عقدت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب اجتماع عمل في مقرها في بيروت، برئاسة رئيس الهيئة الدكتور فادي جرجس، وبمشاركة فريق عمل مشروع “الاستجابة الطارئة لتخفيف الاكتظاظ في السجون”، الذي تنفذه الهيئة بالتعاون مع مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن (DCAF)، في إطار مشروع Supporting Security Sector Oversight الممول من وزارة الخارجية النرويجية.
وخُصص الاجتماع لتقييم التقدم المحرز في تنفيذ المبادرة منذ 3 آذار/مارس 2026، تاريخ تصاعد الأعمال العدائية الإسرائيلية ضد لبنان، وما رافقها من تحديات غير مسبوقة أثرت على أوضاع السجون اللبنانية، سواء من حيث الاكتظاظ، أو محدودية الموارد، أو صعوبة وصول الموقوفين إلى الضمانات القانونية، في ظل الظروف الأمنية والإنسانية الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
واستعرض فريق المشروع النتائج الأولية للمبادرة، حيث تم منذ إطلاقها إعداد وتقديم 132 طلب إخلاء سبيل أمام المحاكم المختصة، أفضت إلى إخلاء سبيل 53 موقوفاً حتى تاريخه، فيما يعمل الفريق القانوني حالياً على استكمال إعداد 65 طلباً جديداً تمهيداً لتقديمها إلى الجهات القضائية المختصة، بعد استيفائها الشروط القانونية اللازمة.
وأكد المشاركون أن هذه النتائج تعكس أهمية المبادرة في دعم عمل القضاء اللبناني، وتعزيز احترام ضمانات المحاكمة العادلة، والتخفيف من الاكتظاظ داخل أماكن الاحتجاز، ولا سيما في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضها النزاع المسلح وما ترتب عليه من تحديات لوجستية وإنسانية.
وتستند المبادرة إلى الولاية القانونية الممنوحة للهيئة الوطنية لحقوق الإنسان بموجب القانون رقم 62/2016 وتعديلاته. وفي هذا الإطار، أوضح الدكتور فادي جرجس أن حماية حقوق الأشخاص المحرومين من حريتهم تزداد أهمية في أوقات الأزمات والنزاعات، مشيراً إلى أن تخفيف الاكتظاظ في أماكن الاحتجاز يمثل أحد التدابير الوقائية الأساسية للحد من مخاطر انتهاكات حقوق الإنسان، وضمان احترام الكرامة الإنسانية، وتأمين الحد الأدنى من المعايير الدولية لمعاملة السجناء.
وأضاف:
“لا تهدف هذه المبادرة إلى الإفراج عن أشخاص خارج إطار القانون، بل إلى ضمان التطبيق السليم للقانون، وتمكين كل موقوف تتوافر فيه الشروط القانونية من ممارسة حقه في طلب إخلاء السبيل، بما يعزز الثقة بالعدالة ويخفف في الوقت ذاته من الضغوط المتزايدة التي تواجهها المؤسسات العقابية والقضائية.”
وتقوم المبادرة على تكليف فريق من المحامين المتخصصين بإجراء زيارات منتظمة إلى السجون ومراكز الاحتجاز في مختلف المناطق اللبنانية، بهدف مراجعة الملفات القضائية للموقوفين، والتحقق من مدى استيفائهم الشروط القانونية لتقديم طلبات إخلاء السبيل. ويعمل الفريق بالتنسيق مع إدارات السجون والجهات القضائية المختصة على دراسة أوضاع كل موقوف، بما يشمل مدة التوقيف، ومدى تقدم الإجراءات القضائية، وغياب الموانع القانونية أو المخاطر التي قد تحول دون الإفراج عنه، بما يضمن احترام استقلالية القضاء وسيادة القانون.
وتهدف المبادرة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الحقوقية والإنسانية والمؤسسية، في مقدمتها الإسهام في الحد من الاكتظاظ المزمن في السجون اللبنانية، وتحسين ظروف الاحتجاز بما يتوافق مع الدستور اللبناني والمعايير الدولية، ولا سيما قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا)، إضافة إلى تخفيف الأعباء الاقتصادية والإدارية المترتبة على إدارة السجون، في ظل الظروف الاستثنائية التي تشهدها البلاد.
كما تسهم المبادرة في التخفيف من الأعباء الاجتماعية والاقتصادية التي تتحملها عائلات الموقوفين، والتي تفاقمت نتيجة النزوح الداخلي وتداعيات الأعمال العدائية، فضلاً عن دعم حسن سير العدالة من خلال تقليص أعداد الموقوفين الذين يمكن قانوناً إخلاء سبيلهم، بما يتيح للسلطة القضائية تركيز مواردها على القضايا الأكثر تعقيداً، ويسهم في الحد من التأخير في الإجراءات القضائية.
وأكد المشاركون أن المبادرة تشكل نموذجاً عملياً للتعاون بين الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، والسلطة القضائية، وإدارة السجون، والشركاء الدوليين، بما يعزز احترام الضمانات القانونية للموقوفين، ويكرس نهجاً قائماً على حقوق الإنسان في إدارة أماكن الاحتجاز، خاصة في أوقات الطوارئ والأزمات.
وفي ختام الاجتماع، اتفق المشاركون على مواصلة تنفيذ المبادرة وتوسيع نطاقها خلال المرحلة المقبلة، واستكمال مراجعة الملفات القانونية للموقوفين في مختلف السجون اللبنانية، وتعزيز التنسيق مع الجهات القضائية المختصة، بما يضمن تسريع البت في طلبات إخلاء السبيل المستوفية للشروط القانونية، ويعزز حماية حقوق الأشخاص المحرومين من حريتهم، ويسهم في تحسين أوضاع السجون اللبنانية وفقاً للمعايير الوطنية والدولية.
هذه المقالة متاحة أيضًا بـ:




