أعلنت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في لبنان، إصدار رأي قانوني مفصل حول قرار مجلس الوزراء رقم 16/2026 المتعلق بمنح تراخيص واستثمار مقالع شركات الإسمنت، وذلك عملاً بالصلاحيات الممنوحة لها بموجب القانون رقم 62/2016، ولا سيما المادة 15 التي تخوّلها إبداء الرأي في السياسات والقرارات العامة التي تمسّ حقوق الإنسان. ويأتي هذا الرأي في ضوء ما رصدته الهيئة من مخالفات قانونية وإدارية ودستورية جسيمة، وما خلصت إليه من أن القرار يشكّل انتهاكاً مباشراً للحق في التمتع ببيئة سليمة، ويهدد أسس دولة القانون والحوكمة الرشيدة.
في مضمون القرار وسياقه
أوضحت الهيئة أن القرار رقم 16/2026 صدر تحت ذريعة معالجة التوقف الكامل لقطاع مقالع الإسمنت منذ مطلع عام 2025، حيث أقرّ جملة من الإجراءات الرامية إلى إعادة تشغيل المقالع، أبرزها استحداث ما سمّي بـ “السنة التشغيلية الأولى”، وفرض مهلة زمنية على البلديات لإبداء الرأي، وتكليف المجلس الوطني للمقالع تسهيل منح التراخيص. إلا أن الهيئة اعتبرت أن هذا التوجه، رغم تغليفه بأهداف اقتصادية، ينطوي على إعادة تفعيل نشاطات استخراجية خارج الأطر القانونية السليمة، ودون استيفاء الشروط البيئية الملزمة.
مخالفة صريحة للمراسيم والأنظمة النافذة
فنّد الرأي القانوني مخالفة القرار للمراسيم التنظيمية الأساسية، لا سيما المرسوم رقم 8803/2002 والمرسوم رقم 2366/2009، من خلال السماح باستثمار مقالع خارج الخرائط الرسمية، ومن دون اتباع الآليات القانونية لتعديلها. كما أشار إلى أن القرار تجاهل رأي وزارة البيئة، وتعارض مع قرارات حكومية سابقة تمنع منح التراخيص قبل تسديد المستحقات المالية والبيئية، ما يشكّل هدراً للمال العام وإخلالاً بمبدأ المشروعية.
عيب عدم الاختصاص واغتصاب السلطة
أكدت الهيئة أن القرار يشكّل تجاوزاً خطيراً لصلاحيات مجلس الوزراء، حيث تدخل في اختصاصات فنية محصورة بالمجلس الأعلى للمقالع والكسارات والسلطات المحلية المختصة. وبيّنت أن هذا التدخل يرقى إلى مستوى “اغتصاب السلطة”، لكونه يفرض على الجهات الفنية قرارات مسبقة، ويقوّض استقلاليتها، ويحوّل دورها من رقابي تقني إلى إجراء شكلي.
انتهاك مبدأ تدرّج القواعد القانونية
شددت الهيئة على أن القرار ينتهك مبدأ هرمية القواعد القانونية، إذ لا يجوز لقرار إداري أن يعدّل أو يعطّل مراسيم تنظيمية نافذة. واعتبرت أن استحداث مفهوم “السنة التشغيلية الأولى” يمثّل تشريعاً مستتراً يهدف إلى الالتفاف على الشروط القانونية، لا سيما إجراء تقييم الأثر البيئي، ما يفقد القرار أي أساس قانوني سليم.
تعطيل الرقابة القضائية وفرض الأمر الواقع
أوضحت الهيئة أن القرار يعتمد سياسة فرض الأمر الواقع، من خلال تنفيذ مضمون تعديلات قانونية قبل إقرارها رسمياً، ما يؤدي إلى تعطيل الرقابة المسبقة لمجلس شورى الدولة. وأكدت أن هذا النهج يحرم المتضررين من حقهم في الطعن الفعّال، ويقوّض مبدأ الوصول إلى العدالة، خصوصاً في ظل الأضرار البيئية التي قد تصبح غير قابلة للإصلاح.
انتهاك حقوق المجتمعات المحلية
اعتبرت الهيئة أن القرار يشكّل اعتداءً مباشراً على صلاحيات البلديات، من خلال فرض مهلة تعسفية لا تتجاوز أسبوعين لإبداء الرأي، واعتبار الصمت موافقة ضمنية. وأشارت إلى أن هذا الإجراء يفرغ مبدأ اللامركزية الإدارية من مضمونه، ويقوّض حق المجتمعات المحلية في المشاركة في اتخاذ القرار البيئي، بما يخالف المعايير الدولية.
تكريس الإفلات من العقاب البيئي
لفتت الهيئة إلى أن القرار يمنح غطاءً قانونياً لأنشطة استخراجية غير مشروعة، بدلاً من مساءلة الشركات المخالفة، ما يكرّس ثقافة الإفلات من العقاب. كما شددت على أن هذا التوجه يتعارض مع مبدأ “الملوث يدفع”، ويؤدي إلى تحميل المجتمع كلفة الأضرار البيئية والصحية، في ظل غياب أي ضمانات فعلية لإعادة التأهيل.
انتهاك الحق في بيئة سليمة والالتزامات الدولية
أكدت الهيئة أن القرار يشكّل انتهاكاً للحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة، كما يعرّض لبنان لمخالفة التزاماته الدولية، لا سيما بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وأوضحت أن السماح بأنشطة ملوثة دون تقييم بيئي شفاف يشكّل تهديداً مباشراً للصحة العامة والتنوع البيولوجي، ويقوّض حقوق الأجيال القادمة.
خلاصة وتوصيات
خلصت الهيئة إلى أن القرار رقم 16/2026 مشوب بعيوب قانونية جسيمة تجعله عرضة للإبطال، ودعت إلى التراجع الفوري عن القرار لعدم مشروعيته، واحترام الأطر القانونية والمراسيم التنظيمية النافذة، وتمكين وزارة البيئة من أداء دورها الرقابي الكامل، وضمان مشاركة المجتمعات المحلية في اتخاذ القرار، ومساءلة الشركات المخالفة وتطبيق القوانين البيئية، واعتماد سياسات تنموية تراعي العدالة البيئية والإنماء المتوازن. وأكدت الهيئة في ختام بيانها أن حماية البيئة تمثل التزاماً دستورياً وحقوقياً لا يجوز التهاون به، وأن أي قرار يتعارض مع هذا الحق يشكّل تهديداً مباشراً لصحة المواطنين وكرامتهم، ولأسس الدولة القائمة على سيادة القانون.

