تتابع الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب بقلق متزايد التداعيات الحقوقية والاجتماعية الناجمة عن احتكار حقوق بث الأحداث الرياضية الكبرى وارتفاع تكاليف الاشتراكات المفروضة على الجمهور اللبناني، بالتزامن مع الإجراءات المتخذة لحجب عدد من منصات البث غير المرخصة بناءً على قرارات قضائية وإدارية.
وفي هذا السياق، تؤكد الهيئة أن الحق في المشاركة في الحياة الثقافية والترفيهية والاستفادة من منافع التقدم العلمي والتكنولوجي هو حق معترف به في القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما بموجب المادة (27) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة (15) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، اللذين انضم إليهما لبنان.
لقد أدى احتكار حقوق البث من قبل عدد محدود من الشركات الخاصة، مقروناً برسوم الاشتراك المرتفعة التي تفوق في كثير من الأحيان القدرة الشرائية لغالبية المواطنين اللبنانيين، إلى تحويل متابعة الرياضة العالمية من نشاط اجتماعي وثقافي جامع إلى امتياز متاح لفئات محدودة فقط. ويشكل ذلك عائقاً فعلياً أمام التمتع المتكافئ بالحقوق الثقافية والترفيهية، ويعزز مظاهر التفاوت الاجتماعي والإقصاء الرقمي.
وفي المقابل، يجد العديد من المواطنين أنفسهم مضطرين للجوء إلى منصات بث غير مرخصة كبديل وحيد لمتابعة هذه الفعاليات. إلا أن هذه المنصات غالباً ما تفتقر إلى الحد الأدنى من معايير الأمان الرقمي، وتُعرّض المستخدمين لمخاطر متعددة تشمل البرمجيات الخبيثة، وعمليات التصيد الاحتيالي، وسرقة البيانات الشخصية، واختراق الأجهزة الإلكترونية، بما يشكل تهديداً مباشراً للحق في الخصوصية والأمن الرقمي.
وترى الهيئة أن معالجة هذه الإشكالية لا ينبغي أن تقتصر على المقاربة التقنية المتمثلة في الحجب فقط، بل يجب أن تشمل سياسات عامة توازن بين حماية حقوق الملكية الفكرية من جهة، وضمان وصول الجمهور إلى المحتوى ذي الأهمية الاجتماعية والثقافية من جهة أخرى.
وتوصي الهيئة بما يلي:
أولاً: تعزيز الوصول العام والعادل
- العمل على وضع أطر تنظيمية أو اتفاقيات محلية تلزم الجهات المالكة لحقوق البث بتوفير باقات أساسية بأسعار معقولة للأحداث الرياضية الكبرى، بما يضمن عدم حرمان الفئات محدودة الدخل من متابعتها.
ثانياً: دعم مبادرات المشاهدة الجماعية
- تشجيع البلديات والمؤسسات العامة والمراكز الثقافية والرياضية على تنظيم عروض جماعية للأحداث الرياضية في الساحات والأماكن العامة، بما يخفف الأعباء المالية على الأفراد ويعزز الروابط الاجتماعية.
ثالثاً: تعزيز الثقافة والأمن الرقمي
- إطلاق حملات توعية وطنية حول مخاطر استخدام مواقع البث غير المرخصة.
- تزويد المستخدمين بالمعلومات والأدوات اللازمة للتحقق من شرعية المواقع الإلكترونية والخدمات الرقمية قبل استخدامها.
- تعزيز الوعي بمبادئ حماية البيانات الشخصية والأمن السيبراني.
رابعاً: اعتماد مقاربة قائمة على حقوق الإنسان
- مراعاة أثر السياسات المتعلقة بحقوق البث والملكية الفكرية على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمواطنين، بما يضمن التوازن بين المصالح التجارية والحق العام في الوصول إلى المعلومات والترفيه.
وتؤكد الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب أن بناء بيئة رقمية آمنة وعادلة يتطلب معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع المواطنين إلى اللجوء إلى البدائل غير القانونية، والعمل على ضمان وصول الجميع إلى المحتوى الثقافي والرياضي بصورة منصفة وآمنة، انسجاماً مع التزامات لبنان الدستورية والدولية في مجال حقوق الإنسان.
هذه المقالة متاحة أيضًا بـ:




