يُعدّ الاختفاء القسري من أخطر انتهاكات حقوق الإنسان وأكثرها تعقيدًا، نظرًا لطبيعته المركّبة التي تمسّ مجموعة واسعة من الحقوق الأساسية في آن واحد. وفي ظل الأزمات الأمنية وتصاعد أنماط التعاون الأمني الإقليمي، تبرز الحاجة إلى إعادة التأكيد على الحظر المطلق لهذه الجريمة، وعلى التزامات الدول بمنعها وملاحقة مرتكبيها.
تعريف الاختفاء القسري وحظره المطلق
تنص الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لعام 2006 على أن هذه الجريمة تشمل أي اعتقال أو احتجاز أو اختطاف يتم على أيدي موظفي الدولة أو جهات تتصرف بإذنها أو دعمها، يعقبه إنكار هذا الحرمان من الحرية أو إخفاء مصير الشخص أو مكان وجوده، بما يحرمه من حماية القانون.
وتؤكد الاتفاقية بشكل قاطع أنه لا يجوز التذرع بأي ظرف استثنائي، سواء كان حالة حرب أو تهديدًا بها أو اضطرابًا سياسيًا داخليًا، لتبرير الاختفاء القسري، ما يجعل حظره قاعدة مطلقة في القانون الدولي.
انتهاك متعدد الأبعاد لحقوق غير قابلة للانتقاص
لا يقتصر الاختفاء القسري على الحرمان من الحرية، بل يشكّل انتهاكًا متشابكًا لعدد من الحقوق الأساسية، من بينها الحق في الأمان الشخصي، والحماية من التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية، والحق في الحياة، فضلًا عن الحق في الانتصاف القضائي.
وقد أكدت هيئات حقوق الإنسان والمحاكم الدولية أن حالات الاختفاء القسري ترتبط في كثير من الأحيان بممارسات التعذيب، الذي يُعد بدوره محظورًا حظرًا مطلقًا بموجب قاعدة آمرة في القانون الدولي (Jus Cogens)، تفرض على الدول التزامًا بالتحقيق والمساءلة دون استثناء.
الضمانات القانونية: خط الدفاع الأول ضد التعسف
يشكّل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أحد أبرز الصكوك التي توفّر حماية من الوقوع في الاختفاء القسري، من خلال ضماناته المتعلقة بالحرية الشخصية والمحاكمة العادلة.
فبموجب المادة 9، يتمتع كل فرد بالحق في الحرية والأمان على شخصه، ويحظر توقيفه أو اعتقاله تعسفًا، كما يحق له الطعن الفوري في قانونية احتجازه أمام القضاء. وقد أكدت لجنة حقوق الإنسان أن هذه الضمانات تنطبق على جميع أشكال الاحتجاز، بما في ذلك الاحتجاز الأمني أو في سياق مكافحة الإرهاب.
كما تكفل المادة 14 من العهد ذاته حقوق المحاكمة العادلة، بما في ذلك افتراض البراءة، والحق في الدفاع، والاستعانة بمحامٍ، والمحاكمة دون تأخير غير مبرر، وهي ضمانات أساسية تحول دون الانزلاق نحو الاحتجاز السري أو غير القانوني.
لبنان والتزاماته بموجب القانون الدولي الإنساني
يُعد لبنان طرفًا في اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الثاني، ما يفرض عليه التزامات واضحة في سياق النزاعات غير الدولية، أبرزها معاملة جميع الأشخاص المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية، وحظر التعذيب والمعاملة القاسية والمهينة، والاعتداء على الكرامة الشخصية. كما أصبح حظر الاختفاء القسري جزءًا من القانون الدولي العرفي، ما يعني أنه ملزم لجميع الدول، سواء صادقت على الاتفاقية الخاصة به أم لا.
حوادث مرتبطة بالحرمان من الحرية في 2025
شهد العام 2025 في لبنان عدداً من الحوادث التي ترتبط بأنماط مختلفة من الحرمان غير المشروع من الحرية، لا سيما في المناطق الحدودية. ففي 19 آذار 2025، حرّرت مديرية المخابرات في الجيش اللبناني شخصين سوريين اختُطفا في منطقة الجمالية – بعلبك، بعد عملية أمنية. وفي 25 آذار، أُعلن عن تحرير طفل سوري قاصر اختُطف في بلدة حورتعلا مقابل فدية مالية، مع توقيف أحد المتورطين.
كما أوقفت وحدات الجيش في 27 آذار 2025 نحو 56 شخصًا من الجنسية السورية في جرود عرسال لدخولهم الأراضي اللبنانية بصورة غير نظامية، في سياق مكافحة التسلل عبر الحدود، ما يطرح تساؤلات حول ظروف الاحتجاز وضمانات الحقوق. وفي 10 نيسان 2025، تم تحرير مواطن سوري خُطف في بلدة عين – بعلبك بهدف الابتزاز المالي، بعد عملية متابعة أمنية. كما شهد 24 أيار 2025 تسلّم السلطات اللبنانية أحد المشتبه بتورطهم في جريمة خطف وقتل باسكال سليمان من السلطات السورية، في إطار تعاون أمني ثنائي.
في هذا السياق، تبرز قضية الشاعر والمعارض السياسي عبد الرحمن يوسف القرضاوي كحالة تثير مخاوف جدية بشأن مخاطر التعاون الأمني الإقليمي عندما لا يُرفق بضمانات حقوقية كافية. فبعد توقيفه في لبنان في 28 كانون الأول/ديسمبر 2024 وترحيله إلى دولة الإمارات في 8 كانون الثاني/يناير 2025، ظلّ مصيره ومكان احتجازه غير معلومين، مع انقطاع التواصل مع عائلته ومحاميه، ما يضعه في وضعية قد ترقى إلى الاختفاء القسري. وقد أعرب خبراء أمميون في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 عن قلقهم من احتمال انتهاك مبدأ عدم الإعادة القسرية، مطالبين السلطات اللبنانية بتوضيحات حول إجراءات التسليم والضمانات المتخذة، وباتخاذ تدابير لمتابعة وضعه وضمان سلامته. تؤكد المعايير الدولية أن الاختفاء القسري جريمة لا تسقط بالتقادم ولا يمكن تبريرها تحت أي ظرف، وأن مكافحتها تتطلب منظومة متكاملة من الضمانات القانونية والرقابة القضائية والشفافية. وفي حين يلتزم لبنان نظريًا بهذه القواعد من خلال انضمامه إلى الاتفاقيات الدولية، فإن بعض الوقائع تشير إلى تحديات في التطبيق، خصوصًا في سياق التعاون الأمني العابر للحدود. وعليه، تبرز الحاجة إلى تعزيز آليات المساءلة، وضمان خضوع قرارات التوقيف والترحيل لرقابة قضائية فعالة، وتمكين الأفراد من حقوقهم الأساسية، بما يضمن عدم تحوّل الاستثناءات الأمنية إلى مدخل لانتهاكات جسيمة تمسّ جوهر حقوق الإنسان.
هذه المقالة متاحة أيضًا بـ:
اكتشاف المزيد من الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان - لبنان
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

