بقلم بسام القنطار *
انتهيت للتو من قراءة كتاب «هل تنجح الوقاية من التعذيب؟» للباحثين ريتشارد كارفر وليزا هاندلي، وهو دراسة مقارنة رصينة تتناول واحداً من أهم الأسئلة وأكثرها إهمالاً في النضال العالمي لمناهضة التعذيب. فالكتاب لا يكتفي بالسؤال عمّا إذا كان التعذيب محظوراً قانوناً، أو ما إذا كانت الحكومات قد صادقت على الاتفاقيات الدولية، أو ما إذا كانت التشريعات الوطنية تكفل حقوق المحتجزين بصورة رسمية؛ بل يطرح سؤالاً أكثر صعوبة وواقعية: ما التدابير التي تؤدي فعلاً إلى خفض حالات التعذيب في الممارسة العملية؟
بالنسبة إلى لبنان، لا يمكن أن يأتي هذا السؤال في توقيت أكثر إلحاحاً. فقد مضى نحو 18 عاماً على تصديق لبنان البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (OPCAT). كما مضت عشرة أعوام على إقرار مجلس النواب القانون رقم 62 لسنة 2016، الذي أنشأ الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب، بوصف الأخيرة الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب في لبنان. ومضت ثماني سنوات كاملة تقريباً على إقرار القانون رقم 65 لسنة 2017 بشأن تجريم التعذيب والمعاقبة عليه.
شكّلت هذه التطورات التزامات قانونية ومؤسسية كبرى. غير أن الخلاصة الأساسية للكتاب هي أن الاتفاقيات والقوانين والمؤسسات ينبغي أن تُقيّم في نهاية المطاف من خلال تأثيرها الفعلي في ما يحدث خلال الساعات والأيام الأولى من الاحتجاز.
يدرس كارفر وهاندلي فاعلية تدابير الوقاية من التعذيب من خلال بحث مقارن شمل 16 دولة على مدى 30 عاماً. وبدلاً من افتراض فاعلية التدابير التي توصي بها الهيئات الدولية والمدافعون عن حقوق الإنسان عادة، حاول الباحثان قياس أثرها الحقيقي. وتناولت الدراسة أربعة مجالات رئيسية: الضمانات التي تنظّم التوقيف والاحتجاز والاستجواب؛ وتجريم التعذيب والتحقيق فيه وملاحقة مرتكبيه؛ والمراقبة المستقلة لأماكن الحرمان من الحرية؛ وآليات تلقي الشكاوى ومعالجتها.
وكانت أهم نتائج الدراسة واضحة: إن الممارسات الفعلية المتبعة أثناء الاحتجاز هي العامل الأكثر تأثيراً في معدلات وقوع التعذيب.
تمثّل هذه النتيجة أهمية أساسية للبنان. فخطر التعذيب لا يبدأ عندما يدخل المحتجز إلى سجن رسمي، بل قد يبدأ في وقت أبكر بكثير: منذ لحظة القبض عليه، وأثناء نقله، وفي مخافر الشرطة أو المراكز العسكرية والأمنية وغرف التحقيق، وأحياناً في أماكن غير مسجّلة بصورة سليمة أو لا تخضع لرقابة خارجية فعّالة. وتُعدّ الساعات الأولى التي تلي التوقيف في الغالب المرحلة التي يكون فيها المحتجز أكثر عزلة وخوفاً وعرضة للضغط والإكراه.
الضمانات التي حدّدها الكتاب ليست نظرية أو ثورية، بل هي تدابير عملية ومباشرة. يجب ألا يُحتجز أي شخص إلا في مكان قانوني ومعترف به رسمياً، وأن يُسجّل احتجازه بصورة صحيحة. كما يجب إبلاغ عائلته أو شخص يختاره فوراً، وتمكينه منذ اللحظة الأولى من التواصل السري مع محامٍ، ومن الخضوع لفحص يجريه طبيب مستقل، ومن المثول سريعاً أمام قاضٍ. وينبغي أيضاً تسجيل جلسات الاستجواب بالصوت والصورة، وأن تعتمد التحقيقات الجنائية على جمع الأدلة بصورة مهنية، بدلاً من الاعتماد المفرط على الاعترافات.
