spot_img
spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

منشورات أخرى

إنشاء “الهيئة الوطنية لإدارة نطاق .lb (السجل)” كمدخل لمعالجة الاختلالات البنيوية في الحوكمة الرقمية

ملخص تنفيذي يتناول هذا الرأي إشكاليات حوكمة نطاق المستوى الأعلى...

الميثاق العربي لحقوق الإنسان

الاجازة للحكومة ابرام الميثاق العربي لحقوق الانسان الموقع في...

الوفاء لآمال خليل يكون بالعمل من اجل عدم افلات الجناة من العقاب

أكد عضو الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، بسام القنطار، أن...

الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان تزور نائب رئيس مجلس الوزراء لبحث سبل تعزيز التعاون

زار وفد من الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة...

إنشاء “الهيئة الوطنية لإدارة نطاق .lb (السجل)” كمدخل لمعالجة الاختلالات البنيوية في الحوكمة الرقمية

ملخص تنفيذي

يتناول هذا الرأي إشكاليات حوكمة نطاق المستوى الأعلى لرمز الدولة في لبنان (.lb)، بوصفه مورداً رقمياً سيادياً يعكس الهوية القانونية للدولة في الفضاء الإلكتروني، ويشكّل جزءاً من بنيتها التحتية الحيوية. ويكشف التحليل عن فجوة بنيوية مستمرة بين التطور التقني الذي شهده هذا المورد منذ إنشائه عام 1993، وبين غياب إطار مؤسسي وتشريعي مكتمل ينظّم إدارته ويضمن خضوعه لمبادئ الشرعية، الشفافية، والمساءلة.

منذ تخصيص النطاق عام 1993، اعتمد لبنان نموذجاً فريداً لإدارة (.lb) قائم على جهود فردية تطوعية، قادها مدير النطاق بدعم من الجامعة الأميركية في بيروت، في إطار غير ربحي يهدف إلى خدمة مجتمع الإنترنت المحلي. وقد استند هذا النموذج إلى المبادئ التأسيسية لحوكمة الإنترنت، لا سيما مفهوم “الوظيفة الائتمانية”، حيث لا تُعد إدارة النطاق ملكية خاصة، بل مسؤولية لخدمة الصالح العام. إلا أنّ هذا النموذج، رغم نجاحه التقني النسبي، لم يُترجم إلى إطار قانوني مؤسسي واضح، ما أدى إلى استمرار إدارة مورد عام استراتيجي خارج منظومة الحوكمة الرسمية للدولة.

خلال العقدين اللاحقين، شهدت إدارة النطاق محاولات متعددة للمأسسة، أبرزها محاولة نقل الإدارة إلى شركة أوجيرو عام 2008، والتي أثارت مخاوف جدية بشأن تضارب المصالح بين دور المشغّل ومزوّد الخدمة، بما يتعارض مع مبدأ الحياد في إدارة نطاقات الدول. كما برزت مبادرات لاحقة لإنشاء إطار تشاركي متعدد أصحاب المصلحة، culminated في تأسيس “المركز اللبناني للإنترنت” (LINC) عام 2014، إلا أن هذه المبادرة تعثّرت نتيجة عراقيل إدارية وعدم استكمال الإجراءات القانونية، ما أدى إلى استمرار الفراغ المؤسسي.

يشكّل إقرار قانون المعاملات الإلكترونية رقم 81/2018 محطة مفصلية في هذا السياق، إذ وضع إطاراً قانونياً متكاملاً لحوكمة النطاقات الوطنية (.lb و.لبنان)، ونصّ صراحة على إنشاء “الهيئة الوطنية لإدارة النطاقات الخاصة بلبنان”. وقد كرّس هذا القانون الطابع السيادي للنطاق، وأرسى مبادئ الحوكمة التشاركية، وتنظيم العلاقة بين السجل والمسجّلين، وآليات تسوية النزاعات، إضافة إلى حماية الحقوق الأساسية مثل الخصوصية والوصول إلى المعلومات. إلا أنّ هذا الإطار التشريعي بقي حبراً على ورق، نتيجة عدم إنشاء الهيئة المنصوص عليها، ما أدى إلى استمرار إدارة النطاق خارج إطار قانوني مكتمل، في تناقض واضح مع مبدأ سيادة القانون.

في موازاة ذلك، شهدت إدارة النطاق تطورات تقنية مهمة، أبرزها الانتقال عام 2020 إلى نموذج السجل/المسجّلين عبر منصة COCCA السحابية، ما عزّز الكفاءة التشغيلية والأمن السيبراني، وأدخل لبنان في المنظومة العالمية الحديثة لإدارة أسماء النطاقات. إلا أنّ هذا التقدم التقني ترافق مع إشكاليات سيادية، نظراً لاعتماد بنية تشغيلية خارج الإطار الوطني، في ظل غياب جهة رسمية مخوّلة بالإشراف والتنظيم.

كما أدّت الأزمة المالية في لبنان إلى تحوّل إضافي في بنية الإدارة، حيث تم تأسيس شركة LBDR LLC في الولايات المتحدة عام 2021 لضمان استمرارية العمليات المالية والتشغيلية، ما نقل الإطار القانوني لإدارة النطاق إلى خارج الإقليم الوطني. ويطرح هذا التطور تساؤلات جوهرية حول الاختصاص القضائي، وحدود الرقابة الوطنية، ومدى توافق هذا الواقع مع مفهوم المرفق العام الرقمي.

وفي عام 2023، وبعد وفاة المدير التاريخي للنطاق، دخلت إدارة (.lb) مرحلة انتقالية جديدة، تم خلالها نقل الإدارة مؤقتاً إلى جمعية الإنترنت في لبنان (ISOC Lebanon)، بدعم حكومي استثنائي واعتراف دولي من قبل الجهات المعنية. كما تم إدراج لبنان ضمن المنظمة الدولية الداعمة لنطاقات الدول (ccNSO) عام 2024، ما يعكس اندماجاً متزايداً في منظومة الحوكمة العالمية، رغم استمرار غياب الإطار المؤسسي الوطني.

من منظور حقوقي، يبرز هذا الواقع كإشكالية تتجاوز البعد التقني، ليطال حقوقاً أساسية، منها الحق في الوصول إلى الإنترنت، والحق في الخصوصية، وحرية التعبير، والمشاركة في الاقتصاد الرقمي. إذ إن غياب الحوكمة المؤسسية يضعف القدرة على ضمان هذه الحقوق، ويحدّ من الشفافية والمساءلة، ويخلق بيئة غير متوازنة قد تسمح بممارسات تمييزية أو احتكارية.

إضافة إلى ذلك، يكشف الرأي عن قصور في سياسة تسجيل أسماء النطاقات، حيث لا يزال لبنان يعتمد نموذجاً مغلقاً يقوم على النطاقات الفرعية (مثل com.lb وorg.lb)، دون إتاحة التسجيل المباشر تحت (.lb)، ودون تفعيل النطاق العربي (.لبنان). ويؤدي هذا النموذج إلى إقصاء فئات واسعة من المستخدمين، ويدفعهم نحو استخدام نطاقات دولية، ما يضعف السيادة الرقمية ويحدّ من تطوير الاقتصاد الرقمي الوطني.

في ضوء ما تقدم، ترى الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان أن جوهر المشكلة يتمثل في استمرار “الفراغ التنظيمي” رغم وجود نص قانوني واضح، وأن معالجة هذا الخلل تتطلب إجراءات فورية، أبرزها إنشاء “الهيئة الوطنية لإدارة نطاق .lb” كمدخل أساسي لإعادة تنظيم الحوكمة الرقمية في لبنان. وتؤكد الهيئة أن هذه الخطوة ليست مجرد خيار إداري، بل التزام قانوني وحقوقي، يهدف إلى إعادة إدماج هذا المورد ضمن إطار الدولة، وضمان إدارته كمرفق عام يخضع لمبادئ الشفافية، المساءلة، وعدم التمييز.

وتوصي الهيئة بجملة من الإجراءات، تشمل:

إنشاء الهيئة الوطنية المنصوص عليها في القانون 81/2018،

اعتماد نموذج حوكمة تشاركي متعدد أصحاب المصلحة،

فتح التسجيل المباشر تحت النطاق (.lb) تدريجياً،

تفعيل النطاق العربي (.لبنان)،

تعزيز حماية البيانات والخصوصية،

وضمان الشفافية في إدارة الموارد المالية المرتبطة بالنطاق.

يخلص الرأي إلى أن إدارة نطاق (.lb) في لبنان تمثل نموذجاً مركباً يجمع بين التقدم التقني والتأخر المؤسسي، وأن تحقيق التوازن بين هذين البعدين يتطلب إرادة سياسية وتشريعية واضحة لتفعيل القانون، ومأسسة الحوكمة الرقمية، بما يعزز السيادة الوطنية ويحمي حقوق المستخدمين، ويؤسس لاقتصاد رقمي مستدام.

حوكمة نطاق (.lb) في لبنان بين السيادة الرقمية والفراغ التشريعي

يُثير موضوع حوكمة نطاق المستوى الأعلى لرمز الدولة في لبنان (.lb) إشكاليات قانونية مركّبة تتقاطع فيها اعتبارات السيادة الرقمية مع متطلبات الحوكمة العالمية للإنترنت، وذلك في ظل الدور الذي تؤديه هيئة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة؛ أو ما يعرف بهيئة الأيكان (ICANN)، في إدارة منظومة أسماء النطاقات على المستوى الدولي، وبخاصة من خلال إطار مجلس منظمات دعم أسماء رموز الدول (ccNSO) الذي تنضوي فيه الجهات المديرة لنطاقات الدول.

إن الرمز “LB” وفق معيار ISO 3166-1، والذي تستند إليه أهلية هذا الطلب، هو رمز مخصص لتمثيل دولة لبنان. من حيث المبدأ، يُعدّ نطاق (.lb) مورداً رقمياً وطنياً ذا طبيعة سيادية، كونه يمثّل الامتداد الإلكتروني لإقليم الدولة وهويتها القانونية في الفضاء الرقمي. إلا أنّ إدارته في لبنان لم تستند تاريخياً إلى إطار تشريعي واضح يحدّد الجهة المخوّلة قانوناً بتولّي هذا الدور، ولا يضبط علاقتها بالدولة من حيث التفويض، الإشراف، أو المساءلة. هذا الفراغ التنظيمي أفضى إلى إشكالية قانونية تتعلق بمشروعية إدارة مورد عام ذي قيمة استراتيجية خارج بنية قانونية مؤسسية واضحة، ما قد ينعكس سلباً على مبادئ الشفافية والمساءلة وحسن إدارة المرافق العامة.

تُعد ccNSO الهيئة المعنية بوضع السياسات ضمن هيئة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة (Internet Corporation for Assigned Names and Numbers – ICANN) فيما يتعلق بجوانب محددة من القضايا العالمية المرتبطة بنطاقات المستوى الأعلى لرموز الدول (ccTLDs).

وبموجب النظام الأساسي لـ ICANN، تقتصر عضوية ccNSO على مديري نطاقات ccTLD، أي الجهات المدرجة رسميًا في سجل تفويض النطاقات لدى هيئة أرقام الإنترنت المخصصة (Internet Assigned Numbers Authority – IANA).

وتشكّل ccNSO منصة دولية فريدة لتبادل المعلومات وأفضل الممارسات بين مديري نطاقات رموز الدول، كما تتيح لأعضائها من مختلف دول العالم التعبير عن آرائهم والمساهمة في صياغة السياسات ضمن مجتمع ICANN العالمي.

في هذا السياق، تبرز صلاحيات الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان بموجب القانون رقم 62/2016، ولا سيّما المادة 15 منه، في تقييم الأثر الحقوقي لهذا النمط من الحوكمة، سواء بمبادرة منها أو بناءً على طلب، بما يشمل مدى توافقه مع الدستور اللبناني والالتزامات الدولية، لا سيّما تلك المرتبطة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والحق في الخصوصية، والحق في الوصول إلى المعلومات.

تاريخ نطاق المستوى الأعلى لرمز الدولة “.lb”

بدأت قصة نطاق (.lb) عام 1993 مع تخصيصه من قبل هيئة أرقام الإنترنت المخصصة (IANA) لصالح نبيل بو خالد، ما شكّل نقطة انطلاق لاندماج لبنان في منظومة الإنترنت العالمية. وقد قامت إدارة النطاق منذ البداية على نموذج تطوعي غير ربحي، مستند إلى مبدأ “الوظيفة الائتمانية”، حيث لا يُعدّ النطاق ملكًا خاصًا، بل موردًا عامًا يُدار لخدمة مجتمع الإنترنت. إلا أن غياب إطار تشريعي واضح أدى إلى اعتماد حلول تنظيمية بديلة، أبرزها فرض شرط تسجيل علامة تجارية كمدخل للحصول على اسم نطاق، ما أرسى نموذج “السجل المغلق” الذي حدّ من انتشار النطاق وأدى إلى توجه المستخدمين نحو النطاقات الدولية.

مع مرور الوقت، برزت محاولات لمأسسة إدارة النطاق، من بينها محاولة نقل الإدارة إلى شركة أوجيرو عام 2008، والتي أثارت إشكاليات تتعلق بتضارب المصالح، نظراً للجمع بين دور المشغّل ومزوّد الخدمة. في المقابل، دافع مدير النطاق عن نموذج حوكمة تشاركي يضمن الاستقلالية والشفافية، ما مهّد لنقاش أوسع حول إصلاح الحوكمة الرقمية في لبنان. وقد تعزز هذا التوجه خلال زيارة الرئيس التنفيذي لهيئة ICANN إلى بيروت عام 2013، حيث تم التأكيد على أهمية اعتماد نموذج تعددية أصحاب المصلحة كإطار أمثل لإدارة نطاقات الدول.

تُوّجت هذه الجهود بإطلاق “المركز اللبناني للإنترنت” عام 2014، ككيان مؤسسي غير ربحي قائم على شراكة بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني، بهدف تولي إدارة النطاق بشكل مستدام. إلا أن هذا المشروع تعثّر بسبب عراقيل إدارية وقانونية حالت دون تفعيله، ما أدى إلى استمرار إدارة النطاق خارج إطار مؤسسي واضح. وقد فاقم هذا الوضع من التحديات المرتبطة بالشفافية والاستدامة، وأبقى لبنان متأخراً عن المعايير الدولية في حوكمة الموارد الرقمية.

شكّل إقرار قانون المعاملات الإلكترونية رقم 81/2018 نقطة تحول مهمة، إذ وضع إطاراً قانونياً متكاملاً لحوكمة النطاقات الوطنية، ونصّ على إنشاء هيئة وطنية لإدارة هذا المورد وفق نموذج تشاركي. غير أن عدم تنفيذ هذا النص أدى إلى استمرار الفراغ المؤسسي، ما أضعف فعالية القانون وطرح تساؤلات حول مشروعية الإدارة الحالية.

في موازاة ذلك، شهدت إدارة النطاق تطورات تقنية بارزة، أبرزها الانتقال إلى منصة COCCA عام 2020 واعتماد نموذج السجل/المسجّلين، ما عزز الكفاءة والأمن السيبراني. كما لجأت الإدارة إلى تأسيس شركة LBDR LLC في الولايات المتحدة عام 2021 لضمان استمرارية العمليات المالية في ظل الأزمة الاقتصادية، ما نقل جزءاً من الإطار القانوني إلى خارج لبنان، وأثار إشكاليات تتعلق بالسيادة والرقابة.

بعد وفاة المدير التاريخي للنطاق عام 2023، دخلت الإدارة مرحلة انتقالية تم خلالها نقل المسؤولية إلى جمعية الإنترنت في لبنان بدعم حكومي مؤقت، مع استمرار التنسيق مع الهيئات الدولية. وقد تُوّج هذا المسار بانضمام لبنان إلى منظمة ccNSO عام 2024، ما عزز حضوره في منظومة الحوكمة العالمية، رغم استمرار غياب الإطار الوطني المنظم.

يكشف هذا المسار عن مفارقة واضحة بين التقدم التقني الملحوظ والتأخر المؤسسي والتشريعي في إدارة نطاق (.lb). ويؤكد أن معالجة هذه الإشكالية تتطلب الإسراع في إنشاء الهيئة الوطنية المنصوص عليها قانوناً، واعتماد نموذج حوكمة تشاركي ومستدام، بما يضمن حماية السيادة الرقمية وتعزيز ثقة المستخدمين وتطوير الاقتصاد الرقمي في لبنان.

البدايات التأسيسية لإدارة نطاق “.lb” ودخول لبنان إلى الفضاء الرقمي العالمي

تمّ تخصيص نطاق المستوى الأعلى لرمز الدولة “.lb” بتاريخ 25 آب/أغسطس 1993 من قبل جون بوستل، بصفته المسؤول عن هيئة أرقام الإنترنت المخصصة (IANA)، لصالح نبيل بو خالد من الجامعة الأميركية في بيروت، حيث جرى بعد ذلك، في 27 آب/أغسطس 1993، تسجيل أول اسم نطاق ضمن هذا الامتداد وهو “aub.ac.lb”، بما شكّل البداية الفعلية لإدماج لبنان في منظومة أسماء النطاقات العالمية. وقد استقرّ، وفق المبادئ التأسيسية لحوكمة نطاقات رموز الدول (ccTLDs)، أن الجهة المعيّنة لإدارة النطاق لا تملك هذا المورد، بل تضطلع بدور ائتماني لخدمة المصلحة العامة لمجتمع الإنترنت، وهو ما كرّسته الممارسات المبكرة لنظام أسماء النطاقات. وفي هذا الإطار، تولّى نبيل بو خالد إدارة نطاق “.lb” بدعم من فريق الجامعة الأميركية في بيروت وخبرات دولية، معتمدًا نموذج سجل وطني مغلق، ومقدّمًا خدماته بصورة غير ربحية لصالح مجتمع الإنترنت اللبناني[1].

اعتماد نموذج السجل المغلق القائم على العلامة التجارية

في ظل غياب إطار تشريعي واضح ينظّم نزاعات أسماء النطاقات ويحمي حقوق الأطراف الثالثة، سعى نبيل بو خالد، بصفته مدير نطاق “.lb”، إلى تحصين المركز القانوني لإدارة النطاق، فتقدّم عام 1997 بطلب رأي إلى وزير الاقتصاد والتجارة. وقد أفضت المشاورات إلى اعتماد مقاربة تنظيمية قائمة على إلزام طالبي تسجيل أسماء النطاقات بإثبات تسجيل علامة تجارية، ولا سيّما ضمن الفئة 35 المتعلقة بتفعيل النشاط المكتبي للأعمال وتوجيهه وإدارته والإعلان والدعاية[2]، وذلك كشرط مسبق للتسجيل، مع منح حسم بنسبة 50% على رسوم تسجيل العلامة التجارية.

وبموجب هذا التوجّه، واعتبارًا من 1 أيلول/سبتمبر 1999، انتقل سجل نطاقات لبنان (LBDR) إلى نموذج سجل وطني مغلق، يقوم على ركنين أساسيين: اشتراط الوجود المحلي، وربط تسجيل أسماء النطاقات بإثبات الحق عبر العلامة التجارية. وقد ترتّب على هذا النظام إجراءات إدارية معقّدة نسبيًا، شملت إعداد ملفات قانونية وتقديمها، وانتظار مدة لا تقل عن أسبوعين لاستكمال التسجيل، إلى جانب رسوم تقارب 200 دولار أميركي لمدة حماية تمتد إلى خمسة عشر عامًا، ما أدّى عمليًا إلى عزوف شريحة من المستخدمين عن التسجيل ضمن “.lb” واتجاههم نحو النطاقات الدولية، ولا سيّما “.com”، لسهولة إجراءاتها وانخفاض كلفتها الإجرائية.

ومع ذلك، شكّل هذا النظام، في سياقه الزمني، محاولة للتوفيق بين غياب التشريع الوطني المتخصص وبين الحاجة إلى ضبط الاستخدام وحماية الحقوق، حيث تم تطوير آلية تسجيل بالتعاون مع وزارة الاقتصاد والتجارة تراعي المتطلبات التنظيمية اللبنانية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على استقلالية إدارة النطاق وحيادها. كما استندت هذه المقاربة إلى المبادئ الأساسية التي قامت عليها حوكمة الإنترنت، ولا سيّما التنظيم الذاتي، والنهج التصاعدي (Bottom-up)، والتوافق، والشفافية، والتعاون القائم على الثقة والإنصاف.

وفي هذا الإطار، تكرّس مبدأ جوهري مفاده أن شرعية مدير نطاق “.lb” لا تنبع من ملكية المورد الرقمي، بل من وظيفته في خدمة مجتمع الإنترنت المحلي، ومن القبول المستمر لهذا المجتمع بدوره. ويقابل ذلك التزام على عاتق مختلف مكوّنات المجتمع، بما في ذلك السلطات العامة، بدعم هذا النموذج وحمايته، بما يضمن استمرارية إدارة النطاق بوصفه مرفقًا رقميًا ذا طابع عام.

محاولة إعادة تفويض نطاق “.lb” إلى هيئة أوجيرو

أصدر مجلس الوزراء اللبناني بتاريخ 3 شباط/فبراير 2008 المرسوم رقم 103/86، الذي وافق بموجبه على طلب وزارة الاتصالات نقل إدارة سجل نطاقات لبنان من الجامعة الأميركية في بيروت إلى شركة أوجيرو[3]، بصفتها المشغّل الحكومي لقطاع الاتصالات. وبالاستناد إلى المعيار الدولي المتعلق بـ “هيكلية نظام أسماء النطاقات وتفويضها” (ICP-1)، عُدّ هذا الإجراء بمثابة إعادة تفويض (Re-delegation) لإدارة نطاق المستوى الأعلى لرمز الدولة “.lb” إلى جهة جديدة تعمل ضمن إطار أوجيرو[4].

وفي هذا السياق، كان تشغيل سجل نطاق “.lb” منذ عام 1993 يتم على أساس تطوعي بالكامل، معتمدًا على البنية التحتية التقنية للجامعة الأميركية في بيروت، وعلى جهود المدير القائم نبيل بو خالد وفريقه، حيث تركزت مسؤوليات الإدارة والتسجيل بشكل أساسي لديه، بما في ذلك استضافة الخوادم الأساسية للنطاق دون مقابل. وقد سبق للمدير القائم أن بادر، في عامي 1998 و2004، إلى تقديم مقترحات ترمي إلى إنشاء إطار مؤسسي تعددي لإدارة النطاق، قائم على مشاركة أصحاب المصلحة وبرعاية وزارة الاقتصاد والتجارة، بما يضمن انتقالًا تدريجيًا نحو نموذج أكثر استدامة وشفافية.

وانطلاقًا من هذا التصور، أبدى نبيل بو خالد تأييده لمبدأ مأسسة إدارة النطاق “.lb” ونقلها إلى هيئة كفوءة متعددة أصحاب المصلحة، تضطلع بدور الوصي على مورد عام، وتلتزم بمعايير الحوكمة الرشيدة من شفافية واستقرار وأمن. إلا أنه عارض إعادة التفويض إلى شركة أوجيرو، معتبرًا أن جمعها بين دور المشغّل ومزوّد خدمات الإنترنت من جهة، ودور مدير النطاق من جهة أخرى، من شأنه أن يُنشئ حالة واضحة من تضارب المصالح، تتعارض مع مبدأ الحياد الذي يجب أن يحكم إدارة نطاقات رموز الدول.

قانون المعاملات الإلكترونية

مع إقرار القانون رقم 81/2018 (قانون المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي)، أُرسي إطار قانوني جديد نظّم مسؤولية مزوّدي خدمات الإنترنت من الأطراف الثالثة، حيث نُصّ صراحةً على عدم تحميلهم المسؤولية عن المحتوى الذي يستضيفونه أو يمرّ عبر أنظمتهم، بما يشمل مستضيفي المواقع الإلكترونية، ومسجّلي أسماء النطاقات، وسائر مزوّدي الخدمات الرقمية. كما تضمّن القانون توجّهًا مؤسساتيًا يتمثل في إسناد دور تمثيل الدولة اللبنانية في رعاية سجل نطاق المستوى الأعلى “.lb” إلى وزارة الاقتصاد والتجارة، بما يعكس محاولة لإدماج هذا المورد الرقمي ضمن الإطار التنظيمي الرسمي للدولة[5].

وفي ضوء هذا التطور التشريعي، اعتبرت كل من وزارة الاقتصاد والتجارة ومدير نطاق “.lb” أن القانون شكّل فرصة لإعادة هيكلة نموذج إدارة النطاق، بما يتيح الانتقال من إدارة شبه فردية إلى نموذج مؤسسي قائم على الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ووفق مقاربة تشاركية متعددة أصحاب المصلحة. وعلى هذا الأساس، أُطلقت سلسلة من المشاورات وجلسات العمل التقني والقانوني بهدف تطوير نموذج حوكمة تعاوني وهيكلية مستدامة لإدارة سجل النطاق، تتماشى مع المعايير الدولية وتراعي الخصوصية الوطنية.

وقد تسارعت هذه الجهود في آب/أغسطس 2012، بدعم من مكتب تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في رئاسة مجلس الوزراء، وذلك إثر مغادرة نبيل بو خالد عمله في الجامعة الأميركية في بيروت. وفي هذا السياق، أبلغ بو خالد وزارة الاقتصاد والتجارة أن الجامعة ستستمر في استضافة قاعدة بيانات النطاق، وأنه سيواصل إدارة التشغيل مؤقتًا إلى حين اعتماد نموذج مستدام. غير أنّ كلًا من الجامعة الأميركية في بيروت، ممثّلة برئيسها، ونبيل بو خالد بصفته مدير النطاق، نبّها إلى أن الوضع التشغيلي للسجل بات يقترب من مرحلة حرجة وغير قابل للاستمرار على المدى المتوسط، نظرًا لاعتماده على موارد تطوعية وبنية غير مؤسسية. ورغم ذلك، استمر سجل نطاقات لبنان (LBDR) في تقديم خدماته مجانًا لمجتمع الإنترنت اللبناني، في ظل غياب إطار مؤسسي مكتمل لإدارة هذا المورد العام.

نموذج الحوكمة التشاركية متعددة أصحاب المصلحة

في إطار المساعي الرامية إلى تطوير حوكمة نطاق المستوى الأعلى لرمز الدولة “.lb”، أجرى فادي شحادة، بصفته الرئيس التنفيذي لـ هيئة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة (ICANN)، زيارة استطلاعية إلى بيروت في شباط/فبراير 2013، عقد خلالها سلسلة اجتماعات رسمية مع كل من وزير الاتصالات نقولا صحناوي ووزير الاقتصاد والتجارة نقولا نحّاس، إضافة إلى طيف واسع من أصحاب المصلحة في قطاع الإنترنت. وقد شدّد خلال هذه اللقاءات على أهمية اعتماد نموذج حوكمة تعددية أصحاب المصلحة (Multi-stakeholder Model) قائم على منهج تصاعدي (Bottom-up)، باعتباره الإطار الأمثل لإدارة نطاقات رموز الدول، وبما يضمن تحقيق التوازن بين المصالح المتباينة للجهات المعنية[6].

وقد أسهمت هذه الزيارة في إعادة تنشيط النقاش الوطني حول إصلاح حوكمة الإنترنت في لبنان، حيث انخرطت الجهات المعنية في سلسلة من المشاورات التقنية والقانونية المكثفة، شملت تقييم النماذج الممكنة للحوكمة، وتحليل آثارها المؤسسية والتنظيمية، واستكشاف البدائل المتاحة. ورغم الإقرار بأن اعتماد نموذج الحوكمة التشاركية قد يفضي إلى تعقيد في العمليات وإلى نتائج أقل يقينًا من حيث المخرجات، إلا أن الأطراف المعنية خلصت، بصورة واعية، إلى تبنّي هذا النموذج باعتباره الخيار الاستراتيجي الأنسب لحوكمة الإنترنت في لبنان، انسجامًا مع المعايير الدولية المعتمدة ضمن منظومة ICANN.

إطلاق “المركز اللبناني للإنترنت”

بعد خمسة عشر شهرًا من المشاورات المعمّقة وجلسات العمل التقني والقانوني والمفاوضات بين مختلف الجهات المعنية، توصّل مجتمع الإنترنت في لبنان، ضمن إطار تعددية أصحاب المصلحة، إلى إقرار النظامين الأساسي والداخلي لكيان مؤسسي غير ربحي ذي طابع عام/خاص، يهدف إلى تولّي إدارة نطاق المستوى الأعلى لرمز الدولة “.lb”. وعلى هذا الأساس، تم بتاريخ 2 حزيران/يونيو 2014 تسجيل الجمعية لدى وزارة الداخلية والبلديات تحت اسم “المركز اللبناني للإنترنت” (Lebanese Internet Center – LINC)، تحت الرقم 9259/2014، بما شكّل خطوة نوعية نحو مأسسة حوكمة هذا المورد الرقمي العام[7].

وفي اليوم التالي، أي في 3 حزيران/يونيو 2014، أُعلن رسميًا عن إطلاق “المركز اللبناني للإنترنت” خلال مؤتمر صحفي عُقد في وزارة الاقتصاد والتجارة برعاية الوزير آنذاك آلان حكيم، وبمشاركة رفيعة المستوى ضمّت رئيس هيئة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة (ICANN) فادي شحادة، ونبيل بو خالد بصفته رئيس جمعية الإنترنت في لبنان (ISOC Lebanon) ومدير نطاق “.lb”، إلى جانب ممثلين عن القطاعين العام والخاص والهيئات المهنية، ما عكس الطابع التشاركي الواسع للمبادرة[8].

وقد تميّز المركز بهيكلية حوكمة قائمة على نموذج تعددية أصحاب المصلحة وبنهج تصاعدي (Bottom-up Multi-stakeholder Model)، مستندًا إلى شراكة استراتيجية جمعت بين منظمات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، والنقابات المهنية، والمؤسسات الأكاديمية، ومراكز البحث، والإدارات العامة. وجاء تأسيس هذا الإطار استجابةً لثغرات بنيوية مزمنة في حوكمة الإنترنت في لبنان، ولا سيّما في ما يتعلق باستدامة تشغيل سجل نطاقات لبنان (LBDR) واستمرارية خدماته.

وفي مرحلته التأسيسية، أُنيط بالمركز تولّي إدارة النطاق الوطني “.lb” إلى جانب النطاق العربي “.لبنان”، بما يشمل تنظيم عملية تسجيل أسماء النطاقات، والإدارة التقنية، وصيانة البنية التحتية لسجل النطاقات. كما سعى إلى تعزيز التنمية الإيجابية للإنترنت في لبنان، عبر تخصيص جزء من عائدات التسجيل لدعم مبادرات بناء القدرات والمشاريع المجتمعية ذات الصلة.

وفي هذا السياق، لم يكن عدد النطاقات المسجّلة تحت “.lb” يتجاوز أربعة آلاف نطاق في عام 2014، ما عكس محدودية الانتشار الناتجة عن النموذج التنظيمي القائم آنذاك. وقد أعلن المركز عزمه التقدّم بطلب إلى ICANN لإعادة تفويض إدارة النطاق، والتقدّم بطلب للحصول على النطاق العربي “.لبنان”، إلى جانب العمل على تطوير قطاع نظام أسماء النطاقات (DNS) في لبنان من خلال اعتماد نموذج السجل/المسجّلين (Registry/Registrar Model)، بما يضمن كفاءة أعلى وأمنًا أفضل وتنافسية أكبر في السوق الرقمية.

وفي 13 حزيران/يونيو 2014، انتخب الأعضاء المؤسسون أول مجلس إدارة للمركز، وتم تعيين نبيل بو خالد مديرًا تنفيذيًا وممثلًا رسميًا له، كما أُنشئت لجان متخصصة لدعم الحوكمة المؤسسية، شملت لجنة الموارد البشرية والموازنة، ولجنة سياسات التسجيل، ولجنة البنية التحتية، ولجنة إعادة التفويض.

ورغم استيفاء المركز للإجراءات القانونية لتسجيله، إلا أنه لم يتمكّن من مباشرة نشاطه فعليًا، نتيجة عدم إصدار وزارة الداخلية إفادة “علم وخبر” اللازمة لتمكينه من فتح حسابات مصرفية وممارسة أعماله. وقد برّرت الوزارة ذلك بإحالة النظام الأساسي إلى وزارة الاتصالات لإبداء الرأي، غير أنّ الأخيرة لم تقدّم ردّها، رغم كونها شريكًا في المسار التأسيسي. وقد أدّى هذا التعطيل الإداري، على الرغم من المتابعات اللاحقة، إلى تعليق عمل المركز إلى أجل غير محدد، ما حال دون تفعيل نموذج الحوكمة التشاركية الذي كان يُفترض أن يشكّل نقطة تحوّل في إدارة النطاق الوطني.

تعثّر مأسسة “المركز اللبناني للإنترنت”

في ظل استمرار العراقيل الإدارية والقانونية التي حالت دون مباشرة “المركز اللبناني للإنترنت” (Lebanese Internet Center – LINC) مهامه، رغم تسجيله أصولًا لدى وزارة الداخلية، سعت وزارة الاقتصاد والتجارة، بالتنسيق مع مجلس إدارة المركز، إلى استكشاف خيارات مؤسسية بديلة تتيح تفعيل هذا الكيان وتمكينه من أداء وظيفته في إدارة نطاق المستوى الأعلى لرمز الدولة “.lb”. وفي هذا السياق، برز خيار مأسسة المركز ككيان مستقل متعدد أصحاب المصلحة يعمل تحت مظلة غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان (CCIAB)، باعتباره إطارًا شبه عام قادرًا على استيعاب الطبيعة التشاركية لإدارة موارد الإنترنت الوطنية.

وقد انطلقت مفاوضات بين الأطراف المعنية بهدف بلورة آلية قانونية وتشغيلية لاحتضان المركز ضمن الغرفة، بما يضمن استقلاليته الوظيفية واستدامته المالية، إلا أنّ هذه المفاوضات، التي استمرت حتى أيلول/سبتمبر 2016، لم تُفضِ إلى اتفاق نهائي، نتيجة عدم التوافق على نموذج التمويل وآليات الإدارة والتشغيل. وفي هذا الإطار، شدّد نبيل بو خالد، بصفته مدير نطاق “.lb”، خلال اجتماع مع وزير الاتصالات بطرس حرب وبحضور ممثلين عن الغرفة، على أن وضع تشغيل النطاق قد بلغ مرحلة حرجة من الجمود المؤسسي، وأن الحاجة إلى مأسسة إدارته باتت مسألة ملحّة تتصل بحسن إدارة مورد رقمي عام ولا تحتمل مزيدًا من التأخير[9].

ورغم هذه المحاولات، استمر سجل نطاقات لبنان (Lebanon Domain Registry – LBDR) في تقديم خدماته بصورة مؤقتة (ad-hoc) ومجانية لمجتمع الإنترنت اللبناني، دون إطار مؤسسي مستدام، ما يعكس استمرار الاعتماد على نموذج إدارة غير رسمي قائم على الجهود الفردية والبنية التحتية التطوعية[10].

وفي خلفية هذه التطورات، ظلّت الرؤية التي قادت إلى إنشاء “المركز اللبناني للإنترنت” قائمة على تبنّي نموذج حوكمة تشاركية متعددة أصحاب المصلحة، انسجامًا مع المبادئ المعتمدة ضمن منظومة هيئة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة (ICANN)، ولا سيّما النهج التصاعدي (Bottom-up) والتوافق المجتمعي. وقد كان هذا التوجه قد حظي بدعم دولي، كما أكّد عليه فادي شحادة، الرئيس التنفيذي لـ ICANN، خلال زيارته إلى بيروت في شباط/فبراير 2013، حيث شدّد على أهمية هذا النموذج في تحقيق التوازن بين مختلف الجهات الفاعلة في قطاع الإنترنت[11].

وكان من المقرر أن يتولى المركز إدارة النطاق الوطني “.lb” إلى جانب النطاق العربي “.لبنان”، بما يشمل تنظيم تسجيل أسماء النطاقات، والإدارة التقنية للبنية التحتية، فضلاً عن دعم تطوير الإنترنت من خلال استثمار جزء من عائدات التسجيل في بناء القدرات والمبادرات المجتمعية. كما هدف إلى تطوير قطاع نظام أسماء النطاقات (DNS) في لبنان وفق نموذج السجل/المسجّلين (Registry/Registrar Model)، بما يعزّز الكفاءة والأمن والتنافسية، ويكرّس حضور النطاق اللبناني محليًا ودوليًا، بما في ذلك لدى الجاليات اللبنانية في الخارج[12].

إلا أنّ استمرار التعقيدات المؤسسية وتعذّر التوصل إلى صيغة تشغيلية مستقرة أدّيا إلى تعليق هذه المبادرة، وبقاء إدارة نطاق “.lb” خارج إطار مؤسسي واضح، الأمر الذي زاد من التحديات المرتبطة بالاستدامة والحوكمة والشفافية، وأضعف القدرة على مواءمة لبنان مع المعايير الدولية في إدارة الموارد الرقمية العامة.

قانون المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي

شكّل إقرار القانون رقم 81/2018 المتعلق بالمعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي، في تشرين الأول/أكتوبر 2018، نقطة تحوّل نوعية في تنظيم الفضاء الرقمي في لبنان، ولا سيّما من خلال الباب الرابع منه المعنون “في أسماء المواقع على شبكة الإنترنت”، الذي وضع إطارًا قانونيًا متكاملًا لحوكمة نطاقات المستوى الأعلى العائدة للبنان، أي “.lb” و“.لبنان”، باعتبارهما موردًا وطنيًا ذا طابع عام يرتبط بالسيادة الرقمية للدولة[13].

فقد نصّت المادة 78 على تعريف هذين النطاقين بوصفهما يمثلان رمز الدولة اللبنانية ضمن نظام أسماء النطاقات العالمي (DNS)، بما يكرّس طابعهما السيادي ويؤسّس لاعتبارهما جزءًا من البنية التحتية الرقمية الوطنية. وفي هذا السياق، جاءت المادة 79 لتُنشئ “الهيئة الوطنية لإدارة النطاقات الخاصة بلبنان” (Registry)، وتمنحها صلاحية إدارة وتسجيل أسماء النطاقات، وفق آلية تنظيمية تأخذ بعين الاعتبار تنمية سوق التسجيل، وتعتمد هيكلية تعددية تضم ممثلين عن الإدارات العامة والهيئات التنظيمية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، بما يعكس تبنّي المشرّع لنموذج حوكمة تشاركي متعدد أصحاب المصلحة.

وتوسّعت المادة 80 في تحديد صلاحيات الهيئة، حيث أناطت بها وضع الشروط الإدارية والتقنية لمنح وإدارة أسماء النطاقات، واعتماد المسجّلين (Registrars)، مع إلزامها بمراعاة القواعد الدولية ذات الصلة، ونشر “شرعة تسمية أسماء المواقع” التي تتضمن معايير موضوعية وغير تمييزية للحصول على أسماء النطاقات، بما يضمن الشفافية وتكافؤ الفرص. كما أناطت المادة ذاتها بوزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية إدارة النطاقات الحكومية، في إطار تنسيق مؤسسي مع الإدارات المعنية.

أما المادة 81، فقد كرّست إمكانية تسجيل أسماء النطاقات وإدارتها عبر الوسائل الإلكترونية، مع التأكيد على حماية حقوق الغير، وربطت أي مخالفة بالمسؤولية القانونية التي قد تصل إلى إلغاء أو نقل ملكية اسم النطاق، بما يعكس إدماج قواعد المسؤولية المدنية في البيئة الرقمية.

وفي ما يتعلّق بتسوية النزاعات، أرست المادة 82 نظامًا مزدوجًا يتيح اللجوء إلى القضاء اللبناني كمرجع أصيل، مع إتاحة آليات بديلة لتسوية النزاعات (ADR)، بما في ذلك التحكيم، على أن تتمتع قرارات هيئات التحكيم بالقوة التنفيذية، وهو ما ينسجم مع الممارسات الدولية في إدارة نزاعات أسماء النطاقات. كما أكدت المادة أن الهيئة لا تُعدّ طرفًا في النزاعات، بل تقتصر مهمتها على تنفيذ الأحكام الصادرة.

وفي سياق تحديد الطبيعة القانونية لدور الجهة المديرة، نصّت المادة 83 على مبدأ جوهري يتمثّل في أن ممارسة إدارة أسماء النطاقات لا تُكسب هذه الجهة أي حقوق ملكية عليها، كما أعفتها من المسؤولية عن مضمون الأسماء المختارة من قبل طالبي التسجيل، مع إلزامها بالتحقق من الالتزام بالقواعد التنظيمية، وهو ما ينسجم مع مبدأ “الوظيفة الائتمانية” (Trusteeship) المعتمد دوليًا في إدارة نطاقات رموز الدول.

وأخيرًا، منحت المادة 84 الجهة المخوّلة صلاحيات تنظيمية لضمان حسن إدارة السجل، بما في ذلك رفض أو إلغاء تسجيل أسماء النطاقات في حالات محددة، كعدم تسديد الرسوم أو مخالفة الشروط أو تعارض الاسم مع النظام العام والآداب العامة، على أن تُحدّد الإجراءات والضمانات ضمن “شرعة التسمية”، بما يكفل احترام أصول المحاكمة العادلة وحق الدفاع.

ورغم هذا الإطار التشريعي المتكامل، الذي يواكب في جوهره المعايير الدولية في حوكمة أسماء النطاقات، لا سيّما لجهة اعتماد نموذج تعددية أصحاب المصلحة، والتنظيم التعاقدي للسجل والمسجّلين، وآليات تسوية النزاعات، إلا أنّ غياب التنفيذ الفعلي لأحكام هذا الباب، ولا سيّما عدم إنشاء الهيئة الوطنية المنصوص عليها، أدى إلى استمرار إدارة نطاق “.lb” خارج إطار مؤسسي مكتمل، ما يُضعف فعالية القانون ويثير إشكاليات جدية على مستوى المشروعية، والاستدامة، والشفافية، والسيادة الرقمية.

مقاربة انتقالية لتعزيز الأمن السيبراني في ظل غياب الإطار المؤسسي

في سياق تعزيز أمن البنية التحتية الرقمية للدولة، وجّهت الحكومة اللبنانية بتاريخ 1 تشرين الأول/أكتوبر 2020، ممثّلةً بـ مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية (OMSAR)، وبموجب تفويض خاص صادر عن رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، طلبًا رسميًا إلى نبيل بو خالد، بصفته المدير القائم لسجل نطاقات لبنان (Lebanon Domain Registry – LBDR) والمسجّل، لتولّي مهمة حماية وإدارة نطاق “gov.lb”، باعتباره نطاقًا سياديًا مخصّصًا للمؤسسات والإدارات العامة.

وقد تضمّن هذا الطلب تكليفًا صريحًا بإدارة وتأمين هذا النطاق وفق المعايير التقنية المعتمدة لبقية نطاقات “.lb”، بما يشمل نقل استضافته من البنية التقليدية القائمة لدى الجامعة الأميركية في بيروت إلى بنية حديثة قائمة على الحوسبة السحابية (Software-as-a-Service – SaaS)، وبما يتوافق مع بروتوكول توفير التسجيل (Extensible Provisioning Protocol – EPP)، المعتمد دوليًا في إدارة أنظمة تسجيل أسماء النطاقات. ويُستفاد من ذلك توجّه الإدارة اللبنانية نحو تحديث البنية التقنية لنطاقاتها السيادية وتعزيز موثوقيتها وأمنها السيبراني، بما ينسجم مع أفضل الممارسات الدولية في إدارة أسماء النطاقات[14].

وفي هذا الإطار، التزم نبيل بو خالد بإعادة نقل إدارة نطاق “gov.lb” إلى الحكومة اللبنانية فور جهوزية مكتب OMSAR لتولّي هذه المسؤولية بصورة كاملة. وخلال المرحلة الانتقالية، تولّى سجل نطاقات لبنان (LBDR) إدارة وتشغيل النطاق من الناحية التقنية، في حين اضطلع مكتب OMSAR بدور الجهة المخوّلة بالموافقة على طلبات تسجيل النطاقات الحكومية ضمن “gov.lb”، عبر نظام السجل، بما يعكس نموذجًا هجينًا يجمع بين الإدارة التقنية اللامركزية والإشراف الحكومي المباشر.

ويُبرز هذا التدبير الطبيعة الخاصة لنطاق “gov.lb” باعتباره مرفقًا رقميًا عامًا ذا طابع سيادي، يستوجب مستويات عالية من الحماية والموثوقية، كما يؤكد في الوقت ذاته استمرار غياب إطار مؤسسي مكتمل لإدارة النطاقات الوطنية، حيث تم اللجوء إلى ترتيبات انتقالية لضمان استمرارية الخدمة في ظل عدم تفعيل الهيئة الوطنية المنصوص عليها في القانون رقم 81/2018.

انتقال سجل نطاقات لبنان إلى منصة COCCA

في سياق التحولات التقنية التي شهدها قطاع إدارة أسماء النطاقات في لبنان، شكّل انتقال سجل نطاقات لبنان (Lebanon Domain Registry – LBDR) في كانون الأول/ديسمبر 2020 إلى بنية تشغيل سحابية قائمة على نموذج السجل/المسجّلين (Registry/Registrar Model) محطة مفصلية في مسار تحديث هذا المرفق الرقمي. وقد تم هذا الانتقال من خلال اعتماد منصة COCCA، وهي منصة دولية متخصصة في إدارة نطاقات رموز الدول، تُستخدم لإدارة عشرات النطاقات الوطنية حول العالم، بما في ذلك في مناطق الشرق الأوسط وأفريقيا، ومن بينها نطاق “.lb” المرتبط بلبنان[15].

ويستند هذا النموذج إلى بنية تنظيمية وتقنية معتمدة دوليًا، حيث يتولى “السجل” (Registry) إدارة قاعدة بيانات أسماء النطاقات والبنية التحتية المركزية، فيما يقوم “المسجّلون” (Registrars) بتقديم خدمات تسجيل النطاقات للمستخدمين النهائيين ضمن إطار تنافسي ومنظم. وقد أصبح هذا النموذج هو المعيار العالمي المعتمد ضمن منظومة هيئة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة (ICANN)، نظرًا لما يوفره من كفاءة تشغيلية، وتعزيز للمنافسة، وشفافية في السوق، إضافة إلى تحسين جودة الخدمات واستمراريتها.

وتتميّز منصة COCCA بكونها من أكثر الأنظمة انتشارًا لإدارة نطاقات رموز الدول، حيث تُستخدم لإدارة عشرات النطاقات حول العالم، لا سيّما في مناطق الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ وأميركا اللاتينية، كما أنها متوافقة مع معايير ICANN وبروتوكولات فريق هندسة الإنترنت (IETF)، بما في ذلك بروتوكول توفير التسجيل (EPP)، الذي يُعدّ العمود الفقري لعمليات تسجيل وإدارة أسماء النطاقات الحديثة . كما توفّر هذه المنصة خصائص متقدمة تشمل استمرارية الخدمة (Continuity)، وخطط التعافي من الكوارث (Disaster Recovery)، وأنظمة النسخ الاحتياطي، وإدارة الامتثال، وآليات معالجة الشكاوى، بما يعزز الحوكمة التقنية للسجل.

ومن الناحية التقنية، مكّن الانتقال إلى البنية السحابية من تحسين مستويات التوافر والمرونة والأمن السيبراني، من خلال توزيع البنية التحتية جغرافيًا واستخدام تقنيات مثل Anycast DNS، وتشفير البيانات، وإدارة الهوية والوصول، بما يتوافق مع أفضل الممارسات الدولية في إدارة البنية التحتية الحرجة للإنترنت. كما أتاح هذا الانتقال إمكانية الامتثال لمتطلبات حماية البيانات، بما في ذلك مبادئ تقليل البيانات (Data Minimisation) وحماية الخصوصية، وفق معايير مثل اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) في السياقات ذات الصلة .

ويُبرز إدراج لبنان ضمن قائمة الدول التي تعتمد هذه المنصة انتقال إدارة نطاقه الوطني من نموذج تقليدي محلي محدود الإمكانات إلى نموذج تقني عابر للحدود، يعتمد على بنية سحابية خارجية ويخضع لمعايير تقنية دولية موحّدة. ويقوم هذا النموذج على الفصل بين وظيفة إدارة السجل (Registry)، التي تشمل حفظ قاعدة بيانات أسماء النطاقات وإدارة البنية التحتية، ووظيفة المسجّلين (Registrars)، الذين يتولّون تقديم خدمات التسجيل للمستخدمين، ما يُدخل عنصر المنافسة والتنظيم السوقي في إدارة هذا المورد.

ومن الناحية التقنية، تعتمد المنصة المستخدمة في الحالة اللبنانية على معايير هيئة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة (ICANN) وبروتوكولات فريق هندسة الإنترنت (IETF)، بما في ذلك بروتوكول توفير التسجيل (EPP)، إضافة إلى استخدام تقنيات متقدمة مثل Anycast DNS لضمان استمرارية الخدمة وتوزيعها جغرافيًا، فضلًا عن أنظمة الحماية والتشفير وإدارة البيانات، بما يتماشى مع المعايير الدولية لحماية البنية التحتية الحرجة للإنترنت.

كما يوفّر هذا النظام إمكانيات متقدمة لإدارة الامتثال ومعالجة الشكاوى، بما في ذلك آليات واضحة لمتابعة انتهاكات شروط الاستخدام (AUP) واتخاذ إجراءات قد تصل إلى تعليق أسماء النطاقات أو حذفها، إلى جانب خدمات النسخ الاحتياطي واستمرارية الأعمال والتعافي من الكوارث، وهي عناصر كانت محدودة أو غير متوفرة في النموذج السابق.

وفي كانون الثاني/يناير 2021، فُتح النظام الجديد أمام الجهات المعنية في لبنان، ولا سيّما الجهات الكبرى الحافظة لأسماء النطاقات، لإجراء عمليات التحقق من صحة البيانات واختبارات الجاهزية التقنية، بما يضمن انتقالًا تدريجيًا وآمنًا إلى النظام الجديد، ويؤسس لمرحلة تشغيل أكثر استقرارًا وموثوقية.

غير أنّ هذا التحول، رغم أهميته التقنية، يثير في السياق اللبناني إشكاليات قانونية وسيادية جوهرية، إذ تم الانتقال إلى بنية تشغيل تعتمد على منصة دولية وتستند إلى إدارة سحابية خارج الإطار الوطني، في ظل غياب الهيئة الوطنية المنصوص عليها في القانون رقم 81/2018، وعدم وجود إطار مؤسسي واضح يحدد الجهة المخوّلة بالإشراف والتنظيم. وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى توافق هذا النموذج مع متطلبات السيادة الرقمية، وحدود الرقابة الوطنية على البيانات والبنية التحتية، وطبيعة المساءلة في إدارة مورد رقمي يُفترض أن يُدار كخدمة عامة.

وبذلك، يمكن القول إن الحالة اللبنانية تُظهر مفارقة واضحة بين التقدّم التقني الذي حققه الانتقال إلى نموذج حديث ومتطوّر، وبين التأخر المؤسسي والقانوني في مأسسة حوكمة هذا المورد، الأمر الذي يستدعي إعادة مواءمة الإطارين التقني والتنظيمي لضمان إدارة متكاملة ومستدامة لنطاق “.lb”.

تأسيس سجل نطاقات لبنان كشركة ذات مسؤولية محدودة (LBDR LLC)

في ظل الانهيار المالي والمصرفي الذي شهده لبنان ابتداءً من عام 2019، وما ترتّب عليه من قيود حادة على التحويلات المالية وتعطّل العمليات المصرفية، توصّل نبيل بو خالد، بصفته المدير القائم لسجل نطاقات لبنان (Lebanon Domain Registry – LBDR)، إلى قناعة عملية مفادها تعذّر الاستمرار في إدارة الجوانب المالية والتشغيلية للسجل من داخل الأراضي اللبنانية. وقد جاءت هذه القناعة نتيجة محاولات غير ناجحة للتعامل مع مصرف لبنان وعدد من المصارف التجارية، في ظل أزمة سيولة وانعدام القدرة على إجراء معاملات مالية طبيعية.

وبناءً عليه، وبهدف ضمان استمرارية تشغيل هذا المرفق الرقمي الحيوي، أقدم في آذار/مارس 2021 على تأسيس شركة LBDR LLC كشركة ذات مسؤولية محدودة في ولاية ديلاوير في الولايات المتحدة الأميركية، وهي ولاية معروفة بمرونتها القانونية وبيئتها الجاذبة لتأسيس الشركات، ولا سيّما في القطاعات التكنولوجية. وقد شكّل هذا القرار تحوّلًا نوعيًا من نموذج إدارة غير ربحي قائم على مبادرات فردية إلى كيان قانوني تجاري خارج الإقليم الوطني، بما يتيح إجراء العمليات المالية والتعاقدية ضمن بيئة مستقرة وقابلة للتنفيذ.

وفي السياق ذاته، وفي عام 2021، تقدّمت الجامعة الأميركية في بيروت، التي كانت تاريخيًا الجهة المضيفة للبنية التحتية للنطاق، بطلب إلى هيئة أرقام الإنترنت المخصصة (IANA)، التابعة لـ هيئة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة (ICANN)، لإزالة بيانات الاتصال الخاصة بها من سجل تفويض نطاق “.lb” في قاعدة بيانات IANA، وذلك نظرًا لعدم استمرار مشاركتها في التشغيل الفعلي للنطاق. كما طلبت من الهيئة العمل بالتنسيق مع نبيل بو خالد لنقل إدارة النطاق إلى الكيان الجديد (LBDR LLC)، بما يعكس واقع التشغيل الفعلي ويُحدّث البيانات الرسمية المرتبطة بتفويض النطاق[16].

ويُثير هذا التطور جملة من الإشكاليات القانونية والسيادية، إذ إن نقل الإطار القانوني لإدارة نطاق وطني إلى كيان مُسجّل خارج لبنان يطرح تساؤلات حول طبيعة الاختصاص القانوني، وحدود الرقابة الوطنية، وموقع هذا المورد الرقمي ضمن مفهوم الملكية العامة أو المرفق العام، فضلًا عن مدى توافق ذلك مع أحكام القانون رقم 81/2018 الذي نصّ على إنشاء هيئة وطنية لإدارة النطاق. كما يعكس هذا التحول فجوة واضحة بين الواقع التشغيلي الذي فرضته الأزمة الاقتصادية، والإطار القانوني الذي لم يُفعّل، ما أدّى إلى إعادة تموضع إدارة النطاق ضمن بنية قانونية خارجية لضمان الاستمرارية التقنية والتشغيلية.

 نقل إدارة نطاق “.lb” إلى جمعية الإنترنت في لبنان

شكّل عام 2023 نقطة تحوّل حاسمة في مسار إدارة نطاق المستوى الأعلى لرمز الدولة “.lb”، وذلك في أعقاب وفاة نبيل بو خالد بتاريخ 3 كانون الثاني/يناير 2023، وهو الذي اضطلع بإدارة هذا المورد الرقمي منذ إنشائه عام 1993. وقد أدّت هذه الواقعة إلى سحب الطلب السابق الرامي إلى نقل إدارة النطاق إلى شركة LBDR LLC، وفرضت واقعًا انتقاليًا استثنائيًا في إدارة النطاق، حيث بادر عدد من المقرّبين من المدير الراحل إلى إبلاغ هيئة أرقام الإنترنت المخصصة (IANA) باستمرار تشغيل النطاق بصورة مؤقتة، ضمانًا لاستمرارية الخدمة وتفادي أي انقطاع في البنية التحتية الرقمية الوطنية.

ومع تبلور المشهد المؤسسي، برزت جمعية الإنترنت في لبنان (Internet Society Lebanon – ISOC Lebanon) كجهة مرشّحة لاحتضان إدارة النطاق على نحو أكثر استقرارًا، نظرًا لدورها التاريخي في دعم حوكمة الإنترنت في لبنان وارتباطها بالمجتمع التقني المحلي. وفي هذا السياق، جرى في آذار/مارس 2023 نقل ما تبقّى من البنية التحتية التي كانت مستضافة لدى الجامعة الأميركية في بيروت إلى نقطة تبادل الإنترنت في بيروت (Beirut Internet Exchange – Beirut-IX)، في خطوة تقنية تهدف إلى تعزيز الاستقلالية التشغيلية وتقليل الاعتماد على بنية أكاديمية محدودة، والانتقال نحو بيئة تشغيل أكثر حيادية وتوزيعًا[17].

وعلى الصعيد الحكومي، وجّهت وزيرة الدولة لشؤون التنمية الإدارية بتاريخ 7 آذار/مارس 2023 كتابًا إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء، تناولت فيه مسألة استمرارية إدارة واستضافة بيانات أسماء النطاقات اللبنانية، مشيرةً إلى أن نبيل بو خالد، بصفته نائب رئيس جمعية الإنترنت في لبنان، كان قد تولّى إدارة النطاق منذ نشأته وحتى وفاته، وأن الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد حالت دون إنشاء “الهيئة الوطنية لإدارة النطاقات” المنصوص عليها في القانون رقم 81/2018. وبناءً عليه، اقترحت منح موافقة استثنائية لنقل مهام إدارة النطاق إلى السيد جاك جورج باكاييف، أمين سر الجمعية، كحلّ انتقالي يضمن استمرارية التشغيل. وقد وافق رئيس مجلس الوزراء على هذا الاقتراح بتاريخ 4 أيار/مايو 2023، ما أضفى غطاءً حكوميًا مؤقتًا على هذا الترتيب[18].

وفي موازاة ذلك، أعادت الجامعة الأميركية في بيروت مراسلة هيئة أرقام الإنترنت المخصصة (IANA) طالبةً إزالة اسمها من سجل تفويض نطاق “.lb”، نظرًا لعدم استمرار مشاركتها في التشغيل الفعلي. واستجابةً لذلك، باشرت IANA، بالتنسيق مع هيئة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة (ICANN) وأصحاب المصلحة المعنيين، دراسة آلية تنفيذ هذا الطلب بما يتوافق مع السياسات الدولية الناظمة لعمليات إعادة التفويض (Re-delegation). وقد وافقت ICANN في أيار/مايو 2023 على مقترح IANA، مع اشتراط إجراء مشاورات إضافية مع الجهات المعنية لضمان احترام مبدأ الإجماع المجتمعي.

وفي 13 تموز/يوليو 2023، تقدّمت جمعية الإنترنت في لبنان (ISOC Lebanon) رسميًا بطلب نقل إدارة النطاق إلى IANA، وفي اليوم التالي، 14 تموز/يوليو 2023، استكملت الهيئة إجراءات إزالة الجامعة الأميركية في بيروت من سجل التفويض، ووضعت النطاق في وضعية “إدارة مؤقتة” (Caretaker Operations)، مؤكدةً أن هذا التدبير ذو طابع انتقالي إلى حين استكمال عملية نقل الإدارة بشكل نهائي وفق الأصول المعتمدة[19].

ويُظهر هذا المسار انتقال إدارة نطاق “.lb” من نموذج فردي تاريخي إلى مرحلة انتقالية قائمة على ترتيبات مؤقتة تجمع بين الاعتراف الدولي (عبر IANA وICANN) والتغطية الحكومية الاستثنائية، في ظل استمرار غياب الهيئة الوطنية المنصوص عليها قانونًا. كما يطرح هذا الوضع إشكاليات قانونية تتعلق بشرعية الإدارة، وتحديد الجهة المخوّلة، وحدود الرقابة الوطنية، ما يستدعي الإسراع في مأسسة إدارة هذا المورد الرقمي ضمن إطار قانوني واضح ومستدام.

انضمام مدير نطاق لبنان “.lb” إلى المنظمة الداعمة لأسماء نطاقات رموز الدول (ccNSO)

في سياق اندماج لبنان المتدرّج ضمن منظومة حوكمة الإنترنت العالمية، وافق مجلس المنظمة الداعمة لأسماء نطاقات رموز الدول (Country Code Names Supporting Organisation – ccNSO)، خلال اجتماعه رقم 204 المنعقد بتاريخ 18 نيسان/أبريل 2024، على طلب انضمام مدير نطاق المستوى الأعلى لرمز الدولة في لبنان “.lb” إلى عضويتها. وبموجب هذا القرار، أصبحت جمعية الإنترنت في لبنان (Internet Society Lebanon – ISOC Lebanon)، بصفتها الجهة القائمة على إدارة النطاق، عضوًا رسميًا ضمن هذه الهيئة الدولية، ليرتفع عدد أعضاء ccNSO إلى 177 عضوًا[20].

ويُعدّ هذا الانضمام خطوة ذات دلالة قانونية ومؤسسية، إذ يكرّس الاعتراف الدولي بالجهة التي تتولى إدارة نطاق “.lb”، ويُدرج لبنان ضمن الإطار التشاركي العالمي لصياغة السياسات المتعلقة بنطاقات رموز الدول (ccTLDs)، وذلك ضمن هيكلية هيئة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة (ICANN). كما يتيح هذا الانخراط للبنان المشاركة في تطوير القواعد والمعايير الدولية، وتبادل الخبرات وأفضل الممارسات مع مديري النطاقات الوطنية الأخرى، بما يعزّز جودة الحوكمة التقنية والتنظيمية.

ومن ناحية أخرى، يُثير هذا التطور تساؤلات قانونية على المستوى الوطني، لا سيّما في ظل غياب الهيئة الوطنية المنصوص عليها في القانون رقم 81/2018، ما يعني أن تمثيل لبنان في هذا المحفل الدولي يتم عبر كيان غير مُنشأ بموجب الإطار التشريعي الداخلي، بل نتيجة ترتيبات انتقالية فرضتها الظروف. وهو ما يعكس مرة جديدة الفجوة القائمة بين الاعتراف الدولي بالجهة المديرة، والإطار القانوني الوطني غير المُفعّل، الأمر الذي يستدعي مواءمة سريعة بين المستويين لضمان انسجام الحوكمة الداخلية مع الالتزامات والممارسات الدولية.

سياسة وإجراءات تسجيل أسماء النطاقات لدى سجل نطاقات لبنان

تشكّل سياسة وإجراءات تسجيل أسماء النطاقات المعتمدة من قبل سجل نطاقات لبنان (LBDR)، والنافذة اعتبارًا من 1 شباط/فبراير 2021، الإطار التنظيمي الأساسي الذي يحكم إدارة وتخصيص أسماء النطاقات ضمن نطاق المستوى الأعلى لرمز الدولة “.lb”، وذلك في سياق يتقاطع فيه البعد التقني مع الأبعاد القانونية والسيادية والاقتصادية. وقد جاءت هذه السياسة لتؤكد على أن إدارة هذا المورد الرقمي لا تُمارس بوصفها ملكية خاصة، بل كوظيفة ذات طابع عام تستهدف خدمة مجتمع الإنترنت اللبناني، مع الالتزام بالمبادئ الدولية التي أرستها هيئة أرقام الإنترنت المخصصة (IANA) والمعايير التقنية ذات الصلة .

وتنطلق السياسة من قاعدة جوهرية مفادها أن تسجيل اسم النطاق لا يُنشئ حق ملكية، بل يقتصر على منح حق استعمال محدد المدة، يرتبط باستمرار التسجيل وتجديده، وهو ما يعكس الطبيعة الخاصة لأسماء النطاقات باعتبارها موارد رقمية عامة ذات قيمة اقتصادية ومعنوية متزايدة. كما تخضع جميع عمليات التسجيل لأحكام القانون اللبناني، لا سيما القانون رقم 81/2018، وتُحال النزاعات إلى المحاكم اللبنانية، وتحديدًا محاكم بيروت، بما يكرّس خضوع هذا المجال لسيادة القانون الوطني رغم طبيعته العابرة للحدود .

ومن حيث النطاق، تسري هذه السياسة على جميع أسماء النطاقات ضمن “.lb” بما في ذلك النطاقات من المستوى الثاني، حيث يعتمد السجل نموذج “السجل/المسجّلين”، فلا يتم التسجيل مباشرة من قبل LBDR، بل من خلال جهات وسيطة معتمدة. ويُعد هذا النموذج انعكاسًا لممارسات دولية تهدف إلى تعزيز المنافسة وتنظيم السوق، مع إبقاء وظيفة الإشراف النهائي بيد السجل. ويُشترط على طالب التسجيل تقديم طلب رسمي مرفق بالمستندات اللازمة، والتصريح بالتزامه بالشروط القانونية وعدم انتهاكه لحقوق الغير، بما في ذلك حقوق الملكية الفكرية أو القواعد القانونية الوطنية .

وتحدّد السياسة شروطًا تقنية دقيقة لتسمية النطاق، بما يتوافق مع المعايير الدولية، من حيث عدد الأحرف المسموح بها، وطبيعة الرموز المستخدمة، ومنع الأسماء الرقمية الصرفة أو تلك المخالفة أو المحجوزة. وتُظهر هذه الضوابط الطابع المعياري الصارم لإدارة أسماء النطاقات، باعتبارها جزءًا من البنية التحتية الحيوية للإنترنت، حيث يؤثر أي خلل في التسمية أو الإدارة على استقرار الشبكة وأمنها .

أما من حيث الأهلية، فتفرض السياسة متطلبات ترتبط بالصفة القانونية للمسجّل، لا سيما بالنسبة للنطاقات الفرعية مثل COM.LB وEDU.LB وORG.LB وGOV.LB، حيث يُشترط وجود عنوان بريدي في لبنان، وإثبات الصفة القانونية بحسب فئة النطاق. وعلى خلاف ما كان معمولًا به سابقًا، لم يعد تسجيل النطاق مشروطًا بالحصول على علامة تجارية، وهو تطور يعكس تحوّلًا نحو تسهيل الوصول إلى الفضاء الرقمي، مع الإبقاء على إمكانية استخدام تسجيل النطاق كوسيلة داعمة لتسجيل العلامة التجارية لاحقًا .

وتتطلب عملية التسجيل تقديم بيانات تفصيلية عن المسجّل، تشمل الهوية والعنوان ووسائل الاتصال وخوادم الأسماء، مع احتفاظ السجل بحق طلب مستندات إضافية للتحقق من صحة المعلومات. ويُحمّل هذا النظام المسجّل مسؤولية كاملة عن دقة البيانات المقدمة، ويعكس في الوقت ذاته توجّهًا نحو تعزيز الشفافية وقابلية التتبع، خاصة في ضوء التحديات المرتبطة بالأمن السيبراني وحوكمة البيانات .

وتخضع أسماء النطاقات لدورة حياة محددة تبدأ بالتسجيل والتفعيل، مرورًا بالتجديد السنوي، ثم فترات السماح والاسترداد، وصولًا إلى الحذف النهائي في حال عدم التجديد. وتُدار هذه الدورة بشكل آلي إلى حد كبير، بما يضمن الكفاءة والحياد في المعالجة، ويقلّل من التدخل البشري، مع إبقاء إمكانية الاستدراك ضمن فترات زمنية محددة، وهو ما يوازن بين استقرار النظام ومرونته .

كما تنظّم السياسة إجراءات تعديل بيانات النطاق أو نقل التسجيل بين المسجّلين، حيث تُعتبر بعض التغييرات الجوهرية، كاستبدال الجهة المالكة، بمثابة تسجيل جديد، وهو ما يعكس الحرص على ضبط انتقال الحقوق ومنع التحايل أو المضاربة غير المشروعة على أسماء النطاقات. وفي المقابل، تتيح السياسة حرية تغيير المسجّل التقني (Registrar)، بما يعزز المنافسة ويمنح المستخدمين مرونة في اختيار مزوّدي الخدمات .

وفيما يتعلق بالتدابير القسرية، تخوّل السياسة السجل حذف أو تعليق أو نقل أسماء النطاقات في حالات محددة، أبرزها صدور قرارات قضائية، أو تقديم معلومات غير صحيحة، أو عدم سداد الرسوم، أو فقدان الصفة القانونية، أو تعطل النطاق تقنيًا. وتخضع هذه الإجراءات لضمانات إجرائية، منها إتاحة الفرصة للمسجّل لتصحيح المخالفات، ما يعكس توازنًا بين متطلبات النظام العام الرقمي وحقوق المستخدمين .

أما من الناحية المالية، فتُفرض رسوم تسجيل أولية ورسوم تجديد سنوية، تُدفع عبر المسجّلين المعتمدين، مع إمكانية فرض رسوم إضافية مقابل خدمات داعمة. ويُظهر هذا الإطار انتقال إدارة النطاق من نموذج تطوعي تاريخي إلى نموذج اقتصادي أكثر استدامة، دون أن ينفي الطابع العام للخدمة .

وتؤكد السياسة على مسؤولية المسجّل الكاملة عن اسم النطاق واستخدامه، بما في ذلك المسؤولية القانونية والمدنية والجزائية، في حين يُعفى السجل من المسؤولية عن الأضرار الناتجة عن استخدام النطاق أو عن الأعطال الخارجة عن إرادته. كما تنظم آليات الشكاوى وتسوية النزاعات، من خلال إمكانية الطعن بقرارات السجل خلال مهلة محددة، أو اللجوء إلى آليات بديلة لتسوية النزاعات (ADR)، بما يعزز الثقة في النظام ويحد من النزاعات القضائية المباشرة .

وفي ما يتصل بحوكمة البيانات، يعتمد السجل نظام الاستعلام العام (WHOIS) الذي يتيح الوصول إلى معلومات أساسية عن أسماء النطاقات لأغراض تقنية وأمنية، مع مراعاة حماية البيانات الشخصية، وهو ما يعكس التوازن بين متطلبات الشفافية وحماية الخصوصية في البيئة الرقمية .

وبذلك، تعكس هذه السياسة إطارًا متكاملًا يجمع بين التنظيم القانوني والتقني والاقتصادي لإدارة أسماء النطاقات في لبنان، إلا أنها تظل، في ضوء السياق المؤسسي الأوسع، جزءًا من منظومة لم تُستكمل بعد، لا سيما في ظل عدم إنشاء الهيئة الوطنية المنصوص عليها في قانون المعاملات الإلكترونية، ما يطرح إشكاليات مستمرة تتعلق بالحوكمة والسيادة الرقمية واستدامة هذا المورد الاستراتيجي.

توصيات الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان

ترى الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان أن إنشاء “الهيئة الوطنية لإدارة نطاق .lb (السجل)” المنصوص عليها في قانون المعاملات الإلكترونية لعام 2018 لا يُعدّ خياراً تنظيمياً فحسب، بل يُشكّل التزاماً قانونياً واجب التنفيذ، ومدخلاً أساسياً لإعادة تصويب مسار الحوكمة الرقمية بما يتوافق مع معايير حقوق الإنسان ومبدأ سيادة القانون.

لقد أظهر المسار التاريخي لإدارة النطاق أن استمرار العمل خارج إطار مؤسسي، رغم النص التشريعي الصريح بإنشاء الهيئة، أدّى إلى تكريس حالة من “الفراغ التنظيمي” الممتد، حيث تُدار منظومة حيوية ذات طابع سيادي من خلال ترتيبات مؤقتة أو غير مكتملة المشروعية. إن هذا الوضع لا ينسجم مع مقتضيات المادة 79 من قانون المعاملات الإلكترونية، التي حدّدت بوضوح إنشاء هيئة وطنية تتولى مهام تسجيل وإدارة أسماء النطاقات، ضمن تركيبة تمثيلية تشمل الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني.

وترى الهيئة أن الامتناع عن إنشاء هذه الهيئة، رغم مرور سنوات على إقرار القانون، يُشكّل إخلالاً بمبدأ إلزامية القاعدة القانونية، ويقوّض الثقة في النظام القانوني، كما ينعكس سلباً على استقرار المعاملات الرقمية، وعلى حقوق الأفراد والمؤسسات في بيئة إنترنت منظّمة وعادلة.

من منظور حقوقي، يُعدّ إنشاء الهيئة الوطنية لإدارة نطاق (.lb) ضرورة لضمان جملة من الحقوق الأساسية. فمن جهة، يشكّل تنظيم إدارة النطاق مدخلاً لتعزيز الحق في الوصول إلى الإنترنت، عبر ضمان إتاحة عادلة وشفافة لخدمات تسجيل النطاقات، ومنع الممارسات التمييزية أو الاحتكارية. ومن جهة ثانية، يتيح إنشاء الهيئة وضع إطار واضح لحماية البيانات الشخصية المرتبطة بعمليات التسجيل، بما يعزّز الحق في الخصوصية ويحدّ من المخاطر المرتبطة بسوء استخدام البيانات أو تسريبها.

كما أن إنشاء هذه الهيئة يُعدّ تجسيداً لمبدأ السيادة الرقمية، إذ يكرّس دور الدولة في الإشراف على مورد رقمي استراتيجي، دون أن يعني ذلك احتكار الإدارة أو إقصاء الفاعلين الآخرين، بل على العكس، يوفّر إطاراً مؤسسياً لحوكمة تشاركية متوازنة، تجمع بين السلطات العامة وأصحاب المصلحة، وفق نموذج تعددي يتماشى مع المعايير الدولية لحوكمة الإنترنت.

وتؤكد الهيئة أن أهمية إنشاء “السجل الوطني” لا تكمن فقط في نقل الإدارة من وضع غير رسمي إلى وضع قانوني، بل في إعادة تعريف طبيعة هذا المورد باعتباره مرفقاً عاماً رقمياً يخضع لمبادئ الشفافية، والمساءلة، وعدم التمييز، واستمرارية الخدمة. كما يتيح ذلك الفصل بين الوظائف التنظيمية والوظائف التشغيلية، بما يمنع تضارب المصالح ويعزّز المنافسة العادلة في سوق خدمات الإنترنت.

ويُلاحظ أن النظام الحالي المعتمد من قبل سجل نطاقات لبنان (LBDR) يقوم على حصر التسجيل ضمن نطاقات فرعية من المستوى الثاني (Second-Level Domains) مثل COM.LB وEDU.LB وORG.LB وGOV.LB، مع الامتناع عن فتح التسجيل المباشر تحت النطاق الأعلى “.lb”. ويُشكّل هذا التوجّه استمرارًا لنموذج تقليدي مغلق (Closed Registry Model) لم يعد متوافقًا مع التطورات الحديثة في حوكمة أسماء النطاقات على المستوى العالمي. كما يُلاحظ أن هذا النظام لا يشمل النطاق العربي “.لبنان” (IDN ccTLD)، ما يُفاقم من فجوة الشمول اللغوي الرقمي ويُقصي فئات واسعة من المستخدمين الذين يعتمدون اللغة العربية، في تعارض مع مبادئ النفاذ العادل إلى المعلومات وتعزيز الهوية الثقافية في البيئة الرقمية. وعليه، ترى الهيئة أن الإبقاء على هذا النموذج المغلق، دون مبررات قانونية أو تقنية مُقنعة، يُشكّل أحد أوجه القصور في الحوكمة الرقمية، ويستدعي إعادة النظر فيه ضمن إطار إصلاحي شامل تقوده “الهيئة الوطنية لإدارة نطاق .lb”، بما يتيح الانتقال التدريجي نحو نموذج أكثر انفتاحًا وتوازنًا، مع ضمان الضوابط اللازمة لحماية المصلحة العامة والحقوق الأساسية.

ففي ضوء السياسات والممارسات الفضلى المعتمدة ضمن إطار ccNSO، يُعدّ مبدأ الانفتاح التدريجي للنطاقات الوطنية، وإتاحة التسجيل المباشر تحت النطاق الأعلى (Second-Level Registration under ccTLD)، أحد المرتكزات الأساسية لتعزيز المنافسة، وتوسيع قاعدة المستخدمين، وتمكين الاقتصاد الرقمي الوطني. كما أن نموذج الحوكمة متعددة أصحاب المصلحة (Multi-stakeholder Model)، الذي يشكّل حجر الزاوية في منظومة ICANN، يفترض أن تُدار النطاقات الوطنية بما يحقق التوازن بين المصلحة العامة، وحقوق المستخدمين، ومتطلبات السوق، وليس عبر قيود تنظيمية تحدّ من الوصول أو الاستخدام.

وفي هذا السياق، يُفضي النظام اللبناني الحالي إلى نتائج إقصائية واضحة، إذ يحرم الأفراد والمؤسسات من إمكانية تسجيل أسماء نطاقات مباشرة تحت “.lb”، ويُقيّدهم ضمن تصنيفات جامدة لا تعكس التنوع الفعلي للأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في لبنان. فالنطاقات الفرعية القائمة لا تستوعب، على سبيل المثال، الأنشطة الإبداعية، أو المبادرات الفردية، أو الشركات الناشئة، أو الاستخدامات الشخصية، أو الهويات الرقمية الجديدة، او السفارات اللبنانية في الخارج، أو الهيئات الوطنية المستقلة، ما يؤدي إلى تهميش فئات واسعة من المستخدمين وإقصائهم من الاستفادة الكاملة من هذا المورد الرقمي.

كما أن هذا النظام يُسهم عمليًا في دفع المستخدمين اللبنانيين نحو تسجيل نطاقاتهم تحت الامتدادات العالمية (مثل .com و.net)، وهو ما يترتب عليه آثار سلبية على السيادة الرقمية الوطنية، وعلى الاقتصاد الرقمي المحلي، وعلى القدرة على بناء هوية رقمية لبنانية متماسكة. ويُعدّ هذا الأمر متعارضًا مع التوجهات الدولية التي تشجع على تعزيز استخدام النطاقات الوطنية كأداة للتنمية الرقمية والسيادة المعلوماتية.

ومن منظور حقوقي، فإن حصر الوصول إلى النطاق “.lb” بهذا الشكل يثير إشكاليات تتعلق بالحق في الوصول إلى الإنترنت، والحق في حرية التعبير، والحق في المشاركة في الحياة الاقتصادية الرقمية، وهي حقوق باتت معترفًا بها ضمن الإطار الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيّما في ظل التحول الرقمي المتسارع. كما قد يُشكّل هذا الحصر إخلالًا بمبدأ المساواة وعدم التمييز، إذ يفضّل فئات محددة (كيانات رسمية أو مؤسساتية) على حساب الأفراد والمبادرات الصغيرة.

وعلاوة على ذلك، فإن الإبقاء على هذا النموذج المغلق يتناقض مع الاتجاهات الحديثة في تنظيم أسماء النطاقات، حيث انتقلت العديد من الدول إلى نماذج أكثر مرونة وشمولية، تتيح التسجيل المباشر تحت النطاق الوطني، مع اعتماد آليات حماية (مثل فترات “sunrise” لحماية الحقوق المكتسبة)، بدلاً من فرض قيود بنيوية على الوصول.

وبناءً عليه، ترى الهيئة أن نظام التسجيل الحالي لنطاق “.lb” لم يعد متوافقًا مع المعايير الدولية المعتمدة ضمن إطار ccNSO، ولا مع مبادئ الحوكمة الرشيدة للإنترنت، كما أنه يحدّ من استفادة المستخدمين اللبنانيين من هذا المورد العام، ويقوّض إمكانات تطوير الاقتصاد الرقمي الوطني.

وتوصي الهيئة بما يلي:

  1. ضرورة مراجعة سياسة تسجيل النطاق “.lb” بما يتيح فتح التسجيل المباشر تحت النطاق الأعلى، وفق مقاربة تدريجية ومنظّمة تراعي الاستقرار التقني وحماية الحقوق القائمة.
  2. تسريع استكمال الإجراءات القانونية والتقنية لاعتماد وتشغيل النطاق العربي “.لبنان” (IDN ccTLD)، باعتباره امتدادًا سياديًا يعزّز الهوية الرقمية الوطنية باللغة العربية، ويُسهم في توسيع الوصول إلى الإنترنت وتمكين المستخدمين الناطقين بالعربية، ولا سيّما الفئات الأقل إلمامًا باللغات الأجنبية، مع اعتماد إطار تنظيمي يضمن تكامل إدارته مع نطاق “.lb” ضمن نموذج حوكمة موحّد قائم على تعددية أصحاب المصلحة.
  3. اعتماد نموذج حوكمة تشاركي متعدد أصحاب المصلحة ينسجم مع المعايير الدولية المعتمدة لدى هيئة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة (ICANN) ومجلس منظمات دعم أسماء رموز الدول (ccNSO).
  4. ضمان حماية الحقوق المكتسبة للمسجّلين الحاليين ضمن النطاقات الفرعية، من خلال آليات انتقالية عادلة، بما في ذلك فترات أولوية (Sunrise Periods) عند فتح التسجيل المباشر.
  5. وضع إطار تنظيمي متوازن يوفّق بين الانفتاح والضوابط، بما يحفظ الأمن الرقمي، ويحمي البيانات، ويعزّز السيادة الرقمية الوطنية.
  6. تعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة في إدارة سجل النطاقات، باعتباره موردًا عامًا يخضع لمتطلبات الحوكمة الرشيدة.
  7. المباشرة الفورية بتنفيذ أحكام قانون المعاملات الإلكترونية وإنشاء الهيئة المنصوص عليها، ووضع نظام داخلي واضح يحدّد صلاحيات الهيئة وآليات عملها، بما يضمن استقلاليتها وفعاليتها.
  8. اعتماد نموذج حوكمة تشاركية يضمن تمثيل مختلف أصحاب المصلحة دون الإخلال بالدور الإشرافي للدولة.
  9.  إرساء إطار قانوني لحماية البيانات المرتبطة بإدارة النطاق، وضمان الشفافية في إدارة الموارد المالية المرتبطة بتسجيل النطاقات وتخصيصها للصالح العام.

الحواشي

[1] سجل نطاقات لبنان (LBDR)، “تاريخ نطاق ‎.lb‎”، متاح على: https://www.lbdr.org.lb/history-of-the-lb-cctld/ (آخر زيارة: 21 آذار/مارس 2026).

[2] المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO)، “تصنيف نيس الدولي للسلع والخدمات – الفئة 35 (الإعلان؛ إدارة الأعمال؛ الإدارة المكتبية)،” متاح على: https://www.wipo.int/classifications/nice/en/ (آخر زيارة: 21 آذار/مارس 2026).

[3] مجلس الوزراء اللبناني، المرسوم رقم 103/86 تاريخ 3 شباط/فبراير 2008 (الموافقة على نقل إدارة سجل نطاقات لبنان إلى أوجيرو)، ورد ذكره في: سجل نطاقات لبنان (LBDR)، “تاريخ نطاق ‎.lb‎”، متاح على: https://www.lbdr.org.lb/history-of-the-lb-cctld/ (آخر زيارة: 21 آذار/مارس 2026).

[4] هيئة أرقام الإنترنت المخصصة (IANA)، “مذكرة ICP-1: هيكلية نظام أسماء النطاقات وتفويضها”، 1999، متاح على: https://www.iana.org/go/rfc1591 (آخر زيارة: 21 آذار/مارس 2026).

[5] الجمهورية اللبنانية، القانون رقم 81/2018 (قانون المعاملات الالكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي)، ولا سيّما الأحكام المتعلقة بمسؤولية مزوّدي الخدمات وبإدارة نطاق “.lb”، منشور في الجريدة الرسمية، العدد 45 تاريخ 18 تشرين الأول/أكتوبر 2018. متاح على: http://77.42.251.205/Law.aspx?lawId=278573&language=ar

[6] غاوراف كانسال، “قضية نطاق ‎.lb‎: تحليل لحوكمة نطاق لبنان”، 19 شباط/فبراير 2025، متاح على: https://blog.gauravkansal.in/2025/02/the-curious-case-of-.LB-ccTLD.html (آخر زيارة: 21 آذار/مارس 2026).

[7] سجل نطاقات لبنان (LBDR)، “إطلاق المركز اللبناني للإنترنت (LINC) وتطوّر حوكمة نطاق ‎.lb‎”، متاح على: https://www.lbdr.org.lb/history-of-the-lb-cctld/ (آخر زيارة: 21 آذار/مارس 2026)

[8] IMLebanon، “حكيم يطلق «المركز اللبناني للإنترنت»”، 4 حزيران/يونيو 2014، متاح على: https://is.gd/4FOqTP آخر زيارة: 21 آذار/مارس 2026).

[9] سجل نطاقات لبنان (LBDR)، “تاريخ نطاق ‎.lb‎ والتحديات المؤسسية لإدارته”، متاح على: https://www.lbdr.org.lb/history-of-the-lb-cctld/ (آخر زيارة: 21 آذار/مارس 2026).

[10]  المرجع نفسه.

[11] غاوراف كانسال، “قضية نطاق ‎.lb‎: تحليل لحوكمة نطاق لبنان”، 19 شباط/فبراير 2025، متاح على: https://blog.gauravkansal.in/2025/02/the-curious-case-of-.LB-ccTLD.html (آخر زيارة: 21 آذار/مارس 2026).

[12] هيئة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة (ICANN)، “اتفاقيات السجل (Registry Agreements)” و“قائمة مشغّلي السجلات (Registry Operators Listings)”، متاح على: https://www.icann.org/en/registry-agreements ،

https://www.icann.org/en/contracted-parties/registry-operators/resources/listings

[13] الجمهورية اللبنانية، القانون رقم 81/2018 (قانون المعاملات الالكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي)، منشور في الجريدة الرسمية، العدد 45 تاريخ 18 تشرين الأول/أكتوبر 2018، ولا سيّما المادة 79.

[14] هيئة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة (ICANN)، “بروتوكول توفير التسجيل (EPP) وإدارة أسماء النطاقات”، متاح على: https://www.icann.org/resources/pages/epp-status-codes-2014-06-16-en (آخر زيارة: 21 آذار/مارس 2026).

[15] مجلس مديري نطاقات رموز الدول (CoCCA)، “حول CoCCA ونظام السجل المشترك (SRS) المتوافق مع معايير ICANN وIETF، وإدارة نطاقات رموز الدول”، متاح على: https://cocca.org.nz/ (آخر زيارة: 21 آذار/مارس 2026).

[16] سجل نطاقات لبنان (LBDR)، “اتفاقية السجل/المسجّلين (Registry-Registrar Agreement)،” التي تنص على خضوع العلاقة التعاقدية لقوانين ولاية ديلاوير في الولايات المتحدة الأميركية، متاح على: https://lbdr.org.lb/wp-content/uploads/2024/08/LBDR_RRA_BlankTemplate.pdf (آخر زيارة: 21 آذار/مارس 2026).

[17] Berytech، “إطلاق أول نقطة تبادل للإنترنت في لبنان (Beirut-IX) ودورها في تعزيز البنية التحتية للإنترنت محليًا”، 19 تشرين الأول/أكتوبر 2015، متاح على: https://berytech.org/launch-of-the-first-lebanese-internet-exchange-point-in-berytech/  (آخر زيارة: 21 آذار/مارس 2026)

[18] مراسلة رسمية صادرة عن وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء، 7 آذار/مارس 2023.

[19] ا: IANA Root Zone Database، حالة نطاق ‎.lb‎ (Caretaker Operations)، متاح على: https://www.iana.org/domains/root/db (آخر زيارة: 21 آذار/مارس 2026).

[20] هيئة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة (ICANN)، “انضمام مدير نطاق لبنان ‎(.lb)‎ إلى المنظمة الداعمة لأسماء نطاقات رموز الدول (ccNSO)،” 22 نيسان/أبريل 2024، متاح على: https://www.icann.org/en/ccnso/news-and-announcements/documents/the-lebanon-cctld-manager-joins-as-the-newest-member-of-the-ccnso-22-04-2024-en (آخر زيارة: 21 آذار/مارس 2026).


العنوان: إنشاء “الهيئة الوطنية لإدارة نطاق .lb (السجل)” كمدخل لمعالجة الاختلالات البنيوية في الحوكمة الرقمية

اعداد: بسام القنطار، مفوض العلاقات الدولية في الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب في لبنان. شغل سابقاً منصب محقق في بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق في ليبيا، كما عمل باحثاً لدى منظمة العفو الدولية.

الناشر: الجمهورية اللبنانية | الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب 

الطبعة الأولى: 2026

الآراء الواردة في هذه الوثيقة تعبّر عن وجهات نظر الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب، ولا تعكس بالضرورة آراء أي من الجهات المذكورة في التقرير أو أي من الشركاء السابقين أو الحاليين.

بعض الحقوق محفوظة (CC)، الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب – لبنان، 2026. هذا المستند متاح بموجب رخصة المشاع الإبداعي: النسبة، غير تجاري، بدون مشتقات 4.0 الدولية (CC BY-NC-ND 4.0). يُحظر حظرًا تامًا إعادة إنتاج هذا الكتاب أو تخزينه في أي نظام لاسترجاع المعلومات أو نقله بأي شكل أو بأي وسيلة، سواء كانت إلكترونية أو ميكانيكية أو عبر النسخ الضوئي أو التسجيل أو غير ذلك، لأغراض تجارية، من دون الحصول على إذن خطي مسبق من الجهة الناشرة. لمزيد من المعلومات، يرجى زيارة صفحة حقوق النشر على موقع الهيئة: https://nhrclb.org/copyright
التراخيص: يجب توجيه طلبات الاستخدام التجاري أو طلبات الحصول على حقوق إضافية أو تراخيص إلى: info@nhrclb.org 

العنوان: مبنى سرحال، الطابق الأول، جادة سامي الصلح، بيروت، لبنان | البريد الإلكتروني: info@nhrclb.org | الموقع الإلكتروني: https://nhrclb.org | الخط الساخن: 03923456| فيسبوك: https://www.facebook.com/nhrclb  | منصة إكس: https://x.com/nhrclb  | إنستغرام: https://www.instagram.com/nhrc_lb  | يوتيوب:  http://yt.nhrclb.org | فليكر:  https://www.flickr.com/photos/145354751@N08  | بلوسكاي: https://bsky.app/profile/nhrclb.bsky.social  | تمبلر: https://www.tumblr.com/nhrclb  | ماستودون:  https://mastodon.social/@nhrclb  | لينكدإن: https://www.linkedin.com/company/nhrclb  |ثريدز: https://www.threads.com/@nhrc_lb

NHRCLB
NHRCLBhttps://nhrclb.org
مؤسسة وطنية مستقلة منشأة بموجب القانون 62/ 2016، تتضمن آلية وقائية وطنية للتعذيب (لجنة الوقاية من التعذيب) عملاً بأحكام القانون رقم 12/ 2008 (المصادقة على البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب). An independent national institution established under Law No. 62/2016, which includes a National Preventive Mechanism against torture (the Committee for the Prevention of Torture), in accordance with the provisions of Law No. 12/2008 (ratifying the Optional Protocol to the Convention against Torture). Une institution nationale indépendante établie en vertu de la loi n° 62/2016, qui comprend un mécanisme national de prévention de la torture (le Comité pour la prévention de la torture), conformément aux dispositions de la loi n° 12/2008 (ratifiant le Protocole facultatif se rapportant à la Convention contre la torture).