spot_img
spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

منشورات أخرى

نطاق المسؤولية والالتزامات الدولية في سياق النزاع المسلح في لبنان

اعداد: بسام القنطار مفوض العلاقات الدولية في الهيئة الوطنية لحقوق...

“كريستوفيني”.. جبال وهمية على خريطة الاحتلال: محاولة “أسرلة” للجغرافيا اللبنانية

رصدت لجنة القانون الدولي الإنساني في الهيئة الوطنية لحقوق...

المجلس الوطني للبحوث العلمية يوثّق دمار القطاع السكني

يتكشّف حجم الدمار المتسارع الذي طال القطاع السكني جراء...

نطاق المسؤولية والالتزامات الدولية في سياق النزاع المسلح في لبنان

اعداد: بسام القنطار

مفوض العلاقات الدولية في الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب في لبنان. شغل سابقاً منصب محقق في بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق في ليبيا، كما عمل باحثاً لدى منظمة العفو الدولية.

الملخص التنفيذي

يستند هذا التقرير إلى الصلاحيات المنصوص عليها في القانون رقم 62 الصادر بتاريخ 27 تشرين الأول 2016 (إنشاء الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب)، تمارس الهيئة ولايتها القانونية بصفتها مؤسسة مستقلة مُناطاً بها حماية وتعزيز حقوق الإنسان في لبنان. وتستند الهيئة في تصديها القانوني للنزاع الراهن إلى أحكام المادة 15 من قانون إنشائها، التي تمنحها سلطة رصد مدى التزام أطراف النزاع بالمعاهدات الدولية المصدق عليها، ولا سيما اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية. كما يمتد اختصاص الهيئة، سداً لثغرات الحماية في زمن النزاع المسلح، ليشمل ممارسة الرقابة الوقائية على مراكز الاحتجاز والتحقيق في الانتهاكات الجسيمة المرتكبة ضد الحقوق غير القابلة للاشتقاق، وذلك تماشياً مع مبادئ باريس الناظمة للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان والصلاحيات المكفولة بموجب البروتوكول الإختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب، وبما يضمن مواءمة الممارسة الميدانية مع الالتزامات الدولية التعاقدية للجمهورية اللبنانية.

يهدف هذا التقرير إلى تحليل وتكييف الطبيعة القانونية للنزاع المسلح القائم في لبنان منذ 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وتقييم مدى التزام أطرافه بقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، تمهيدًا لتحديد المسؤوليات القانونية وتعزيز آليات المساءلة. كما يسعى إلى تقييم مدى امتثال هذه الأطراف لالتزاماتها الدولية، وتوثيق الانتهاكات المحتملة، بما يساهم في تعزيز المساءلة ومنع الإفلات من العقاب، ودعم الجهود الرامية إلى حماية المدنيين وصون الكرامة الإنسانية.

خلص التحليل القانوني للهيئة إلى أن الأعمال العدائية التي انطلقت في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 قد أفرزت نزاعاً مسلحاً ذا طبيعة مركبة؛ حيث يُصنّف كـ “نزاع مسلح دولي” بين إسرائيل ولبنان كدولة ذات سيادة، بالنظر إلى استخدام القوة العسكرية المباشرة واستهداف البنى التحتية الوطنية وحالات السيطرة الفعلية التي ترقى إلى “الاحتلال الحربي”. وبالتوازي مع ذلك، يلحظ التقرير قيام “نزاع مسلح غير دولي” بين إسرائيل وجهة فاعلة من غير الدول تتمتع بدرجة عالية من التنظيم (حزب الله)، مما يوجب إخضاع العمليات الحربية لكافة أطراف النزاع للقواعد الآمرة في اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولات الإضافية، فضلاً عن القواعد العرفية المستقرة.

يؤكد التقرير على مبدأ التكامل المعياري؛ ففي الوقت الذي يحكم فيه القانون الدولي الإنساني سير العمليات العدائية بناءً على مبادئ التمييز، والتناسب، والاحتياط في الهجوم، يظل القانون الدولي لحقوق الإنسان نافذاً ولا يمكن تعطيله، خاصة فيما يتعلق بالحق في الحياة وحظر التعذيب والاعتقال التعسفي. ويشدد التقرير على “الفصل الصارم” بين مشروعية اللجوء إلى القوة وبين الالتزامات الإنسانية أثناء النزاع، حيث تظل جميع الأطراف ملزمة بحماية المدنيين والأعيان المدنية بغض النظر عن المسوغات السياسية للصراع.

وثّق التقرير سلسلة من الانتهاكات التي تقع ضمن اختصاص القانون الجنائي الدولي، ومنها الهجمات العشوائية التي لا تميز بين الأهداف العسكرية والمدنيين، والهجمات غير المتناسبة، وعمليات التهجير القسري. كما شدد على أن التعذيب وسوء المعاملة يُعدان خرقاً لقواعد “الآمرة” (Jus Cogens) وتُكيف كجرائم ضد الإنسانية متى ارتكبت ضمن سياق منهجي. ويستعرض التقرير أركان المسؤولية الجنائية الفردية لمرتكبي جرائم الحرب، مؤكداً أن الحصانة القانونية للأفراد تسقط أمام فداحة الانتهاكات الموجهة ضد الفئات المحمية.

بالبناء على التطورات الميدانية والسياسية، بما في ذلك ترتيبات وقف الأعمال العدائية في أواخر عام 2024 واعلان وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لمدة 10 أيام، بدأ سريانه في 16 أبريل 2026 عند الساعة 17:00 بتوقيت الساحل الشرقي (EST)، يخلص التقرير إلى أن الالتزامات القانونية الدولية تظل قائمة في جميع الأحوال. ويوصي التقرير بضرورة تفعيل آليات المحاسبة الدولية لضمان عدم الإفلات من العقاب، ويدعو المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته في حماية السيادة اللبنانية، معتبراً أن الالتزام بالمعايير الدولية الواردة في هذا التقرير هو الممر الإلزامي الوحيد لتحقيق العدالة وحماية كرامة الإنسان في لبنان.

 

 المنهجية

يعتمد هذا التقرير في مقاربتِهِ القانونية على المنهج التحليلي الاستنباطي، حيث يتم فحص الوقائع الميدانية والأعمال العدائية الجارية منذ 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وإسقاطها على القواعد الآمرة في القانون الدولي. وتتلخص مرتكزات هذه المنهجية في النقاط التالية:

  • التكييف القانوني المزدوج: تبنى التقرير منهجية الفصل والربط بين أنماط النزاع المسلح (الدولي وغير الدولي)، من خلال تحليل طبيعة الأطراف المنخرطة ومستوى شدة العمليات، لضمان تحديد دقيق للالتزامات المترتبة على كل طرف.
  • تكامل المنظومات القانونية: اعتمد التقرير مبدأ “تخصص القاعدة القانونية” (Lex Specialis) لتفسير العلاقة التبادلية بين القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، مع التركيز على الحقوق غير القابلة للاشتقاق كمعيار أدنى للحماية.
  • المعايير المرجعية: استندت المنهجية إلى مراجعة شاملة للصكوك الدولية التي صادق عليها لبنان وإسرائيل، مع إيلاء أهمية خاصة للقواعد العرفية والاجتهادات القضائية الصادرة عن محكمة العدل الدولية والمحاكم الجنائية الدولية لتفسير المفاهيم المعقدة مثل “السيطرة الفعلية” و”مبدأ التناسب”.
  • تصنيف الانتهاكات: اعتمد التقرير في رصده للانتهاكات على المعايير الواردة في نظام روما الأساسي ودراسات اللجنة الدولية للصليب الأحمر للقانون الدولي العرفي، لضمان موضوعية التوصيف القانوني للأفعال الموجهة ضد المدنيين والأعيان المدنية.

يستند هذا التقرير، إلى جانب تحليله القانوني، إلى مجموعة من المصادر المرتبطة بالوقائع الميدانية، بما في ذلك التقارير الصادرة عن الجهات الرسمية اللبنانية، والبيانات الصادرة عن المنظمات الدولية، والتقارير الحقوقية المستقلة، فضلاً عن المعلومات المتاحة من مصادر مفتوحة، بما في ذلك المواد الإعلامية والصور والأقمار الصناعية عند الاقتضاء.

وقد اعتمدت الهيئة في التعامل مع هذه المصادر منهجية قائمة على التحقق المتقاطع (Cross-Verification)، من خلال مقارنة المعلومات الواردة من أكثر من مصدر مستقل، وتقييم درجة موثوقيتها في ضوء معايير الدقة، والاستقلالية، وقرب المصدر من الحدث. كما أُخذ في الاعتبار السياق العام للنزاع واحتمالات التحيّز أو التضليل، لا سيما في ظل البيئة المعلوماتية المعقّدة المصاحبة للنزاعات المسلحة.

وفي الحالات التي يتعذّر فيها التحقق الكامل من بعض الوقائع، تم التعامل معها بحذر، وتجنّب الاستناد إليها كأساس وحيد للتكييف القانوني، التزامًا بمبدأ “عدم الإضرار” وضمانًا لسلامة الاستنتاجات القانونية.

 

الإطار القانوني الساري وتكييف الطبيعة المركبة للنزاع والأعمال العدائية

يقدّم هذا التقرير وصفًا للإطار القانوني الساري في سياق الأعمال العدائية الجارية بين لبنان وإسرائيل، والتي تُصنَّف، من حيث الأصل، ضمن النزاعات المسلحة الدولية، وذلك في ضوء المواجهات عبر الحدود وتصاعد العمليات العسكرية منذ 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023. وفي الوقت ذاته، يلحظ التقرير انخراط حزب الله كجهة فاعلة من غير الدول، بما يضفي على النزاع طابعًا مركّبًا يستدعي النظر في تداخل أنماط مختلفة من النزاعات المسلحة وفقًا للقانون الدولي الإنساني.

ويبحث التقرير في مدى انطباق القواعد القانونية ذات الصلة على مختلف فئات الأشخاص المتأثرين بالنزاع، بمن فيهم المدنيون والمقاتلون والأشخاص الذين خرجوا من القتال، وذلك في ضوء المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبدأ التمييز، ومبدأ التناسب، وواجب اتخاذ الاحتياطات في الهجوم. كما يؤكد التقرير أن جميع أطراف النزاع، سواء كانت دولًا أو جهات فاعلة من غير الدول، تظل ملزمة بالامتثال لالتزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك القواعد العرفية ذات الصلة، إضافة إلى استمرار انطباق قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان بالقدر الذي لا يتعارض مع مقتضيات النزاع المسلح.

طبيعة النزاع

تعتبر الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان أن النزاعات القائمة بين إسرائيل ولبنان تُشكّل نزاعًا مسلحًا دوليًا، إلى جانب نزاع مسلح غير دولي قائم بالتوازي، وذلك بالنظر إلى انخراط جهة فاعلة منظمة من غير الدول، هي حزب الله، في الأعمال العدائية.

ويُعدّ حزب الله جماعة مسلّحة من غير الدول تتمتع بدرجة عالية من التنظيم، وقد بلغت الأعمال العدائية بينه وبين إسرائيل مستوى من الشدة يفي بالمعايير المعتمدة لقيام نزاع مسلح غير دولي. وترى الهيئة أن هذا النزاع غير الدولي بين إسرائيل وحزب الله قد بدأ، في أقصى تقدير، بتاريخ 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، مع تصاعد الأعمال العدائية عبر الحدود، وتبادل الهجمات بشكل منتظم ومستمر بين الطرفين.

كما خلصت الهيئة إلى وجود نزاع مسلح دولي بين إسرائيل ولبنان، استنادًا إلى ما يلي:

أ) إن لبنان دولة ذات سيادة بموجب القانون الدولي، وينشأ النزاع المسلح الدولي متى لجأت دولة إلى استخدام القوة المسلحة ضد دولة أخرى، بغض النظر عن مستوى الشدة أو وجود إعلان رسمي للحرب؛

ب) إن كلًا من إسرائيل ولبنان ملزمان بأحكام اتفاقيات جنيف، وبموجب المادة المشتركة الثانية منها، فإن أي نزاع مسلح ينشأ بين دولتين طرفين يُعدّ نزاعًا دوليًا بطبيعته؛

ج) إن العمليات العسكرية التي تنفذها إسرائيل على الأراضي اللبنانية، بما في ذلك الضربات الجوية والبرية، تُخضع النزاع للإطار القانوني للنزاعات المسلحة الدولية، بصرف النظر عن انخراط جهة مسلحة من غير الدول.

د) وجود احتلال حربي، كلي أو جزئي، لأجزاء من الأراضي اللبنانية من قبل إسرائيل، بما في ذلك حالات السيطرة الفعلية أو التواجد العسكري المستمر في بعض المناطق الحدودية، الأمر الذي يُخضع هذه المناطق لأحكام قانون الاحتلال بموجب القانون الدولي الإنساني. ويُعدّ الاحتلال، متى توافرت عناصره، أحد الأشكال التي يُصنَّف فيها النزاع على أنه نزاع مسلح دولي، وفقًا للمادة المشتركة الثانية من اتفاقيات جنيف.

وترى الهيئة أن النزاع المسلح الدولي قد بدأ، في أقصى تقدير، بتاريخ 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، عندما باشرت إسرائيل استخدام القوة على الأراضي اللبنانية ردًا على الهجمات عبر الحدود، مما أدى إلى انطباق قواعد النزاع المسلح الدولي بين الدولتين.

ولا يُشترط لقيام الجرائم ضد الإنسانية وجود صلة مباشرة بنزاع مسلح، بل يكفي أن تُرتكب في سياق هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين، تنفيذًا لسياسة دولة أو منظمة. وتُقرّ الهيئة بأن هذه العناصر، متى توافرت، قد تُفضي إلى تكييف الأفعال المرتكبة ضمن هذا الإطار كجرائم ضد الإنسانية.

القانون الساري ذو الصلة

صادقت الدول المعنية في النزاع، أو انضمت، في مراحل زمنية مختلفة، إلى طيف واسع من معاهدات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، بما يُرتّب عليها التزامات قانونية متعدّدة المصادر. فعلى سبيل المثال، انضمّ لبنان بتاريخ 7 تموز/يوليو 1991 إلى البروتوكولين الإضافيين لعام 1977 الملحقين باتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 آب/أغسطس 1949، وبذلك أصبح ملتزمًا بالأحكام الواردة فيهما في إطار النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية[1]. وفي جميع الأحوال، تظلّ قواعد القانون الدولي العرفي ملزمة لكافة أطراف النزاع، سواء كانت دولًا أو جهات فاعلة من غير الدول، بما في ذلك في الحالات التي لا تكون فيها بعض الدول أطرافًا في معاهدات محددة، متى كانت هذه القواعد قد اكتسبت صفة الإلزام العام باعتبارها ممارسة عامة مقبولة كقانون[2].

ووفقًا للمبادئ الراسخة في القانون الدولي، يتعيّن تقييم الوقائع وتصنيفها استنادًا إلى القواعد القانونية السارية وقت وقوعها. ويُعدّ مبدأ الشرعية (Nullum crimen sine lege) حجر الزاوية في القانون الجنائي الدولي، إذ لا تُرتّب المسؤولية الجنائية الفردية إلا إذا كان الفعل المُرتكب يُشكّل جريمة بموجب القانون الدولي النافذ لحظة ارتكابه، مع مراعاة التطور التدريجي للقواعد العرفية وتفسيرها في ضوء الاجتهادات القضائية الدولية ذات الصلة[3].

ويركّز هذا التقرير على تطبيق كلّ من القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان في سياق النزاع القائم. وتستمد هذه القواعد أساسها من المعاهدات الدولية التي صادقت عليها الدول المعنية، فضلًا عن قواعد القانون الدولي العرفي التي تُعدّ ملزمة بوصفها تعبيرًا عن ممارسة عامة مقبولة كقانون[4].

وينطبق القانون الدولي الإنساني في حالات النزاعات المسلحة الدولية، كما هو الحال في النزاع الراهن، حيث يهدف إلى حماية السكان المدنيين والأشخاص الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية، وتنظيم وسائل وأساليب القتال. كما تنطبق قواعده، بحسب طبيعتها، على جميع أطراف النزاع، بما في ذلك الجهات الفاعلة من غير الدول، في حدود ما تقرّه القواعد العرفية والممارسة الدولية[5].

وفي الوقت ذاته، يستمر انطباق القانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك أثناء النزاعات المسلحة، وهو ما أكّدته الاجتهادات القضائية الدولية، لا سيما في حالات الاحتلال أو ممارسة السيطرة الفعلية خارج الإقليم[6].

ويُنظَّم التفاعل بين هذين النظامين القانونيين بموجب مبدأ تخصّص القاعدة القانونية (lex specialis)، بحيث تُطبَّق قواعد القانون الدولي الإنساني بوصفها القواعد الخاصة في حال تعارضها مع قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان. وبعبارة أخرى، نظرًا إلى أن القانون الدولي الإنساني صُمّم خصيصًا للتطبيق في حالات النزاع المسلح، فإنه يُعدّ الإطار القانوني الخاص الذي يُقدَّم عند وجود تعارض معياري[7].

القانون الدولي الإنساني القابل للتطبيق

يتمثل الهدف الأولي للقانون الدولي الإنساني الدولي بتأمين حماية بعض الأشخاص والممتلكات في أوقات النزاعات المسلحة، وهو يسعى إلى تنظيم سير الأعمال القتالية من خلال قواعد تحدّ من استخدام الوسائل (الأسلحة والطرق الحربية) أو تحظر هذا الاستخدام. كما يسعى إلى حماية بعض فئات الناس، لا سيما السكان المدنيين الذين لا يشاركون بشكل مباشر في الأعمال الحربية، والأشخاص الذين توقفوا عن القتال أو الذين لم يعودوا يشاركون في الأعمال الحربية لأسباب مثل الإصابة أو الاعتقال. وهو لا ينطبق على “حالات الاضطرابات الداخلية والتوتر، مثل أعمال الشغب، وأعمال العنف المعزولة والمتقطعة، وأعمال أخرى من طبيعة مماثلة كونها ليست نزاعات مسلحة”، كما ورد في المادة (2) من البروتوكول الثاني لعام 1977 الإضافي لاتفاقيات جنيف المعقودة في 12 آب/أغسطس 1949 والمتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية (البروتوكول II). وترد أكثرية القواعد المطبقة في اتفاقيات جنيف الأربع لعام  1949 [8] ، والبروتوكولين الإضافيين لعامي 1977 و1979 [9]، واتفاقيات لاهاي لعام 1907 والأنظمة الملحقة، والاتفاقيات الخاصة التي ترعى استخدام الأسلحة إلى جانب القانون الدولي العرفي.

إن غياب تعريف واضح للنزاعات المسلحة في قانون المعاهدات يعقّد عملية تصنيف حالة معينة. ولكن من المتفق عليه عمومًا أن النزاع المسلح يتطلب اللجوء إلى القوة المسلحة، ودرجة تنظيم الأطراف المعنية، ومستوى معينًا من حدة العنف. فيما النزاع المسلح ضروري لإطلاق عملية تطبيق القانون الدولي الإنساني، يكون تمييز إضافي بارز في الفرق بين النزاع المسلح الدولي والنزاع المسلح غير الدولي، ما أن معايير القانون الدولي الإنساني القابل للتطبيق تتغير وفقًا للطابع المحدد للنزاع المسلح.

النزاع المسلح الدولي

يتفق المعيار الأساسي لوصف نزاع مسلح دولي بطبيعة أطراف النزاع. النزاع الدولي المسلح يشير عادةً إلى نزاع بين دولتين. وتنص المادة المشتركة 2 من اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 على أن هذه الاتفاقية تطبق على ما يلي: إضافة إلى الأحكام التي يجب أن تطبق في وقت السلم، تطبق هذه الاتفاقية في كافة حالات الحرب المعلنة أو أي نزاع مسلح آخر قد يطرأ بين اثنين أو أكثر من الأطراف المتعاقدة السامية، حتى ولو لم يعترف أحد الأطراف بوجود حالة حرب[10].

حالات الاحتلال: ينطبق القانون الدولي الإنساني أيضًا إلى قواعد محددة متعلقة بحالات الاحتلال، مع أنها قد تكون قائمة من دون\ نزاع مسلح فعلي. وتحدد المادة المشتركة 2 ما يلي: “تطبق هذه الاتفاقية أيضًا على كل حالات الاحتلال الجزئي أو الكلي لأراضي طرف متعاقد، حتى ولو لم يواجه الاحتلال المذكور أية مقاومة مسلحة”. ومع ذلك إن اتفاقيات جنيف لعام 1949 لا تحدد ما هو الاحتلال.

تنص اتفاقية لاهاي 1907 الرابعة على ما يلي: “تُعتبر أرض ما محتلة عندما توضع فعلاً تحت سلطة الجيش المعادي، ويمتد الاحتلال فقط على الأراضي التي أُقيمت فيها هذه السلطة ويمكن أن تُمارس”. وبالتالي فإن الاحتلال العدائي يتطلب وجود قوات أجنبية، وغياب الموافقة على ذلك، وممارسة السلطة على الأراضي المحتلة. ويمكن اعتبار العامل الأساسي هو القدرة على التأكيد على درجة أو مدى السيطرة أو ممارسة السلطة الضرورية لاستنتاج أن أرضًا معينة محتلة.

هكذا فمن المتعارف به أن الشرط المسبق لحالة احتلال عدائي هو عدم موافقة الدولة التي تتعرض أراضيها لوجود قوى أجنبية. أما حالة الاحتلال غير العدائي فتكون قائمة في حالات قيام إدارة عسكرية لأرض أجنبية، ولكن بموافقة حكومة الدولة المعنية. وبالتالي، إذا أعطت دولة ما موافقتها على احتلال ما لكنها لم تحدد هذه الموافقة، كما عندما تطلب الحكومة من السلطات الأجنبية تقديم عون عسكري، فإن هذا لا ينطبق على حالة الاحتلال العدائي. وتنتهي حالة الاحتلال العدائي عندما يكون هناك شكل حقيقي من إعادة السلطة إلى الجهة الأجنبية[11].

النزاع المسلح غير الدولي

يحتوي القانون الدولي الإنساني على قواعد تُطبّق في النزاعات المسلحة غير الدولية، مع أنها أقلّ تطورًا. ويبرز سقفان مختلفان في تحديد القانون القابل للتطبيق في مثل هذه الحالات. السقف الأول هو المادة 3 المشتركة من اتفاقيات جنيف لعام 1949، وهي المادة الوحيدة في تلك المعاهدات التي لها صلة بالنزاعات المسلحة الداخلية، غير أن هذه المادة لا تحدد ما هو النزاع المسلح من هذا النوع. ولكن من المعروف به، كما ورد في تعليقات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أن تلك النزاعات هي “النزاعات المسلحة”، بوجود قوى مسلحة في الجانبين مشاركة في الأعمال العدائية، باختصار، التي تشبه في جوانب متعددة حربًا دولية، ولكنها تحصل ضمن حدود بلد واحد. في حالات كثيرة، يسيطر كل طرف من الأطراف على جزء من الأراضي الوطنية، وغالبًا ما يكون بينها نوع من الجبهة[12]. بالتالي، لا يستلزم تطبيق المادة 3 المشتركة بالضرورة وجود مجموعة مسلحة للسيطرة على أرض معينة.

أما المادة الأولى من البروتوكول 2 فتضع سقفًا أعلى لشروط إمكانية تطبيق هذه المعاهدة[13]. فهي تستلزم شروطًا محددة كالطبيعة المنظمة للمجموعات المسلحة، ووجود قيادة مسؤولة، وكذلك السيطرة على الأراضي. وكذلك، ليس لها مجال التطبيق نفسه كما في المادة 3، إذ إنهما متقاطعتان، طالما أن المادة المشتركة 3 تحتوي على القواعد الدنيا القابلة للتطبيق في أوقات النزاعات المسلحة كافة.

 

النزاع المسلح المرتدي طابعًا دوليًا، النزاع المسلح العابر للحدود، وأنواع مختلفة من النزاعات المسلحة

يستوجب تعقيد المشهد الميداني في لبنان استحضار السيناريوهات القانونية المتعلقة بتكييف النزاعات؛ للمفاضلة بين النزاع المسلح الدولي والنزاع المسلح غير الدولي. وفي حالة النزاع القائم بين إسرائيل وحزب الله، والذي يتخذ شكل مواجهة مسلحة مطولة عابرة للحدود تشنها دولة ضد فاعل من غير الدول ينطلق من أراضي دولة سيادية أخرى، فإن التحليل القانوني الرائد يميل إلى تصنيف هذه الحالة بوصفها نزاعاً مسلحاً غير دولي ذو أبعاد عابرة للحدود. وبناءً عليه، يظل هذا النزاع محكوماً بقواعد القانون الدولي الإنساني المنطبقة على النزاعات غير الدولية، ولا سيما المعايير العرفية والمادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف، بغض النظر عن النطاق الجغرافي للعمليات العسكرية.[14]

المبحث الثاني يتعلق بالنزاعات المسلحة ‘المُدوّلة’؛ حيث يتحول النزاع المسلح غير الدولي إلى نزاع دولي في حال تدخلت دولة ثالثة بقواتها المسلحة مباشرة ضد دولة أخرى، أو مارست ‘سيطرة كلية’ على مجموعات مسلحة تعمل لحسابها ضد الحكومة. ومع ذلك، قد لا يؤثر تدخل دولة أخرى على التصنيف الأساسي للنزاع إذا كان هذا التدخل موجهاً فقط لدعم الحكومة ضد التمرد بناءً على طلبها، ما لم تقع اشتباكات مباشرة بين قوات دولتين. وأخيراً، وكما أرست محكمة العدل الدولية في اجتهاداتها، يمكن أن تنشأ حالات ‘النزاعات المزدوجة’ أو المتزامنة، بحيث يقع نزاع مسلح دولي وآخر غير دولي في آن واحد وعلى الرقعة الجغرافية ذاتها، مما يستوجب إخضاع كل منهما للمنظومة القانونية المناسبة لطبيعته[15].

نهاية تطبيق القانون الدولي الإنساني

يثير إعلان وقف الأعمال العدائية والالتزامات المتعلقة بترتيبات أمنية معززة الصادر في 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 —الهادف إلى التنفيذ الشامل لقرار مجلس الأمن رقم 1701 وترسيخ الاستقرار على طول الخط الأزرق— تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كان هذا الإعلان يمثل الحد الزمني النهائي لتطبيق القانون الدولي الإنساني. إن تحديد لحظة انقضاء نفاذ هذا القانون يتسم بتعقيد يتجاوز مسألة انعقاد سريانه؛ إذ تتعدد المقاربات في نصوص القانون الدولي الإنساني بهذا الشأن. فبينما تحيل اتفاقية جنيف الرابعة إلى معيار ‘انتهاء الأعمال الحربية بوجه عام’ (المادة 6، الفقرة 2) [16]، يتبنى البروتوكول الإضافي الثاني معياراً أكثر شمولاً وهو ‘انتهاء النزاع المسلح’ (المادة 2، الفقرة 2)[17].

سعت الدوائر القضائية في المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة إلى تأطير النطاق الزمني لتطبيق هذا القانون؛ حيث قررت أن القانون الدولي الإنساني يمتد سريانه من لحظة اندلاع النزاع المسلح إلى ما بعد الوقف الفعلي للأعمال العدائية، ولا ينتهي إلا بتحقيق ‘سلام عام’، أو بلوغ ‘تسوية سلمية’ في حالة النزاعات الداخلية[18]. وبناءً على ذلك، فإن مجرد إعلان وقف إطلاق النار أو الدخول في هدنة (سواء كانت مؤقتة أو دائمة) لا يعد مسوغاً لتعطيل نفاذ القانون الدولي الإنساني. وفضلاً عن ذلك، تستمر فاعلية بعض القواعد القانونية حتى بعد التوصل إلى سلام كلي، وذلك لتوفير غطاء حماية للحالات الواقعية الممتدة، كحالة الأشخاص المحرومين من حريتهم، حيث تظل الحماية قائمة حتى الإفراج النهائي عنهم، أو إعادتهم إلى أوطانهم، أو إعادة توطينهم[19].

 

الفصل الصارم بين قانون وقت الحرب وقانون مسوّغات الحرب

يُعد الفصل الجوهري بين قانون منع الحرب (jus ad bellum) والقانون الدولي الإنساني (jus in bello) ركيزةً لا غنى عنها في النظام القانوني الدولي[20]؛ حيث تقع اعتبارات مشروعية اللجوء إلى القوة ، المحكومة بميثاق الأمم المتحدة، خارج نطاق هذا التقرير. ومن ثمَّ، وجب التأكيد على استقلالية القانون الدولي الإنساني في تنظيمه للأعمال العدائية بمجرد اندلاعها، إذ تترتب التزاماته على جميع أطراف النزاع على قدم المساواة، وبصورة مجردة عن أسباب الصراع أو مشروعية استخدام القوة من عدمها.

وينطبق هذا المبدأ بصرامة في سياق هذا التقرير؛ حيث لا يؤثر التكييف المزدوج للنزاع، بوصفه نزاعاً مسلحاً دولياً بين إسرائيل ولبنان من جهة، ونزاعاً مسلحاً غير دولي قائم بالتوازي بين إسرائيل وحزب الله من جهة أخرى، على وحدة الالتزام بالمعايير الإنسانية. نتيجة لذلك، فإن أي تداخل في الأدوار أو تدخل من أطراف ثالثة بموافقة الدولة المضيفة أو عدمها، لا يغير من جوهر الالتزامات القانونية التي تفرضها اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية. فبمجرد بلوغ عتبة النزاع المسلح أو حالة الاحتلال العدائي، تضحى قواعد القانون الدولي الإنساني نافذة بالتساوي وبأثر فوري على كافة الأطراف المنخرطة في العمليات العدائية، بغض النظر عن طبيعة التصنيف القانوني لكل جبهة أو المسوغات السياسية والأخلاقية التي يسوقها أي طرف.

المبادئ والقواعد الجوهرية في ظل القانون الدولي الإنساني

التمييز بين النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية

يستند تطبيق القانون الدولي الإنساني في سياق المواجهة بين إسرائيل وحزب الله إلى طبيعة النزاع وتعدد أطرافه؛ حيث يطرح هذا النزاع إشكالية قانونية مركبة تتمثل في وجود نزاع مسلح دولي ناتج عن المواجهة المباشرة بين سيادات دول، بالتوازي مع نزاع مسلح غير دولي قائم بين دولة وطرف مسلح غير دولي.

وتكتسب هذه التفرقة أهمية استثنائية في هذا التقرير، نظراً للاختلاف الجوهري في النظم القانونية المنطبقة على كل نوع؛ فبينما تحكم القواعد التقليدية الواسعة النزاعات الدولية، تظل القواعد السارية على النزاعات غير الدولية خاضعة لمعايير أقل تفصيلاً في القانون التعاهدي. ومع ذلك، فإن التداخل الميداني في الفترة ما بين 2023 و2026 يفرض تبني مقاربة حديثة تتماشى مع تطور القانون الدولي العرفي، الذي عمل على تضييق الفجوة بين هذين النوعين من النزاعات[21].

وعليه، وبالتوافق مع “النطاق الزمني والموضوعي” لهذا التقرير، فإننا نعتبر أن المعايير الجوهرية للقانون الدولي الإنساني واجبة النفاذ بشكل كامل. ولا يمنع وجود “نزاع مسلح غير دولي” من تطبيق أعلى معايير الحماية القانونية، خاصة وأن الممارسات الدولية والاجتهادات القضائية الأخيرة قد كرّست تطبيق المبادئ الإنسانية الأساسية بشكل موحد على كافة أطراف النزاع، بغض النظر عن تكييفه القانوني أو الأسباب الدافعة لاستخدام القوة.

الأدوات القانونية الأساسية التي صادق عليها لبنان وإسرائيل

خلال الفترة التي يشملها هذا التقرير، كان طرفا النزاع دولتين طرفين في اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، واتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية لعام 1954 وبروتوكولها الأول. وفي حين انضم لبنان إلى البروتوكولين الإضافيين لعام 1977 في عام 1997، فإن إسرائيل لم تنضم إلى أي منهما[22].

وعلى الرغم من وجود تمايزات جوهرية بين القواعد الناظمة للنزاعات المسلحة الدولية وتلك المنطبقة على النزاعات المسلحة غير الدولية، إلا أن ثمة قواعد محورية في القانون الدولي الإنساني تنطبق على كلا نوعي النزاع؛ إذ تُصنف هذه القواعد ضمن المبادئ والمعايير التي تحكم سير العمليات العدائية وكيفية معاملة الأشخاص. وتتمثل الركائز الأساسية لهذه المنظومة في حظر استهداف المدنيين والأعيان المدنية، ومبدأ التمييز، والمبدأ العام الذي يقضي بأن حق أطراف النزاع في اختيار أساليب ووسائل القتال ليس حقاً مطلقاً[23].

يقضي القانون الدولي الإنساني بوجوب تمييز أطراف النزاع -في جميع الأوقات- بين المقاتلين والمدنيين، وبين الأعيان العسكرية والأعيان المدنية؛ بحيث لا تُوجّه العمليات الحربية إلا نحو المقاتلين والأهداف العسكرية حصراً[24]. ولا يفقد المدنيون حصانتهم ضد الهجمات المباشرة إلا في حالة قيامهم بمشاركة مباشرة في الأعمال العدائية، وطوال مدة تلك المشاركة فحسب[25].

وفيما يتعلق بتعريف الأهداف، يحدد القانون الدولي الإنساني “الأعيان العسكرية” بأنها تلك التي تسهم مساهمة فعالة في العمل العسكري، سواء كان ذلك بحكم طبيعتها، أو موقعها، أو غرضها، أو استخدامها، والتي يحقق تدميرها الكلي أو الجزئي، أو الاستيلاء عليها، أو تعطيلها في الظروف السائدة آنذاك، ميزة عسكرية مؤكدة. أما الأعيان المدنية، فهي كافة الأعيان التي لا تصنف كأهداف عسكرية؛ حيث تتمتع الأعيان المدنية (مثل المساكن والمدارس) بحماية خاصة ضد الهجمات، ولا تسقط عنها هذه الحماية إلا إذا استُخدمت للمساهمة في المجهود العسكري، ويقتصر ذلك السقوط على الفترة الزمنية التي يستغرقها هذا الاستخدام[26].

إعمالاً لمبدأ التمييز، يحظر القانون الدولي الإنساني الهجمات العشوائية (غير المميزة)، والتي تُصنف إلى ثلاث فئات رئيسية:

(أ) الهجمات التي لا تُوجه إلى هدف عسكري محدد.

(ب) الهجمات التي تُستخدم فيها أساليب أو وسائل قتال لا يمكن توجيهها إلى هدف عسكري محدد.

(ج) الهجمات التي تُستخدم فيها أساليب أو وسائل قتال لا يمكن حصر آثارها على النحو الذي يتطلبه القانون الدولي الإنساني؛ ومن ثمَّ، فإنها تضرب الأهداف العسكرية والأشخاص المدنيين أو الأعيان المدنية دون تمييز في كل حالة من تلك الحالات[27].

ومن بين صور الهجمات العشوائية المحظورة، ما يُعرف بـ “الهجمات المساحية”؛ وهي الهجمات التي تُشن -بأي وسيلة أو أسلوب- وتعالج عدداً من الأهداف العسكرية المنفصلة والواضحة كهدف عسكري واحد، طالما كانت هذه الأهداف واقعة في مدينة أو بلدة أو قرية أو أي منطقة أخرى تضم تمركزاً مماثلاً للمدنيين أو الأعيان المدنية[28].

حتى في الحالات التي يُوجه فيها الهجوم نحو هدف عسكري مشروع، فإن القانون الدولي الإنساني يحظر ذلك الهجوم باعتباره هجوماً عشوائياً إذا كان من المتوقع أن يتسبب عرضاً في خسائر في أرواح المدنيين، أو إصابات بينهم، أو أضرار بالأعيان المدنية (أو مزيج من ذلك)، بشكل يفرط في تجاوزه الميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة من الهجوم؛ وتُعرف هذه الهجمات بـ “الهجمات غير المتناسبة”[29]. ويُعد تحديد “التناسب” من أكثر جوانب القانون الدولي الإنساني تعقيداً، إذ يستلزم تقييماً موضوعياً لظروف القتال؛ حيث يجب ألا تتحول عملية تطبيق هذه المعايير إلى مراجعة للقرارات القيادية بعد فوات الأوان (Ex post facto)، بل يجب أن تستند إلى تقييم مجمل الظروف والمعلومات التي كانت متاحة للقادة وقت اتخاذ القرار لتقدير شرعية أعمالهم[30].

وبالإضافة إلى الالتزام باستهداف المقاتلين والأهداف العسكرية ومراعاة مبدأ التناسب، يقع على عاتق أطراف النزاع التزام باتخاذ سلسلة من الاحتياطات أثناء الهجوم. وترتكز هذه الاحتياطات -المقننة في المادة 57 من البروتوكول الإضافي الأول- على المبدأ الجوهري القائل بوجوب إدارة العمليات العسكرية بحرص دائم على تجنيب السكان المدنيين والأعيان المدنية آثار القتال. كما يجب اتخاذ كافة الاحتياطات الممكنة واقعياً لتجنب إيقاع خسائر عرضية في أرواح المدنيين أو إصابتهم أو إلحاق أضرار بالأعيان المدنية، وتقليلها إلى أدنى حد في حال تعذر تجنبها. وتشمل هذه التدابير بذل كل جهد مستطاع للتحقق من أن الأهداف المزمع مهاجمتها هي أهداف عسكرية وليست أشخاصاً أو أعياناً مدنية، فضلاً عن توجيه “تحذير مسبق وفعال” قبل الهجمات التي قد تمس السكان المدنيين، ما لم تحل الظروف دون ذلك[31]. وأخيراً، يتضمن القانون الدولي الإنساني جملة من المبادئ والقواعد الخاصة التي تحكم استخدام أنواع معينة من الأسلحة.

على الرغم من عدم انطباق كافة القواعد التفصيلية الواردة في البروتوكول الإضافي الأول (الخاص بالنزاعات الدولية) على النزاعات المسلحة غير الدولية، إلا أن المبادئ الجوهرية التي تستند إليها تلك القواعد تظل واجبة النفاذ في كلا النوعين. كما يشتمل القانون الدولي الإنساني على حزمة من القواعد المتعلقة بـ “الضمانات الأساسية” ومعاملة الأشخاص، والتي تتضمن حظراً مطلقاً للتعذيب، ولكافة أشكال المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، فضلاً عن حظر الاغتصاب والعنف الجنسي، وضمان المعاملة الإنسانية للمحتجزين والمحرومين من حريتهم[32].

وتستعرض القائمة التالية أبرز الأفعال المحظورة في النزاعات المسلحة (الدولية وغير الدولية على حد سواء)، وفقاً لإطار القانون الدولي الإنساني المنطبق على الحالة في لبنان، استناداً إلى المعاهدات ذات الصلة والقواعد العرفية (اتفاقيات جنيف؛ البروتوكولات الإضافية؛ نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية؛ ودراسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر للقانون الدولي الإنساني العرفي)[33].

الاعتداء على حياة الأشخاص، ولا سيما القتل بجميع أشكاله: يُحظر الاعتداء على الحياة بموجب المادة الثالثة المشتركة (1)(أ) لاتفاقيات جنيف الأربع، والمواد 50 من الاتفاقية الأولى، و51 من الاتفاقية الثانية، و130 من الاتفاقية الثالثة، و147 من الاتفاقية الرابعة، والمادة 75 (2) من البروتوكول الإضافي الأول، والمادة 4 (2)(أ) من البروتوكول الإضافي الثاني، والمادة 8 (2)(أ)(i) و8 (2)(ج)(i) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والقاعدة 89 من دراسة القانون الدولي الإنساني العرفي (CIHL).

الاعتداء على السلامة البدنية، ولا سيما التشويه، والمعاملة القاسية، والتعذيب: يُحظر الاعتداء على السلامة البدنية بكافة صوره بموجب المادة الثالثة المشتركة (1)(أ) لاتفاقيات جنيف الأربع، والمواد 50 من الاتفاقية الأولى، و51 من الاتفاقية الثانية، و130 من الاتفاقية الثالثة، و147 من الاتفاقية الرابعة، والمادة 75 (2) من البروتوكول الإضافي الأول، والمادة 4 (2)(أ) من البروتوكول الإضافي الثاني، والمادة 8 (2)(أ)(ii) و8 (2)(ج)(i) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والقواعد من 90 إلى 92 من دراسة القانون الدولي الإنساني العرفي (CIHL).

الاغتصاب، والاستعباد الجنسي، وكافة أشكال العنف الجنسي: يُحظر ارتكاب هذه الأفعال بموجب المادة الثالثة المشتركة (1)(ج) لاتفاقيات جنيف الأربع، والمادة 27 (2) من اتفاقية جنيف الرابعة، والمادتين 75 (2)(ب) و76 (1) من البروتوكول الإضافي الأول، والمادة 4 (2)(د) و(هـ) من البروتوكول الإضافي الثاني، والمادة 8 (2)(ب)(xxii) و8 (2)(هـ)(vi) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والقاعدة 93 من دراسة القانون الدولي الإنساني العرفي (CIHL).

الهجمات المباشرة والمتعمدة ضد المدنيين: يُحظر توجيه هجمات مقصودة ضد السكان المدنيين بصفتهم هذه، أو ضد مدنيين أفراد لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية، وذلك بموجب المادة 85 (3)(أ) من البروتوكول الإضافي الأول، والمادة 13 (2) من البروتوكول الإضافي الثاني، والمادة 8 (2)(ب)(i) و8 (2)(هـ)(i) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والقاعدة الأولى من دراسة القانون الدولي الإنساني العرفي (CIHL).

الهجمات العشوائية أو الهجمات التي تُشن مع العلم بأنها ستتسبب في خسائر غير متناسبة بين المدنيين: يُحظر شن هجمات غير مميزة (عشوائية) أو هجمات يُتوقع منها إيقاع خسائر عرضية في أرواح المدنيين، أو إصابات في صفوفهم، أو أضرار بالأعيان المدنية، بما يتجاوز الميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة، وذلك بموجب المادتين 85 (3)(ب) و51 (5)(ب) من البروتوكول الإضافي الأول، والمادة 8 (2)(ب)(iv) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والقاعدة 14 من دراسة القانون الدولي الإنساني العرفي (CIHL).

الهجمات التي تهدف أساساً إلى نشر الرعب في صفوف السكان المدنيين: يُحظر القيام بأعمال العنف أو التهديد بها والتي يكون غرضها الأساسي بث الذعر بين المدنيين، وذلك بموجب المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة، والمادة 51 (2) من البروتوكول الإضافي الأول، والمادتين 4 (2)(د) و13 (2) من البروتوكول الإضافي الثاني، والقاعدة الثانية من دراسة القانون الدولي الإنساني العرفي (CIHL).

الهجمات المباشرة والمتعمدة ضد الأفراد أو المنشآت أو المواد أو الوحدات أو المركبات المستخدمة في مهام المساعدة الإنسانية أو بعثات حفظ السلام: يُحظر توجيه هجمات ضد المشاركين في مهام المساعدة الإنسانية أو حفظ السلام وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، طالما كانوا يستحقون الحماية التي يتمتع بها المدنيون بموجب القانون الدولي الإنساني، وذلك بموجب المادة 71 (2) من البروتوكول الإضافي الأول، والمادتين 9 و11 (1) من البروتوكول الإضافي الثاني، والمادتين 7 (1) و9 من اتفاقية سلامة موظفي الأمم المتحدة والأفراد المرتبطين بها لعام 1994، والمادة 8 (2)(ب)(iii) و8 (2)(هـ)(iii) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والقواعد 31 و32 و33 من دراسة القانون الدولي الإنساني العرفي (CIHL).

عمليات التشريد القسري للسكان: يُحظر النقل الجبري للسكان أو ترحيلهم داخل الأرض المحتلة أو خارجها، كما يُحظر تشريد السكان المدنيين في النزاعات غير الدولية لأسباب تتعلق بالنزاع ما لم يتطلب ذلك أمنهم أو أسباب عسكرية ملحة، وذلك بموجب المادة 147 من اتفاقية جنيف الرابعة، والمادة 85 (4)(أ) من البروتوكول الإضافي الأول، والمادة 17 (1) من البروتوكول الإضافي الثاني، والمادة 8 (2)(ب)(viii) و8 (2)(هـ)(viii) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والقاعدتين 129 و130 من دراسة القانون الدولي الإنساني العرفي (CIHL).

الهجمات المباشرة والمتعمدة ضد الأعيان المدنية (أي الأعيان التي لا تُعد أهدافاً عسكرية): يُحظر توجيه هجمات مقصودة ضد الأعيان والممتلكات المدنية التي لا تساهم مساهمة فعالة في العمل العسكري، وذلك بموجب المادة 52 (1) من البروتوكول الإضافي الأول، والمادة 8 (2)(ب)(ii) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والقاعدتين السابعة والعاشرة من دراسة القانون الدولي الإنساني العرفي (CIHL).

القانون الدولي لحقوق الإنسان القابل للتطبيق

نظراً للتداخل المعقّد بين النزاع المسلح الدولي القائم والنزاع المسلح غير الدولي الموازي له، وما يرافقهما من اضطرابات أمنية وحالات اختطاف وإخفاء قسري في سياق الأعمال العدائية الجارية؛ فإن القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان ينطبقان معاً بصفتهما إطارين قانونيين متكاملين. ويوفّر هذا التداخل حماية معززة للأشخاص والأعيان، حيث تضمن هذه القواعد سد أي ثغرات قانونية قد تنشأ عن الطبيعة المركّبة للنزاع، مما يكفل استمرارية الحماية القانونية للمتأثرين بالعمليات العسكرية بغض النظر عن توصيف الفعل أو الجهة الفاعلة.”

على الرغم من إجازة معاهدات القانون الدولي لحقوق الإنسان للدول الأطراف إمكانية التحلل المؤقت (Derogation) من بعض التزاماتها في حالات الطوارئ الاستثنائية، إلا أن هذا الحق ليس مطلقاً؛ إذ تحدد المادة الرابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية قائمة حصرية بالحقوق التي لا تقبل التقييد أو الاستثناء تحت أي ظرف كان، ويجب احترامها في كافّة الأوقات، بما في ذلك حالات النزاع المسلح. وتشمل هذه الحقوق غير القابلة للاشتقاق: الحق في الحياة، وحظر التعذيب أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وحظر العبودية والرق والاتجار بالرقيق، بالإضافة إلى حرية الفكر والوجدان والدين. كما يُشترط في أي إجراءات استثنائية تُتخذ لتقييد الحقوق الأخرى ألا تنطوي على أي تمييز يقوم حصراً على أساس العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الأصل الاجتماعي[34].

حددت لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة عناصر إضافية في العهد الدولي لا تجوز مخالفتها أو التحلل منها بموجب المادة الرابعة، ومنها: حق كافة المحرومين من حريتهم في معاملة إنسانية تحترم الكرامة المتأصلة في الشخص الإنساني؛ والحظر المطلق لأخذ الرهائن، أو الاختطاف، أو الاحتجاز غير المشروع (سواء كان سرياً أو غير معترف به). كما تشمل هذه العناصر حماية حقوق الأقليات، وحظر الترحيل القسري أو النقل الجبري للسكان، بالإضافة إلى حظر الدعاية للحرب أو التحريض على الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية التي تشكل دعوة للتمييز أو العدائية أو العنف. وحيث إن هذا التقرير يركز على الانتهاكات الجسيمة المرتكبة في لبنان، فإن معظم الأفعال الموثقة تندرج ضمن فئة الحقوق غير القابلة للاشتقاق، والتي لا يجوز تقييدها تحت أي ذريعة أو ظرف استثنائي.

ومن الأهمية بمكان التأكيد في هذا السياق على استقرار الفقه والقضاء الدوليين بشأن انطباق التزامات القانون الدولي لحقوق الإنسان على الدول خارج أراضيها الإقليمية، متى مارست تلك الدول سيطرة فعلية على مناطق خارج حدودها وكان سكانها خاضعين لولايتها[35]. ويشمل ذلك حالات الاحتلال العسكري[36]؛ وعليه، طالما أن إسرائيل تمارس سيطرة فعلية على أجزاء من الأراضي اللبنانية، سواء عبر الاحتلال المباشر أو من خلال التذرع بمسألة ترسيم الحدود بينها وبين سوريا كما هو الحال في مزارع شبعا، فإنها تظل ملزمة بالمعايير الأساسية للقانون الدولي لحقوق الإنسان تجاه السكان القاطنين في هذه المناطق أو المتأثرين بسلطتها فيها.

الإطار القانوني الدولي والالتزامات التعاقدية للأطراف

  1. الالتزامات المنبثقة عن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR): تخضع كل من الجمهورية اللبنانية ودولة إسرائيل لأحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 كونهما دولتين طرفين؛ حيث انضم إليه لبنان في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 1972، بينما صدقت عليه إسرائيل في 3 تشرين الأول/أكتوبر 1991. وبموجب هذا العهد، تلتزم الأطراف باحترام وضمان الحقوق الأساسية (كالحق في الحياة والسلامة الجسدية) لجميع الأشخاص الخاضعين لولايتها أو سيطرتها الفعلية، دون تمييز.
  2. حظر التعذيب والآليات الوقائية (CAT & OPCAT): أقرت الدولتان بالطبيعة الآمرة لحظر التعذيب من خلال التصديق على “اتفاقية مناهضة التعذيب” (CAT) لعام 1984؛ حيث صدقت عليها إسرائيل في 3 تشرين الأول/أكتوبر 1991، وانضم إليها لبنان في 5 تشرين الأول/أكتوبر 2000. ويتميز الموقف القانوني للبنان بانضمامه الإضافي إلى البروتوكول الاختياري للاتفاقية (OPCAT) في 22 كانون الأول/ديسمبر 2008، مما يفرض عليه التزامات إضافية بإنشاء آليات رقابية مستقلة لزيارة أماكن الاحتجاز ومنع الانتهاكات.
  3. الحماية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية: إلى جانب الحقوق المدنية، تلتزم الدولتان ببنود العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (ICESCR) منذ عام 1972 (لبنان) وعام 1991 (إسرائيل). ويشمل هذا الالتزام ضمان الحد الأدنى من الحقوق المعيشية، بما في ذلك الحق في الصحة والتعليم، وهي حقوق تظل مكفولة حتى في حالات الطوارئ والنزاعات المسلحة.
  4. الحماية الفئوية (حقوق الطفل، المرأة، والأشخاص ذوي الإعاقة): يتسع نطاق المساءلة القانونية ليشمل الاتفاقيات المتخصصة التي صادق عليها الطرفان، وأهمها اتفاقية حقوق الطفل (CRC) التي صدقت عليها الدولتان في عام 1991، واتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة (CEDAW)، وصولاً إلى اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD) التي تعد إسرائيل طرفاً فيها منذ 2012 ولبنان منذ شباط/فبراير 2023.
  5. انطباق معايير حقوق الإنسان في زمن النزاع والاحتلال: استناداً إلى السوابق القضائية الدولية، ولا سيما الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن “النتائج القانونية لبناء جدار في الأرض الفلسطينية المحتلة” (2004)، وتحديداً الفقرات (111-113) منه، فإن هذه الاتفاقيات تظل سارية المفعول وبشكل متوازٍ مع القانون الدولي الإنساني. إن معيار “السيطرة الفعلية” (Effective Control) هو الذي يحدد نطاق انطباق هذه المعاهدات؛ فالدولة ملزمة قانوناً بحماية حقوق الإنسان في أي إقليم تمارس فيه سلطتها العسكرية أو الإدارية، سواء كان ذلك داخل حدودها المعترف بها أو خارجها.

 

التعريف القانوني للانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان

جرائم الحرب

يُقصد بمصطلح ‘جرائم الحرب’ الانتهاكات الجسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني المرتكبة إبان النزاعات المسلحة، سواء كانت ذات طابع دولي أو غير دولي. وتكتسب هذه الانتهاكات صبغتها الجرمية بموجب الصكوك الدولية الناظمة لحالات النزاع؛ حيث تتبنى المادة الثامنة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية هذا التوصيف الجامع، مع التمييز الإجرائي بين الانتهاكات الجسيمة للمادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع، وبين الانتهاكات الخطيرة الأخرى للقوانين والأعراف السارية في المنازعات المسلحة غير الدولية[37]. ويُعد نظام روما الأساسي المرجعية القانونية الأحدث في هذا السياق، إذ لا يزال يُكرس التمايز المعياري بين طبيعة النزاعين، نظراً لأن قائمة الأفعال المجرمة في سياق النزاعات المسلحة غير الدولية تظل أقل شمولاً من نظيرتها المقررة للنزاعات الدولية.”

على الرغم من أن تجريم جرائم الحرب المرتكبة في النزاعات المسلحة غير الدولية يُعد تطوراً قانونياً حديثاً نسبياً — لا سيما فيما يتعلق بتقرير المسؤولية الجنائية الفردية لمرتكبيها — إلا أن طبيعتها الجوهرية تظل متطابقة مع جرائم الحرب المرتكبة في النزاعات الدولية، كونها تشمل الانتهاكات الأكثر جسامة للمادة الثالثة المشتركة. وتستمد هذه الجرائم مرجعيتها الأساسية من اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكوليها الإضافيين لعام 1977، حيث تشمل ‘الانتهاكات الجسيمة’ وغيرها من الخروقات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني، سواء ارتكبت في سياق نزاع مسلح دولي أو غير دولي.

وبوجه عام، يتطلب تكييف الفعل بوصفه جريمة حرب استيفاء أربعة أركان جوهرية:

  1. الركن المادي (السلوك الإجرامي): ارتكاب فعل محظور (كالقتل العمد، أو إلحاق ضرر بدني بليغ، أو الاغتصاب).
  2. الفئة المحمية: أن يقع الفعل ضد أشخاص محميين (كالمدنيين، أو العسكريين العاجزين عن القتال) أو أعيان محمية بموجب القانون الدولي الإنساني.
  3. السياق العام (النزاع المسلح): وقوع الفعل في إطار نزاع مسلح قائم.
  4. الارتباط السببي (الصلة بالنزاع): وجود علاقة وثيقة بين الفعل والنزاع المسلح، بحيث يُرتكب الفعل كجزء من الأعمال العدائية، أو في إطار الاحتلال، أو أن يكون النزاع قد لعب دوراً جوهرياً في تيسير ارتكاب الجريمة.”

الجرائم ضدّ الإنسانية

شهد مفهوم ‘الجرائم ضد الإنسانية’ تطوراً معيارياً دقيقاً منذ تبلوره الأول في نظام المحكمة العسكرية الدولية (نورمبرغ) عام 1945. وقد حددت المادة (7) من نظام روما الأساسي اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بنظر هذه الجرائم، حيث أوردت قائمة حصرية تضم أحد عشر فعلاً جرمياً (كالقتل العمد، والاغتصاب، والأفعال اللاإنسانية الأخرى)، والتي تُكيف بوصفها جرائم ضد الإنسانية متى ارتكبت في إطار ‘هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد مجموعة من السكان المدنيين، وعن علم بهذا الهجوم’.

وتُعد صيرورة هذه الجرائم في القانون الدولي العرفي مساراً معقداً؛ فبموجب نظام روما الأساسي — وما استقر عليه العرف الدولي منذ منتصف القرن العشرين — لم يعد ارتباط الجريمة بنزاع مسلح شرطاً لازماً لانعقادها. ومع ذلك، يظل تحديد الأحكام العرفية واجبة التطبيق على الانتهاكات التي تشملها الفترة الزمنية التي حددها التقرير وقت وقوعها مسألة تتطلب دقة تحليلية. ولأغراض هذا التقرير، يُتخذ تعريف نظام روما الأساسي كإطار مرجعي، مع مراعاة أن التحليل المعمق قد يكشف عن تمايزات طفيفة في عناصر الجريمة وفقاً للمراحل الزمنية السابقة[38].

وبناءً على ذلك، يمكن استخلاص ثلاثة أركان تراكمية لتعريف الجريمة ضد الإنسانية:

  1. الركن المادي (السلوك الإجرامي): وقوع فعل أو سلسلة من الأفعال المحظورة (كالقتل، أو الاغتصاب، أو إلحاق ضرر جسيم بالسلامة البدنية أو الصحية).
  2. السياق (السياسة التنظيمية): أن يُرتكب الفعل في إطار هجوم يتسم بكونه واسع النطاق (من حيث عدد الضحايا أو النطاق الجغرافي) أو منهجياً (وفق خطة أو سياسة محددة).
  3. الفئة المستهدفة: أن يكون الهجوم موجهاً ضد سكان مدنيين بصفة أساسية.”

انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني

ارتُكبت معظم الانتهاكات في سياق النزاع المسلح بين إسرائيل وحزب الله، إلا أن بعضها وقع في الفترة التي أعلن فيها عن وقف الأعمال العدائية، كما هو الحال في بعض موجات الاغتيالات المستهدفة وحالات الإخفاء القسري. إن القيود المتصلة بتحديد المسؤولية الجنائية الفردية بموجب القانون الدولي يجب ألا تحجب خطورة هذه الأفعال أو تخفف من وطأة الصدمة التي تسببها، باعتبارها جزءاً من سياق النزاع القائم.

وعلى الرغم من تعذر حصر كافة الحالات الفردية لانتهاكات حقوق الإنسان في هذا التقرير، إلا أنه يمكن الجزم بأن مئات الحوادث تصنف كانتهاكات جسيمة. وتتركز الانتهاكات الأكثر شيوعاً حول المساس بالحق في الحياة، والحق في الحرية والأمان الشخصي، فضلاً عن خرق حظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

الحق في الحياة

يُعد ‘الحق في الحياة’ حقاً جوهرياً غير قابل للتقييد أو الاستثناء (Non-derogable right)، وقد كُرست قدسيته في سائر المواثيق الدولية الأساسية لحقوق الإنسان. وبموجب المادة (6) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، يُعتبر الحق في الحياة حقاً ملازماً لكل إنسان، يلتزم القانون بحمايته، ويُحظر بموجبه حرمان أي شخص من حياته تعسفاً.

ووفقاً لمقتضيات القانون الدولي لحقوق الإنسان، يُحظر على الدولة اللجوء إلى استخدام القوة الفتاكة إلا في حالات الضرورة القصوى التي لا يمكن درؤها بوسائل أخرى، شريطة التقيد الصارم بمبدأ التناسب؛ بحيث لا يُستخدم من القوة إلا القدر الكافي لردء الخطر القائم. كما يقع على عاتق الدولة التزام قانوني ببذل أقصى الجهود لتنفيذ عمليات التوقيف والاعتقال كلما كان ذلك متاحاً، تجنباً لإزهاق الأرواح.

التعذيب

علاوةً على توصيف التعذيب كجريمة ضد الإنسانية متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي، فإنه يمثل انتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان الأساسية. ويتمتع حظر التعذيب بصفة الإطلاق، فهو حق غير قابل للاستثناء (Non-derogable) في منظومتي القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني على حد سواء. كما يُصنف هذا الحظر ضمن القواعد الآمرة (Jus Cogens) في القانون الدولي العرفي، والتي لا يجوز المجاهرة بمخالفتها تحت أي ظرف. وتتضافر الصكوك الدولية في تكريس هذا الحظر، وفي مقدمتها: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بالإضافة إلى اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

الاعتقال التعسفي

بموجب أحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما المادة (9) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، يُكرس لكل فرد الحق في الحرية وفي الأمان على شخصه. ويقضي هذا النص صراحةً بـ حظر الاحتجاز أو الاعتقال التعسفي؛ فلا يجوز حرمان أي فرد من حريته إلا بناءً على أسباب قانونية مشروعة ووفقاً للإجراءات المقررة قانوناً. ويتطلب ذلك التزام الدولة بـ مبدأ المشروعية الإجرائية، بحيث يكون أي سلب للحرية مستنداً إلى نص قانوني نافذ ومتوافقاً مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة.

الإخفاء القسري

تُشكّل الضمانات الواردة في المادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (الذي انضم إليه لبنان في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 1972) حجر الزاوية في حماية الفرد من التعسف، حيث تنص على أن “لكل فرد حقاً في الحرية وفي الأمان على شخصه”، وتحظر حرمانه منها إلا وفق أسباب وإجراءات ينص عليها القانون. وفي سياق النزاع المسلح بين إسرائيل وحزب الله، تكتسب هذه المادة أهمية قصوى؛ إذ أكدت لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة أن الحق في الطعن في قانونية الاحتجاز (Habeas Corpus) هو حق غير قابل للتعطيل، وينطبق على كافة أشكال الحرمان من الحرية، بما في ذلك الاحتجاز العسكري، أو الأمني، أو ذلك المتذرع به لمكافحة الإرهاب، بغض النظر عن طبيعة النزاع.

ويتصل بذلك حظر الاختفاء القسري الذي كرسته الاتفاقية الدولية لعام 2006، والتي وضعت قاعدة قطعية مفادها أنه “لا يجوز التذرع بأي ظرف استثنائي كان، سواء تعلق الأمر بحالة حرب أو التهديد باندلاع حرب… لتبرير الاختفاء القسري”. وبالرغم من أن الاتفاقية دخلت حيز التنفيذ عام 2010، إلا أن حظر الإخفاء القسري يعد جزءاً من القانون الدولي العرفي القائم قبل ذلك التاريخ، بوصفه انتهاكاً مركباً للحق في الحرية والأمان والمحاكمة العادلة[39].

وعلاوة على ذلك، يُصنف الإخفاء القسري، على غرار التعذيب، بكونه جريمة ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي، متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد سكان مدنيين. ويشمل التعريف القانوني الحديث لهذه الجريمة أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية يتم على أيدي موظفي الدولة، أو قوى فاعلة تتصرف بإذنها أو دعمها (بما يشمل الجماعات المسلحة التي تعمل تحت غطاء أو بتفويض واقعي)، ويتبعه رفض للاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصيره، مما يضعه فعلياً خارج حماية القانون.

التوصيف القانوني للنزاعات والانتهاكات في السياق اللبناني

شهد مفهوم الجرائم الدولية تطوراً معيارياً دقيقاً منذ تبلوره الأول في نظام محكمة “نورمبرغ” عام 1945، وصولاً إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية[40]. ويُعد الحق في الحياة حجر الزاوية في هذه المنظومة، كونه حقاً أصيلاً وملازماً للإنسان وغير قابل للاستثناء بموجب المادة (6) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية[41]، الذي يحظر الحرمان من الحياة تعسفاً ويقيد لجوء الدولة للقوة الفتاكة بمبادئ الضرورة القصوى والتناسب، مع الالتزام بتفضيل خيارات التوقيف والاعتقال القانوني كلما أمكن ذلك[42].

وفي السياق اللبناني، تعتبر الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان أن النزاعات القائمة بين إسرائيل ولبنان تُشكل نزاعاً مسلحاً دولياً، يتزامن معه نزاع مسلح غير دولي نظراً لانخراط جهة فاعلة منظمة من غير الدول، وهي “حزب الله”، في الأعمال العدائية. وتخضع هذه النزاعات بالحد الأدنى لأحكام المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكوليها الإضافيين لعام 1977 [43]، والتي تجرّم الانتهاكات الجسيمة المرتكبة إبان العمليات الحربية. أما الحوادث التي تقع خارج إطار النزاع المسلح، فتظل محكومة بالقانون الدولي لحقوق الإنسان، الذي يضمن الحق في الحرية والأمان على الشخص ويحظر الاعتقال التعسفي بموجب المادة (9) من العهد الدولي، مؤكداً ضرورة استناد أي سلب للحرية إلى أسس وإجراءات قانونية مشروعة.

وبالنظر إلى المسار التاريخي، فقد صنفت لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة حرب العام 2006 كنزاع مسلح دولي، نظراً للاستهداف الممنهج للبنى التحتية اللبنانية[44]. وقد استمر هذا التكييف وتوسع خلال الفترة ما بين 2023 و 2026، حيث تُصنف التدخلات العسكرية الإسرائيلية المكثفة والسيطرة الفعلية على أجزاء من الأراضي اللبنانية كنزاع دولي وحالات احتلال حربي[45]. وفي هذا الإطار، يبرز التعذيب كأحد أخطر الانتهاكات المحظورة مطلقاً بصفته قاعدة آمرة في القانون الدولي العرفي، حيث يُكيف كجريمة ضد الإنسانية متى ارتكب كجزء من هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد سكان مدنيين[46].

ووفقاً للمعايير القانونية المستقرة حتى عام 2026، يتطلب إثبات حدوث “جريمة حرب” توافر أركان أساسية تشمل: وقوع فعل محظور، وأن يكون موجهاً ضد فئات محمية، وأن يتم في سياق نزاع مسلح وبوجود صلة وثيقة بالأعمال العدائية أو الاحتلال[47]. ومع تطور القانون الدولي العرفي، استقر التوجه على عدم اشتراط ارتباط الجرائم ضد الإنسانية بنزاع مسلح، وهو ما يمنح نظام روما الأساسي مرجعية حديثة لتحديد المسؤولية الجنائية الفردية عن الانتهاكات الجسيمة، مع مراعاة التمايز المعياري القائم في رصد حجم الأفعال المجرمة بين النزاعات الدولية وتلك غير الدولية.

التوصيات

تُعد هذه التوصيات خارطة طريق قانونية وحقوقية، صاغتها الهيئة بناءً على الرصد الميداني والتحليل المعمق للأعمال العدائية والانتهاكات الموثقة بين عامي 2023 و 2026. وهي تهدف في جوهرها إلى الانتقال من مرحلة توصيف الجرائم إلى مرحلة إرساء قواعد المحاسبة والوقاية، انطلاقاً من المبادئ الآمرة للقانون الدولي التي لا تقبل التجزئة أو المفاضلة.

إن الغاية من هذه المقترحات هي تذكير كافة الأطراف والفاعلين الدوليين والمؤسسات الوطنية بأن الحماية القانونية للمدنيين ليست خياراً سياسياً بل التزاماً تعاقدياً وأخلاقياً يسمو فوق ضرورات الحرب. وتضع الهيئة هذه التوصيات برسم المجتمع الدولي والحكومة اللبنانية لتشكل أساساً لآليات العدالة الانتقالية، وضماناً لعدم الإفلات من العقاب، وصوناً للحقوق الأصيلة التي كفلتها المواثيق الدولية لكل إنسان على الأراضي اللبنانية.

أولاً: توصيات موجهة إلى أطراف النزاع

  1. الالتزام المطلق بمبدأ التمييز: يجب على كافة الأطراف المنخرطة في الأعمال العدائية التمييز، في جميع الأوقات، بين السكان المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية. ويشمل ذلك الوقف الفوري للهجمات المساحية في المناطق المأهولة بالسكان، والامتناع عن استخدام الأسلحة ذات الآثار العشوائية واسعة النطاق.
  2. إعمال مبدأ التناسب والاحتياط: يتوجب على القادة العسكريين والمخططين مراجعة أهدافهم بدقة لضمان أن الميزة العسكرية المباشرة لا تفرط في تجاوز الأضرار الجانبية المتوقعة بين المدنيين. كما يجب توفير تحذيرات مسبقة وفعالة قبل الهجمات، ومنح المدنيين وقتاً كافياً ومسارات آمنة للإخلاء دون تعرضهم للاستهداف أو التهجير القسري.
  3. كفالة الحماية للأعيان المشمولة بحماية خاصة: يجب الاحترام الكامل لحرمة المستشفيات، المراكز الصحية، المدارس، دور العبادة، ومراكز الدفاع المدني والفرق الإسعافية. إن استهداف الطواقم الطبية أو إعاقة عملها يمثل خرقاً جسيماً لاتفاقية جنيف الرابعة ويجب أن يتوقف فوراً.

ثانياً: توصيات موجهة إلى الحكومة اللبنانية

  1. تفعيل المسار القضائي الدولي: توصي الهيئة الحكومة اللبنانية بضرورة إيداع إعلان لدى المحكمة الجنائية الدولية بموجب المادة 12(3) من نظام روما الأساسي، بقبول اختصاص المحكمة بالتحقيق في الجرائم المرتكبة على الأراضي اللبنانية منذ 8 أكتوبر 2023، لضمان عدم الإفلات من العقاب ومحاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
  2. تعزيز دور الهيئات الرقابية الوطنية: يجب على السلطات اللبنانية تقديم الدعم الكامل للهيئة الوطنية لحقوق الإنسان (لجنة الوقاية من التعذيب) لتمكينها من ممارسة صلاحياتها في رصد مراكز الاحتجاز، والتحقيق في حالات الاختفاء القسري، وتوثيق إفادات الضحايا والنازحين، وتوفير الحماية القانونية والمادية للشهود.
  3. مواءمة التشريعات الوطنية: تدعو الهيئة البرلمان اللبناني إلى الإسراع في إقرار تعديلات على قانون العقوبات وإقرار قانون جديد لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بما يتوافق مع نظام روما الأساسي، وضمان شمولية العقوبات للمسؤولية الجنائية للقادة والرؤساء عن أفعال مرؤوسيهم في سياق النزاع المسلح.

ثالثاً: توصيات موجهة إلى المجتمع الدولي والأمم المتحدة

  1. إنشاء آلية تحقيق دولية مستقلة: ندعو مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى إنشاء لجنة تحقيق دولية مستقلة (أو بعثة تقصي حقائق) بصلاحيات واسعة للتحقيق في كافة انتهاكات القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان في لبنان للفترة 2023-2026، وجمع الأدلة وحفظها لاستخدامها في الإجراءات القانونية المستقبلية.
  2. فرض عقوبات على منتهكي القانون الدولي: يجب على مجلس الأمن الدولي والدول الأعضاء اتخاذ إجراءات رادعة ضد الأفراد والكيانات الثابت تورطهم في إصدار أوامر بشن هجمات عشوائية ضد المدنيين، أو ممارسة التعذيب، أو التسبب في نزوح قسري واسع النطاق، بما في ذلك تجميد الأصول وحظر السفر.
  3. دعم حقوق الضحايا في التعويض والجبر: يجب على المجتمع الدولي المساهمة في إنشاء صندوق دولي لجبر الضرر، يهدف إلى تعويض الضحايا اللبنانيين المتضررين من تدمير البنى التحتية والممتلكات الخاصة، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي لضحايا العنف الجنسي والتعذيب المرتكب خلال النزاع.

رابعاً: توصيات بشأن الاحتلال والحقوق غير القابلة للاشتقاق

  1. إنهاء الاحتلال والالتزام بقانون الاحتلال: تطالب الهيئة القوات الإسرائيلية بالانسحاب الفوري من الأراضي اللبنانية التي تمت السيطرة عليها فعلياً بين 2023 و2026، والالتزام الكامل بمسؤوليات “القوة المحتلة” بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، بما في ذلك ضمان وصول المساعدات الإنسانية وصيانة النظام العام وحماية السكان المحليين.
  2. الحظر المطلق للتعذيب والاحتجاز التعسفي: يجب التوقف عن ممارسة أي شكل من أشكال التعذيب أو المعاملة المهينة ضد المحتجزين اللبنانيين، والكشف الفوري عن مصير كافة المخفيين قسرياً، وضمان حق جميع المحرومين من حريتهم في إجراءات قضائية تتفق مع معايير المحاكمة العادلة المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

الحواشي

[1] البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977، والبروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977؛ انضمام لبنان بتاريخ 7 تموز/يوليو 1991.

[2] النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، المادة 38(1)(ب)؛ اللجنة الدولية للصليب الأحمر، دراسة القانون الدولي الإنساني العرفي، 2005.

[3] النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، المادة 22 (مبدأ الشرعية)، التي تنصّ على أنه “لا يُسأل أي شخص جنائيًا بموجب هذا النظام الأساسي ما لم يكن السلوك المعني يُشكّل، وقت وقوعه، جريمة تدخل في اختصاص المحكمة”، ويُفسَّر تعريف الجريمة تفسيرًا ضيقًا؛ انظر أيضًا: Prosecutor v. Tadić، حيث أكدت المحكمة على ضرورة أن تكون القواعد الجنائية الدولية قائمة وواضحة وقت ارتكاب الفعل.

[4]  النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، المادة 38(1)، التي تحدّد مصادر القانون الدولي، بما في ذلك المعاهدات الدولية، والعرف الدولي، والمبادئ العامة للقانون، فضلًا عن الأحكام القضائية وآراء الفقهاء كوسائل مساعدة لتحديد القواعد القانونية.

[5] البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977، المادة 48؛ اللجنة الدولية للصليب الأحمر، القواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني، القاعدة 1 (مبدأ التمييز)، التي تُلزم أطراف النزاع بالتمييز في جميع الأوقات بين السكان المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية؛ انظر أيضًا: اللجنة الدولية للصليب الأحمر، القواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما القاعدة 1 بشأن مبدأ التمييز.

[6] محكمة العدل الدولية، الآثار القانونية الناشئة عن تشييد جدار في الأرض الفلسطينية المحتلة، رأي استشاري، 2004؛ اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، التعليق العام رقم 31 (2004)، شأن طبيعة الالتزامات القانونية العامة الواقعة على عاتق الدول الأطراف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

[7] محكمة العدل الدولية، مشروعية التهديد أو استعمال الأسلحة النووية،  الرأي الاستشاري الصادر في 8 تموز/يوليو 1996 الفقرة 106، حيث أكدت محكمة العدل الدولية أنه “في ما يتعلق بالعلاقة بين القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، […] قد تكون بعض الحقوق محصورة في أحد هذين الفرعين من القانون الدولي، بينما تكون حقوق أخرى مشتركة بينهما، ويكون من الضروري النظر إلى كلا الفرعين معًا”؛ وانظر أيضًا محكمة العدل الدولية، الآثار القانونية الناشئة عن تشييد جدار في الأرض الفلسطينية المحتلة، الرأي الاستشاري الصادر في 9 تموز/يوليو 2004.

[8] الاتفاقية (1) لتحسين حال الجرحى والمرضى بالقوات المسلحة في الميدان، (2) لتحسين حال جرحى ومرضى وغرقى القوات المسلحة في البحار، (3) بشأن معاملة أسرى الحرب، (4) بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب.

[9] البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 الملحق باتفاقيات جنيف لعام 1949، والمتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة الدولية.

[10] البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 الملحق باتفاقيات جنيف لعام 1949، والمتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية. المادة المشتركة 2، التي تنصّ على انطباق الاتفاقيات “في كافة حالات الحرب المعلنة أو أي نزاع مسلح آخر ينشأ بين اثنين أو أكثر من الأطراف المتعاقدة السامية، حتى ولو لم يعترف أحدها بحالة الحرب”، وكذلك على “جميع حالات الاحتلال الجزئي أو الكلي لأراضي طرف متعاقد، حتى ولو لم يواجه هذا الاحتلال مقاومة مسلحة”.

[11]القواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما القواعد المتعلقة بالاحتلال، التي تؤكد أن قيام حالة الاحتلال يرتبط بوجود سيطرة فعلية (effective control) تمارسها قوة أجنبية على إقليم دولة أخرى، في غياب موافقتها؛ انظر: محكمة العدل الدولية، الآثار القانونية الناشئة عن تشييد جدار في الأرض الفلسطينية المحتلة، رأي استشاري، 9 تموز/يوليو 2004، حيث أكدت المحكمة أن انطباق قواعد الاحتلال يقوم على معيار السيطرة الفعلية على الإقليم، ولا يتوقف على وجود مقاومة مسلحة، وذلك اتساقًا مع المادة 42 من لائحة لاهاي لعام 1907 والمادة المشتركة 2 من اتفاقيات جنيف لعام 1949.

[12] المادة الأولى: “يسري هذا البروتوكول الذي يطور ويكمل المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف المبرمة في 12 آب/أغسطس 1949 دون أن يعدل الشروط الراهنة لتطبيقها على جميع النزاعات المسلحة التي لا تغطيها المادة الأولى من البروتوكول الإضافي إلى اتفاقيات جنيف لعام 1949، والمتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة الدولية (البروتوكول I)، والتي تجري على إقليم أحد الأطراف السامية المتعاقدة بين قواتها المسلحة وقوات مسلحة منشقة أو جماعات نظامية مسلحة أخرى تمارس تحت قيادة مسؤولة على جزء من إقليمه من السيطرة ما يمكنها من القيام بعمليات عسكرية متواصلة ومنسقة، وتستطيع تنفيذ هذا البروتوكول”.

[13] تعليقات اللجنة الدولية للصليب الأحمر على البروتوكولين الإضافيين لعام 1977 الملحقين باتفاقيات جنيف لعام 1949، الفقرة 1348. وفي قضية Prosecutor v. Tadić، أرست المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة معيارًا عامًا لتحديد وجود النزاع المسلح غير الدولي. وقد قضت المحكمة بأن هذا النوع من النزاعات يقوم عند توافر “عنف مسلح مطوّل بين السلطات الحكومية وجماعات مسلحة منظمة، أو بين مثل هذه الجماعات داخل دولة ما”. انظر: Prosecutor v. Tadić, Case No. IT-94-1, Decision on the Defence Motion for Interlocutory Appeal on Jurisdiction، 2 تشرين الأول/أكتوبر 1995، الفقرة 70.

[14] انظر حول المعايير الموضوعية لتعريف النزاع المسلح واستمرارية الحماية: اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC)، How is the Term “Armed Conflict” Defined in International Humanitarian Law?، ورقة فنية، آذار/مارس 2008، ص 1-3، متاح على الرابط: https://bit.ly/3xXyZ (تاريخ آخر زيارة: 12 نيسان/أبريل 2026). ويراجع أيضاً: حكم المحكمة العليا الإسرائيلية بصفتها محكمة عدل عليا، قضية Public Committee Against Torture in Israel v. Government of Israel (Targeted Killings Case)، HCJ 769/02، الفقرة 18 (14 ديسمبر 2006)؛ وكذلك: Jean-Marie Henckaerts & Louise Doswald-Beck, Customary International Humanitarian Law, Volume I: Rules, Cambridge University Press (2005), Rule 156, pp. 568-603 (تأكيد انطباق المسؤولية الجنائية الفردية على الانتهاكات الجسيمة في النزاعات المسلحة غير الدولية العابرة للحدود).

[15] محكمة العدل الدولية، الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا وضدها (نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة الأمريكية)، الحكم في الأسس الموضوعية، 27 حزيران/يونيو 1986، تقارير محكمة العدل الدولية 1986، الفقرة 219، حيث ميّزت المحكمة بين الطابع غير الدولي للنزاع بين قوات الكونتراس وحكومة نيكاراغوا، والطابع الدولي للأعمال المنسوبة إلى الولايات المتحدة داخل إقليم نيكاراغوا وضدها؛ وانظر كذلك المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، المدعي العام ضد تاديتش، قضية رقم IT-94-1، حكم الاستئناف، 15 تموز/يوليو 1999، الفقرات 84 وما يليها، التي أكدت إمكانية تزامن نزاعات مسلحة دولية وغير دولية ضمن السياق نفسه تبعًا لطبيعة الأطراف والعلاقات القانونية القائمة بينها، وهو ما يُكرّس مبدأ التكييف المتعدد للنزاعات المسلحة وفقًا للمعايير الموضوعية في القانون الدولي الإنساني.

[16] المادة 6 (الفقرة 2) من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين (75 U.N.T.S. 287). ويُفسر معيار “انتهاء الأعمال الحربية بوجه عام” وفقاً للاجتهاد القضائي الدولي بأنه يتحقق عند التوقف الفعلي للأعمال القتالية دون اشتراط وجود معاهدة سلام، بشرط ألا يكون التوقف مجرد هدنة تكتيكية؛ انظر في هذا السياق: Prosecutor v. Tadić, Case No. IT-94-1-AR72, Decision on the Defence Motion for Interlocutory Appeal on Jurisdiction, ¶ 70 (Oct. 2, 1995).

[17] المادة 2 (الفقرة 2) من البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 (1125 U.N.T.S. 609). يكرس هذا النص مبدأ “الحماية الممتدة”، حيث يستمر نفاذ القانون الدولي الإنساني حتى بعد انتهاء النزاع للأشخاص المحرومين من حريتهم لأسباب تتعلق بالنزاع؛ وانظر أيضاً في تأكيد هذا المبدأ: المادة 3 (ب) من البروتوكول الإضافي الأول (1125 U.N.T.S. 3)، والتي تنص على استمرار الحماية حتى “الإفراج النهائي أو العودة إلى الوطن”.

[18] قضية المدعي العام ضد تاديتش (Prosecutor v. Tadić)، رقم IT-94-1-AR72، قرار بشأن طعن الدفاع المتعلق بالاختصاص، الفقرة 70 (المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، 2 أكتوبر 1995). ويؤكد هذا الحكم على أن استمرار انطباق القانون الدولي الإنساني ليس رهناً بالاشتباكات العسكرية فحسب، بل يمتد ليشمل كافة التداعيات الناجمة عن النزاع.

[19] انظر في تكريس مبدأ استمرار الحماية القانونية للمشمولين بها حتى التحرر النهائي أو العودة إلى الوطن أو انتهاء النزاع: المادة (5) من اتفاقية جنيف الثالثة بشأن معاملة أسرى الحرب (75 U.N.T.S. 135، 12 آب/أغسطس 1949)؛ والمادة (6)، الفقرة (4) من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين (75 U.N.T.S. 287، 12 آب/أغسطس 1949)؛ والمادة (3/ب) من البروتوكول الإضافي الأول المتعلق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة الدولية (1125 U.N.T.S. 3، 8 حزيران/يونيو 1977)؛ والمادة (2)، الفقرة (2) من البروتوكول الإضافي الثاني المتعلق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية (1125 U.N.T.S. 609، 8 حزيران/يونيو 1977).

[20] انظر في تكريس مبدأ الفصل الصارم بين القانونين: قضية المدعي العام ضد تاديتش (Prosecutor v. Tadić)، رقم IT-94-1-AR72، قرار بشأن طعن الدفاع المتعلق بالاختصاص، الفقرة 70 (المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، 2 أكتوبر 1995). وانظر أيضاً: ديباجة البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 الملحق باتفاقيات جنيف (1125 U.N.T.S. 3)، التي تنص على وجوب تطبيق أحكام القانون الدولي الإنساني دون تمييز يقوم على طبيعة النزاع المسلح أو أهدافه.

[21] حول اتساع نطاق تطبيق القواعد العرفية في النزاعات المسلحة، يراجع: جان ماري هينكرتز، دراسة حول القانون الدولي الإنساني العرفي: مساهمة في فهم واحترام سيادة القانون في المنازعات المسلحة، المجلة الدولية للصليب الأحمر، العدد 857 (2005)؛ حيث خلصت الدراسة التي أجرتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC) إلى تحديد 161 قاعدة عرفية، أثبتت أن 159 قاعدة منها تنطبق على النزاعات المسلحة الدولية (IAC)، بينما يمتد جزء جوهري منها ليشمل النزاعات غير الدولية (NIAC)، مما يقلص الفجوة القانونية بين نوعي النزاع.

[22]  للاطلاع على القائمة الكاملة والمحدثة لحالات التصديق والانضمام لاتفاقيات القانون الدولي الإنساني والمعاهدات ذات الصلة، راجع قاعدة بيانات اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC) عبر الرابط التالي: IHL and other related Treaties – Ratification Status (XLSX) (تاريخ الاطلاع: 12 أبريل 2026).

[23]  هذا المبدأ يعد حجر الزاوية في إدارة العمليات العدائية؛ حيث تنص المادة 35 (الفقرة الأولى) من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 على أن: “حق أطراف أي نزاع مسلح في اختيار أساليب ووسائل القتال ليس حقاً لا يقيد”. كما أكدت محكمة العدل الدولية هذا المبدأ في رأيها الاستشاري بشأن “مشروعية التهديد بالأسلحة النووية أو استخدامها” لعام 1996. راجع نص المادة 35 من البروتوكول الإضافي الأول: عبر قاعدة بيانات اللجنة الدولية للصليب الأحمر https://ihl-databases.icrc.org/en/ihl-treaties/api-1977/article-35. القاعدة رقم 70 من القانون الدولي الإنساني العرفي: المتعلقة بالأسلحة التي تسبب آلاماً لا مبرر لها: https://ihl-databases.icrc.org/en/customary-ihl/v1/rule70 . الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية (ICJ): الفقرة 78 التي تتناول القيود على وسائل القتال: https://www.icj-cij.org/en/case/95

[24]  حول تعريف “المقاتل”، انظر المادة 4 (أ) الفقرات (1، 2، 3، 6) من اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949، والمادتين 43 و44 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977. أما “المدنيون” فهم كل الأشخاص الذين لا ينتمون إلى القوات المسلحة أو لا يعتبرون مقاتلين وفقاً للتعاريف المذكورة؛ انظر المادة 50 من البروتوكول الإضافي الأول. راجع أيضاً القاعدة رقم (1) من دراسة القانون الدولي الإنساني العرفي: https://ihl-databases.icrc.org/en/customary-ihl/v1/rule1

[25] انظر المادة 51 (الفقرة 3) من البروتوكول الإضافي الأول، والمادة 13 (الفقرة 3) من البروتوكول الإضافي الثاني. للمزيد حول مفهوم “المشاركة المباشرة”، راجع “دليل تفسير مفهوم المشاركة المباشرة في الأعمال العدائية” الصادر عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر: https://www.google.com/search?q=https://www.icrc.org/en/publication/0990-interpretive-guidance-direct-participation-hostilities-under-international

[26] المرجع الأدق لتعريف الأعيان العسكرية وحماية الأعيان المدنية هو المادة 52 (الفقرتان 2 و3) من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977. راجع النص الكامل للمادة: https://ihl-databases.icrc.org/en/ihl-treaties/api-1977/article-52

[27] يستند هذا التعريف بدقة إلى المادة 51، الفقرة 4، من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977. كما تُعد هذه القواعد جزءاً من القانون الدولي الإنساني العرفي المنطبق في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية؛ راجع القاعدة رقم 11 والقاعدة رقم 12 من دراسة القانون الدولي الإنساني العرفي: https://ihl-databases.icrc.org/en/customary-ihl/v1/rule12

[28]  يُعرف هذا النوع بحظر “القصف البساطي” أو المساحي، وهو منصوص عليه في المادة 51، الفقرة 5 (أ)، من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977. راجع نص المادة عبر قاعدة بيانات اللجنة الدولية للصليب الأحمر: https://ihl-databases.icrc.org/en/ihl-treaties/api-1977/article-51

[29]  يُعرف هذا بمبدأ التناسب (Principle of Proportionality)، وهو منصوص عليه في المادة 51، الفقرة 5 (ب) من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، ويُعد قاعدة عرفية ملزمة؛ راجع القاعدة رقم 14 من دراسة القانون الدولي الإنساني العرفي: https://ihl-databases.icrc.org/en/customary-ihl/v1/rule14

[30] حول معيار التقييم القائم على المعلومات المتاحة للقائد وقت الهجوم (The “Rendulic Rule” logic)، راجع التعليق الرسمي للجنة الدولية للصليب الأحمر على البروتوكول الأول، الفقرة 2204 وما يليها.

[31]  انظر المادة 57 من البروتوكول الإضافي الأول (الاحتياطات أثناء الهجوم). وللاطلاع على القواعد العرفية المقابلة التي تُلزم باتخاذ كافة الاحتياطات الممكنة والتحقق من الأهداف والتحذير، راجع القواعد من 15 إلى 21 من دراسة القانون الدولي الإنساني العرفي: https://www.google.com/search?q=https://ihl-databases.icrc.org/en/customary-ihl/v1/rules15-21

[32] تُعد هذه الضمانات جزءاً من “النواة الصلبة” للقانون الدولي الإنساني، وهي مكرسة في المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع، والمادة 75 من البروتوكول الإضافي الأول، والمادتين 4 و5 من البروتوكول الإضافي الثاني. كما تُفصل القواعد من 87 إلى 105 من دراسة القانون العرفي هذه الحماية: https://ihl-databases.icrc.org/en/customary-ihl/v1/intofugu

[33] تجدر الإشارة إلى أن تعريفات جرائم الحرب الواردة في المادة (8) من نظام روما الأساسي تعكس إلى حد كبير الأفعال المحظورة المذكورة في هذه القائمة. راجع نص المادة 8 من نظام روما الأساسي: https://www.icc-cpi.int/sites/default/files/RS-Eng.pdf

[34] أنظر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اعتمد وعرض للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2200 ألف (د-21) المؤرخ في 16 كانون الأول/ديسمبر 1966، (999 .U.N.T.S. 171)، المادة 4 (1)؛ دخل حيز النفاذ في 23 آذار/مارس 1976. (تتناول هذه المادة شروط التحلل من الالتزامات في حالات الطوارئ الاستثنائية والحقوق غير القابلة للاشتقاق).

[35] أكدت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة على أن “الدولة الطرف ملزمة باحترام وضمان الحقوق المقررة في العهد لكل شخص يخضع لولايتها أو لسيطرتها الفعلية، حتى وإن لم يكن متواجداً ضمن إقليمها الوطني”. انظر: لجنة حقوق الإنسان، التعليق العام رقم 31، “طبيعة الالتزام القانوني العام المفروض على الدول الأطراف في العهد”، الدورة الثمانون (2004)، الوثيقة رقم (CCPR/C/21/Rev.1/Add.13)، الفقرة 10.

[36] انظر على سبيل المثال: محكمة العدل الدولية، النتائج القانونية لإقامة جدار في الأرض الفلسطينية المحتلة (رأي استشاري)، تقارير محكمة العدل الدولية 2004، ص. 136، الفقرات 111-113. تؤكد المحكمة هنا مبدأ “الولاية خارج الحدود الإقليمية”، حيث قررت أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ينطبق على الأفعال التي ترتكبها الدولة في ممارسة اختصاصها خارج إقليمها الخاص، لا سيما في الأراضي المحتلة التي تمارس عليها الدولة سيطرة فعلية.

[37] ​​أنظر المادة (8) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، المعتمد في روما في 17 تموز/يوليو 1998، والنافذ منذ 1 تموز/يوليو 2002، مجموعة معاهدات الأمم المتحدة، المجلد 2187، ص 3. (تتناول هذه المادة بالتفصيل تعريف جرائم الحرب والأركان المادية والمعنوية المكونة لها في إطار النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية).

[38] حول التطور المفاهيمي للعلاقة بالنزاع المسلح (Nexus) والتمايز الدقيق بين الأعمال الاضطهادية والأفعال اللاإنسانية الأخرى، وكذا اشتراطات السياسة العامة في الجرائم ضد الإنسانية؛ راجع:

Phyllis Hwang, “Defining Crimes Against Humanity in the Rome Statute of the International Criminal Court,” Fordham International Law Journal, Vol. 22, Issue 2 (1998), pp. 457-504.

وانظر كذلك في تفصيل أركان جرائم الحرب ومصادرها التفسيرية: Knut Dörmann, Elements of War Crimes under the Rome Statute of the International Criminal Court: Sources and Commentary, International Committee of the Red Cross (ICRC), Cambridge University Press, 2003. متاح رقمياً عبر الموقع الرسمي للجنة الدولية للصليب الأحمر: http://www.icrc.org/eng/resources/documents/publication/po-521-81852-4.htm  (تاريخ الزيارة: [13 نيسان 2026])

[39] أنظر المادة 2 من الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري (2006). وتجدر الإشارة إلى أنه في حين وقع لبنان على هذه الاتفاقية في 6 شباط/فبراير 2007 دون المصادقة عليها حتى الآن، فإن إسرائيل لم تصادق عليها أيضاً. إن عدم المصادقة من قبل طرفي النزاع لا يعفي من الالتزام بحظر الاختفاء القسري؛ إذ يُعتبر هذا الحظر قاعدة قطعية في القانون الدولي العرفي (Customary International Law) تُلزم الدول كافة سواء كانت أطرافاً في الاتفاقية أم لا. وعلاوة على ذلك، فإن المادة 7(1)(ط) من نظام روما الأساسي تكرس هذا الحظر كجريمة ضد الإنسانية، كما أن اتفاقية جنيف الرابعة والبروتوكول الإضافي الأول (الذي يعكس في كثير من بنوده قواعد عرفية) يفرضان التزامات صارمة بشأن الكشف عن مصير المفقودين وحظر الاحتجاز السري في سياق النزاعات المسلحة، مما يجعل معايير المادة 2 مرجعاً تفسيرياً ملزماً لتوصيف الانتهاكات في النزاع المسلح بين إسرائيل وحزب الله.

[40] انظر: المادة (7) والمادة (8) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، المعتمد في 17 تموز/ يوليو 1998، والنافذ منذ 1 تموز/ يوليو 2002 (2187 .U.N.T.S. 90). تُصنف المادة 7(1)(ط) ‘الاختفاء القسري للأشخاص’ كجريمة ضد الإنسانية متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد سكان مدنيين. بينما تتناول المادة (8) جرائم الحرب، بما في ذلك الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف لعام 1949 التي تحظر الاحتجاز غير القانوني والحرمان من المحاكمة العادلة في سياق النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية.

[41] انظر: العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرارها 2200 ألف (د-21) المؤرخ في 16 كانون الأول/ ديسمبر 1966، ودخل حيز التنفيذ في 23 آذار/ مارس 1976.

[42] انظر: مدونة قواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين، اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرارها 34/169 المؤرخ في 17 كانون الأول/ ديسمبر 1979؛ والمبادئ الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين، اعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين، هافانا، 1990. (تُعد هذه الوثائق المرجع الدولي الأسمى لتحديد معايير ‘الضرورة’ و’التناسب’ في استخدام القوة. وبالرغم من طبيعتها كصكوك غير ملزمة تعاقدياً (Soft Law)، إلا أن الكثير من أحكامها اكتسب صفة القانون الدولي العرفي،

[43] انظر: المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، والتي تُمثل ‘اتفاقية مصغرة’ تحكم النزاعات المسلحة غير الدولية، وتوفر حماية أساسية للأشخاص الذين لا يشتركون مباشرة في الأعمال العدائية. وانظر أيضاً: البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 المكمل لاتفاقيات جنيف والمتعلق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية.

[44] انظر: تقرير مجلس حقوق الإنسان: ‘تقرير لجنة التحقيق الدولية الرفيعة المستوى المعنية بلبنان’، الوثيقة A/HRC/3/2، المؤرخة في 23 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006. (أُنشئت هذه اللجنة بموجب قرار مجلس حقوق الإنسان رقم S-2/1

[45] حول معيار السيطرة الفعلية (Effective Control Test)، انظر: المادة (42) من لائحة لاهاي المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية لعام 1907، والمادة (2) المشتركة من اتفاقيات جنيف لعام 1949. يُعتبر الإقليم محتلاً قانوناً عندما يوضع تحت السلطة الفعلية لجيش معادٍ

[46] حول طبيعة حظر التعذيب كقاعدة من القواعد الآمرة (Jus Cogens) التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها أو التحلل منها تحت أي ظرف، انظر: اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 كانون الأول/ ديسمبر 1984. وانظر كذلك: التعليق العام رقم 20 للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة (1992)، الذي يؤكد أن حظر التعذيب وسوء المعاملة يظل سارياً في جميع الأوقات، بما في ذلك حالات النزاع المسلح أو الطوارئ الوطنية.

[47] حول التفاصيل الدقيقة للأركان المكونة لكل جريمة، انظر: أركان الجرائم (Elements of Crimes)، الوثيقة الرسمية المعتمدة من قبل جمعية الدول الأطراف في نظام روما الأساسي، المادة 9 (جمعية الدول الأطراف، الدورة الأولى، نيويورك، 2002). (تُعد هذه الوثيقة الأداة التفسيرية الإلزامية للقضاة والمدعين العامين لتحديد ‘الركن المادي’ (Actus Reus) و’الركن المعنوي’ (Mens Rea) لكل جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية على حدة.


العنوان: نطاق المسؤولية والالتزامات الدولية في سياق النزاع المسلح في لبنان: دراسة تحليلية للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان

اعداد: بسام القنطار، مفوض العلاقات الدولية في الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب في لبنان. شغل سابقاً منصب محقق في بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق في ليبيا، كما عمل باحثاً لدى منظمة العفو الدولية.

الناشر: الجمهورية اللبنانية | الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب

الطبعة الأولى: 2026

الآراء الواردة في هذه الوثيقة تعبّر عن وجهات نظر الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب، ولا تعكس بالضرورة آراء أي من الجهات المذكورة في التقرير أو أي من الشركاء السابقين أو الحاليين.

بعض الحقوق محفوظة (CC)، الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب – لبنان، 2026. هذا المستند متاح بموجب رخصة المشاع الإبداعي: النسبة، غير تجاري، بدون مشتقات 4.0 الدولية (CC BY-NC-ND 4.0). يُحظر حظرًا تامًا إعادة إنتاج هذا الكتاب أو تخزينه في أي نظام لاسترجاع المعلومات أو نقله بأي شكل أو بأي وسيلة، سواء كانت إلكترونية أو ميكانيكية أو عبر النسخ الضوئي أو التسجيل أو غير ذلك، لأغراض تجارية، من دون الحصول على إذن خطي مسبق من الجهة الناشرة. لمزيد من المعلومات، يرجى زيارة صفحة حقوق النشر على موقع الهيئة: https://nhrclb.org/copyright
التراخيص: يجب توجيه طلبات الاستخدام التجاري أو طلبات الحصول على حقوق إضافية أو تراخيص إلى: info@nhrclb.org

العنوان: مبنى سرحال، الطابق الأول، جادة سامي الصلح، بيروت، لبنان | البريد الإلكتروني: info@nhrclb.org | الموقع الإلكتروني: https://nhrclb.org | الخط الساخن: 03923456| فيسبوك: https://www.facebook.com/nhrclb  | منصة إكس: https://x.com/nhrclb  | إنستغرام: https://www.instagram.com/nhrc_lb  | يوتيوب:  http://yt.nhrclb.org | فليكر:  https://www.flickr.com/photos/145354751@N08  | بلوسكاي: https://bsky.app/profile/nhrclb.bsky.social  | تمبلر: https://www.tumblr.com/nhrclb  | ماستودون:  https://mastodon.social/@nhrclb  | لينكدإن: https://www.linkedin.com/company/nhrclb  |ثريدز: https://www.threads.com/@nhrc_lb

 

تعمل الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب، على حماية حقوق الإنسان وتعزيزها في لبنان وفق المعايير الواردة في الدستور والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتفاقيات والمعاهدات الدولية والقوانين المتفقة مع هذه المعايير. وهي مؤسسة وطنية مستقلة منشأة بموجب القانون 62/ 2016، سنداً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة (مبادئ باريس) التي ترعى آليات إنشاء وعمل المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان. كما تتضمن آلية وقائية وطنية للتعذيب (لجنة الوقاية من التعذيب) عملاً بأحكام البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية او اللاانسانية او المهينة الذي انضم اليه لبنان بموجب القانون رقم 12/ 2008.

 

NHRCLB
NHRCLBhttps://nhrclb.org
مؤسسة وطنية مستقلة منشأة بموجب القانون 62/ 2016، تتضمن آلية وقائية وطنية للتعذيب (لجنة الوقاية من التعذيب) عملاً بأحكام القانون رقم 12/ 2008 (المصادقة على البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب). An independent national institution established under Law No. 62/2016, which includes a National Preventive Mechanism against torture (the Committee for the Prevention of Torture), in accordance with the provisions of Law No. 12/2008 (ratifying the Optional Protocol to the Convention against Torture). Une institution nationale indépendante établie en vertu de la loi n° 62/2016, qui comprend un mécanisme national de prévention de la torture (le Comité pour la prévention de la torture), conformément aux dispositions de la loi n° 12/2008 (ratifiant le Protocole facultatif se rapportant à la Convention contre la torture).