يعترف القانون اللبناني رسمياً بعدد من هذه الضمانات، ولا سيما بعد تعديل المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية. إلا أن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت هذه الحقوق واردة في النصوص التشريعية، بل ما إذا كان كل محتجز قادراً على ممارستها منذ اللحظة الأولى لحرمانه من حريته، بصرف النظر عن جنسيته أو وضعه الاقتصادي أو انتمائه السياسي أو الجرم المنسوب إليه أو الجهة التي أوقفته.
ثمة خلاصة في الكتاب تستحق أن تُعلّق على جدار كل مخفر ومركز احتجاز ومكتب نيابة عامة وقاعة محكمة في لبنان: ما يهم في الوقاية من التعذيب ليس القانون المدوّن في الكتب، بل الممارسة الفعلية داخل مركز الشرطة.
يساعد هذا التمييز بين القانون والممارسة على تفسير السبب الذي يجعل الإصلاح التشريعي، على ضرورته، غير كافٍ بمفرده. فالحق في الاستعانة بمحامٍ يفقد معناه إذا لم يُبلّغ المحتجز بهذا الحق، أو إذا أُرجئ لقاء المحامي إلى ما بعد انتهاء الاستجواب، أو لم تُحترم سرية المقابلة، أو عجز الشخص عن تحمّل أتعاب التمثيل القانوني. كذلك يضعف الحق في الفحص الطبي إذا لم يكن الطبيب مستقلاً، أو لم يكن مدرّباً على توثيق آثار التعذيب، أو لم يتمكن من تسجيل الإصابات في ظروف آمنة. وتفقد الرقابة القضائية قيمتها الوقائية إذا جرى تجاهل ادعاءات التعذيب، أو اعتمد القاضي على اعترافات مطعون في طريقة انتزاعها، أو خشي المحتجز الانتقام منه إذا تحدث عما تعرض له.
أما الدرس الرئيسي الثاني فيتعلق بالمساءلة. فتجريم التعذيب يمكن أن يحقق أثراً وقائياً، ولكن فقط عندما تُجرى تحقيقات فعّالة في الادعاءات، ويواجه المسؤولون احتمالاً حقيقياً للملاحقة والمحاكمة والعقاب. وقد وجد مؤلفا الكتاب، في معظم الدول التي شملتها الدراسة، أن عدد الملاحقات والإدانات في قضايا التعذيب أقل، وأن العقوبات أخف، مقارنة بجرائم مماثلة يرتكبها أفراد عاديون.
ينبغي لهذه الخلاصة أن تدفع إلى مراجعة صريحة لتنفيذ لبنان القانون رقم 65 لسنة 2017. لقد شكّل اعتماد هذا القانون إنجازاً تاريخياً، لكن قيمته الوقائية لا تُقاس بنشره في الجريدة الرسمية، بل بالإجابة عن أسئلة عملية: كم ادعاءً بالتعذيب أُحيل فوراً إلى تحقيق مستقل؟ كم ضحية وشاهداً حصلوا على الحماية؟ كم مرة استبعدت المحاكم إفادات قيل إنها انتُزعت تحت التعذيب؟ كم قضية وصلت إلى أحكام نهائية؟ هل تتناسب العقوبات الصادرة مع خطورة الجريمة؟ وهل تتولى التحقيق جهات تتمتع باستقلال كافٍ عن الأجهزة أو المؤسسات التي يُدّعى تورط أفراد منها؟
عندما تضيع ادعاءات التعذيب وسط النزاعات الإجرائية، أو التنازع على الاختصاص، أو التحقيقات المطوّلة، أو الصمت المؤسسي، تتراجع القوة الردعية للقانون. فالإفلات من العقاب ليس مجرد حرمان للضحايا من العدالة عن انتهاكات وقعت في الماضي؛ بل هو أيضاً تهيئة للظروف التي تسمح بتكرارها مستقبلاً.
ويتعلق الدرس الثالث بأهمية الرقابة المستقلة. فقد خلصت الدراسة إلى أن مراقبة أماكن الاحتجاز تسهم في الحد من التعذيب، وإن لم يكن تأثيرها الإحصائي بقوة تأثير ضمانات الاحتجاز الفعلية والملاحقة المستمرة لمرتكبي التعذيب. وتؤكد هذه النتيجة الأهمية الكبيرة للجنة الوقاية من التعذيب في لبنان.
فالآلية الوطنية للوقاية من التعذيب ليست مؤسسة رمزية، ولا ينبغي التعامل معها كهيئة تجري زيارات عرضية إلى السجون. وفقاً للبروتوكول الاختياري، تتطلب الوقاية زيارات منتظمة ومفاجئة إلى كل مكان يوجد فيه، أو قد يوجد فيه، أشخاص محرومون من حريتهم. ولا يقتصر ذلك على السجون ومخافر الشرطة، بل يشمل أيضاً مراكز الاحتجاز العسكرية والأمنية، ومؤسسات الأحداث، ومستشفيات الأمراض النفسية، وأماكن احتجاز المهاجرين، وأي مكان آخر لا يستطيع الأفراد مغادرته بإرادتهم.
وينبغي ألا تقتصر المراقبة الفعالة على فحص الظروف المادية. صحيح أن الاكتظاظ والرعاية الصحية والغذاء والنظافة والبنية التحتية مسائل أساسية، لكن الوقاية تقتضي أيضاً مراجعة سجلات التوقيف، وإجراءات الاستجواب، وإمكانية الاستعانة بالمحامين والأطباء، والتدابير التأديبية، واستخدام العزل، وعمليات النقل، والشكاوى، والوفيات أثناء الاحتجاز، ومعاملة الأشخاص الأكثر عرضة للمخاطر.
وحتى تتمكن لجنة الوقاية من التعذيب من أداء مهمتها، يجب أن تتوفر لها الموارد المالية الكافية، والخبرات المتعددة الاختصاصات، والاستقلالية التشغيلية، والوصول غير المقيّد إلى الأماكن والسجلات، والحماية من التدخل أو الانتقام. كما يتعين على سلطات الدولة التعامل بجدية مع توصياتها وتقديم إجابات معللة بشأنها. فالزيارة التي يعقبها تقرير لا ينتج عنه أي تغيير مؤسسي لا تستطيع، بمفردها، إحداث تحول في ممارسات الاحتجاز.
يثير الكتاب أيضاً نقاشاً مهماً حول آليات الشكاوى. وهو لا يقول إن الشكاوى غير مهمة، إذ يمكنها أن توفر سبل انتصاف فردية، وتكشف الانتهاكات، وتنتج الأدلة. إلا أن الدراسة لم تجد أن الجهات التي تتولى معالجة الشكاوى، بمفردها، تؤدي بصورة منتظمة إلى خفض حالات التعذيب مستقبلاً. وفي الحالات التي تجمع فيها المؤسسة الواحدة بين تلقي الشكاوى والمراقبة، بدا أن وظيفة المراقبة هي التي تحقق الأثر الوقائي الأوضح.
بالنسبة إلى لبنان، يعني ذلك أن استقبال الشكاوى لا يمكن أن يكون بديلاً من الوقاية الاستباقية. فلا يجوز للسلطات انتظار تمكّن ناجٍ من التعذيب، غالباً ما يكون مصاباً بالصدمة والخوف، من تقديم شكوى رسمية. تتطلب الوقاية تحديد الممارسات الخطرة قبل أن تتحول إلى انتهاكات متكررة. ويجب استخدام الشكاوى لتوجيه الزيارات، وكشف الأنماط، وصوغ التوصيات المتعلقة بالإصلاحات النظامية، على أن ترتبط بالمراقبة والتحقيق والحماية والمساءلة.
تُظهر المقارنات الدولية الواردة في الكتاب أيضاً أن التقدم ليس تلقائياً ولا غير قابل للتراجع. فقد حققت بعض الدول انخفاضاً مستداماً في حالات التعذيب من خلال إصلاح شامل للشرطة وتعزيز ضمانات الاحتجاز وأساليب التحقيق. وشهدت دول أخرى تحسناً أولياً، لكنه توقف لاحقاً بسبب استمرار الإفلات من العقاب أو بقاء الإصلاحات حبراً على ورق. وفي دول عدة، تعايشت الأطر القانونية المتقدمة مع انتهاكات روتينية داخل مراكز الشرطة المحلية. كما أسهمت الأزمات السياسية والتهديدات الأمنية والخطابات التحريضية في عودة الانتهاكات أو تصاعدها.
