في لبنان، ينص القانون على تعددية الجهات التي تملك صلاحية مراقبة السجون والتفتيش عليها. وتشمل هذه الجهات وزارة الداخلية، والمحافظين، والسلطة القضائية، إضافة إلى منظمات دولية مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر. كما أُضيفت في العام 2016 آلية وطنية مستقلة تتمثّل في لجنة الوقاية من التعذيب المنبثقة عن الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المنشأة بموجب القانون رقم 62/2016. وقد أُنشئت هذه اللجنة في سياق التزامات لبنان الدولية بموجب البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب، الذي يفرض على الدول الأطراف إنشاء آلية وطنية وقائية مستقلة مهمتها القيام بزيارات منتظمة ومفاجئة إلى جميع أماكن الحرمان من الحرية بهدف الوقاية من التعذيب وسوء المعاملة. وتمنح المادة 23 من القانون رقم 62/2016 لجنة الوقاية من التعذيب صلاحيات واسعة، من بينها إجراء زيارات دورية أو مفاجئة في أي وقت إلى أماكن الاحتجاز دون الحاجة إلى إذن مسبق من أي سلطة إدارية أو قضائية، وإجراء مقابلات فردية أو جماعية مع الأشخاص المحرومين من حريتهم بعيداً عن أي رقابة، والحصول على المعلومات والوثائق المتعلقة بأوضاع الاحتجاز، إضافة إلى تلقي الشكاوى من المحتجزين أو طلبات مقابلتهم واتخاذ التدابير اللازمة لمتابعتها. كما يكرّس البروتوكول الاختياري ذاته صلاحية اللجنة الفرعية لمنع التعذيب التابعة للأمم المتحدة في زيارة أماكن الاحتجاز في الدول الأطراف، بما فيها لبنان، وفقاً للأحكام والإجراءات المنصوص عليها فيه. وتشكل هذه المنظومة، التي تجمع بين الرقابة الوطنية المستقلة والرقابة الدولية الوقائية، إحدى الأدوات الأساسية لتعزيز الشفافية داخل أماكن الاحتجاز، وتوفير قنوات آمنة للمحتجزين لعرض شكاواهم، والمساهمة في منع التعذيب وتحسين ظروف السجون.
في أي نظام عدالة حديث، لا يقتصر الاهتمام بالسجون على كونها أماكن لتنفيذ العقوبات أو احتجاز الموقوفين بانتظار محاكمتهم، بل تمتد المسألة إلى كيفية مراقبة هذه المؤسسات وضمان احترام حقوق الإنسان داخلها. فالسجون، بحكم طبيعتها المغلقة، قد تتحول بسهولة إلى فضاءات معزولة عن الرقابة العامة، حيث تتزايد مخاطر الانتهاكات وسوء المعاملة، لا سيما في ظل الاكتظاظ وضعف الموارد الإدارية والقضائية. من هنا، تبرز أهمية وجود آليات فعّالة لتلقي شكاوى الموقوفين والتحقيق فيها، إلى جانب أنظمة رقابة متعددة المستويات.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: إلى أي مدى تشكل هذه الآليات منظومة رقابة متكاملة وفعّالة تتيح للموقوفين تقديم الشكاوى وضمان معالجتها؟
وزارة الداخلية: الرقابة الإدارية المباشرة
تُعد وزارة الداخلية والبلديات الجهة الإدارية الأساسية المسؤولة عن إدارة السجون اللبنانية، إذ تتبع معظم السجون لقوى الأمن الداخلي التي تشرف عليها الوزارة. وبموجب الأنظمة المعمول بها، يتولى تفتيش السجون عدد من المسؤولين الإداريين والعسكريين ضمن هذه المنظومة.
فالتفتيش الدوري للسجون يقع، أولاً، على عاتق قائد الدرك أو من ينتدبه لهذه المهمة، وذلك تحت سلطة وزير الداخلية. ويعني ذلك أن قيادة الدرك تتحمل مسؤولية متابعة الأوضاع داخل السجون والتأكد من التزام الضباط والعناصر بالتعليمات والقوانين الناظمة لإدارة أماكن الاحتجاز.
كما يُناط بكل قائد كتيبة أو فصيلة، ضمن نطاق سلطته، الإشراف على السجون الموضوعة تحت أمرته، بما يشمل متابعة أوضاع السجناء وضمان حسن سير العمل داخل هذه المرافق. إلى جانب ذلك، يمكن لوزير الداخلية تكليف أحد المفتشين الإداريين بإجراء عمليات تفتيش ميدانية للسجون بهدف تقييم ظروف الاحتجاز ومعالجة أي خلل إداري أو أمني.
وفي إطار تطوير آليات الشكاوى داخل السجون، جرى العمل على إنشاء نظام جديد لتلقي شكاوى السجناء، يبدأ تطبيقه في سجن رومية المركزي، أكبر سجون لبنان وأكثرها اكتظاظاً. ويقضي هذا النظام بربط الشكاوى مباشرة بقسم حقوق الإنسان في المفتشية العامة لقوى الأمن الداخلي، بحيث تصل جميع الشكاوى إلى هذا القسم الذي يتولى فرزها وتحويلها إلى الجهات المختصة بحسب طبيعتها، سواء كانت قضائية أو إدارية أو صحية.
ويفترض أن يتيح هذا النظام للسجناء وسيلة رسمية لتقديم شكاواهم دون المرور حصراً بإدارة السجن نفسها، الأمر الذي قد يساهم في تعزيز الشفافية والحد من احتمال تجاهل الشكاوى. كما يحق للسلطات القضائية الاطلاع على هذه الشكاوى في أي وقت، ما يشكل عنصر رقابة إضافياً على عمل الإدارة.
دور المحافظ: الرقابة المحلية على السجون
إلى جانب وزارة الداخلية، يمنح القانون اللبناني المحافظين دوراً رقابياً مهماً على السجون وأماكن التوقيف الواقعة ضمن نطاق محافظاتهم. فالمحافظ، بوصفه ممثل السلطة المركزية في المحافظة، مكلف بالسهر على تطبيق القوانين والأنظمة المتعلقة بالسجون.
ويفرض القانون على المحافظ القيام بزيارة شهرية على الأقل لكل مكان من أماكن الاحتجاز الواقعة ضمن نطاقه الإداري، وذلك بهدف مراقبة الأوضاع داخل هذه المرافق والتأكد من التزامها بالأنظمة القانونية والإدارية. وتكتسب هذه الزيارات أهمية خاصة لأنها تتيح لسلطة مدنية مستقلة نسبياً عن إدارة السجون الاطلاع المباشر على الظروف السائدة داخلها.
وفي حال علم المحافظ، بأي وسيلة كانت، بوقوع خلل أو سوء استعمال داخل أحد السجون، يحق له إجراء تحقيق بنفسه أو تكليف جهة مختصة بإجراء التحقيق. كما يمكنه اقتراح التدابير أو العقوبات المناسبة على وزير الداخلية، بما في ذلك اتخاذ إجراءات تأديبية بحق المسؤولين عن المخالفات.
أما إذا تبين للمحافظ وقوع خطأ أو مخالفة من قبل عناصر الدرك المكلفين بحراسة السجن، فيتوجب عليه إعداد تقرير مفصل يرفعه إلى وزير الداخلية، مرفقاً بتوصيات حول الإجراءات الواجب اتخاذها، سواء كانت تحقيقات داخلية أو تدابير إدارية أو إحالة إلى القضاء المختص.
ورغم أن هذه الصلاحيات تمنح المحافظ دوراً رقابياً مهماً، إلا أن فعاليتها تبقى مرتبطة بمدى انتظام الزيارات الميدانية واستعداد المحافظين للتدخل الفعلي عند اكتشاف أي خلل.
القضاء: الحارس القانوني لحقوق المحتجزين
يحتل القضاء موقعاً محورياً في منظومة الرقابة على السجون، باعتباره الجهة المسؤولة عن حماية الحريات الأساسية وضمان تطبيق القوانين المتعلقة بالتوقيف والاحتجاز.
وتنص المادة 402 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أن يتفقد النائب العام الاستئنافي أو المالي، وكذلك قضاة التحقيق والقضاة المنفردون الجزائيون، مرة واحدة في الشهر على الأقل الأشخاص الموجودين في أماكن التوقيف والسجون التابعة لدوائرهم. ويهدف هذا التفقد إلى التحقق من قانونية التوقيف واحترام الإجراءات القضائية.
كما يحق لمدعي عام الاستئناف أو مندوبه، وكذلك للقضاة المنتدبين من قبل وزير العدل، مراقبة جميع سجون الدولة من حيث قانونية الاحتجاز وإجراءات إخلاء السبيل. وخلال زياراتهم، يمكنهم الاطلاع على سجلات السجن، بما فيها سجل المسجونين وسجل المحكومين وسجل الأشخاص الموضوعين في العزل الانفرادي.
وإذا رغب القاضي في الحصول على معلومات إضافية تتجاوز هذه السجلات، فيمكنه تقديم طلب خطي إلى الرئيس المباشر لقائد السجن أو قائد الفصيلة المعنية، وذلك وفق الأصول المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات الجزائية.
إضافة إلى ذلك، يتفقد قاضي التحقيق والقاضي المنفرد الجزائي أماكن التوقيف مرة واحدة في الشهر، بينما يقوم رؤساء المحاكم الجزائية بهذه الزيارات مرة كل ثلاثة أشهر على الأقل. كما يملك هؤلاء القضاة صلاحية إصدار الأوامر اللازمة لحراس السجون من أجل تنفيذ التدابير التي يقتضيها التحقيق أو المحاكمة.
ورغم أن هذه الصلاحيات تمنح القضاء دوراً رقابياً أساسياً، إلا أن تقارير عدة تشير إلى أن زيارات القضاة للسجون لا تتم دائماً بالانتظام المطلوب، خصوصاً في ظل الضغط الكبير على الجهاز القضائي.
المنظمات الدولية: رقابة إنسانية مستقلة
إلى جانب الرقابة المحلية، يسمح لبنان لمنظمات دولية بتفقد السجون، بهدف تعزيز الشفافية وضمان احترام المعايير الإنسانية في معاملة المحتجزين.
فبموجب المرسوم رقم 8800 الصادر في 4 تشرين الأول 2002، مُنحت اللجنة الدولية للصليب الأحمر صلاحية زيارة السجون اللبنانية والتحدث إلى السجناء بحرية تامة. ويتيح هذا المرسوم لمندوبي اللجنة مقابلة السجناء الذين يختارونهم دون وجود أي مراقب، ودون تحديد مدة زمنية للزيارة.
كما يسمح المرسوم لمندوبي اللجنة بتسجيل هوية السجناء الذين يلتقون بهم، ما يساهم في توثيق أوضاع الاحتجاز. ويشمل التفويض أيضاً المندوبين الطبيين للجنة الدولية للصليب الأحمر، الذين يحق لهم معاينة السجناء طبياً دون وجود رقابة، وفي غرف مخصصة داخل السجون.
ويُلزم النظام إدارة السجون والأطباء العاملين فيها بتقديم جميع المعلومات الطبية الضرورية للمندوبين، بما في ذلك الاطلاع على الملفات الطبية الخاصة بالسجناء والتجهيزات الصحية المتوفرة داخل السجن.
ويقتصر الهدف من هذه الزيارات على تقييم الأوضاع الإنسانية للسجناء، بما في ذلك حالتهم الصحية والنفسية وظروف احتجازهم، إضافة إلى أي مسائل إنسانية أخرى مرتبطة بمعاملتهم داخل السجن.
إصلاحات معلّقة: إدارة السجون في وزارة العدل
من المفارقات في النظام اللبناني أن إدارة السجون ما زالت، حتى اليوم، خاضعة لوزارة الداخلية، رغم وجود نصوص قانونية قديمة تنص على نقل هذه الإدارة إلى وزارة العدل.
ففي عام 1964 صدر المرسوم رقم 17315 الذي أنشأ إدارة للسجون في وزارة العدل، على أن تُحدد صلاحياتها بمرسوم لاحق يصدر عن مجلس الوزراء. إلا أن هذا المرسوم التنظيمي لم يصدر حتى اليوم، ما أدى إلى بقاء إدارة السجون عملياً بيد وزارة الداخلية.
وفي عام 1983 صدر المرسوم الاشتراعي رقم 151 الذي أعاد تنظيم وزارة العدل، ونص في مادته التاسعة والعشرين على إنشاء مديرية للسجون تعنى بشؤون السجناء وتأهيلهم وتطبيق أنظمة السجون. لكن هذه المديرية أيضاً لم تُفعَّل بالشكل الكامل بسبب غياب المراسيم التطبيقية اللازمة.
وفي السنوات الأخيرة، عملت مديرية السجون في وزارة العدل، بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، على إدخال بعض الإصلاحات، من بينها إنشاء صناديق للشكاوى داخل السجون اللبنانية.
ويقضي هذا النظام بوضع صندوق مخصص للشكاوى في كل سجن، بحيث يقوم مراقب عام بفتح هذه الصناديق بحضور ممثل عن وزارة العدل أو مساعدة اجتماعية، ويتم جمع الشكاوى وإحالتها إلى الجهات المختصة لمعالجتها، خصوصاً تلك المتعلقة بالأوضاع المعيشية للسجناء.
لجنة الوقاية من التعذيب: آلية رقابة مستقلة
يشكل إنشاء لجنة الوقاية من التعذيب، بموجب القانون رقم 62 الصادر عام 2016، خطوة مهمة نحو تعزيز الرقابة المستقلة على أماكن الاحتجاز في لبنان. فهذه اللجنة، التي تشكل جزءاً من الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، تتمتع بصلاحيات واسعة تتماشى مع المعايير الدولية المنصوص عليها في البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب.
وتملك اللجنة صلاحية القيام بزيارات دورية أو مفاجئة إلى جميع أماكن الحرمان من الحرية، دون الحاجة إلى أي إذن مسبق من السلطات الإدارية أو القضائية. كما يمكنها إجراء مقابلات فردية أو جماعية مع المحتجزين بعيداً عن أي رقابة.
إضافة إلى ذلك، تستطيع اللجنة مقابلة أي شخص ترى أنه قادر على تقديم معلومات مفيدة لعملها، والحصول على المعلومات اللازمة بصورة سرية. كما يمكنها تلقي الشكاوى مباشرة من المحتجزين أو طلب مقابلات معهم، وإجراء فحوص طبية عند الحاجة.
وتكمن أهمية هذه الآلية في كونها تشكل جهة رقابة مستقلة عن الأجهزة الأمنية والإدارية، ما يمنحها قدرة أكبر على توثيق الانتهاكات وتقديم التوصيات اللازمة لمنع التعذيب وسوء المعاملة.
هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية)
اكتشاف المزيد من الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان - لبنان
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

