spot_img
spot_img

منشورات أخرى

الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان: رشّ المبيدات في جنوب لبنان جريمة إبادة بيئية تستوجب تحقيقًا دوليًا ومساءلة أمام المحكمة الجنائية الدولية

تُعرب الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب عن بالغ قلقها وإدانتها الشديدة لاستمرار قيام القوات الإسرائيلية برشّ مواد كيميائية سامة على الأراضي الزراعية والمناطق الحدودية الجنوبية في لبنان، ولا سيّما مبيد “غليفوسات”، في سياق اعتداءات متكرّرة تُشكّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وللقواعد الدولية الناظمة لحماية البيئة في زمن النزاعات المسلحة.
وتؤكّد الهيئة أنّ هذه المواد تُستخدم بصورة متعمّدة ومتكرّرة في مناطق مدنية وزراعية مأهولة، رغم ما هو ثابت علميًا وقانونيًا بشأن آثارها الخطيرة على التربة والمياه الجوفية والمحاصيل الزراعية والتنوّع البيولوجي، فضلًا عن المخاطر الجسيمة على الصحة العامة. إنّ هذا الاستخدام لا يمكن فصله عن سياق أوسع من الممارسات التي تستهدف الأرض والسكان وسبل عيشهم، وتؤدي إلى تدمير منهجي للبيئة الطبيعية والموارد الأساسية اللازمة لبقاء المدنيين.
وترى الهيئة أنّ الرشّ المتكرّر والمنهجي للمواد الكيميائية السامة على الأراضي اللبنانية لا يُمكن تبريره باعتباره أثرًا جانبيًا للنزاع، بل يندرج ضمن سياسة متعمّدة تؤدي إلى إحداث دمار واسع النطاق وطويل الأمد في البيئة، وتجريد المجتمعات المحلية من مصادر رزقها، وتقويض الأمن الغذائي، وفرض ظروف معيشية قسرية تدفع السكان إلى النزوح أو تمنع عودتهم الآمنة والكريمة. وبناءً عليه، تعتبر الهيئة أنّ هذه الأفعال ترقى إلى مستوى جريمة إبادة بيئية، لما لها من آثار مدمّرة مستدامة على النظم البيئية وحقوق الإنسان الأساسية، بما في ذلك الحق في الحياة، والحق في الصحة، والحق في الغذاء والمياه، والحق في بيئة سليمة وآمنة ومستدامة.
إنّ الاعتداء على البيئة في سياق النزاع المسلح يُشكّل، في جوهره، اعتداءً مباشرًا على المدنيين، ويتعارض مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، ولا سيّما مبدأ التمييز بين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ومبدأ التناسب، وواجب اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية السكان المدنيين. كما أنّ تدمير الموارد الطبيعية التي يعتمد عليها المدنيون للبقاء على قيد الحياة يُعدّ شكلًا من أشكال العقاب الجماعي المحظور، وقد يرقى، في حال ثبوت طابعه المنهجي والواسع النطاق، إلى جريمة حرب، بل وإلى جريمة ضد الإنسانية متى استُخدم كوسيلة لإخضاع السكان أو تهجيرهم قسرًا.
وقد تسبّبت هذه الممارسات في تعميق المعاناة الإنسانية والاجتماعية في جنوب لبنان، ولا سيّما في صفوف المزارعين والأسر التي تعتمد على الزراعة كمصدر أساسي للدخل. إذ أُتلفت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وتضرّرت التربة على نحو يصعب إصلاحه في المدى القريب، وتزايدت المخاوف من آثار صحية طويلة الأمد، خصوصًا على الأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الحالات الصحية المزمنة. كما أدّت هذه الأضرار إلى تفاقم الفقر والهشاشة الاقتصادية، وإضعاف قدرة المجتمعات المحلية على الصمود والتعافي.
وفي هذا السياق، تؤكّد الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان أنّ خطورة هذه الانتهاكات تستوجب تحرّكًا دوليًا عاجلًا وفعّالًا، يتجاوز بيانات الإدانة، ويضع حدًا لسياسات الإفلات من العقاب. وعليه، تدعو الهيئة إلى إنشاء آلية تحقيق دولية مستقلة، دائمة، ومزوَّدة بموارد بشرية وتقنية كافية، تتولّى التحقيق في جميع الانتهاكات والتجاوزات المزعومة لحقوق الإنسان، وانتهاكات القانون الدولي الإنساني، والجرائم بموجب القانون الدولي التي ارتكبتها إسرائيل في لبنان منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023. ويجب أن تشمل ولاية هذه الآلية توثيق الوقائع، وجمع وحفظ الأدلة وفق المعايير الدولية، وتحديد الظروف والسياق والأسباب الجذرية لهذه الانتهاكات، تمهيدًا لضمان محاسبة المسؤولين عنها، وتحديد هوياتهم، وتأمين حق الضحايا في الحقيقة والعدالة وجبر الضرر.
كما تؤكّد الهيئة ضرورة إحالة الجرائم المرتكبة في لبنان إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، باعتبارها الجهة القضائية الدولية المختصة بالنظر في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وغيرها من الجرائم الدولية الخطيرة. وفي هذا الإطار، تطالب الهيئة الدولة اللبنانية بإلغاء التراجع غير المبرّر عن قرار مجلس الوزراء الصادر في 26 نيسان/أبريل 2024، والذي قضى بقبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في التحقيق في الجرائم التي تندرج ضمن ولايتها، والمرتكبة على الأراضي اللبنانية منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، والمضي قدمًا في تفعيل هذا القبول وفقًا لأحكام المادة 12، الفقرة 3 من نظام روما الأساسي، بما يتيح ملاحقة مرتكبي هذه الجرائم دون انتقائية أو ازدواجية معايير.
وتشدّد الهيئة على أنّ الجرائم البيئية الجسيمة، ولا سيّما تلك المرتكبة في سياق نزاع مسلح وبصورة ممنهجة، لا يجوز أن تبقى خارج نطاق المساءلة الجنائية الدولية، ولا تسقط بالتقادم، وأنّ غياب المحاسبة يشكّل عاملًا رئيسيًا في تكرار الانتهاكات واستمرار معاناة المدنيين.
إنّ الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب تؤكّد أنّ حماية الإنسان لا تنفصل عن حماية أرضه وبيئته وموارده الطبيعية. فالهجوم على البيئة هو هجوم على الحياة نفسها، وعلى الكرامة الإنسانية، وعلى مستقبل الأجيال القادمة. وإذ تجدّد الهيئة التزامها بمتابعة هذا الملف على المستويين الوطني والدولي، فإنّها تدعو جميع الجهات الرسمية والمجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية، والعمل الجاد لضمان وقف هذه الجرائم، ومحاسبة مرتكبيها، وإنصاف الضحايا، وصون حق الشعب اللبناني في العيش بأمان وكرامة وفي بيئة سليمة.

هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية)

NHRCLB
NHRCLBhttps://nhrclb.org
تعمل الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب، على حماية حقوق الإنسان وتعزيزها في لبنان وفق المعايير الواردة في الدستور اللّبناني والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتفاقيات والمعاهدات الدولية والقوانين اللّبنانية المتفقة مع هذه المعايير. وهي مؤسسة وطنية مستقلة منشأة بموجب القانون 62/ 2016، سنداً لقرار الجمعية العامة للامم المتحدة (مبادئ باريس) التي ترعى آليات إنشاء وعمل المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان. كما تتضمن آلية وقائية وطنية للتعذيب (لجنة الوقاية من التعذيب) عملاً بأحكام البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية او اللاانسانية او المهينة الذي انضم اليه لبنان بموجب القانون رقم 12/ 2008.