يكتسب هذا التحذير أهمية خاصة في لبنان، حيث يمكن للضعف المؤسسي المزمن والانهيار الاقتصادي واكتظاظ أماكن الاحتجاز والضغوط الواقعة على القضاء والأجهزة الأمنية وتكرار الأزمات السياسية والأمنية أن تقوّض الضمانات. ومع ذلك، لا يجوز أبداً تحويل الظروف الاستثنائية إلى مبرر لتعليق الحظر المطلق للتعذيب. فالقانون الدولي لا يسمح بأي استثناء، سواء استند إلى الحرب أو عدم الاستقرار أو حالة الطوارئ أو مكافحة الإرهاب أو أوامر صادرة عن مسؤول أعلى.
خرجت من قراءة كتاب «هل تنجح الوقاية من التعذيب؟» بقناعة مفادها أن مشكلة لبنان الأساسية لا تكمن في غياب الالتزامات القانونية، بل في الفجوة بين الالتزام والتنفيذ. ويتطلب ردم هذه الفجوة العمل في الوقت نفسه على تطبيق الضمانات منذ اللحظة الأولى للتوقيف، وتأمين الاتصال الفوري بالمحامين والأطباء المستقلين، وتسجيل الاستجوابات، والحد من الاعتماد على الاعترافات، وتعزيز الرقابة القضائية، والتحقيق المستقل في الادعاءات، وملاحقة المسؤولين عنها، وتمكين الآلية الوطنية من مراقبة جميع أماكن الحرمان من الحرية بفاعلية.
التدريب ضروري أيضاً، كما يثبت الكتاب، لكنه لا يمكن أن يحل محل المساءلة. يحتاج عناصر الشرطة والأجهزة العسكرية والأمنية والمدعون العامون والقضاة والمحامون والأطباء إلى المعرفة المتخصصة والمهارات العملية. غير أن التدريب، مهما بلغ مستواه، لن يحقق النتائج المطلوبة إذا استمرت المؤسسات في التسامح مع الانتهاكات أو في مكافأة النتائج التي تتحقق بوسائل غير قانونية.
بعد نحو 18 عاماً على تصديق البروتوكول الاختياري، وعشرة أعوام على إنشاء الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب بموجب القانون، وثماني سنوات كاملة على إقرار تشريع خاص يجرّم التعذيب، يجب أن ينتقل لبنان من قياس التقدم بعدد القوانين التي أقرها والمؤسسات التي أنشأها إلى قياسه بالنتائج. هل أصبح المحتجزون أكثر أماناً؟ هل باتت التحقيقات أكثر مهنية؟ هل يجري التحقيق في ادعاءات التعذيب بجدية؟ هل تستبعد المحاكم الأدلة المنتزعة بالإكراه؟ هل يستطيع المراقبون المستقلون دخول جميع أماكن الاحتجاز من دون عوائق؟ وهل يستطيع الضحايا الوصول إلى الحقيقة والحماية والانتصاف؟
يسأل عنوان الكتاب: هل تنجح الوقاية من التعذيب؟ ويقدم الكتاب جواباً إيجابياً، وإن كان حذراً: نعم، تنجح عندما تصبح الضمانات ممارسة فعلية، وتكون الرقابة مستقلة، والتحقيقات ذات مصداقية، ويجري التصدي للإفلات من العقاب.
أما بالنسبة إلى لبنان، فلم يعد السؤال ما إذا كانت الوقاية ممكنة، بل ما إذا كانت الدولة وجميع مؤسساتها مستعدة لتحويلها إلى واقع.
* مفوض العلاقات الدولية في الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب في لبنان. شغل سابقاً منصب محقق في بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق في ليبيا، كما عمل باحثاً لدى منظمة العفو الدولية.
هذه المقالة متاحة أيضًا بـ:





