ترحّب الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب بتقدّم النائبين بولا يعقوبيان وحسن مراد باقتراح القانون المعجّل المكرّر الرامي إلى إلغاء الامتحانات الرسمية لشهادة الثانوية العامة بفروعها الأربعة والشهادات الفنية للعام 2026 ومنح إفادات بديلة للطلاب، وذلك في ضوء الظروف الاستثنائية التي يشهدها لبنان نتيجة العدوان الإسرائيلي المستمر وما خلّفه من خسائر بشرية وأضرار واسعة في البنية التحتية، ونزوح آلاف الأسر، وتأثيرات مباشرة على انتظام العملية التعليمية في عدد من المناطق اللبنانية.
وكانت الهيئة تفضّل عدم اللجوء إلى اقتراح قانون معجّل مكرّر لمعالجة هذه المسألة، لا سيما أن الاقتراح نفسه يشير إلى إمكانية اتخاذ تدابير مماثلة بموجب مراسيم تصدر عن مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير التربية والتعليم العالي، كما جرى العمل به سابقاً في حالات استثنائية مشابهة، ومنها إلغاء الامتحانات الرسمية للشهادة المتوسطة.
وترى الهيئة أن حسم هذه المسألة ينبغي أن يتم بالسرعة والفعالية اللازمتين، بما يضع حداً لحالة القلق وعدم اليقين التي يعيشها الطلاب وأسرهم، ويؤمّن الاستقرار المطلوب للعملية التعليمية. كما تؤكد أن الاعتبارات التربوية والحقوقية والإنسانية، وفي مقدمتها سلامة الطلاب وأفراد الهيئة التعليمية، يجب أن تشكل الأساس في تحديد الآلية الأنسب لاتخاذ القرار، بعيداً عن أي اعتبارات أخرى لا تخدم المصلحة الفضلى للطلاب أو الحق في التعليم.
إن الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب، إذ تؤكد أن حماية الإنسان وكرامته يجب أن تبقى المعيار الأعلى في جميع القرارات العامة، تهيب بمعالي وزيرة التربية والتعليم العالي وبمجلس الوزراء اللبناني اعتماد مقاربة تستند إلى مبادئ حقوق الإنسان وإلى تقييم موضوعي وشفاف للواقع الأمني والتربوي والإنساني، بما يحقق التوازن بين حماية سلامة الطلاب والعاملين في القطاع التربوي من جهة، وصون الحق في التعليم وضمان جودته واستمراريته من جهة أخرى.
وإذ تؤكد الهيئة أن حماية وتعزيز حقوق الإنسان تشكلان الإطار المرجعي لأي سياسة عامة أو قرار تشريعي أو إداري، فإنها ترى أن النقاش حول الامتحانات الرسمية لا ينبغي أن يُختزل في بعده التربوي أو الإداري فحسب، بل يجب أن يُقارب بوصفه مسألة ترتبط مباشرة بجملة من الحقوق الأساسية المكفولة بموجب الدستور اللبناني والاتفاقيات الدولية التي انضم إليها لبنان، وفي مقدمتها الحق في التعليم، والحق في الحياة، والحق في الأمن الشخصي، ومبدأ عدم التمييز، وحقوق الطفل، والحق في المساواة وتكافؤ الفرص.
وتصدر الهيئة هذا الموقف انطلاقاً من ولايتها القانونية المنصوص عليها في القانون رقم 62/2016، التي تخولها متابعة أوضاع حقوق الإنسان في لبنان، وإبداء الرأي في مشاريع واقتراحات القوانين والسياسات العامة والتدابير الإدارية ذات الصلة بحقوق الإنسان، وتقديم التوصيات اللازمة إلى السلطات المختصة بهدف ضمان توافق التشريعات والممارسات الوطنية مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
أولاً: الحق في التعليم لا ينفصل عن الحق في السلامة والأمن
تؤكد الهيئة أن الحق في التعليم لا يقتصر على ضمان الوصول إلى المدرسة أو إجراء الامتحانات، بل يشمل أيضاً توفير بيئة تعليمية آمنة ومناسبة تتيح للطلاب ممارسة هذا الحق بصورة فعلية ومن دون تعريض حياتهم أو سلامتهم للخطر.
وقد كرّست المادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادتان 13 و14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حق كل شخص في التعليم، كما أكدت اتفاقية حقوق الطفل على التزام الدول باتخاذ التدابير اللازمة لضمان إعمال هذا الحق على أساس تكافؤ الفرص.
وفي المقابل، فإن هذه النصوص نفسها تفترض وجود بيئة آمنة تسمح للطلاب بالاستفادة من التعليم بصورة فعلية. وعندما تصبح تنقلات الطلاب أو وصولهم إلى مراكز الامتحانات أو وجودهم في المؤسسات التعليمية محفوفة بمخاطر أمنية جدية، فإن الدولة تصبح ملزمة بإعادة تقييم الوسائل المعتمدة لضمان الحق في التعليم بما يراعي في الوقت ذاته واجبها الأساسي في حماية الحق في الحياة والسلامة الجسدية.
ومن هذا المنطلق، ترى الهيئة أن أي قرار يتعلق بإجراء الامتحانات الرسمية أو إلغائها يجب أن يستند أولاً إلى تقييم موضوعي للمخاطر التي قد يتعرض لها الطلاب وأفراد الهيئة التعليمية والأهالي، وأن تكون سلامة الإنسان المعيار الأول في عملية اتخاذ القرار.
ثانياً: ضرورة الموازنة بين الحق في التعليم وجودة التعليم
في الوقت نفسه، ترى الهيئة أن حماية الحق في التعليم لا تعني فقط تفادي المخاطر الأمنية، بل تشمل أيضاً الحفاظ على جودة التعليم ومصداقية الشهادات الرسمية وضمان الاعتراف بها داخل لبنان وخارجه.
فالحق في التعليم، وفقاً للتعليق العام رقم 13 الصادر عن لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لا يقتصر على إتاحة التعليم، بل يشمل أيضاً جودته وملاءمته وقبوله. ومن هنا، فإن أي تدابير استثنائية يتم اعتمادها يجب أن تراعي المحافظة على القيمة الأكاديمية للشهادات الوطنية، وأن تضمن عدم إلحاق الضرر بمستقبل الطلاب الأكاديمي والمهني.
وتدعو الهيئة إلى أن يقترن أي قرار استثنائي بخطة وطنية لمعالجة الفاقد التعليمي، وتعزيز برامج الدعم الأكاديمي والنفسي والاجتماعي للطلاب المتأثرين بالنزاع والنزوح، بما يضمن عدم تحول الإجراءات الاستثنائية إلى مصدر جديد للتمييز أو التفاوت بين المتعلمين.
ثالثاً: حقوق الطلاب النازحين ومبدأ عدم التمييز
تلاحظ الهيئة أن الأزمة الراهنة أثرت بصورة غير متساوية على الطلاب، حيث يواجه عدد كبير منهم أوضاعاً استثنائية ناجمة عن النزوح أو فقدان المأوى أو تضرر المدارس أو فقدان إمكانية الوصول المنتظم إلى التعليم.
ومن ثم، فإن أي قرار تتخذه السلطات العامة يجب أن يراعي مبدأ المساواة وعدم التمييز المنصوص عليه في الدستور اللبناني وفي الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، وأن يأخذ في الاعتبار الأوضاع الخاصة للطلاب المتضررين من العدوان، بما يضمن عدم تحميلهم أعباء إضافية ناتجة عن ظروف خارجة عن إرادتهم.
رابعاً: حقوق المعلمين والعاملين في القطاع التربوي
كما تؤكد الهيئة أن المعلمين والأساتذة والعاملين في القطاع التربوي هم أيضاً أصحاب حقوق يجب احترامها وحمايتها. فاستمرارية العملية التعليمية في ظل الأزمات تعتمد بصورة أساسية على جهودهم وتضحياتهم.
وعليه، تدعو الهيئة إلى ضمان مشاركتهم في النقاشات، وتأمين الظروف المهنية والإنسانية المناسبة لهم، بما في ذلك السلامة الشخصية والدعم النفسي والاجتماعي والمهني اللازمين لمواصلة أداء رسالتهم التربوية.
خامساً: مسؤولية الدولة تجاه العام الدراسي المقبل
وتؤكد الهيئة أن معالجة الأزمة الراهنة لا ينبغي أن تقتصر على مسألة الامتحانات الرسمية، بل يجب أن تشكل جزءاً من خطة وطنية أوسع لضمان استمرارية الحق في التعليم.
وفي هذا السياق، تدعو الهيئة السلطات المختصة إلى العمل بصورة عاجلة على تأمين بدائل سكن وإيواء لائقة للأسر النازحة المقيمة في المدارس والمؤسسات التعليمية، بما يسمح بإعادة هذه المؤسسات إلى أداء وظيفتها الأساسية قبل انطلاق العام الدراسي المقبل، ويضمن حق جميع الأطفال والشباب في الالتحاق بمدارسهم ضمن بيئة تعليمية آمنة وسليمة.
هذه المقالة متاحة أيضًا بـ:




