spot_img
spot_img

منشورات أخرى

اللائحة الدولية للممتلكات الثقافية الخاضعة للحماية المعزّزة: الموقع الأثري في أفقة

الاسم والتعريف:يُعدّ الموقع الأثري في أفقة نبعًا مقدّسًا قديمًا...

التضليل الإعلامي والتزوير بالذكاء الاصطناعي وانتهاكات القانون الدولي الإنساني في العصر الرقمي

بقلم رولان أبي نجم – مستشار وخبير دولي في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والتحوّل الرقمي

في كل نزاع مسلح حديث، تُخاض حربان في آنٍ واحد. الأولى تُشنّ بالسلاح على الأرض. والثانية تُخاض بالخوارزميات والمنشورات الرقمية، وهي في أحيان كثيرة أكثر خطورة من الأولى، لأنها لا تستهدف الأرض بل تستهدف الحقيقة ذاتها. نحن نعيش في عصر باتت فيه مقطع مصوّر مزيّف ينتشر أسرع من أي تقرير موثّق، وخريطة بها اسم خاطئ قادرة على إشعال فتيل العنف، ويصنع فيه الذكاء الاصطناعي فظائع وهمية مقنعة في ثوانٍ معدودة، في متناول يد أي شخص يحمل هاتفاً ذكياً. هذه ليست تهديدات نظرية؛ إنها تودي بأرواح، وتهدم السمعات، وتُغيّر مسار الحروب، وتقوّض منهجياً مبدأ القانون الدولي الإنساني الجوهري: وجوب التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين المدني والمقاتل.

الخرائط سلاح: حين تكذب الجغرافيا

الخرائط لم تكن يوماً محايدة. مَن يتحكم في اسم مكانٍ ما يتحكم في رواية مَن ينتمي إليه، ومن يملك السيادة عليه،ومن هو المعتدي. وفي العصر الرقمي، اتخذت هذه المسألة أبعاداً جديدة من الخطورة. فاليوم تُنتَج الخرائط وتُعدَّل في الوقت الفعلي، وتعالج أقمار الاصطناعية الصور بالخوارزميات، وتتيح المنصات التشاركية لأي شخص تعديل قواعد البيانات الجغرافية، في حين تنتشر الخرائط المزوّرة في ضباب الحرب بسرعة المعلومات الاستخباراتية الحقيقية.

إن التغيير المتعمد لأسماء الأماكن، محو الأسماء الأصيلة وإحلال أسماء الاحتلال محلها، وإعادة تسمية القرى لطمس هويتها التاريخية، ليس مجرد رمزية. إنه شكل من أشكال العنف الثقافي الذي يجرّد المجتمعات من هويتها وحقوقها القانونية في أراضيها. ولا يقتصر الأمر على الأسماء؛ إذ رُصد تشويش منظّم لإشارات الملاحة العالمية GPS في مناطق نزاع متعددة، يُضلّل السفن والطائرات والقوافل الإنسانية. كما وُثّقت حالات تلاعب منسّق بمنصات الخرائط مفتوحة المصدر خلال النزاعات لحذف قرى وتعديل حدود إدارية وتغيير تسميات طرق. فضلاً عن ذلك، أتاحت أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية إنتاج صور أقمار اصطناعية مزيّفة شبه واقعية تُظهر بنى تحتية عسكرية غير موجودة أو مبانيَ مدمَّرة لم تُقصف قط

وبموجب القانون الدولي الإنساني، يُلزم مبدأ التمييز أطراف النزاع بالتفريق بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية. فإذا كانت الخرائط المزوّرة تُصوّر البنية التحتية المدنية كمنشآت عسكرية أو تُخفي منشآت عسكرية وسط التجمعات المدنية فهي تمسّ هذا الالتزام مسّاً مباشراً وتعرض الأرواح للخطر.

آلة الشائعات: لماذا يتوقف التفكير النقدي حين تبدأ القنابل

ثمة ظاهرة نفسية موثّقة تعمل في أوقات الأزمات: الحمل المعرفي المصحوب بالخوف يُفضي إلى تعليق شبه كامل للتفكير النقدي. حين يسود الخوف وتشحّ المعلومات الموثوقة، يغدو التحقق ترفاً لا يرى أكثر الناس في وسعهم تحمّله.والنتيجة كارثية: الشائعات تنتشر، والمزاعم غير الموثّقة تصبح فيروسية، ولقطات الشاشة المقتطعة من سياقها تتحول إلى أخبار عاجلة، ومقاطع مصوّرة تعود لسنوات في بلدان أخرى تُعاد تغليفها على أنها وقائع راهنة. وحين يصدر التصحيح، إن صدر، يصل إلى جزء ضئيل مما وصله الكذب.

ومن أكثر ما يبعث على القلق في المنظومة المعلوماتية الحديثة ظاهرة ديمقراطية الخبرة الزائفة. كل نزاع اليوم يُفجّر فيضاناً من المحللين الهواة والمعلّقين الجيوسياسيين الذين نصّبوا أنفسهم خبراء بلا تدريب ولا مصادر ولا محاسبة.يشرحون ديناميكيات ميادين قتال لم يدرسوها. ويفسّرون صور أقمار اصطناعية لا يمتلكون مفردتها التقنية ويُصدرون أحكاماً واثقة بشأن التزامات القانون الدولي الإنساني لم يصادفوها قط. هذه ليست مجرد إزعاج، ففي نزاع يمكن فيه لخطأ في تحديد وحدة عسكرية أو موقع ضربة أن يُفضي إلى ضربات انتقامية أو أزمات دبلوماسية يُشكّل تكاثر التعليقات غير المؤهلة خطراً حقيقياً.

والمشكلة بنيوية في جوهرها. منصات التواصل الاجتماعي تكافئ التفاعل لا الدقة. ادّعاء جريء ومثير من حساب مجهول يُدرّ تفاعلاً أكبر من تصريح حذر لخبير موثّق. الخوارزمية لا تميّز بين محلل نزاعات متمرس وشخص شاهد بضعة مقاطع على الإنترنت. وتتبع الشائعة في زمن الحرب نمطاً ثابتاً: تُنشر أولاً من مصدر مجهول أو حساب ببيانات مزيّفة، ثم يُضخّمها متابعون بتعليقات دون تحقق، ثم تلتقطها وسائل إعلام تقليدية تحت وطأة التنافس على السبق، فيصبح الادّعاء مرجعاً يُستشهد به ساسةٌ ومعلقون وبيانات رسمية، ويصدر التصحيح متأخراً ليصل إلى القلة. القانون الدولي الإنساني لا يوفّر بعدُ إطاراً متكاملاً للحرب المعلوماتية الرقمية، لكن مبدأ توخي الحيطة المعقولة قبل أي هجوم والتثبت من موثوقية المعلومات يمتد ضمنياً إلى البيئة المعلوماتية. وإلى جانب البُعد القانوني، ثمة التزام أخلاقي ومدني لا يقلّ أهمية: إذا لم تكن متأكداً من صحة ما تقرأ، فلا تشاركه. في الحرب، الشائعة تقتل.

أزمة التزوير العميق: حين يكذب ما نرى

طوال تاريخ البشرية، كان المرئي مرادفاً للحقيقة. الصور كانت أدلة، ولقطات الفيديو كانت إثباتاً. أما اليوم فقد انتهى هذا الافتراض. أنتج الذكاء الاصطناعي التوليدي ما بات يُعرف بالتزوير العميق Deepfake وهو محتوى اصطناعي لا يميّزه عن الحقيقي حتى خبراء مدرّبون. يمكن اليوم استبدال الوجوه على الأجساد بتوافق تام في حركة الشفاه، واستنساخ الأصوات من ثلاث ثوانٍ من التسجيل، واختلاق مشاهد بأكملها من نص مكتوب. والأخطر أن الأدوات اللازمة لكل هذا لم تعد حكراً على دول أو أجهزة متطورة؛ إنها مجانية، عامة، في متناول كل من يملك هاتفاً ذكياً واتصالاً بالإنترنت

هذا ما يجعل الأزمة استثنائية. قبل سنوات قليلة، كان إنتاج محتوى تزوير عميق مقنع يستلزم استوديو وبرمجيات مكلفة وخبرة متخصصة. اليوم يُنجز هذا في دقائق بحاسوب شخصي. وقد تهاوى الحاجز التكنولوجي بشكل يفتح الباب أمام جهات فاعلة من غير الدول وأطراف محدودة الموارد على حدٍّ سواء. وفي سياق النزاعات المسلحة تتعدد أوجه الخطر: يمكن للذكاء الاصطناعي توليد صور ومقاطع شبه واقعية لمجازر أو هجمات كيميائية أو ضحايا مدنيين لم تقع قط، مصممة لإثارة إدانة دولية أو ضربات انتقامية استناداً إلى أحداث ملفّقة. ويمكنه وضع كلمات في أفواه قادة وسياسيين أوامر استسلام لم تُصدر، أو هدنات لم تُعقد، أو خطابات تحريض مزيّفة. وبالقدر ذاته من الخطورة، يوفّر هذا التزوير سلاحاً لمن يسعون إلى رفض الأدلة الحقيقية على انتهاكات القانون الدولي الإنساني بوصفها من صنع الذكاء الاصطناعي، مانحاً غطاءً من الإنكار يُعطّل آليات المساءلة.

وتتفاقم المسألة بسبب ما يمكن تسميته فجوة الكشف. أدوات الكشف عن التزوير العميق موجودة، وتحلل أنماط البيكسل وبيانات الضغط والمؤشرات الحيوية، لكنها تتخلف عن قدرات الإنتاج وتستلزم خبرة لا تمتلكها معظم المؤسسات الإعلامية. فضلاً عن أن التحدي ليس تقنياً بحتاً؛ ففي خضم نزاع حين يظهر مقطع يبدو أنه يُظهر فظيعة، يكون الضغط للتفاعل الفوري هائلاً، ولا يتوافق التأخر الضروري للتحليل الجنائي مع سرعة دورة الأخبار في وسائل التواصل. والنتيجة أن حتى الخبراء متخصصي الجنائيات الرقمية، ومحللي الاستخبارات باتوا عاجزين أحياناً عن التمييز الموثوق بين الاصطناعي والحقيقي. هذه ليست مخاطرة مستقبلية؛ إنها الواقع القائم الآن

تمتد هذه الأزمة لتطال أسس القانون الدولي الإنساني ذاتها. فالتحقيقات الدولية في انتهاكات القانون الإنساني سواء من المفوضية الدولية للصليب الأحمر أو المقررين الخاصين للأمم المتحدة أو المحاكم الدولية تعتمد جوهرياً على مصداقية الأدلة. وإذا أصبحت الصور والمقاطع المصوّرة لا يمكن افتراض صحتها، فإن منظومة توثيق الانتهاكات بأسرها تدخل في دائرة الشك، وسيطعن المتهمون في كل دليل مرئي بوصفه محتملاً أن يكون مزوّراً، وسيغدو السجل التاريخي للنزاعات الذي يخدم الذاكرة الإنسانية قبل أن يخدم المحاكمات ملطّخاً بالريبة بصورة دائمة.

ما الذي يجب فعله؟

لا يكفي رصد الأزمة دون استيعاب ما تستوجبه من استجابة. على مستوى الأطر القانونية، تحتاج اتفاقيات القانون الدولي الإنساني إلى تحديث صريح يعالج حرب المعلومات والمحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي والتلاعب بالخرائط الرقمية. ويجب أن تُصنَّف حملات التضليل المتعمدة خلال النزاعات المسلحة حين تفضي بشكل متوقع إلى انتهاكات ضرباً من الحرب غير المشروعة. كما يجب تجريم التزوير العميق المستخدم لتلفيق أدلة الفظائع أو إنكار الانتهاكات الحقيقية أو التحريض على العنف، مع فرض متطلبات إفصاح إلزامية للمحتوى الاصطناعي على المنصات الرقمية

على مستوى المنصات الرقمية، لا تستطيع شركات التواصل الاجتماعي ومنصات الخرائط الاستمرار في التعامل مع نفسها كبنية تحتية محايدة خلال النزاعات. يجب أن تعتمد أدوات كشف فوري عن المحتوى الاصطناعي مع وسم إلزامي، وأن تُنشئ بروتوكولات طارئة للتعاون مع مدقّقي الحقائق المعتمدين ومنظمات العمل الإنساني، وأن تطبّق معايير صارمة على تعديلات الخرائط في مناطق النزاع. وعلى الصعيد الإعلامي، على المؤسسات الصحفية أن تعود إلى معايير التحقق الجوهرية التي يجب أن تسبق أي نشر لمحتوى قادم من مناطق الحرب، وأن تُرسّخ شراكات مع متخصصي الجنائيات الرقمية. وفي المحصلة، لا يعوّل على الحلول المؤسسية وحدها. المنظومة المعلوماتية تتألف من مليارات القرارات الفردية. كل شخص يشارك ادعاءً غير موثّق، أو يُعيد نشر تزوير عميق دون تمحيص، يُسهم في تآكل الحقيقة. والأداة الأقوى ضد التضليل هي لحظة توقف واحدة قبل الضغط على زر المشاركة.

الحقيقة قيمة تستحق الحماية

بُني القانون الدولي الإنساني على تمييزات جوهرية: بين المقاتلين والمدنيين، وبين الأهداف العسكرية والمواقع المحمية، وبين الحرب المشروعة والسلوك المحظور. وتعتمد كل واحدة من هذه التمييزات على توافر معلومات دقيقة. والتهديد الثلاثي الذي تناولناه التلاعب بالخرائط والتضليل الفيروسي والتزوير العميق بالذكاء الاصطناعي لا يُعقّد البيئة المعلوماتية وحسب، بل يُهدد إمكانية هذه التمييزات ذاتها. حين تكذب الخرائط، وتنتشر الشائعات أسرع من الحقائق، ويغدو الاصطناعي لا يُميَّز من الحقيقي، تتداعى الأسس التي يقوم عليها هذا القانون

هذا ليس دعوة للتشاؤم، بل هو نداء للإلحاح. تضطلع الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في لبنان والمؤسسات المماثلة بدور محوري: توثيق الانتهاكات، وتحدي الروايات الكاذبة، والمطالبة بالمساءلة، والإصرار على أن الحقيقة تبقى قيمة تستحق الحماية. لأنه حين نفقد قبضتنا على ما هو واقعي، لا نخسر دورة أخبار فحسب بل نخسر القدرة على محاسبة السلطة. وحين تكون السلطة غير خاضعة للمساءلة في زمن الحرب، يدفع المدنيون الثمن

 

 

هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية)

NHRCLB
NHRCLBhttps://nhrclb.org
مؤسسة وطنية مستقلة منشأة بموجب القانون 62/ 2016، تتضمن آلية وقائية وطنية للتعذيب (لجنة الوقاية من التعذيب) عملاً بأحكام القانون رقم 12/ 2008 (المصادقة على البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب). An independent national institution established under Law No. 62/2016, which includes a National Preventive Mechanism against torture (the Committee for the Prevention of Torture), in accordance with the provisions of Law No. 12/2008 (ratifying the Optional Protocol to the Convention against Torture). Une institution nationale indépendante établie en vertu de la loi n° 62/2016, qui comprend un mécanisme national de prévention de la torture (le Comité pour la prévention de la torture), conformément aux dispositions de la loi n° 12/2008 (ratifiant le Protocole facultatif se rapportant à la Convention contre la torture).