قالت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب، إنّ التحقيق والتوثيق الجنائي للجريمة المرتكبة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، والتي أدّت إلى مقتل الصحفية آمال خليل، ومختار بلدة بنت جبيل علي نبيل بزي، والمواطن محمد أيمن حوراني، وإصابة الصحفية زينب فرج بجروح، في بلدة الطيري الجنوبية، قد وصل إلى استنتاجٍ أولي مفاده أنّ الغارات الإسرائيلية كانت متعمّدة، وأنّ القرار بشأنها اتُّخذ رغم تيقّن قوات الاحتلال من أنّ الصحفيتين كانتا تقومان بالتغطية الإعلامية.
وأضافت الهيئة أنّ التحقيق الأولي يحسم الجدل حول الاهداف المدنية للغارات الثلاث التي نفّذتها قوات الاحتلال على امتداد ساعات عدّة، رغم طلبات النجدة المتكرّرة التي قوبلت بإطلاق النار، ومنع فرق الإنقاذ والبحث من الوصول إلى مكان الاستهداف حتى ساعات متأخّرة من الليل.
وتقدّمت الهيئة بأحرّ التعازي إلى ذوي الضحايا وزملائهم وزميلاتهم، مشيرةً إلى أنّ رسائل التهديد المتكرّرة التي تلقتها خليل، والموثّقة لدى منظمة اليونسكو، إلى جانب التهكّم والتنمر الذي مارسه الناطق باللغة العربية باسم الجيش الإسرائيلي، شكّلت مقدّمة لتبرير عملية الاغتيال. واعتبرت الهيئة أنّ ذلك يُظهر نمطاً ممنهجاً تمارسه قوات الاحتلال ضد الصحفيين لتبرير استهدافهم، وهو ما يُعدّ استمراراً لسياسة الإبادة الجماعية التي انتهجها الاحتلال الإسرائيلي، والتي طالت مئات الصحفيين في فلسطين ولبنان بذريعة مماثلة.
وتفيد المعطيات الميدانية وشهادة اربعة صحفيين ومسعف ضمن فرق الانقاذ تحدثت معم الهيئة، تعرّض الزميلتان لملاحقة مباشرة من قبل طائرات مسيّرة تابعة لجيش الاحتلال أثناء قيامهما بواجبهما المهني في تغطية الأحداث الميدانية في المناطق الحدودية. وقد بدأ الاعتداء باستهداف سيارة مدنية أمامهما عند قرابة الساعة الثانية والنصف بعد ظهر يوم امس الاربعاء، ما أدى إلى استشهاد بزي وحوراني، قبل أن تتصاعد الاعتداءات بشكل متدرّج ومقصود ولمدة تزيد عن الساعتين، حيث تم استهداف سيارة الصحافيتين وتعطيلها، ومن ثمّ قصف المكان الذي لجأتا إليه للاحتماء داخل أحد المنازل عند قاربة الساعة الراعبة والنصف بعد الظهر، ما أسفر عن إصابة المصوّرة زينب فرج بجروح بالغة، وفقدان الاتصال بالصحافية آمال خليل لساعات، قبل العثور عليها تحت أنقاض المنزل الذي دمّرته الغارة قرابة الساعة الحادية عشرة والربع ليلاً.
وتؤكّد المعطيات الميدانية وشهادات المسعفين والزملاء أنّ هذا الاعتداء لم يكن عرضياً، بل جاء نتيجة استهداف متعمّد وملاحقة مباشرة، إذ تمّ تنفيذ أكثر من ضربة متتالية في الموقع ذاته، ومنع فرق الإسعاف من الوصول في الوقت المناسب عبر تعطيل آليات التنسيق، قبل إعطاء الإذن بالدخول بعد التأكّد من تنفيذ الهجوم.
وترى الهيئة أنّ هذه الأفعال، في حال ثبوتها، قد ترقى إلى جريمة حرب مكتملة الأركان، لكونها تنطوي على استهداف متعمّد لمدنيين، بمن فيهم صحفيون يتمتعون بالحماية بموجب القانون الدولي الإنساني، إضافة إلى عرقلة أعمال الإغاثة ومنع تقديم المساعدة للجرحى، بما يشكّل انتهاكاً جسيماً لاتفاقيات جنيف وقواعدها العرفية، ولا سيّما مبدأي التمييز والإنسانية.
كما تحدّثت الهيئة مع طبيبين شرعيين من قضاء النبطية، حيث أفادا بأنّه لم يُطلب منهما إجراء أي كشف على الجثامين لتحديد مواضع ونوعية الإصابات، أو لتشخيص محتمل لنوع السلاح المستخدم في عمليات القتل. وأوضح الطبيب الأول أنّه، طيلة فترة العدوان، لا تطلب الجهات القضائية إجراء كشف من قبل طبيب شرعي، ويتم ختم المحاضر من دون أي توثيق طبي جنائي، باستثناء حالات مقتل الأجانب التي تستدعي نقل جثامينهم إلى بلدانهم، ما يفرض وجود تقرير شرعي. فيما أفاد الطبيب الثاني بأنّ أعمال الكشف الطبي الجنائي لا تزال تقتصر على جرائم القتل المصنّفة ضمن الجرائم العادية، في حين لا يُجرى أي كشف في حالات القتل الناتجة عن عمليات تنفّذها قوات الاحتلال الإسرائيلي.
وترى الهيئة أنّ هذا القصور يشكّل خللاً جسيماً في منظومة العدالة الجنائية، وانتهاكاً لواجب الدولة في التحقيق الفعّال في حالات القتل، وفقاً للمعايير الدولية لحقوق الإنسان، ولا سيّما ما يتصل بالحق في الحياة وواجب ضمان المساءلة وعدم الإفلات من العقاب. كما يُقوّض هذا الواقع إمكانية جمع الأدلة الجنائية وحفظها، ويُضعف فرص توثيق الانتهاكات الجسيمة التي قد ترقى إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، ويحدّ من قدرة السلطات الوطنية على ملاحقة المسؤولين أو دعم أي مسارات قضائية دولية.
وتوصي الهيئة بضرورة اتخاذ تدابير عاجلة لإلزام الجهات القضائية المختصة بإجراء الكشف الطبي الشرعي في جميع حالات الوفاة الناتجة عن أعمال عنف، بما في ذلك تلك المرتبطة بالنزاعات المسلحة، وضمان توثيق الإصابات وفق الأصول العلمية المعتمدة، بما يشمل تحديد طبيعة الإصابة، ومسارها، ونوع السلاح المستخدم متى أمكن، إضافة إلى حفظ الأدلة بطريقة تضمن سلامة سلاسل الحيازة، تمهيداً لاستخدامها في أي إجراءات قضائية وطنية أو دولية.
إنّ ما تعرّضت له الصحافية آمال خليل لا يمكن فصله عن سجلّ طويل من الاستهدافات السابقة التي طالتها شخصياً وزملاءها خلال السنوات الماضية، نتيجة عملها المهني في خطوط المواجهة في جنوب لبنان، حيث سبق أن نجت من محاولات قتل مباشرة، بما في ذلك استهداف منزل عائلتها خلال حرب عام 2024. كما يندرج هذا الاعتداء ضمن سياق أوسع من الانتهاكات المتكررة التي تستهدف الصحافيين بشكل ممنهج، بهدف ترهيبهم ومنعهم من نقل الحقيقة.
وتذكّر الهيئة بأنّ الصحافيين يتمتّعون بالحماية الكاملة بصفتهم مدنيين بموجب اتفاقيات جنيف لعام 1949 والقواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني، وأنّ استهدافهم عمداً، أو شنّ هجمات ضدهم أثناء تأدية عملهم، أو عرقلة عمليات إجلائهم الطبي، يشكّل انتهاكاً جسيماً قد يرقى إلى جريمة حرب تستوجب المساءلة الجنائية الدولية.
وتشير الهيئة إلى أنّ هذه الجريمة تأتي في سياق نمط موثّق من الاعتداءات على الصحافيين في لبنان، شمل القتل المباشر، والإصابة، والتهديد، واستهداف المؤسسات الإعلامية، واستخدام الطائرات المسيّرة والذخائر الحية، دون أي مساءلة تُذكر، الأمر الذي يعزّز مناخ الإفلات التام من العقاب .
وإزاء خطورة هذه الوقائع، تجدّد الهيئة دعوتها إلى السلطات اللبنانية لاتخاذ خطوات عاجلة وفعّالة، وفق ما يلي:
الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان تدعو إلى تحرّك عاجل لمساءلة استهداف الصحافيين في الطيري
توصي الهيئة بالدعوة إلى عقد جلسة طارئة لمجلس الوزراء لاتخاذ قرار واضح بمساءلة مرتكبي هذه الجرائم، بما يشمل تكليف وزارة الخارجية والمغتربين باتخاذ الإجراءات اللازمة للانضمام إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، أو على الأقل تقديم إعلان بموجب المادة 12(3) بقبول اختصاص المحكمة للنظر في الجرائم المرتكبة على الأراضي اللبنانية. كما توصي الهيئة بدعم مشروع قرار أمام مجلس حقوق الإنسان يقضي بإنشاء لجنة تحقيق دولية مستقلة بشأن لبنان، بما يضمن توثيق الانتهاكات وتحديد المسؤوليات الفردية، ويؤسس لمسار فعّال للمساءلة الدولية.
ثانياً، وزارة العدل والنيابة العامة التمييزية والعسكرية:
توصي الهيئة باتخاذ تدابير فورية لمعالجة الخلل الجسيم في أعمال الطب الشرعي، من خلال إصدار تعاميم ملزمة بإجراء الكشف الطبي الشرعي في جميع حالات الوفاة الناتجة عن أعمال عنف، بما في ذلك تلك المرتبطة بالنزاعات المسلحة، وعدم حصرها بالجرائم العادية. كما تدعو إلى تفعيل دور النيابات العامة، لا سيّما التمييزية والعسكرية، في فتح تحقيقات جدّية ومستقلة، وضمان توثيق الأدلة الجنائية وفق المعايير الدولية، بما يحفظ حقوق الضحايا ويعزّز فرص الملاحقة القضائية، وطنياً ودولياً.
ثالثاً، وزارة الإعلام:
توصي الهيئة بأن تتبنّى وزارة الإعلام موقفاً واضحاً وعلنياً يدعم اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية كآلية أساسية لمساءلة مرتكبي جرائم قتل الصحافيين، بما يحدّ من الإفلات من العقاب. كما تشدّد على ضرورة عدم الاكتفاء بإحالة الشكاوى إلى المنظمات الدولية، مثل اليونسكو أو مجلس الأمن، نظراً لمحدودية جدواها في تحقيق المساءلة الفعلية، والدفع بدلاً من ذلك نحو مسارات قضائية دولية ملزمة.
رابعاً، على المستوى الدولي:
تؤكد الهيئة ضرورة التعاون الكامل مع آليات العدالة الدولية، ولا سيّما لجنة التحقيق الدولية المقترحة، وضمان إنشاء مستودع مركزي لحفظ الأدلة لدى مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، بما يضمن حماية الأدلة وإتاحتها للاستخدام في الإجراءات القضائية المستقبلية.
وتشدّد الهيئة على أنّ هذه التدابير مجتمعة تشكّل الحد الأدنى المطلوب لمواجهة مناخ الإفلات من العقاب، وضمان حماية الصحافيين، وصون الحق في الحياة، وترسيخ سيادة القانون.
هذه المقالة متاحة أيضًا بـ:




