكفل بيئة عمل آمنة وخالية من العنف والتحرّش.
تاسعاً: في ضرورة مواءمة التعديل التشريعي مع المعايير الدولية
ترى الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان أنّ أي تعديل تشريعي يرمي إلى تطوير الإطار القانوني المتعلق بمكافحة التحرّش في لبنان ينبغي أن يترافق مع مواءمة أوسع للتشريع الوطني مع المعايير الدولية ذات الصلة، ولا سيما تلك التي تنظّم العنف والتحرّش في عالم العمل. وفي هذا السياق، تبرز أهمية اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 190 بشأن القضاء على العنف والتحرّش في عالم العمل، التي اعتمدها مؤتمر العمل الدولي في عام 2019 بوصفها أول صك دولي شامل يعترف صراحة بحق كل شخص في عالم عمل خالٍ من العنف والتحرّش، ويضع إطاراً قانونياً متكاملاً للوقاية من هذه الأفعال ومكافحتها ومعالجتها.
وتلاحظ الهيئة أنّ لبنان لم ينضم حتى تاريخه إلى هذه الاتفاقية، الأمر الذي يحدّ من إمكانية الاستناد إلى أحكامها بوصفها قواعد ملزمة في النظام القانوني الوطني، رغم ما تتضمنه من مبادئ توجيهية متقدمة في هذا المجال. غير أنّ العديد من المبادرات التشريعية الوطنية، بما فيها الاقتراح موضوع البحث، تشير في أسبابها الموجبة إلى الاسترشاد بأحكام هذه الاتفاقية. وترى الهيئة أنّ الاسترشاد الجزئي بالمعايير الدولية، من دون الانضمام الرسمي إلى الصك الدولي الذي يجسدها، يبقى ذا أثر محدود على مستوى الإلزام القانوني.
ومن ثمّ، ترى الهيئة أنّ تعديل القانون رقم 205/2020 ينبغي أن يتزامن مع خطوة تشريعية وسياسية أوسع تتمثل في انضمام لبنان إلى اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 190، بحيث تصبح المبادئ الواردة فيها جزءاً من المنظومة القانونية الوطنية ومرجعاً ملزماً في تفسير وتطبيق التشريعات المتعلقة بالعنف والتحرّش في عالم العمل. فهذه الاتفاقية لا تقتصر على تجريم الأفعال، بل تكرّس مقاربة شاملة تقوم على الوقاية، والحماية، والمسؤولية المؤسسية، وضمان الوصول إلى سبل الانتصاف الفعالة، وهو ما يتوافق مع الاتجاهات الحديثة في القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي للعمل.
كما تؤكد الاتفاقية على مسؤولية الدولة في اعتماد سياسات وطنية شاملة لمكافحة العنف والتحرّش، وفي ضمان بيئة عمل آمنة تحترم الكرامة الإنسانية، وفي وضع آليات فعالة للوقاية والتبليغ والتحقيق والمعالجة، بما يشمل دور السلطات المختصة، ولا سيما وزارات العمل، وأجهزة التفتيش العمالي، والهيئات القضائية والإدارية المختصة. ويؤدي انضمام لبنان إلى هذه الاتفاقية إلى تعزيز انسجام التشريعات الوطنية مع هذه المبادئ، كما يسهم في توجيه الإصلاحات التشريعية والمؤسساتية اللازمة في هذا المجال.
وعليه، ترى الهيئة أنّ تطوير الإطار القانوني الوطني لمكافحة التحرّش في لبنان لا ينبغي أن يقتصر على تعديل بعض أحكام القانون رقم 205/ 2020، بل يتطلب أيضاً الانضمام إلى اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 190 وإدماج مبادئها في التشريعات الوطنية، ولا سيما في قوانين العمل، بما يعزز الحماية القانونية للعاملين والعاملات ويكرّس التزام الدولة اللبنانية بضمان بيئة عمل خالية من العنف والتحرّش.
1 للمزيد حول هذه المقاربة يمكن مراجعة كريم نمّور، “علاقة الحب السّامة بين النائب اللبناني وتشريع الاستعراض الجزائي: يعقوبيان تعيد تدوير قانون التحرّش بعيوبه الأساسية”، المفكرة القانونية، 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، متاح على: https://vo.la/MDoi82B
↩
اكتشاف المزيد من الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان - لبنان
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

