نظّمت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب، بالتعاون مع مركز «سكون» اللبناني للإدمان، اللقاء الثالث ضمن سلسلة «نتواصل من أجل الحقوق»، تحت عنوان: «نحو سياسة وطنية للمخدرات: من العقاب والتجريم إلى نهج قائم على الصحة العامة وحقوق الإنسان».
عُقد اللقاء في مقر الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في بيروت، بمشاركة ممثلين عن وزارة الصحة العامة والبرنامج الوطني للصحة النفسية التابع لها، والهيئة الناظمة لزراعة القنب للاستخدام الطبي والصناعي، وصندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، وسفارة كندا في لبنان، إلى جانب عدد من منظمات المجتمع المدني، من بينها منظمة أبعاد، والشبكة الشرق أوسطية للحدّ من مخاطر استخدام المخدرات (MENAHRA)، وحركة السلام الدائم، وجمعية حلم، ومنصة ميغافون، وشبكة العمل من أجل القنب في لبنان، وغيرها من الجهات الحقوقية والصحية والخبراء والمعنيين بتطوير سياسات المخدرات في لبنان.
وشكّل اللقاء الجولة التشاورية الأولى حول مسودة «ميثاق حقوق الأشخاص المتأثرين باستخدام المخدرات» التي أعدّتها الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، بهدف وضع إطار حقوقي مرجعي يوجّه التشريعات والسياسات العامة والممارسات القضائية والأمنية والصحية في لبنان.

المخدرات قضية صحة عامة وحقوق إنسان
استهلّ رئيس الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب، الدكتور فادي جرجس، اللقاء بكلمة ترحيبية أكد فيها أن السياسات المتعلقة بالمخدرات لا يمكن أن تبقى محصورة في المقاربات العقابية والأمنية، بل يجب أن تُبنى على حماية الكرامة الإنسانية والحق في الصحة والمساواة وعدم التمييز.
وأشار جرجس إلى أن سلسلة «نتواصل من أجل الحقوق» تشكّل مساحة دورية للحوار والتشاور بين الهيئة والمؤسسات العامة والمجتمع المدني والخبراء وأصحاب المصلحة، بما يسمح بتطوير سياسات أكثر عدالة واستجابةً للاحتياجات الفعلية للأشخاص المتأثرين باستخدام المخدرات.
وشدّد على ضرورة ضمان الوصول إلى خدمات الوقاية والعلاج وإعادة التأهيل والحدّ من المخاطر وإعادة الاندماج الاجتماعي، بعيدًا عن الوصم والتمييز، مؤكدًا التزام الهيئة بمراقبة القوانين والسياسات والممارسات التي تمسّ حقوق الأشخاص المتأثرين باستخدام المخدرات، والعمل على تعزيز المساءلة وضمان سبل الانتصاف عند وقوع الانتهاكات.
تجاوز التجريم والوصم
من جهتها، تناولت ساندي متيرك هي المديرة التنفيذية لـ مركز سكون اللبناني للإدمان، الآثار السلبية الناتجة عن التعامل مع استخدام المخدرات والاعتماد عليها من منظور عقابي في المقام الأول. وأوضحت أن التجريم والوصم قد يدفعان الأشخاص إلى الابتعاد عن خدمات الرعاية الصحية، ويعرقلان الوصول إلى العلاج والدعم الاجتماعي، ويزيدان من احتمالات تعرضهم للتمييز والانتهاكات. وأكدت متري أهمية اعتماد سياسات لمناقشة اقتراح القانون المتعلق بالمخدرات تستند إلى الأدلة العلمية، وتقوم على الوقاية والحدّ من المخاطر والعلاج الطوعي وإعادة التأهيل واستمرارية الرعاية. كما شددت على ضرورة حماية السرية الطبية والموافقة المستنيرة، وضمان حصول الأشخاص الذين يعانون من الاعتماد على المخدرات أو الجرعات الزائدة على الرعاية الطبية الطارئة من دون خوف من الملاحقة أو الإبلاغ أو العقاب. ودعت إلى إشراك الأشخاص ذوي التجارب المعاشة في صياغة القوانين والسياسات والبرامج التي تؤثر في حياتهم، والتعامل معهم بصفتهم أصحاب حقوق لا موضوعًا للعقاب أو الوصم.
عرض مسودة الميثاق
وقدّم بسام القنطار، مفوض العلاقات الدولية والإعلام في الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، عرضًا حول خلفية إعداد مسودة «ميثاق حقوق الأشخاص المتأثرين باستخدام المخدرات» وأهدافها ومبادئها وأبرز الضمانات التي تتضمنها. وأوضح القنطار أن الميثاق يسعى إلى ترجمة التزامات لبنان الوطنية والدولية في مجال حقوق الإنسان إلى ضمانات عملية قابلة للتطبيق، وإلى الانتقال من الاستجابات المجزأة والعقابية إلى سياسة وطنية منسقة تستند إلى الصحة العامة وحقوق الإنسان والأدلة العلمية والمساءلة.
وأشار إلى أن الإطار القانوني الحالي، ولا سيما القانون رقم 673 لسنة 1998، يحتاج إلى مراجعة شاملة تعالج التناقض القائم بين اعتبار الاعتماد على المخدرات حالة صحية وبين استمرار ملاحقة الأشخاص ومعاقبتهم بسبب الاستخدام أو الحيازة للاستخدام الشخصي.
وتقوم مسودة الميثاق على مجموعة من المبادئ الأساسية، أبرزها الكرامة الإنسانية والاستقلالية، والمساواة وعدم التمييز، والحق في الصحة، والموافقة المستنيرة والسرية، ومصلحة الطفل الفضلى، والحدّ من المخاطر، واستمرارية الرعاية، والمشاركة الفعلية للأشخاص المتأثرين، والرقابة المستقلة والمساءلة.
كما تتضمن المسودة عددًا من الضمانات الدنيا والفورية، من بينها:
عدم تأخير الرعاية الطبية الطارئة أو رفضها بسبب الاستخدام الفعلي أو المفترض للمخدرات.
عدم احتجاز أي شخص لمجرد اعتماده على المخدرات.
حماية السرية الطبية والبيانات الشخصية.
ضمان الوصول إلى علاج طوعي ومجتمعي وقائم على الأدلة العلمية.
ضمان الوصول الفوري إلى محامٍ وإلى الرعاية الصحية في أماكن الاحتجاز.
الحماية من التعذيب وسوء المعاملة والعلاج القسري وسائر الانتهاكات.
إجراء تحقيقات مستقلة في الانتهاكات وضمان الوصول إلى سبل انتصاف فعالة.
إشراك الأشخاص المتأثرين في وضع السياسات والخدمات التي تعنيهم.
الحماية من الانتقام عند تقديم الشكاوى أو الإبلاغ عن الانتهاكات.
مقاربة وطنية عابرة للقطاعات
أظهرت طبيعة المشاركات في اللقاء أن إصلاح سياسة المخدرات يتطلب تنسيقًا فعليًا بين المؤسسات الصحية والقضائية والحقوقية والتنظيمية والرقابية. وفي هذا السياق، أغنت مشاركة الدكتور ربيع الشمّاعي النقاش المتعلق بالصحة النفسية وضرورة دمج خدمات علاج الاعتماد على المخدرات ضمن نظام صحي متكامل يضمن استمرارية الرعاية والدعم النفسي والاجتماعي. كما شكّلت مشاركة الدكتور داني فاضل فرصة لمناقشة الأبعاد التنظيمية المرتبطة بزراعة القنب للاستخدام الطبي والصناعي، وضرورة بناء أطر قانونية وتنظيمية شفافة تحمي المصلحة العامة وتمنع إساءة الاستخدام وتضمن احترام المعايير الصحية والحقوقية. أما مشاركة الدكتور كليب كليب عن الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، فأبرزت أهمية الشفافية وحق الوصول الى المعلومات والنزاهة والمساءلة في إدارة السياسات والموارد والتراخيص والبرامج المرتبطة بالمخدرات، وضرورة توفير آليات رقابية مستقلة تحول دون تضارب المصالح وسوء استخدام السلطة.
توصيات ومسار تشاوري مستمر
ستعمل الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، بالتعاون مع «سكون» والشركاء المعنيين، على جمع الملاحظات والتوصيات التي طُرحت خلال اللقاء ودمجها في عملية مراجعة مسودة الميثاق، تمهيدًا لتطويرها كمرجعية وطنية للمناصرة والإصلاح التشريعي والمساءلة المؤسسية وبناء سياسة وطنية شاملة للمخدرات. اضافة الى بحث سبل تفعيل تضمين اقتراح قانون المخدرات على جدول اعمال اللجان البرلمانية تمهيدا للخروج بمسودة نهائية ترفع الى الهيئة العامة للمجلس للتصويت والاقرار.
هذه المقالة متاحة أيضًا بـ:




